النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
(١٣) - بَابُ حُجَّةٍ مَنْ قَالَ: لَا يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ - حديث رقم (٨٩٧)
قال النوويّ تَخْلُهُ بعد كلام الغسّانيّ هذا، ما نصّه: والمقصود أنه عَطَف
قوله: ((وعن قتادة)) على قوله: ((عن عبدة))، وإنما فعل مسلم هذا؛ لأنه سمعه
هكذا، فأدّاه كما سمعه، ومقصوده الثاني المتصل، دون الأول المرسل، ولهذا
نظائر كثيرة في ((صحيح مسلم)) وغيره، ولا إنكار في هذا كلّه. انتهى كلام
النوويّ كَّهُ(١) .
وقال القاضي عياض ◌َخّْتُهُ: أتقن الحافظ أبو عليّ فيما ذكره هنا، ولفظه: في
كتاب مسلم بعد قوله في الحديث من قول عمر: ((ولا إله غيرك)): ((وعن قتادة أنه
كتب إليه يُخبره عن أنس أنه حدّثه ... )) الحديث، فعطف قوله: ((وعن قتادة)) على
قوله في المسند الأول: ((حدّثنا الأوزاعيّ، عن عبدة))، فلما أكمل ذلك الحديث
المرسل، قال: ((وعن قتادة) يعني أن الأوزاعيّ الذي قال أوّلاً: ((عن عبدة)) قال
أيضاً: ((وعن قتادة))، فجاء به كالحديث الواحد كما سمعه ابن مهران من الوليد،
ولم يَفصِله مما قبله، والمراد هذا الآخر، مع ما في الأول من التنبيه على مذهب
من رأى ذلك، وإن كان مرسلاً موقوفاً، فليس على مسلم فيه دَرْءٌ؛ إذ هو بعض
حديثٍ شرطُهُ في باقيه، فأكمل بعض الفائدة بذكره على نصّه دون تعقّب عليه، ثم
جاء بعد ذلك أيضاً بحديث الأوزاعيّ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن
أنس مثله. انتهى كلام القاضي دَّثُ(٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(كَانَ يَجْهَرُ) أي للتعليم، ففيه أن للإمام أن يجهر بمثل هذا إذا أراد
التعليم (بِهَؤُلَاءِ) اسم إشارة للجمع، مطلقاً مذكّراً أو مؤنّئاً، للعقلاء وغيرهم،
ومن غيرهم ما هنا؛ لأنه إشارة إلى ((الكلمات))، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنَّهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله [من الكامل]:
وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأَيَّامِ
ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللَّوَا
وفيه لغاتٌ: المدّ، وهي لغة أهل الحجاز، وبه جاء القرآن الكريم، وهو
مبنيّ على الكسر، والقصر، وهي لغة بني تميم(٣)، وقوله: (الْكَلِمَاتِ) نعتٌ،
أو بدل، أو عطف بيان لـ((هؤلاء))، كما قال بعضهم:
(١) ((شرح النوويّ)) ١١١/٤ - ١١٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢٨٩/٢.
(٣) راجع: ((شرح ابن عقيل على الخلاصة)) مع ((حاشية الخضريّ)) ٩١/١ - ٩٢.

٣٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بِـ((أَلْ)) يُعْرَبُ نَعْتاً أَوْ بَيَاناً أَوْ بَدَلْ
ثم بيّن المشار إليه بقوله: (يَقُولُ: ((سُبْحَانَكَ) قال الأزهريّ تَُّ: معناه:
أُسبّحك؛ أي أنزّهك عما يقول الظالمون فيك، و((سُبحان)) مصدر أريد به
الفعل. انتهى.
وقال في ((اللسان)): ((التسبيح)): التنزيه، و((سبحان الله): معناه تنزيهاً لله
من الصاحبة والولد، وقيل: تنزيه الله تعالى عن كلّ ما لا ينبغي له أن يوصف
به، ونصبه أنه في موضع فعل على معنى تسبيحاً له، تقول: سبَّحتُ الله تسبيحاً
له؛ أي نَزّهته تنزيهاً .
وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [الإسراء:
١] قال: منصوب على المصدر، والمعنى: أُسَبِّح الله تسبيحاً، قال: و((سبحان))
في اللغة تنزيه الله ◌َ عن السوء، قال ابن شُمَيل: رأيت في المنام كأنّ إنساناً
فَسّر لي ((سبحان الله))، فقال: أما ترى الفرس يَسْبَحُ في سرعته؟ وقال:
((سبحان الله)): السرعة إليه، والخفة في طاعته، وجماع معناه: بُعْدُهُ تبارك
وتعالى عن أن يكون له مِثْلٌ، أو شريكٌ، أو نِدٌّ، أو ضِدٌّ، قال سيبويه: زعم
أبو الخطاب أن ((سبحان الله)) كقولك: براءةَ الله؛ أي أَبَرِّئ الله من السوء
براءةً .
وقيل: قوله: ((سبحانك)) أي أُنَزَّهُك يا رب من كلّ سوء، وأُبَرِّئُك.
ورَوى الأزهريّ بإسناده أن ابن الكَوَّاء سأل عليّاً - رضوان الله تعالى عليه -
عن ((سبحان الله))، فقال: كلمةٌ رضيها الله لنفسه، فأوصى بها، والعرب تقول:
سبحان من كذا: إذا تعجبت منه، وزعم أن قول الأعشى في معنى البراءة
أيضاً :
أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ
أي براءةً منه، وكذلك تسبيحه تبعيده.
وبهذا استُدِلّ على أن ((سبحان)) معرفة؛ إذ لو كان نكرةً لانصرف، ومعنى
هذا البيت أيضاً: العَجَبُ منه؛ إذ يفخر، قال: وإنما لم يُنَوَّن؛ لأنه معرفة،
وفيه شِبْهُ التأنيث، وقال ابن بَرِّيّ: إنما امتنع صرفه؛ للتعريف وزيادة الألف
والنون، وتعريفه كونه اسماً علماً للبراءة، كما أن ((نَزَالٍ)) اسمٌ عَلَمٌ للنزول،

