النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٧)
عن حبيب بن الشهيد مرفوعة، وقد أنكر الدارقطنيّ على مسلم، وقال: إن
المحفوظ عن أبي أسامة وقفه، كما رواه أصحاب ابن جُريج، وكذا رواه
أحمد، عن يحيى القطّان، وأبي عُبيدة الحدّاد كلاهما عن حبيب المذكور
موقوفاً، وأخرجه أبو عوانة من طريق يحيى بن أبي الحجّاج، عن ابن جُريج
كرواية الجماعة، لكن زاد في آخره: ((وسمعته يقول: لا صلاة إلا بفاتحة
الكتاب))، وظاهر سياقه أن ضمير ((سمعته)) للنبيّ وَّز، فيكون مرفوعاً، بخلاف
رواية الجماعة. نعم، قوله: ((ما أسمعنا))، و((ما أخفى عنّا)) يُشعر بأن جميع ما
ذكره متلقَّى عن النبيّ وَّ، فيكون للجميع حكم الرفع، قاله في ((الفتح))(١)،
وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
((لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ») وفي رواية البخاريّ، من طريق ابن جريج، عن
عطاء: ((في كلّ صلاة يُقرأ)) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية النسائيّ: ((كلُّ
صلاة يُقرأ فيها)).
هذا نصّ صريح في وجوب قراءة القرآن في الصلاة، وقد تقدّم تمام
رَضَُّه، فراجعه
البحث فيه في المسألة الرابعة في شرح حديث عبادة بن الصامت
تستفد .
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (فَمَا) موصولة: أي الذي (أَعْلَنَ) وفي نسخة:
((أعلن لنا)) (رَسُولُ اللهِ وَ﴾ أي جهر لنا ◌َّ من القراءة (أَعْلَنَّهُ لَكُمْ) أي جهرنا
فيه حتى تسمعوه، وفي رواية ابن جريج الآتية: ((فما أسمعنا رسول الله وَ له
أسمعناكم)) (وَمَا أَخْفَاهُ) أي الذي أخفاه ◌َِّ من القراءة (أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ) وفي
نسخة: ((أخفينا لكم))، واللام بمعنى ((من))، وفي رواية ابن جريج الآتية: ((وما
أخفى منّا أخفينا منكم))، وزاد في رواية ابن جريج: ((فقال له رجل: إن لم أزد
على أم القرآن؟ فقال: إن زدت عليها، فهو خيرٌ، وإن انتهيت إليها أجزأت
عنك))، وفي رواية حبيب المعلّم الآتية: ((ومن قرأ بأمّ الكتاب، فقد أجزأت
عنه، ومن زاد فهو أفضل)).
وفيه استحباب قراءة السورة، أو الآيات مع الفاتحة، وهو قول
(١) ((الفتح)) ٢٩٥/٢.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظه هذا مرفوعاً من أفراد
المصنّ تَخْتُهُ، وأما الموقوف الآتي، فمتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٨٧/١١ و٨٨٨ و٨٨٩] (٣٩٦)، و(البخاريّ)
في ((الأذان)) (٧٧٢)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (١٦٣/٢)، و(الحميديّ) في
(مسنده)) (٩٩٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٧٤٣)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٧٣/٢ و٢٨٥ و٣٤٨ و٤٨٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٦٨ و١٦٦٩
و١٦٧٠ و١٦٧١ و١٦٧٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٧٨ و٨٧٩ و٨٨٠)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٧٨١ و١٨٥٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني
الآثار)) (٢٠٨/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦١/٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب القراءة في كلّ صلاة، على كلّ مصلٍّ، إماماً
كان، أو مأموماً، أو منفرداً، وسواء كانت الصلاة فريضةً، أو نافلة، سرّيّة، أو
جھریّةً.
٢ - (ومنها): أن قوله: ((ومن قرأ بأم الكتاب، أجزأت عنه، ومن زاد
فهو أفضل))، فيه دليل لوجوب الفاتحة، وأنه لا يجزئ غيرها عنها، فمن لم
يقرأ بها لم تصحّ صلاته، وهو شاهد لحديث عبادة ظُه المتقدّم، أفاده في
((الفتح)).
٣ - (ومنها): مشروعيّة الجهر بالقراءة في ركعتي الصبح والجمعة،
والأوليين من المغرب والعشاء، وعلى الإسرار في الظهر والعصر، وثالثة
المغرب، والأخريين من العشاء، قال النوويّ كَّتُهُ: وعلى هذا أجمعت الأمة،
واختلفوا في العيد، والاستسقاء، ومذهبنا الجهر فيهما، وفي نوافل الليل،
قيل: يجهر فيها، وقيل: بين الجهر والإسرار، ونوافل النهار يُسِرّ بها،