٣٢٣
(١٣) - بَابُ حُجَّةِ مَنْ قَالَ: لَا يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ - حديث رقم (٨٩٧)
و(شَتَّانَ)) اسم عَلَمٌ للتفرُّق، قال: وقد جاء في الشعر ((سبحانٌ)) منونةً نكرةً، قال
أمية [من البسيط]:
سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً يَعُودُ لَهُ وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجَمَدُ
وقال ابن جني: ((سبحان)) اسمٌ علَمٌ لمعنى البراءة والتنزيه، بمنزلة
((عثمان))، و((عمران))، اجتمع في ((سبحان)) التعريف والألف والنون، وكلاهما
علة تمنع من الصرف. انتهى المقصود من ((اللسان)) باختصار(١).
(اللَّهُمَّ) أصله ((يا ألله)»، حذفت منه حرف النداء، وعُوّض عنها ((أل))،
ولا يُجمع بينهما إلا في الشعر، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ (يَا)) وَ((أَلْ)) إِلَّا مَعَ ((الله)) وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَشَذَّ ((يَا اللَّهُمَّ)) فِي قَرِيضِ
وَالأَكْثَرُ ((اللَّهُمَّ) بِالتَّعْوِيضِ
(وَبِحَمْدِلَ) قيل: الواو للحال، والتقدير: ونحن متلبسون بحمدك، وقيل:
زائدة، والجارّ والمجرور حال؛ أي متلبّسين بحمدك، أفاده السنديّ.
وقال القاري كَّتُهُ: الباء للملابسة، والواو زائدة، وقيل: الواو بمعنى
((مع))؛ أي أُسبّحك مع التلبّس بحمدك، وحاصله نفي الصفات السلبيّة، وإثبات
النعوت الثبوتيّة، أو بحمدك سبّحتك؛ أي اعتقدت نزاهتك، حال كوني متلبّساً
بالثناء عليك، أو بسبب ثناء الجميل عليك اعتقدت نزاهتك، ويصحّ أن يكون
صفةً لمصدر محذوف، كقوله تعالى: ﴿وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدَِ﴾ [البقرة: ٣٠]؛ أي
أسبّحك تسبيحاً مقيّداً بشكرك؛ إذ كلُّ حمد من المكلّف يستجلب نعمةً متجدّدة،
ويستصحب توفيقاً إلهيّاً.
كما قال الشاعر [من الطويل]:
عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللهِ نِعْمَةً
وَإِنْ طَالَتِ الأَيَّامُ وَاتَّسَعَ الْعُمْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ
وَإِنْ مَسَّ بِالضَّرَّاءِ عَقَّبَهَا الأَجْرُ
فَإِنْ مَسَّ بِالنَّعْمَاءِ عَمَّ سُرُورُهَا
وقال الخطّابيّ: أخبرني ابن خلّاد، قال: سألت الزجّاج عن الواو في
قوله: ((وبحمدك))، فقال: معناه: سبحانك اللهمّ، وبحمدك سبّحتك.
(١) راجع: ((لسان العرب)) ٤٧١/٢.

٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
قال الطيبيّ ◌َُّهُ: قول الزجّاجِ يَحْتَمِلُ وجهين:
[أحدهما]: أن تكون الواو للحال.
[وثانيهما]: أن تكون لعطف جملة فعليّة على مثلها؛ إذ التقدير: أنزّهك
تنزيهاً، وأسبّحك تسبيحاً مقيّداً بشكرك، وعلى التقديرين ((اللهم)) معترضةٌ،
والباء في ((بحمدك)) إما سببيّةٌ، والجارّ والمجرور - أعني ((بحمدك)) - إما متعلّق
بفعل مقدّر، أو إلصاقيّة، والجارّ والمجرور حال من فاعله. انتهى(١) بتصرّف.
(تَبَارََ اسْمُكَ) وفي نسخة: ((وتبارك اسمك)) بالعاطف، قال التوربشتيّ:
(تبارك)) تفاعل من البركة، وهي الكثرة والاتّساع، ومعناه: تعالى، وتعظّم،
وكثرت بركاته في السماوات والأرض؛ إذ به تقوم، وبه تُستنزل الخيرات، وفي
كتاب الله رَّ: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، و﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ
اَلْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: ١]، و﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلُْ﴾ [الملك: ١]، وكلّ ذلك تنبيه
على اختصاصه وَك بالخيرات الإبداعيّة، والبركات المتوالية. انتهى(٢).
وقال القاري: أي كثُرت بركة اسمك؛ إذ وُجد كلّ خير من ذكر اسمك،
وقيل: تعاظم ذاتك، أو هو على حقيقته؛ لأن التعاظم إذا ثبت لأسمائه تعالى،
فأولى لذاته، نظير قوله تعالى: ﴿سَيِّحِ أُسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾ [الأعلى: ١]. انتهى.
(وَتَعَالَى جَدََُّّ) ((تعالى)): تفاعل من العلوّ، والجدّ هنا: العظمة؛ أي عَلَت
عظمتك على عظمة كلّ أحد، وقال ابن الأثير تَُّهُ: معنى ((تعالى جدُّك)): علا
(٣)
جلالك وعظمتك. انتھی
.
(وَلَا إِلَهَ غَيْرَُكَ))) أي لا معبود بحقّ سواك، والله تعالى أعلم.
(وَعَنْ قَتَادَةَ) عطف على قوله: ((عن عبدة))، فهو من رواية الأوزاعيّ أيضاً
(أَنَّهُ) أي قتادة (كَتَبَ إِلَيْهِ) أي إلى الأوزاعيّ (يُخْبِرُهُ) جملة حاليّة من فاعل
(كتب)) (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُهُ (أَنَّهُ) أي أنساً رَُّه (حَدَّثَهُ) أي حدّث قتادَةَ،
وقوله: (قَالَ) تفسيرٌ لـ((حدّثه)) (صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ نَّهِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَهُمَرَ،
(١) راجع: ((المرقاة)) ٥٣٧/٢ - ٥٣٨، و((الكاشف عن حقائق السنن)) ٩٩١/٣ - ٩٩٢.
(٢) ((الكاشف)) ٣/ ٩٩٢.
(٣) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢٤٤/١.

٣٢٥
(١٣) - بَابُ حُجَّةٍ مَنْ قَالَ: لَا يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ - حديث رقم (٨٩٧)
وَعُثْمَانَ) وقع ذكر عثمان في هذه الرواية، من طريق الأوزاعيّ، وكذلك في
رواية عمرو بن مرزوق، عن شعبة، عند البخاريّ في ((جزء القراءة))، وكذا في
رواية حجاج بن محمد، عن شعبة، عند أبي عوانة وهو في رواية شيبان
النحويّ، وهشام الدستوائيّ، كما أشار إليه في ((الفتح))(١).
(فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾) برفع ﴿الْحَمْدُ﴾ على
الحكاية، والمعنى: يبدءون بقراءة هذه الجملة، أي لا يقدّمون البسملة عليها،
كما أوضحه بقوله: (لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ) وفي
نسخة: ((في أول القراءة (وَلَا فِي آخِرِهَا) هذا صريح، في أنهم كانوا لا يقرءون
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لا في أول سورة الفاتحة، ولا في أول سورة
غيرها، وهذا المعنى هو الأوضح.
وقيل: معنى قوله: ((فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾)) أنهم
يقدّمون هذه السورة على غيرها في القراءة، قال الترمذيّ تَخْتُ في ((جامعه)) بعد
إخراج الحديث: قال الشافعيّ تَخْتُ: إنما معنى الحديث أن النبيّ وَِّ، وأبا
بكر، وعمر، وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، أي
أنهم كانوا يبتدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم كانوا لا
يقرءون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وكان الشافعيّ يرى أن يُبدأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأن يُجهر بها إذا جهر بالقراءة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح التفسير للحديث هو الأول كما أسلفته
آنفاً، وهو أن معناه أنهم يبتدءون القراءة بـ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، ولا
يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأما تفسير الثاني فينافيه قوله: ((لا يذكرون
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول القراءة، ولا في آخرها))؛ فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: قَدَحَ بعضهم في صحة هذه الرواية بكون الأوزاعيّ رواها عن
قتادة مكاتبةً.
(١) ((الفتح)) ٢٦٧/٢.
(٢) ((جامع الترمذيّ)) ٥٩/٢ بنسخة ((التحفة الأحوذيّ)).

٣٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وتُعُقِّب بأنّ الأوزاعيّ لم ينفرد بها، فقد رواه أبو يعلى عن أحمد
الدَّوْرقيّ، والسرّاج عن يعقوب الدَّوْرقيّ، وعبد الله بن أحمد بن عبد الله
السلميّ، ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة بلفظ: ((فلم يكونوا
يفتتحون القراءة ب﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾))، قال شعبة: ((قلت لقتادة: سمعته
من أنس؟، قال: نحن سألناه))، قاله في ((الفتح))(١).
وأيضاً بكون المكاتبة من طرق التحمّل الصحيحة، كما هو موضّح في
كتب أهل الاصطلاح، قال السيوطيّ كَّتُ في ((ألفيّة الحديث)):
يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ
خَامِسُهَا كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ
فَهْيَ كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا
يُكْتَبَ عَنْهُ فَمَتَى أَجَازَا
والكلام على المسائل المتعلّقة بالحديث تقدّم في الحديث الماضي، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، عَنِ
الْأَوْزَاعِيِّ، أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَّالِكِ،
يَذْكُرُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
كلهم تقدّموا في السند الماضي، غير واحد، وهو:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ابن
أخي أنس بن مالك لأمه، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢)، وقيل: بعدها (ع) تقدم في
((الطهارة)) ٣٠/ ٦٦٧.
[تنبيه]: رواية إسحاق بن أبي طلحة هذه أخرجها أبو نعيم في
((مستخرجه)) (٢/ ٢٣) فقال :
(٨٨٧) حدثنا محمد بن الحسن اليقطينيّ، ثنا محمد بن خُزيم، ثنا
هشام بن عمّار، ثنا الوليد بن مسلم (ح) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا
(١) ٢٦٦/٢.

٣٢٧
(١٤) - بَابُ حُجَّةٍ مَنْ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٨٩٩)
عبدان، ثنا هشام، ودُحَيم، قالا: ثنا الوليد بن مسلم، قالا: ثنا الأوزاعيّ،
عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك، يقول: ((كنا
نصلي خلف رسول الله وَّة، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فيستفتحون بأم القرآن
فيما يُجْهَر به)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٤) - (بَابُ حُجَّةٍ مَنْ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ،
سِوَى بَرَاءَةَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٩٩] (٤٠٠) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
أَخْبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً،
وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ (١)، عَنْ أَنَسِ (٢)، قَالَ: بَيْنَا
رَسُولُ اللهِ نَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّماً،
فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ بََّ رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفاً (٣) سُورَةٌ))، فَقَرَأَ:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ
إِّ شَائِئَكَ هُوَ اُلْأَبْتَرُ ﴾﴾، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟)) فَقُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي رَى، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ (٤)، تَرِدُ عَلَيْهِ
أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِنْ
◌ُمَّتِي، فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَغَدَ))(٥).
زَادَ ابْنُ حُجْرٍ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: «مَا أَحْدَثَ
بَعْدَََ))).
(١) وفي نسخة: ((عن المختار بن فُلفل)).
(٣) وفي نسخة: ((نَزَلت عليّ آنفاً)) .
(٥) وفي نسخة: ((ما أحدثوا بعدك)).
(٢) وفي نسخة: ((عن أنس بن مالك)).
(٤) وفي نسخة: ((هو حوضي)).

٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة
حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل
باب.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ قاضي الموصِل، ثقةٌ، له غرائبُ
بعدما أضرّ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُل) مولى عمرو بن حُريث، ثقة [٤] (م د ت س)
تقدم في ((الإيمان)» ٣٥٨/٦٣.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وهو أعلى ما وقع له من
الأسانيد في هذا الكتاب، وهو (٣٩) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنهم ما بين مروزيّ، ثم بغداديّ، وهو شيخه ابن حُجْر،
وكوفيين، وهو أبو بكر، وعليّ بن مسهر، وبصريين، وهما: المختار، وأنس.
٣ - (ومنها): أن فيه أنس بن مالك ظُه، خادم رسول الله وَل عشر
سنين، وأحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﴿ه، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) رَُه، وفي نسخة: ((عن أنس بن مالك))، أنه (قَالَ: بَيْئًا
رَسُولُ اللهِ وَلِ) قال الجوهريّ ◌َخْذَُّ: ((بينا)) فَعْلَى، أشبعت الفتحة، فصارت
ألفاً، و(بينما)) زيدت عليها ((ما))، والمعنى واحد، تقول: بينا نحن نَرْقُبه أتانا،
أي أتانا بين أوقات رقبتنا إياه، والجُمَل مما تُضاف إليها أسماء الزمان،
كقولك: أتيتك زمنَ الحجّاج أميرٌ، ثم حذف المضاف الذي هو ((أوقات))،
وولي الظرف الذي هو ((بين)) الجملة التي أُقيمت مقام المضاف إليها، كقوله
تعالى: ﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ الآية [يوسف: ٨٢]، وكان الأصمعيّ يخفض ما بعد

٣٢٩
(١٤) - بَابُ حُجَّةِ مَنْ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلُّ سُورَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٨٩٩)
(بينا)) إذا صلح في موضعه (بين))، ويُنشد قول أبي ذُؤيب بالكسر [من الكامل]:
بَيْنَا تَعَنُّقِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ يَوْماً أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
وغيره يرفع ما بعد ((بينا))، و((بينما)) على الابتداء والخبر. انتهى كلام
الجوهريّ تَخْدَتْهُ(١).
وقد تقدّم البحث في ((بينا)) و((بينما)) مستوفَى غير مرّة، وبالله تعالى التوفيق.
(ذَاتَ يَوْم) ((ذات)) مقحمةٌ، أي يوماً من الأيّام، وقال الزمخشريّ: هو
من إضافة المَسّمّى إلى الاسم (بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أي بيننا، وفي رواية عليّ بن
حجر: ((بين أظهرنا في المسجد))، يقال: هو نازلٌ بين ظهرَيْهم، وبين
ظهرانيهم، وبين أظهرهم: أي بينهم، قال ابن الأثير تَّتُهُ: ((فأقاموا بين
ظهرانيهم، وبين أظهرهم))، قد تكررت هذه اللفظة في الحديث، والمراد أنهم
أقاموا بينهم، على سبيل الاستظهار، والاستناد إليهم، وزيدت فيه ألف ونون
مفتوحة تأكيداً، ومعناه أن ظهراً منهم قُدّامُهُ، وظهراً منهم وراءه، فهو مكنوف
من جانبيه، ومن جوانبه إذا قيل: بين أظهرهم، ثم كَثُرَ حتى استُعْمِل في الإقامة
بين القوم مطلقاً. انتهى كلام ابن الأثير (٢).
(إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً) أي نامِ نَوْمةً خفيفةً، يقال: أغفيتُ إغفاءً، فأنا مُغْفٍ:
إذا نِمْتَ نومةً خفيفة، قال ابن السكّيت وغيره: ولا يقال: غَفَوتُ، وقال
الأزهريّ: كلام العرب أغفيتُ، وقَلَّمَا غَفَوتُ، قاله الفيّوميّ(٣).
(ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّماً) أي حال كونه ضاحكاً قليلاً، يقال: بَسَمَ بَسْماً،
من باب ضَرَبَ: ضَحِكَ قليلاً من غير صوت، وابتسم، وتبسّم كذلك، ويقال:
هو دون الضحك، قاله الفيّوميّ (٤).
(فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: أيّ شيء جعلك ضاحكاً؟ (قَالَ:
(أُنْزِلَتْ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: ((نَزَلَتْ))، (عَلَيَّ آنِفاً) أي قريباً، وهو
بالمدّ، ويجوز القصر في لغة قليلة، وقد قرىء به في السبع(٥)، وقال في
(١) ((الصحاح)) ١٦٨٣/٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٥٠.
(٥) ((شرح النوويّ)) ١١٣/٤.
(٢) ((النهاية)) ١٦٦/٣.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٩/١.

٣٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
((اللسان)): وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ ءَائِقًا﴾ [محمد: ١٦]: معنى
﴿مَائِقًا﴾ من قولك: استأنف الشيءَ إذا ابتدأه، وقال ابن الأعرابيّ: ﴿مَاذَا قَالَ
ءَائِقً﴾: أي مُذْ ساعة. انتهى(١). (سُورَةٌ) بالرفع على أنه نائب فاعل ((أُنزلت))
(فَقَرَأَ) وََّ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ﴾﴾) قال أبو
عبد الله القرطبيّ تَخُّْهُ: قراءة العامّة: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَكَ﴾ بالعين، وقرأ الحسن
وطلحة بن مُصَرِّف: ((أنطيناك)) بالنون، وروته أم سلمة عن النبيّ وَّر، وهي لغة
في العطاء، أنطيته: أعطيته.
والكوثر: فَوْعَلٌ من الكثرة، مثلُ النَّوْفَل، والْجَوْهَر، من الجهر، والعرب
تسمّي كلّ شيء كثير في العدد والقدر والخطر كَوْثَراً، قال سفيان: قيل لعجوز
رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: بكوثر، أي بمال كثير، والكوثر من
الرجال: السيد الكثيرُ الخيرِ، قال الْكُمَيت [من الطويل]:
وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا ابْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ وَكَانَ أَبُوكَ ابْنُ الْعَقَائِلِ كَوْثَرَا
والكوثر: العدد الكثير من الأصحاب والأشياع، والكوثر من الغبار:
الكثيرُ، وقد تكوثر: إذا كَثُرَ، قال الشاعر [من الطويل]:
أَبَوْا أَنْ يُبِيحُوا جَارَهُمْ لِعَدُوِّهِمْ وَقَدْ ثَارَ نَفْعُ الْمَوْتِ حَتَّى تَكَوْثَرَا
(﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾) أي كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن
ذلك النهر الذي وُعِدته، فأخلص لربّك صلاتك المكتوبة والنافلة، (﴿وَاُنْحَرْ﴾)
أي اذبَحْ نُسُكك، قال ابن عبّاس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني
بذلك نحر البُدن ونحوها، وكذا قال غير واحد من السلف، وهذا بخلاف ما
كان عليه المشركون من السجود لغير الله، والذبح على غير اسمه، وقيل:
المراد وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر، يُروَى هذا عن
عليّ رَظُه، ولا يصحّ، وعن الشعبيّ مثله، وعن أبي جعفر الباقر، يعني رفع
اليدين عند افتتاح الصلاة، وقيل: استقبل بنحرك القبلة، وعن عطاء الخراسانيّ:
ارفع صُلْبك بعد الركوع، واعتَدِلْ، وأبرِز نحرك - يعني به الاعتدال -.
(١) ((لسان العرب) ١٥/٩.