٢٦٣
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٧)
والكسوف يُسرّ بها نهاراً، ويجهر ليلاً، والجنازة يسر بها ليلاً ونهاراً، وقيل:
يجهر ليلاً، ولو فاته صلاة ليليّة، كالعشاء، فقضاها في ليلة أخرى جَهَر، وإن
قضاها نهاراً، فوجهان الأصحّ يسرّ، والثاني يجهر، وإن فاته نهاريّة، كالظهر،
فقضاها نهاراً أسرّ، وإن قضاها ليلاً فوجهان الأصح يجهر، والثاني يسرّ،
وحيث قلنا: يجهر أو يسر فهو سنة، فلو تركه صحت صلاته، ولا يسجد للسهو
عندنا. انتهى كلام النوويّ رَّتُهُ .
٤ - (ومنها): استحباب قراءة السورة، أو آيات مع الفاتحة، وهو قول
الجمهور، وسيأتي اختلاف العلماء في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم ما زاد على الفاتحة:
قال النوويّ تَخْلُهُ: فيه استحباب السورة بعدها، وهذا مُجْمَع عليه في
الصبح، والجمعة، والأوليين من كل الصلوات، وهو سنة عند جميع العلماء،
وحَكَى القاضي عياض: عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة، وهو شاذّ
مردود، وأما السورة في الثالثة والرابعة، فاختَلَف العلماء، هل تستحب أم لا؟
وكره ذلك مالك تَّتُهُ، واستحبّه الشافعي تَخْتُهُ في قوله الجديد دون القديم،
والقديم هنا أصحّ، وقال آخرون: هو مُخَيَّر، إن شاء قرأ، وإن شاء سَبَّحَ،
وهذا ضعيف، وتستحب السورة في صلاة النافلة، ولا تستحب في الجنازة على
الأصح؛ لأنها مبنية على التخفيف.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ من عدم استحباب قراءة
السورة في الجنازة، محلُّ نظر، فقد أخرج النسائيّ بسند صحيح، عن طلحة بن
عبد الله، قال: صلّيت خلف ابن عبّاس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب
وسورة، وجهَرَ حتى أسمعنا، فلما فرَغ أخذت بيده، فسألته؟ فقال: سنّةٌ وحقّ.
انتھی(١).
فدلّ على أنّ قراءة السورة مع الفاتحة سنة؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: ولا يزاد على الفاتحة إلا التأمين عقبها، ويستحب أن تكون السورة
(١) راجع: ((المجتبى)) ٧٥/٤، و((الكبرى)) ٤٤٨/٢.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
في الصبح والأوليين من الظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من
أوساطه، وفي المغرب من قصاره.
واختلفوا في تطويل القراءة في الأولى على الثانية، والأشهر عندنا أنه لا
يستحب، بل يُسَوَّى بينهما، والأصح أنه يطول الأولى؛ للحديث الصحيح:
((وكان يطول في الأولى ما لا يطول في الثانية))، متّفقٌ عليه.
ومن قال بالقراءة في الأخريين من الرباعية يقول: هي أخف من
الأوليين، واختلفوا في تقصير الرابعة على الثالثة، والله أعلم.
وحيث شُرِعت السورة فتركها فاتته الفضيلة، ولا يسجد للسهو، وقراءة
سورة قصيرة أفضل من قراءة قدرها من طويلة، ويقرأ على ترتيب المصحف،
ويكره عكسه، ولا تبطل به الصلاة.
ويجوز القراءة بالقراءات السبع، ولا يجوز بالشواذْ، وإذا لَحَن في
الفاتحة لحناً يُخِلّ المعنى، كضم تاء ﴿أَنْعُمْتَ﴾، أو كسرها، أو كسر كاف
﴿إِيَّاكَ﴾، بطلت صلاته، وإن لم يُخِلّ المعنى، كفتح الباء من ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾
ونحوه كُرِه، ولم تبطل صلاته، ويجب ترتيب قراءة الفاتحة، وموالاتها، ويجب
قراءتها بالعربية، ويحرم بالعجمية، ولا تصح الصلاة بها، سواء عَرَف العربية أم
لا، ويشترط في القراءة، وفي كل الأذكار إسماع نفسه، والأخرس ومن في
معناه يُحَرِّك لسانه وشفتيه بحسب الإمكان، ويجزئه، والله أعلم. انتهى كلام
النوويّ كَّلُهُ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٨٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرِو،
قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ أُبُو
هُرَيْرَةَ: فِي كُلِّ الصَّلَاةِ يَقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا
أَخْفَيْنَا (١) مِنْكُمْ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ لَمْ أَزِدْ عَلَى أُمَّ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: إِنْ زِدْتَ عَلَيْهَا
(١) وفي نسخة: ((أخفيناه)).

٢٦٥
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٨٩)
فَهُوَ خَيْرٌ، وَإِنِ انْتَهَيْتَ إِلَيْهَا، أَجْزَأَتْ عَنْكَ(١)).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
كلهم تقدّموا في هذا الباب، غير زُهير، فتقدّم قبل باب، و((عمرو
الناقد)): هو ابن محمد، و(إسماعيل بن إبراهيم)): هو ابن عليّة، و((ابن جُريج)):
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، و((عطاء)): هو ابن أبي رَبَاح.
وقوله: (فِي كُلِّ الصَّلَاةِ يَقْرَأُ) وفي الرواية التالية: ((في كلّ صلاة قراءة))،
وفي رواية النسائيّ: ((كلُّ صلاة يُقرأ فيها))؛ يعني أن كلّ ركعة، أو كلّ صلاة
سرّيّة كانت، أو جهريّة تجب القراءة فيها .
فقوله: ((في كلّ صلاة)) متعلّق بـ(يُقرأ))، وهو بالبناء للمفعول.
وأراد أبو هريرة ته بهذا بيان وجوب القراءة في جميع ركعات كلّ
الصلاة، فرضاً كانت أو نفلاً، منفرداً كان المصلّي، أو إماماً، أو مأموماً،
وأشار بقوله: ((فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ وَ أَسْمَعْنَاكُمْ ... إلخ)) إلى أن هذا ثابتٌ
عنه وَّة، وأصرح منه الرواية السابقة أنه وَ لي قال: ((لا صلاة إلا بقراءة)).
وقوله: (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) قال صاحب ((تنبيه المعلم)): لا أعرفه. انتهى(٢).
وقوله: (إِنْ لَمْ أَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ؟) جواب ((إن)) محذوف: أي فهل
يجزيني؟، أو فما الحكم؟.
وقوله: (وَإِنِ انْتَهَيْتَ إِلَيْهَا) أي اكتفيت بقراءتها، ولم تزد عليها غيرها،
وبقيّة مباحث الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٨٨٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ
زُرَبْعٍ(٣) -، عَنْ حَبِيبِ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِي كُلِّ صَلَاةٍ
(١) وفي نسخة: ((أجزأتك)).
(٢) ((تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) ص١٢١.
(٣) وفي نسخة: ((نا یزید بن زريع)).

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
قِرَاءَةٌ، فَمَا أَسْمَعَنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَهُ مِنْكُمْ، وَمَنْ قَرَأَ بِأُمِّ
الْكِتَابِ(١)، فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَمَنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُرَيْع) الحافظ الثبت البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ) أبو محمد البصريّ، مولى مَعْقِل بن يسار، وهو
حبيب بن أبي قُرَيبة، واسمه زائدة، ويقال: حبيب بن زيد، ويقال: ابن أبي
بَقِيّة، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن عطاء بن أبي رَبَاح، والحسن، ومحمد بن سيرين، وعمرو بن
شعيب، وهشام بن عروة، وأبي الْمُهَزِّم التميميّ.
ورَوَى عنه حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد،
ويزيد بن زُريع، ومرحوم بن عبد العزيز العطار، وعبد الوهاب الثقفيّ.
قال عمرو بن عليّ: كان يحيى لا يُحَدِّث عنه، وكان عبد الرحمن يحدِّث
عنه، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال أحمد: ما أحتجّ
بحديثه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، مات سنة
(١٣٠).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا
(٣٩٦)، وحديث (١٢٥٦): ((ما منعكِ أن تكوني حججتٍ معنا؟ ... ))،
و(١٣١١): ((نزله رسول الله وَ الر؛ لأنه كان أسمح لخروجه ... )).
والباقيان تقدّما فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٩٠] (٣٩٧) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَذَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
(١) وفي نسخة: ((فمن قرأ بأم القرآن)).
-

٢٦٧
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٩٠)
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ نَّهِ السَّلَامَ (١)، قَالَ: ((ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ
تُصَلِّ))، فَرَجَعَ الرَّجُلُ، فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((وَعَلَيْكَ السَّلَامُ))، ثُمَّ قَالَ: ((ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»،
حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَنَّكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَ
هَذَا، عَلِّمْنِي، قَالَ: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَبَسَّرَ مَعَكَ مِنَ
الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى
تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَائِكَ كُلِّهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن،
ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فرّوخ القطّان التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ
متقنٌّ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
ج١ ص٣٨٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم
في ((الإیمان)) ٢٢٢/٢٨.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) الْمَقْبُريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه تغيّر
قبل موته بأربع سنين [٣] (ت١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في (الإيمان))
٢٥٠/٣٦.
٥ - (أَبُوهُ) كيسان أبو سعيد المقبريّ المدنيّ، مولى أمّ شَريك، ثقةٌ ثبتٌ
[٢] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٤/ ٣٩٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبه تقدّم في ((المقدمة)) ٤/٢.
(١) وفي نسخة: ((فردّ رسول الله وَلقوله عليه السلام)).

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه هو أحد الأئمة التسعة الذين روى عنهم أصحاب
الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: عبيد الله،
عن سعيد، عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه: سعيد، عن كيسان.
٧ - (ومنها): أن أبا هريرة له أحفظ من روى الحديث في دهره، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن سعيد المقبريّ (عَنْ أَبِيهِ) قال الدارقطنيّ تَخْلَتُهُ: خالف يحيى القطان
أصحاب عبيد الله كلهم في هذا الإسناد، فإنهم لم يقولوا: ((عن أبيه))، ويحيى
حافظٌ، قال: فيُشْبه أن يكون عبيد الله حدّث به على الوجهين، وقال البزار: لم
يُتَابَعْ یحیی علیه، ورجّح الترمذيّ روایة یحیی.
قال الحافظ: لكل من الروايتين وجهٌ مرجِّحٌ، أما رواية يحيى فللزيادة من
الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيداً لم يوصف بالتدليس، وقد
ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثَمّ أخرج الشيخان الطريقين، فأخرج البخاري
طريق يحيى في ((باب أمر النبيّ وَّهِ الذي لا يُتمّ ركوعه بالإعادة))، وفي ((باب
وجوب القراءة))، وأخرج في ((الاستئذان)) طريق عبد الله بن نُمَير، وفي ((الأيمان
والنذور)) طريق أبي أسامة، كلاهما عن عبيد الله، ليس فيه ((عن أبيه))، وأخرجه
مسلم من رواية الثلاثة.
وللحديث طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة، أخرجها أبو داود،
والنسائيّ من رواية إسحاق بن أبي طلحة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن
عمرو، ومحمد بن عَجْلان، وداود بن قيس، كلهم عن عليّ بن يحيى بن

٢٦٩
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٩٠)
خَلاد بن رافع الزُّرَقِيّ، عن أبيه، عن عمه، رفاعة بن رافع، فمنهم من لم يسم
رفاعة، قال: عن عمّ له بدريّ، ومنهم من لم يقل: ((عن أبيه))، ورواه النسائيّ،
والترمذيّ من طريق يحيى بن عليّ بن يحيى، عن أبيه، عن جدّه، عن رفاعة،
لكن لم يقل الترمذيّ: ((عن أبيه))، وفيه اختلاف آخر نذكره قريباً. انتهى كلام
الحافظ تَّتُهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ) أي النبويّ
(فَدَخَلَ رَجُلٌ) وفي رواية ابن نُمير الآتية: ((أن رجلاً دخل المسجد، فصلّى،
ورسول الله وَ﴿ جالسٌ في ناحية المسجد))، وفي رواية النسائيّ، من حديث
رفاعة بن رافع ظُه: ((بينما رسول الله وَ﴿ جالسٌ، ونحن حوله إذ دخل
رجلٌ ... )) الحديث.
[تنبيه]: هذا الرجل الداخل هو خلاد بن رافع، جدُّ عليّ بن يحيى،
راوي الخبر، بَيَّنْه ابن أبي شيبة، عن عبّاد بن العوّام، عن محمد بن عمرو، عن
عليّ بن يحيى، عن رفاعة، أن خلاداً دخل المسجد، ورَوَى أبو موسى في
((الذّيل)) من جهة ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن عليّ بن يحيى بن عبد الله بن
خلاد، عن أبيه، عن جدِّه، أنه دخل المسجد. انتهى.
قال الحافظ تَخْذُهُ: وفيه أمران: زيادة عبد الله في نسب عليّ بن يحيى،
وجَعْلُ الحديث من رواية خلاد جدِّ عليّ، فأما الأول فَوَهَمٌ من الراوي عن ابن
عيينة، وأما الثاني فمن ابن عيينة؛ لأن سعيد بن منصور قد رواه عنه كذلك،
لكن بإسقاط عبد الله، والمحفوظ أنه من حديث رفاعة، كذلك أخرجه أحمد،
عن يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، كلاهما
عن محمد بن عجلان.
وأما ما وقع عند الترمذيّ: ((إذ جاء رجل كالبدويّ، فصلى، فأخفّ
صلاته))، فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد؛ لأن رفاعة شَبَّهَه بالبدويّ؛ لكونه أخفّ
الصلاة، أو لغير ذلك. انتهى(١).
(فَصَلَّى) زاد النسائيّ من رواية داود بن قيس: ((ركعتين))، وفيه إشعار بأنه
(١) ((الفتح)) ٣٢٤/٢.

٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
صلى نفلاً، والأقرب أنها تحية المسجد، وفي رواية النسائيّ المذكورة: ((وقد
كان النبيّ وَّ﴿ يَرْمُقُه في صلاته))، زاد في رواية إسحاق بن أبي طلحة: ((ولا
نَدْرِي ما يَعِيب منها؟))، وفي رواية من طريق الليث، عن ابن عجلان: ((يَرْمُقُهُ،
ونحن لا نشعر))، وهذا محمول على حالهم في المرة الأولى، وهو مختصر من
الذي قبله، كأنه قال: ((ولا نشعر بما يعيب منها))، أفاده في (الفتح))(١).
(ثُمَّ جَاءَ) أي الرجل الذي صلّى (فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) وفي رواية
البخاريّ من طريق أبي أسامة: ((فجاء، فسلّم))، وهي أولى؛ لأنه لم يكن بين
صلاته ومجيئه تَرَاخ (فَرَدَّ رَسُولُ اللهِنَّهِ السَّلَامَ) وفي نسخة: ((فردّ رسول الله وَيه
عليه السلام)، وفي رواية للبخاريّ في ((الاستئذان)) من طريق ابن نُمير: ((فقال:
وعليك السلام)).
قال في ((الفتح)): وفي هذا تعقّب على ابن الْمُنَيِّر حيث قال: فيه أن
الموعظة في وقت الحاجة أهمّ من ردّ السلام، ولعله لم يردّ عليه السلام تأديباً
على جهله، فيؤخذ منه التأديب بالهجر وترك السلام. انتهى.
قال الحافظ: والذي وقفنا عليه من نسخ ((الصحيحين)) ثبوت الردّ في هذا
الموضع وغيره، إلا الذي في ((الأيمان والنذور)) عند البخاريّ، وقد ساق
الحديث صاحب ((العمدة) بلفظ الباب إلا أنه حذف منه: ((فَرَدَّ النبيّ ◌َِّ)»،
فلعل ابن الْمُنيِّر اعتمد على النسخة التي اعتمد عليها صاحب ((العمدة)).
انتھی(٢).
(قَالَ) وَِّ ((ارْجِعْ، فَصَلِّ) وفي رواية ابن عجلان: ((أَعِدْ صلاتك)) (فَإِنََّكَ
لَمْ تُصَلِّ))) الفاء للتعليل؛ أي لأنك لم تصلِّ، أي لم تُوجِدْ حقيقة الصلاة
المطلوبة منك شرعاً، فهو نفي للحقيقة؛ لانتفاء الظُّمأنينة التي هي ركن من
أركانها، أو أن المراد لم تصحّ صلاتك، فيكون النفي راجعاً للصفة؛ خلافاً
لمن قال: إنه نفيٌ للكمال؛ لأن النفي يتوجّه للحقيقة إذا أمكن كما هنا، وإلا
يتوجّه لأقرب صفة للحقيقة؛ كالصحّة، لا الكمال(٣).
(١) ((الفتح)) ٣٢٤/٢.
(٢) المصدر السابق.
(٣) راجع: ((المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود)) ٣٠٠/٥.

(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٩٠)
٢٧١
وقال القاضي عياض تخّتُهُ: فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير
علم لا تجزئ، وهو مبنيّ على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء، وهو الظاهر،
ومَن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه بَّي لم يأمره بعد التعليم بالإعادة، فدَلّ
على إجزائها، وإلا لزم تأخير البيان، كذا قاله بعض المالكية، وهو المهلَّب
ومن تبعه، وفيه نظر؛ لأنه وَّ ر قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة، فسأله
التعليم، فعلَّمه، فكأنه قال له: أعد صلاتك على هذه الكيفية، أشار إلى ذلك
ابن الْمُنَيِّر ◌َقَذْهُ(١).
(فَرَجَعَ الرَّجُلُ) المسيء في صلاته؛ ليصلّي مرّة أخرى (فَصَلَّى كَمَا كَانَ
صَلَّى) أي مثل صلاته الأولى بلا ◌ُمأنينة، ولا اعتدال (ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ◌ِ،
فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((وَعَلَيْكَ السَّلَامُ))، ثُمَّ قَالَ: ((ارْجِعْ، فَصَلِّ،
فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ))، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وفي رواية ابن نُمير عند البخاريّ:
((فقال في الثالثة، أو في التي بعدها))، وفي رواية أبي أسامة: ((فقال في الثانية،
أو الثالثة))، وتترجح الأولى؛ لعدم وقوع الشك فيها، ولكونه مَّر كان من عادته
استعمال الثلاث في تعليمه غالباً، قاله في ((الفتح)).
[تنبيه]: قد استُشكِل تقرير النبيّ ◌َّ له على صلاته، وهي فاسدة على
القول بأنه أخلّ ببعض الواجبات، وأجاب المازريّ: بأنه أراد استدراجه بفعل
ما يجهله مرات؛ لاحتمال أن يكون فعله ناسياً، أو غافلاً، فيتذكره، فيفعله من
غير تعليم، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقّق الخطأ،
وقال النوويّ كَّتُهُ نحوه، قال: وإنما لم يُعَلِّمه أولاً؛ ليكون أبلغ في تعريفه،
وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة.
وقال ابن الجوزيّ تَّتُهُ: يَحْتَمِل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر، وتعظيمه
عليه، ورأى أن الوقت لم يَفُتْهُ، فرأى إيقاظ الفِطنة للمتروك.
وقال ابن دقيق العيد تَخّْثُ: ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقاً، بل لا
بدّ من انتفاء الموانع، ولا شك أن في زيادة قبول المتعلُّم لما يُلْقَى إليه بعد
تكرار فعله، واستجماع نفسه، وتوجه سؤاله مصلحةً مانعةً من وجوب المبادرة
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٢٥/٢.