=
٣٣١
(١٤) - بَابُ حُجَّةِ مَنْ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٨٩٩)
قال الحافظ ابن كثير تَّتُهُ: وكلّ هذه الأقوال غريبة جدّاً، والصحيح
القول الأول، وهو أن المراد بالنحر ذبح المناسك.
وقال إمام المفسّرين ابن جرير الطبريّ تَخُّْهُ: والصواب قول من قال: إن
معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلّها لربك خالصاً، دون ما سواه من الأنداد
والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان؛ شُكراً له على ما أعطاك من
الكرامة، والخير الذي لا كفاء له، وخصّك به. انتهى.
قال ابن كثير تَّثهُ: وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا
المعنى محمد بن كعب القرظيّ وعطاء. انتهى كلام ابن كثير تَُّهُ، وهو تحقيق
نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(﴿إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ اُلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]) أي إن مبغضك يا محمد،
ومُبْغِض ما جئت به من الهدى والحقّ، والبرهان الساطع، والنور المبين، هو
الأبتر الأقلّ الأذلّ المنقَطِعِ ذِكْرُهُ.
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن
وائل، وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومَان قال: كان العاص بن وائل
إذا ذَكَر رسول الله وَ له يقول: دَعُوه، فإنه رجل أبتر، لا عَقِب له، فإذا هلك
انقطع ذِكْره، فأنزل الله هذه السورة، وقال شَمِر بن عطية: نزلت في عُقبة بن
أبي مُعَيط، وقال ابن عباس أيضاً وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف،
وجماعة من كفار قريش.
وقال البزّار: حدثنا زياد بن يحيى الحسانيّ، حدثنا ابن أبي عديّ، عن
داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قَدِمَ كعب بن الأشرف مكة، فقالت
له قريش: أنت سيدهم، ألا ترى إلى هذا الْمُنصَبِرِ الْمُنْبَتِر (١) من قومه يزعم أنه
خير منّ، ونحن أهل الحجيج، وأهل السِّدانة، وأهل السِّقاية؟ فقال: أنتم خير
منه، قال فنزلت: ﴿ إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْتَ ﴾﴾، هكذا رواه البزار، وهو
إسناد صحيح.
وعن عطاء قال: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول الله وَ لات،
(١) ((الْمُنْصَبر)): الذي لا عَقِب له، و((الْمُنْبَتِرُ)): الذي لا ولد له.

٣٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
فذهب أبو لهب إلى المشركين، فقال: بُتِرَ محمد الليلةَ، فأنزل الله في ذلك:
إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْرُ
وعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل، وعنه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ يعني
عَدُوَّك.
قال ابن كثير تَخْتُهُ: وهذا يَعُمّ جميع من اتَّصَف بذلك، ممن ذُكِر
وغيرهم. وقال عكرمة: الأبتر الفرد، وقال السُّدّيّ: كانوا إذا مات ذكور الرجل
قالوا: بُتِر، فلما مات أبناء رسول الله وَّ﴿ قالوا: بُتِرَ محمد، فأنزل الله:
إِنَّ شَائِئَكَ هُوَ الْأَبْرُ
قال ابن كثير تَخْتُهُ: وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات
انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره، وحاشا، وكلّا،
بل قد أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رِقَاب العباد
مستمرّاً على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه
دائماً إلى يوم التناد. انتهى (١).
(ثُمَّ قَالَ) النبيّ وَلِ موضّحاً لهم معنى ما أنزل الله عليه (أَنَدْرُونَ مَا
الْكَوْثَرُ؟))) أي أتعلمون أيُّ شيء معنى الكوثر الذي أعطانيه الله مَ؟ (فَقُلْنَا:
اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بمعناه وحقيقته، (قَالَ) وَّرِ ((فَإِنَّهُ) أي الكوثر (نَهْرٌ) - بفتح
النون، وسكون الهاء -: الماء الجاري المتَّسِعُ، والجمع: نُهُرٌ - بضمّتين -
وأَنْهُرٌ، و((النَّهَرُ)) - بفتحتين - لغة، والجمع: أنهارٌ، مثلُ سَبَب وأَسْباب(٢).
(وَعَدَنِيهِ رَبِّي رََّ) وفي رواية النسائيّ: ((وعدنيه ربي في الجنّة)) (عَلَيْهِ خَيْرٌ
كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ) وفي نسخة: ((هو حوضي)) بالإضافة إلى ياء المتكلّم، قال
الفيّوميّ: حَوْضُ الماءِ، جمعه أَحْوَاضٌ، وحِيَاضٌ، وأصل حِيَاض الواوُ، لكن
قُلِبت ياءً؛ للكسرة قبلها، مثلُ ثواب وأثواب وثِيَاب. انتهى(٣).
(قَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي تحضره؛ لتشرب منه، أو تبلغُه، وتوافيه،
وهو: بفتح أوله، وكسر ثانيه، مضارع وَرَدَ، يقال: وَرَد زيدٌ علينا وُرُوداً: إذا
(١) تفسير ابن كثير ٤/ ٥٦٠.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٥٦/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٢٧.

(١٤) - بَابُ حُجَّةِ مَنْ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٨٩٩)
٣٣٣
حضَرَ، وورد البعير وغيره الماءَ يَرِدُهُ وُرُوداً: إذا بلَغَهُ ووافاه من غير دخول،
وقد يحصُلُ دخول فيه، والاسم: الْوِرْد بالكسر، وأوردته الماءَ، فالْوِرْدُ:
خلافُ الصَّدَر، والإيراد: خلاف الإصدار، والْمَوْرِدُ، مثلُ مَسْجد: موضع
الورود، أفاده الفيّوميّ(١).
(آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ) مبتدأ وخبر على حذف مضاف، أي عددُ آنيته عددُ
النجوم، قال القاري في ((شرح المشكاة)) بعدما ذَكَر هذا: وفي بعض النسخ
بالنصب على نزع الخافض، وهو الأظهر، أي بعدد نجوم السماء. انتهى.
و((الآنية)) بالمدّ: جمع إناء، ويُجمع أيضاً على الأواني، والمراد بالآنية:
الْكِيزانُ والأباريقُ التي أُعِدَّت للشرب منها .
وفي حديث عبد الله بن عمرو الآتي في ((الفضائل)): ((وكيزانه كنجوم
السماء)»، وفي حديث ابن عمر الآتي فيه أيضاً: ((فيه أباريق كنجوم السماء))،
وفي حديث أبيّ ذر الآتي أيضاً: ((والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد
النجوم وكواكبها))، وفي حديث أنس الآتي فيه أيضاً: ((تُرى فيه أباريق الذهب
والفضّة كعدد نجوم السماء))، وفي حديث جابر بن سمرة الآتي فيه أيضاً: ((كأن
الأباريق فيه النجوم))، وفي حديث أبي هريرة المتقدّم في ((الطهارة)): ((ولآنيته
أكثر من عدد النجوم))، وفي رواية النسائيّ: ((آنيته أكثر من عدد الكواكب)).
قال النوويّ تَخْتُهُ: المختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره،
وأنها أكثر عدداً من نجوم السماء، ولا مانع عقليّ ولا شرعيّ يمنع من ذلك،
بل ورد الشرع به مؤكداً، كما قال ◌َله: ((والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من
عدد نجوم السماء)).
وقال القاضي عياض: هذا إشارة إلى كثرة العدد وغايتِهِ الكثيرةِ، من باب
قوله ◌َّطاهر: ((لا يَضَعُ العصا عن عاتقه))، وهو باب من المبالغة معروف في الشرع
واللغة، ولا يُعَدّ كذباً إذا كان المخبَرُ عنه في حَيِّز الكثرةِ والعِظَم، ومَبْلَغِ الغاية
في بابه، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، قال: ومثله كلَّمته ألف مرة، ولقيته
مائة كَرّة، فهذا جائز إذا كان كثيراً، وإلا فلا. انتهى كلام القاضي، قال
(١) ((المصباح)) ٢ /٦٥٤.

٣٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
النوويّ: والصواب الأول. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ كَُّ من تصويبه كون
الحديث على ظاهره وأن المراد منه أن عدد آنية حوضه و # أكثر من عدد نجوم
السماء حسنٌ جدّاً؛ لأنه ظاهر النصوص، ولا داعي لصرفها عن ظاهرها،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ) ببناء الفعل للمفعول: أي يُنْتَزَعُ، ويُقتَطَع من بينهم،
قال في (المصباح)): خَلَجتُ الشيءَ خَلْجاً، من قتل: انتزعته، واختلجتُهُ مثله،
وخالجته: نازعته، واختلج العضو: اضطرب. انتهى(٢).
(فَأَقُولُ: رَبِّ) بحذف حرف النداء، وهو جائز، كما قال الحريريّ في
«ملحته)) :
وَحَذْفُ (يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ (رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي))
وقال في ((الخلاصة)):
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا جَا مُسْتَغَاثاً قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وفي رواية النسائيّ: ((يا ربّ))، (إِنَّهُ) أي إن هذا الْمُختَلَج (مِنْ أُمَّتِي) أي
فينبغي أن يشرب من حوضي، (فَيَقُولُ) أي اللهِ وَ (مَا) نافية (تَدْرِي) أي لا
تعلم (مَا أَحْدَثَتْ) أي أمتك، وفي نسخة: ((ما أحدثوا)) (بَعْدَكَ))) أي بعد
مفارقتك لهم بالموت، أي من المخالفات لسنّتك، والابتداع في دينك.
وهذا فيه وعيد شديد لمن يُخالف سنّة رسول الله وَّ، ويبتدع في دينه
بأهوائه ما لم يأذن به الله تعالى، حيث إنه يُطرد عن ورود حوضه وَّر الذي من
شرب منه مرّةً لا يظمأ بعده أبداً، وهذا هو الخسران المبين، فيا خسارة
المبتدعين، ويا هلاك المتمرّدين المنحرفين بابتداع ما لم يأذن به الله تعالى من
الدين، ﴿رَبَّ لَا تُرْ قُوَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
٨
[آل عمران: ٨].
[تنبيه]: اختلف في المراد بالذين يذادون عن حوض النبيّ وَّ على
أقوال :
(١) ((شرح النووي)) ٥٥/١٥ - ٥٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧٧.