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
إلى التعليم، لا سيّما مع عدم خوف الفوات، إما بناءً على ظاهر الحال، أو
بوحي خاصّ.
وقال التُّورِبِشْتِيّ تَخْلُ: إنما سكت عن تعليمه أوّلاً؛ لأنه لَمّا رَجَع لم
يستكشف الحال من مَوْرِد الوحي، وكأنه اغتَرَّ بما عنده من العلم، فسكت عن
تعليمه زجراً له وتأديباً وإرشاداً إلى استكشاف ما استَبْهَم عليه، فلما طَلَب
کشف الحال من مؤرده أرشد إليه. انتهى.
قال الحافظ تَُّ: لكن فيه مناقشةٌ؛ لأنه إن تَمّ له في الصلاة الثانية
والثالثة، لم يتم له في الأولى؛ لأنه وَ لَه بدأه لَمّا جاء أول مرة بقوله: ((ارجع،
فصَلِّ فإنك لم تصلّ))، فالسؤال وارد على تقريره له على الصلاة الأولى، كيف
لم يُنكِر عليه في أثنائها، لكن الجواب يَصلَح بياناً للحكمة في تأخير البيان بعد
ذلك، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه إنما لم يُنكر عليه أثناء الصلاة، بل
أخّره إلى أن انتهى منها؛ ليتبيَّن له جميع ما يُخطئ فيه؛ إذ لو أنكر عليه في
الوسط، وعلّمه وأعاد ربّما أخطأ في غيره، فيحتاج إلى تعليمه، ويتسلسل، ولا
يقال: إذا تبيّن له ذلك في المرّة الأولى، فلماذا ردّه ثانياً وثالثاً؛ لأنا نقول: إن
ذلك للزجر له، حيث أقدم على الإعادة من غير أن يتعلّم منه وَّهِ، فعاقبه، والله
تعالى أعلم بالصواب.
(فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، عَلِّمْنِي) وفي
رواية البخاريّ: ((فما أُحسِن غيره، فعلِّمني))، وفي حديث رفاعة بن رافع
((والذي أنزل عليك الكتاب، لقد جَهَدتُ، فعلِّمني وأَرِني))، وفي لفظ: (لقد
جهدتُ، وحَرَصْتُ، فَأَرِنِي وعلِّمني))، وفي رواية: ((والذي أكرمك يا رسول الله،
لقد جهدتُ، فعلّمني))، وفي رواية: ((فقال الرجل: فأرني وعلّمني فإنما أنا
بشرٌ، أُصيب وأُخطئ، فقال: أَجَلْ)).
(قَالَ) وَّرَ معلِّماً له ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ) وفي رواية عبد الله بن
نُمَير التالية: ((إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر))،
وفي حديث رفاعة: ((فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، وأقم))، وفي رواية
إسحاق بن أبي طلحة، عند النسائيّ: ((إنها لم تتم صلاة أحدكم، حتى يسبغ

٢٧٣
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٩٠)
الوضوء، كما أمره الله، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه،
ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويَحْمَده، ويُمَجِّده))، وعند أبي داود:
(ويُثْنِي عليه))، بدل: ((ویمجِّده)).
وقال صاحب ((المرعاة)): وفي رواية الطبرانيّ لحديث رفاعة: ((ثم
يقول: الله أكبر))، وهي تبيّن أن المراد من التكبير خصوص هذا اللفظ، فلا
يصحّ افتتاح الصلاة إلا بلفظ ((الله أكبر))، دون غيره من الأذكار، خلافاً لأبي
حنيفة، فإنه يقول: يجزئ بكلّ لفظ يدلّ على التعظيم، وهذا نظرٌ منه إلى
المعنى، وأن المقصود التعظيم، فيحصل بكلّ ما دلّ عليه، والحقّ ما ذهب إليه
مالك، وأحمد، من تعيّن التكبير، وتخصيص لفظ ((الله أكبر)).
قال ابن دقيق العيد رَّتُهُ: ظاهر الحديث يعيِّن التكبير، ويتأيّد ذلك بأن
العبادات محلّ التعبّدات، ويكثر ذلك فيها، فالاحتياط فيها اتّباع اللفظ.
وأيضاً فالخصوص قد يكون مطلوباً، أعني خصوص التعظيم بلفظ ((الله
أكبر))، وهذا لأن رُتَب هذه الأذكار مختلفةٌ كما تدلّ عليه الأحاديث، فقد لا
يتأدّى برتبة ما يُقصد من أخرى، ونظيره الركوع، فإنا نفهم أن المقصود منه
التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعاً آخر - أي ولو كان سجوداً - لم
يجزه، ويتأيّد هذا باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بلفظ:
((الله أكبر))(١)، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ اقْرَأُ مَا تَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) قال في ((الفتح)): لم تَختلف الروايات
في هذا عن أبي هريرة ﴿به، وأما رفاعة ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة:
((ويقرأ ما تيسر من القرآن، مما علّمه الله))، وفي رواية يحيى بن عليّ: ((فإن
كان معك قرآن فأقرأ، وإلا فاحمد الله، وكبّره، وهلله))، وفي رواية محمد بن
عمرو، عند أبي داود: ((ثم اقرأ بأمّ القرآن، أو بما شاء الله))، ولأحمد وابن
حبّان من هذا الوجه: ((ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت))، ترجم له ابن
حبان بـ((بابُ فرض المصلي قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة))(٢).
(١) راجع: ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٥/٣.
(٢) ((الفتح)) ٣٢٥/٢.