(١٤) - بَابُ حُجَّةٍ مَنْ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٨٩٩)
٣٣٥
[أحدها]: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالْغُرّة
والتحجيل، فيناديهم النبيّ ◌َّ للسِّيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مما
وُعِدت بهم، إن هؤلاء بَدَّلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
[والثاني]: أن المراد من كان في زمن النبيّ وَّ، ثم ارتدّ بعده، فيناديهم
النبيّ وَّ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء؛ لما كان يعرفه وَّر في حياته من
إسلامهم، فيقال: ارتدُّوا بعدك.
[والثالث]: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على
التوحيد، وأصحاب البِدَع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا
القول لا يُقْطَع لهؤلاء الذين يُذادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبةً لهم، ثم
يرحمهم الله ثُمَله، فيدخلهم الجنة بغير عذاب، قال أصحاب هذا القول: ولا
يمتنع أن يكون لهم غُرّة وتحجيل، ويَحْتَمِل أن يكون كانوا في زمن النبيّ وَل
وبعده، لكن عَرَفَهم بالسيما .
وقال الإمام الحافظ أبو عُمَر بن عبد البر: كلُّ مَن أحدث في الدين، فهو
من المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والروافض، وسائر أصحاب الأهواء،
قال: وكذلك الظّلَمة المسرفون في الْجَوْر، وطَمْس الحقّ، والمعلنون بالكبائر،
قال: وكلُّ هؤلاء يُخاف عليهم أن يكونوا ممن عُنُوا بهذا الخبر. انتهى(١)، وهو
تحقيقُ نفيسٌ، وقد تقدّم البحث مستوفَى في ((كتاب الطهارة))، فراجعه تستفد،
وبالله تعالى التوفيق.
(زَادَ) عليّ (ابْنُ حُجْرٍ) أي على رواية أبي بكر بن أبي شيبة (فِي حَدِيثِهِ)
أي فيما حدّث به عن عليّ بن مُسْهِر (بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي الْمَسْجِدِ) الزيادة قوله:
((في المسجد))، لأن قوله: ((بين أظهرنا)) مذكور في رواية أبي بكر بن أبي شيبة
أيضاً (وَقَالَ) أي عليّ بن حجر أيضاً ((مَا أَحْدَثَ بَعْدََ))) أي بدل قول أبي
بكر: ((ما أحدثت بعدك))، والضمير فيه لأمته، وأما في ((أحدث)) فللعبد
المختَلَج، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٣٦/٣ - ١٣٧.

٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
، هذا من أفراد
مضرعنه
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
المصنّف رَُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٩٩/١٤ و٩٠٠] (٤٠٠)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٧٨٤)، و(النسائيّ) فيها (١٣٣/٢ - ١٣٤)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (٦٠٢/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٢/٣ و١٢٦ و٢١٧ و٢٤٠
و٢٤٥ و٢٩٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٥٤ و١٦٥٥)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٨٨٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٤/٢)، وفي ((البعث والنشور))
(ص١١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٩/٣ و٥٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن البسملة في أوائل السور من القرآن، وهو مقصود
المصنّف بإدخال الحديث هنا، ووجه الدلالة من الحديث أنه وسلم قال: ((أُنزلت
عليّ سورة))، ثم بيّن أن البسملة من جملة السورة، فدلّ على أنه ينبغي قراءتها
معها .
٢ - (ومنها): جواز النوم في المسجد؛ لأن هذه القصّة وقعت في
المسجد، كما بينته رواية عليّ بن حجر المذكورة.
٣ - (ومنها): جواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه.
٤ - (ومنها): جواز التبسّم، وهو من صفات النبي ◌َّر، فقد أخرج
الترمذيّ: بسند صحيح، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء رَّه قال: ((ما كان
ضحك رسول الله وَله إلا تبسُماً))، وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ تَظَّتُهُ في
((ألفيّة السيرة))، حيث قال:
لَمْ يُرَ ضَاحِكاً بِمِلْءٍ فِيهِ ضَحِكُهُ تَبَسُمٌ يُبْدِيهِ
٥ - (ومنها): أنه إذا رأى التابع من متبوعه تبسّماً أو غيره مما يقتضي
حدوث أمر يُستَحَبّ له أن يسأل عن سببه.
٦ - (ومنها): أن فيه إثباتَ الحوض، وبيان سعته، وكثرة آنيته، والإيمان

٣٣٧
(١٤) - بَابُ حُجَّةٍ مَنْ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٨٩٩)
به واجب، وسيأتي بسطه حيث ذكر المصنّف تَّتُهُ أحاديثه في آخر الكتاب - إن
شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): بيان كثرة عناية الله تعالى بنبيّه وَ ل﴿، وكمال فضله عليه، كما
قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيَّكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
٨ - (ومنها): بيان تفسير الكوثر الذي أعطاه الله نبيّه وَّر، وهذا هو
التفسير الذي يجب تقديمه على سائر التفاسير الآتية في المسألة التالية - إن
شاء الله تعالى -.
٩ - (ومنها): أن الحديث دليل واضح لقول من قال: إن هذه السورة
مدنيّة؛ لأن أنساً ظُّه حضر نزولها، كما بيّنه بقوله: ((بينا رسول اللهِ وَلل ذات
يوم بين أظهرنا ... )) الحديث، وهو قول الحسن، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد،
وقيل: مكيّةٌ، وهو قول ابن عباس، والكلبيّ، ومقاتل، كما عزاه إليهم القرطبيّ
في ((تفسيره))، والأول أقوى؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): الوعيد الشديد لمن بدّل سنة النبيّ وَّ وابتدع في دينه ما
لم يأذن به الله، حيث إنه يُطرَد عن هذا الحوض الذي يسع أمته بَّر في مثل
ذلك اليوم الشديد العطش، نسألك اللهمّ أن تجعلنا ممن يلزم سنة نبيّك ◌َّل،
ويجتنب الابتداع في شريعته حتى نرد حوضه، آمين، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تفسير الكوثر الذي أُعطيه
النبيّ ◌َلو:
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه على سبعة عشر قولاً:
(الأول): أنه نهر في الجنّة.
(الثاني): حوضه وَّة، قاله عطاء.
(الثالث): النبوّة، والكتاب، قاله عكرمة.
(الرابع): القرآن، قاله الحسن.
(الخامس): الإسلام، حكاه المغيرة.
(السادس): تيسير القرآن، وتخفيف الشرائع، قاله الحسين بن الفضل.

٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(السابع): كثرة الأصحاب، والأمّة، والأشياع، قاله أبو بكر بن عيّاش،
ویمان بن رئاب.
(الثامن): أنه الإيثار، قاله ابن كيسان.
(التاسع): رفعة الذكر، حكاه الماورديّ.
(العاشر): نور في قلبك دلّك عليّ، وقطعك عما سواي.
(الحادي عشر): الشفاعة.
(الثاني عشر): معجزات الربّ، هُدي بها أهلُ الإجابة لدعوتك، حكاه
الثعلبيّ.
(الثالث عشر): هو: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، قاله هلال بن يساف.
(الرابع عشر): الفقه في الدين.
(الخامس عشر): الصلوات الخمس.
(السادس عشر): هو العظيم من الأمر، قاله ابن إسحاق.
(السابع عشر): ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن ابن عبّاس ◌ًِّا أنه
قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن
جُبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنّة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنّة
من الخير الذي أعطاه الله إياه.
قال القرطبيّ تَظُّهُ: أصحّ هذه الأقوال الأول والثاني؛ لأنه ثابتٌ عن
النبيّ وَّ﴾ نصّاً في الكوثر، وسمع أنس ظلّبه قوماً يتذاكرون الحوض، فقال: ما
كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يَتَمَارون في الحوض، لقد تركت عجائز
خلفي، ما تصلّي امرأة منهنّ إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبيّ وَالياء(١)،
وفي حوضه يقول الشاعر:
يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ مَنْ يُدَانِيكًا وَأَنْتَ حَقّاً حَبِيبُ بَارِيكًا
قال: وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله وسلّم زيادةً
على حوضه ◌َ ﴿ تسليماً كثيراً. انتهى كلام القرطبيّ ◌َخَّهُ(٢) .
(١) قال في ((الفتح)) (٢٩٩/١٣): أخرج نحوه أبو يعلى بسند صحيح. انتهى.
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢١٦/٢٠ - ٢١٨.

(١٤) - بَابُ حُجَّةٍ مَنْ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (٩٠٠)
٣٣٩
قال الجامع عفا الله عنه: أصحّ الأقوال في تفسير الكوثر هو تفسير
النبيّ ◌َ﴿ المذكور في هذا الحديث، وهو أنه نهر في الجنّة، وعده الله تعالى
إياه، وهو لا ينافي تفسيره بالحوض، فإن الكوثر يصبّ في الحوض، كما بينته
الروايات الأخرى، وأما ما ذُكر في الأقوال الأخرى، وإن كان النبيّ وَّل
أُعطيه، لكن كونه هو المراد من الآية المذكورة غير صحيح، فلا ينبغي
الالتفات إليه، ويُعتذر عن الذين أقدموا في ذكره تفسيراً للآية بأنهم لم يبلغهم
ما صحّ عن النبيّ ◌َّر، وإلا فلا يمكن لأحد أن يجترئ في تفسير آية خلاف
تفسير النبيّ ◌َّ الذي وَكَلَ الله تعالى بيان القرآن إليه، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، فهو الأعلم بمراد الله ◌ُعَلَ،
﴿وَلَا يُنَبِتُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْل،
عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: أَغْفَى رَسُولُ اللهِ وَهُ
◌ِغْفَاءَةً، بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي رَتْ فِي الْجَنَّةِ،
عَلَيْهِ حَوْضٌ))(١)، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٤٧) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٢ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضَّبّيّ مولاهم، أبو
عبد الرحمن الكوفَّيّ، صدوق، رمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف، كسابقه، وهو (٤٠) من
(١) وفي نسخة: ((عليه حوضي)).

٣٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
رباعيّات الكتاب، وشيخه أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب
الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ: ((آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ))) هكذا قال المصنّف نَُّهُ، وهذه
الرواية بإسقاط هذه الجملة، لم أجدها، والظاهر أن المصنّف وقعت له هكذا،
وإلا فالروايات التي اطلعت عليها فيها ما سيأتي في التنبيه التالي.
[تنبيه]: رواية ابن فُضيل هذه ساقها أبو داود تَّتُهُ في ((كتاب السنّة)) من
((سننه))، فقال :
(٤٧٤٧) حدثنا هَنّاد بن السّريّ، حدثنا محمد بن فُضيل، عن المختار بن
فُلْفُل، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: أغفى رسول الله رَّر إغفاءةً، فرفع
رأسه متبسماً، فإما قال لهم، وإما قالوا له: يا رسول الله لِمَ ضَحِكْتَ؟ فقال:
((إنه أنزلت عليّ آنفاً سورةٌ))، فقرأ: ((بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ
اُلْكَوْثَرَ ﴾))، حتى ختمها، فلما قرأها، قال: ((هل تدرون ما الكوثر؟))
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنه نهر وعدنيه ربي ريَّ في الجنة، وعليه خير
كثير، عليه حوضٌ تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب)).
وأخرجها أيضاً في ((كتاب الصلاة))، فقال:
(٧٨٤) حدثنا هناد بن السَّرِيّ، حدثنا ابن فُضيل، عن المختار بن فُلْفُل،
قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله وَله: ((أُنزلت عليّ آنفاً
سورةٌ، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكُوْثَرَ ﴾﴾)) حتى
ختمها، قال: ((هل تدرون ما الكوثر؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنه
نهر وعدنيه ربي في الجنة)).
ففي الرواية الأولى ذكر ((آنيته عدد الكواكب))، والثانية مختصرة، حُذف
منها: ((وعليه خير كثير ... إلخ))، وكلاهما مخالف لما أشار إليه
المصنّف رَّتُهُ .
وأخرجها أيضاً أحمد في ((مسنده))، فقال:
(١١٥٥٨) حدثنا محمد بن فُضيل، عن المختار بن فُلْفُل، قال: سمعت
أنس بن مالك، يقول: أغفى النبيّ وَ ل﴿ إغفاءةً، فرفع رأسه متبسماً، إما قال
لهم، وإما قالوا له: لِمَ ضَحِكتَ؟ فقال رسول الله وَّه: ((إنه أنزلت عليّ آنفاً