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيَّن بمجموع هذه الروايات أن معنى قوله
هنا: ((ما تيسّر)) هي الفاتحة؛ لأن الرواية يُفسّر بعضها بعضاً، فلا مُتمسّك لمن
استدلّ به على عدم فرضيّة قراءة الفاتحة؛ فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير
التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً) حال مؤكّدة، وقيل: مقيّدة، وفي رواية
أحمد المذكورة: ((فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدُد ظهرك،
وتمكَّن لركوعك))، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: ((ثم يكبر، فيركع حتى
تطمئن مفاصله، ويَسترخي)) .
(ثُمَّ ارْفَعْ) أي رأسك من الركوع (حَتَّى تَعْتَدِلَ) أي تستوي (قَائِماً) وفي
رواية ابن نمير عند ابن ماجه: ((حتى تطمئنّ قائماً))، رواها ابن أبي شيبة عنه،
وقد ساق المصنّف إسنادها بعد هذا، ولكن لم يسق لفظها، فهو على شرطه،
وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن أبي أسامة، وهو في ((مستخرج
أبي نُعيم)) من طريقه، وكذا أخرجه السرّاج عن يوسف بن موسى، أحد شيوخ
البخاريّ عن أبي أسامة.
قال الحافظ تَُّ بعد ذكر ما تقدّم: فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال على
شرط الشيخين، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد، وابن حبّان، وفي لفظ
لأحمد: ((فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها))، وعُرِف بهذا أن قول
إمام الحرمين: ((في القلب من إيجابها - أي الظُّمأنينة في الرفع من الركوع -
شيءٌ؛ لأنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته)) دالٌ على أنه لم يَقِفْ على هذه
الطرق الصحيحة. انتهى كلام الحافظ تَظّفُ(١).
(ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً) وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: ((ثم
یکبر، فیسجد حتی یمكِّن وجهه، أو جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي)).
(ثُمَّ ارْفَعْ) أي رأسك من السجود (حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً) أي بعد السجدة
الأولى، وهي حال مؤسِّسة، وفي رواية إسحاق المذكورة: ((ثم يكبر، فيركع
حتى يستوي قاعداً على مقعدته، ويُقيم صُلْبه))، وفي رواية محمد بن عمرو:
(١) المصدر السابق.

٢٧٥
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٩٠)
((فإذا رفعت رأسك، فاجلِسْ على فخذك اليسرى))، وفي رواية إسحاق: ((فإذا
جلست في وسط الصلاة، فاطمئنّ جالساً، ثم افتَرِشْ فخذك اليسرى، ثم
تشهد)» .
(ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ) أي جميع ما ذُكر من الأقوال والأفعال، إلا تكبيرة
الإحرام، فإنها مخصوصة بالركعة الأولى؛ لما عُلِم شرعاً من عدم تكرارها،
وقيل: التقدير: ثم افعل ذلك؛ أي ما ذُكر مما يمكن تكريره، فخرج نحو
تكبيرة الإحرام(١). (فِي صَلَاتِكَ) أي ركعات صلاتك (كُلِّهَا))) بالجرّ توكيدٌ
لـ((صلاتك))، أي في كلّ صلاتك، فرضها، ونفلها على اختلاف أوقاتها،
وأسمائها .
وفي رواية محمد بن عمرو: ((ثم اصنَعْ ذلك في كل ركعة وسجدة))، وفي
حديث رفاعة بن رافع ظته عند النسائيّ: ((فإذا صنعتَ ذلك، فقد قضيتَ
صلاتك، وما انتقصتَ من ذلك، فإنما تنقصه من صلاتك))، وفي رواية له:
((فإذا أتممت صلاتك على هذا، فقد تمّت، وما انتقصت من هذا، فإنما تنقُصُه
من صلاتك)).
[تنبيه]: وقع في رواية عبد الله بن نُمَير عند البخاريّ في ((الاستئذان)) بعد
ذكر السجود الثاني: ((ثم ارفع حتى تطمئن جالساً))، وقد قال بعضهم: هذا يدلّ
على إيجاب جِلْسة الاستراحة، ولم يقل به أحد، وأشار البخاريّ إلى أن هذه
اللفظة وَهَمٌّ، فإنه عَقَّبَهُ بأن قال: قال أبو أسامة في الأخير: ((حتى تستوي
قائماً)).
قال الحافظ تَّتُهُ: ويمكن أن يُحْمَل إن كان محفوظاً على الجلوس
للتشهد، ويُقَوِّيه رواية إسحاق المذكورة قريباً، وكلام البخاريّ ظاهر في أن أبا
أسامة خالف ابن نُمَير، لكن رواه إسحاق ابن راهويه في ((مسنده)) عن أبي
أسامة كما قال ابن نُمير بلفظ: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اقعد حتى
تطمئن قاعداً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اقعد حتى تطمئن قاعداً، ثم
افعل ذلك في كل ركعة))، وأخرجه البيهقيّ من طريقه، وقال: كذا قال إسحاق
(١) ((المرعاة)) ٧/٣.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ابن راهويه، عن أبي أسامة، والصحيح رواية عبيد الله بن سعيد أبي قُدَامة،
ويوسف بن موسى، عن أبي أسامة، بلفظ: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم
ارفع حتى تستوي قائماً))، ثم ساقه من طريق يوسف بن موسى كذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي في تضعيف رواية إسحاق، عن أبي
أسامة نظرٌ؛ لأنه لم ينفرد بها، بل تابعه عبد الله بن نُمير عند البخاريّ، فلا
وجه لتضعيفها، وأما دلالتها على وجوب جِلْسة الاستراحة، فظاهرٌ، إلا أنّ له
صارفاً، وهو ما صحّ عنه وَالله من تركه جلسة الاستراحة في بعض الأحيان،
كما يأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨٩٠/١١ و٨٩١] (٣٩٧)، و(البخاريّ) في
((الأذان)) (٧٥٧ و٧٩٣)، و((الاستئذان)) (٦٢٥١ و٦٢٥٢ و٦٦٦٧)، و(أبو داود)
في ((الصلاة)) (٨٥٦)، و(الترمذيّ) فيها (٣٠٣)، و(النسائيّ) فيها (١٢٤/٢)،
و(ابن ماجه) فيها (١٠٦٠)، (وأحمد) في ((مسنده)) (٤٣٧/٣)، و(ابن خزيمة)
في ((صحيحه)) (٥٩٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٨٩٠)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (١٦٠٩ و١٦١٠)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٨٨١)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٨٨/٢ و١١٧ و١٢٢ و١٢٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٥٢)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن هذا الحديث حديث جليلٌ، يُعْرَف عند العلماء بحديث
المسيء صلاته، يشتمل على فوائد كثيرةٍ، قال ابن العربيّ في ((شرح الترمذيّ)):
فيه أربعون مسألةً، ثم سَرَدَها (١/ ٣٤٠ - ٤٣١)، وقد أطال غيره من الشرّاح
أيضاً الكلام فيه؛ كابن دقيق العيد في ((إحكام الأحكام)) (٢/٢ - ١٢)،
والحافظ في ((الفتح)) (٤٣٢/٣ - ٤٣٤)، والعينيّ في ((عمدة القاري)) (١٥/٦ -

٢٧٧
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٩٠)
٢٠)، والشوكانيّ في ((نيل الأوطار)) (١٥٧/٢ - ١٦١)، وقد لَخّصْتُ في هذا
الشرح خلاصة تحقيقاتهم، فاستفد منه، وبالله تعالى التوفيق.
٢ - (ومنها): بيان وجوب القراءة في كلّ ركعة من الصلوات مطلقاً،
فرضاً کانت أو نفلاً.
٣ - (ومنها): بيان وجوب تكبيرة الإحرام، وأنه لا يجوز الدخول في
الصلاة إلا به، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى في محلّه بحمد الله تعالى وتوفيقه.
٤ - (ومنها): وجوب الإعادة على من أخلّ بشيء من واجبات الصلاة.
٥ - (ومنها): بيان أن الشروع في النافلة ملزمٌ، لكن يَحتَمِل أن تكون تلك
الصلاة كانت فريضة.
٦ - (ومنها): أن فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
٧ - (ومنها): الرفق بالجاهل، وحسن التعليم بغير تعنيف، وإيضاح
المسألة، وتخليص المقاصد.
٨ - (ومنها): طلب المتعلِّم من العالم أن يعلِّمه ما يجهله من أمر دينه،
ولا سيّما الصلاة.
٩ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَلل من حسن الخلق، ولطف
المعاشرة .
١٠ - (ومنها): أن فيه تكرار السلام وردّه، وإن لم يخرج من الموضع،
إذا وقعت صورة انفصال.
١١ - (ومنها): ما قيل: إن القيام في الصلاة ليس مقصوداً لذاته، وإنما
يُقْصَد للقراءة فيه، وفيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه ◌َّ* قال حينما سأله عمران بن
حصين خيًّا عن صلاة المريض؟: ((صلّ قائماً، فإن لم تستطع، فقاعداً، فإن لم
تستطع فعلى جنب))، فإنه يدلّ على أن القيام في الصلاة فرض إلا للعاجز؛
فتنبه .
١٢ - (ومنها): جلوسُ الإمام في المسجد، وجلوس أصحابه معه.
١٣ - (ومنها): التسليم للعالم، والانقياد له، والاعتراف بالتقصير،
والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ .

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
١٤ - (ومنها): ما قيل: إن فرائض الوضوء مقصورة على ما ورد به
القرآن، لا ما زادته السنة، فيندب.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وفيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن الراجح أن
آية الوضوء مجملة بيّنتها، وفسّرتها السنة القوليّة والفعليّة، فقد تقدّم وجوب
أشياء ليست في الآية؛ كالمضمضة والاستنشاق، وغيرهما، وقد تقدّم تمام
البحث في هذا في ((كتاب الطهارة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
١٥ - (ومنها): جواز تأخير البيان في المجلس للمصلحة.
١٦ - (ومنها): أن فيه حجةً على من أجاز القراءة بالفارسية؛ لكون ما
ليس بلسان العرب لا يسمى قرآناً، قاله القاضي عياض رَّتُهُ .
١٧ - (ومنها): أن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر،
يحتاج إليه السائل يستحب له أن يذكره له، وإن لم يسأله عنه، ويكون من باب
النصيحة، لا من الكلام فيما لا يعنيه، وموضع الدلالة منه كون الرجل قال:
علّمني؛ أي الصلاة، فعلّمه الصلاة ومقدماتها .
١٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة،
وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله
تعالى -.
١٩ - (ومنها): أنه استدلّ بقوله: ((ثم اقرأ ما تيسّر)) من قال بعدم وجوب
قراءة الفاتحة، وتُعُقّب بأن معنى ما تيسّر هي الفاتحة؛ لأنه جاء في رواية
صحيحة قوله: ((ثم اقرأ بأم القرآن))، فتبيّن أنها هي المرادة بقوله: ((ما تيسّر))،
فتبصّر بالإنصاف.
٢٠ - (ومنها): أن فيه دلالة على وجوب قراءة الفاتحة في الركعتين
الأخريين؛ لقوله: ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلّها))، وعليه الجمهور، وهو
الحقّ؛ لظاهر النصّ، والله تعالى أعلم.
٢١ - (ومنها): أنه اشتهر الاستدلال به على وجوب ما ذكر فيه، وعلى
عدم وجوب ما لم يذكر فيه، وفيه تفصيل سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة
- إن شاء الله تعالى -.
٢٢ - (ومنها): جواز الحلف بالله تعالى، أو بصفة من صفاته.

٢٧٩
(١١) - بَابُ وُجُوبٍ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٨٩٠)
٢٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على من زعم عدم وجوب الطمأنينة؛ لأنه
زيادة على النصّ؛ لأن المأمور به في القرآن مطلق السجود، فيصدُق بغير
طمأنينة، فالطمأنينة زيادة، والزيادة على المتواتر بالآحاد لا تُعتبر.
ورُدّ عليه بأنها ليست زيادةً، ولكنها بيان للمراد بالسجود المأمور به
شرعاً، وأنه مخالف للسجود اللغويّ؛ إذ هو مجرّد وضع الجبهة، فبيّنت السنّة
أن السجود الشرعيّ ما كان بالطمأنينة، ويؤيّد ذلك أن الآية نزلت تأكيداً
لوجوب السجود، وكان ◌َّ﴿ ومن معه يصلّون قبل ذلك، ولم يكن النبيّ وَل
يصلّي بغير طمأنينة(١).
٢٤ - (ومنها): أنه قيل: يُستَدَلّ بهذا الحديث على عدم وجوب الإقامة،
ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين في الإحرام وغيره، ووضع اليمنى على اليسرى،
وتكبيرات الانتقال، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضع
اليد على الفخذ، والقعود، ونحو ذلك.
قال الحافظ تَُّ: وهو في مَعْرِض المنع؛ لثبوت بعض ما ذُكِر في بعض
الطرق. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الراجح وجوب الأذان والإقامة؛
وكذا تكبيرات الانتقالات؛ لوضوح أدلّتها، وسيأتي حكم باقي المسائل في
أماكنها اللائقة بها - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الطمأنينة في
الصلاة :
ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب الطمأنينة في الصلاة، واشتهر عن
الحنفية أن الطمأنينة سنة، وصَرّح بذلك كثير من مصنفيهم، لكن كلام الطحاويّ
كالصريح في الوجوب عندهم، فإنه ترجم ((مقدار الركوع والسجود))، ثم ذكر
الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قوله: ((سبحان ربي العظيم ثلاثاً في
الركوع، وذلك أدناه))، قال: فذهب قوم إلى أن هذا مقدار الركوع والسجود،
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٢٧/٢.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
لا يجزئ أدنى منه، قال: وخالفهم آخرون، فقالوا: إذا استوى راكعاً، واطمأنّ
ساجداً أجزأ، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، قاله في
((الفتح))(١).
وقال صاحب ((المرعاة)) تَّتُهُ: استدلّ بقوله وَّه: ((صلّ، فإنك لم
تصلّ)) للشافعيّ، وأبي يوسف، والجمهور على أن تعديل الأركان والطمأنينة
فيها فرض، قالوا: إن قوله هذا صريحٌ في كون التعديل من الأركان، بحيث
إن بفوته تفوّت الصلاة، وإلا لم يقل: ((لم تصلّ))، فإن من المعلوم أن
خلاد بن رافع ظ لم يكن ترك ركناً من الأركان المشهورة، وإنما ترك
التعديل والاطمئنان كما تدلّ عليه رواية ابن أبي شيبة، فعلم أن تركه مبطل
للصلاة .
قال: الحديث فيه ردّ صريح على أبي حنيفة ومحمد، فإن المشهور من
مذهبهما أن تعديل الأركان ليس بفرض، بل هو واجب، واستُدلّ لهما بقوله
تعالى: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧] بأن الركوع والسجود لفظ خاصّ،
معناه معلوم، فالركوع هو الانحناء، والسجود هو وضع الجبهة على الأرض،
فمطلق الْمَيَلان عن الاستواء، ووضع الجبهة على الأرض فرض بالآية
المذكورة، وفرضيّة التعديل الثابتة بقوله وَل ﴿: ((لم تُصلّ)) لا يجوز إلحاقها
بالقرآن، لا على سبيل البيان، ولا على سبيل تقييد إطلاق القرآن.
أما الأول: فلأن البيان لا يكون إلا للمجمل، ولا إجمال في الركوع
والسجود، وأما الثاني: فلأن تقييد إطلاق القرآن نسخ، وهو لا يجوز بخبر
الواحد، ولَمّا لم يجز إلحاق ما ثبت بهذا الحديث بالثابت بالقرآن في مرتبته،
ولم يمكن ترك خبر الواحد بالكليّة أيضاً قلنا: ما ثبت بالكتاب، وهو مطلق
الركوع والسجود يكون فرضاً؛ لأنه قطعيّ، وما ثبت بهذا الخبر الظنيّ الثبوت
يكون واجباً؛ مراعاةً لمنزلة كلّ من الكتاب والسنّة.
ورُدّ هذا الاستدلال بأن النصّ ليس بمطلق، بل مُجملٌ، فإن المراد
بالركوع والسجود في الآية المذكورة معناهما الشرعيّ؛ لأنه قد تقرّر أن أمثال
(١) ((الفتح)) ٣٢٧/٢.