النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ (٧) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ... إلخ - حديث رقم (٨٥٤) جبير قال: يقول في جواب الحيعلة: سمعنا وأطعنا. ووراء ذلك وجوه من الاختلاف أخرى، قيل: لا يجيبه إلا في التشهدين فقط، وقيل: هما والتكبير، وقيل: يضيف إلى ذلك الحوقلة دون ما في آخره، وقيل: مهما أَتَى به مما يدلّ على التوحيد والإخلاص كفاه، وهو اختيار الطحاوي. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أورد هذه الأقوال في ((الفتح))، ومن الغريب أنه لم يتعقّبها، مع أن كلّها مخالف لما صحّ عن النبيّ وَّ، فإنه بيّن ما يقوله السامع، ولا يوجد شيء مما ذكره أصحاب هذه الأقوال في بيانه وَّر، فهي أقوال وآراء لا أثارة عليها من علم فلا ينبغي الالتفات إليها، وإنما تُذكر للمعرفة والتعجّب، وعلى العاقل التقيّد بما صحّ عنه وَّل قولاً، أو فعلاً، فقد أمرنا بذلك، وحثّنا عليه، فقد أخرج أحمد، وأبو داود وغيرهما بسند صحيح، من حديث العِرْباض بن سارية ربه الطويل، وفيه: ((فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)). قال: وحَكَوا أيضاً خلافاً، هل يُجيب في الترجيع أو لا؟، وفيما إذا أذَّن مؤذن آخر، هل يُجيبه بعد إجابته للأول أو لا؟ قال النوويّ: لم أر فيه شيئاً لأصحابنا، وقال ابن عبد السلام: يُجيب كل واحد بإجابة؛ لتعدد السبب، وإجابةٌ الأول أفضل إلا في الصبح والجمعة، فإنهما سواء؛ لأنهما مشروعان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: القول بإجابته في الترجيع هو الأرجح عندي إذا كان يسمعه؛ لأن ظاهر النصّ يشمله، وكذا القول بإجابة المؤذّنين كلّهم كما قال ابن عبد السلام: هو الأرجح أيضاً؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أنه إنما قال: ((مثل ما يقول))، ولم يقل: مثل ما قال؛ ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة، مثل كلمتها، والصريح في ذلك ما رواه النسائيّ، من حديث أم حبيبة ◌ّا أنه وسر كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت، وأصرح منه حديث عمر بن الخطاب ظته الآتي، فلو لم يجاوبه حتى فرغ استُحِبّ له التدارك إن لم يطل الفصل، قاله النووي في ((شرح المهذَّب)) بحثاً، وقد قالوه فيما إذا كان له عذرٌ كالصلاة. ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز إجابة المؤذن في الصلاة؛ عملاً بظاهر الأمر، ولأن المجيب لا يَقْصِد المخاطبة، وقيل: يؤخر الإجابة حتى يفرغ؛ لأن في الصلاة شُغْلاً، وقيل: يجيب إلا في الحيعلتين؛ لأنهما كالخطاب للآدميين، والباقي من ذكر الله، فلا يُمنَع، لكن قد يقال: من يبدل الحيعلة بالحوقلة لا يُمنَع؛ لأنها من ذكر الله، قاله ابن دقيق العيد، وفَرَّق ابن عبد السلام في ((فتاويه)) بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب؛ بناءً على وجوب موالاتها، وإلا فيجيب، وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة استَأْنَف، وهذا قاله بحثاً، والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة، بل يؤخرها حتى يفرغ، وكذا في حال الجماع والخلاء، لكن إن أجاب بالحيعلة بطلت، كذا أطلقه كثير منهم، ونَصَّ الشافعي في ((الأم)) على عدم فساد الصلاة بذلك، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: عندي القول بعدم الإجابة في الصلاة هو الأرجح؛ لما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضيبه قال: كنا نسلِّم على رسول الله وَّة، وهو في الصلاة، فيَرُدّ علينا، فلما رَجَعنا من عند النجاشيّ، سلّمنا عليه فلم يُرُدّ علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلّم عليك في الصلاة، فترد علينا؟ فقال: ((إن في الصلاة لشُغْلاً)). ومعلوم أن السلام ذكرٌ، وردّه آكد من إجابة الأذان، فيدلّ على أن الإجابة في حال الصلاة غير مشروعة؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)): استُدِلّ به على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة، قالوا: إلا في كلمتي الإقامة، فيقول: ((أقامها الله وأدامها))، وقياس إبدال الحيلة بالحوقلة في الأذان أن يجيء هنا، لكن قد يُفَرَّق بأن الأذان إعلام عامّ فَيَعْسُر على الجميع أن يكونوا دُعاة إلى الصلاة، والإقامة إعلام خاصّ، وعدد من يسمعها محصور، فلا يعسُر أن يدعو بعضهم بعضاً . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((فيقول: أقامها الله، وأدامها)) تقدّم أنه مما لا دليل عليه، وأما ما أخرجه أبو داود: أن بلالاً أَخَذ في الإقامة، فلما أن قال: ((قد قامت الصلاة))، قال النبيّ وَّل: ((أقامها الله وأدامها))، فإنه حديث ١٠٣ (٧) - بَابُ أَمْرِ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ... إلخ - حديث رقم (٨٥٤) ضعيف(١)، لا يصلح للاحتجاج به، فالصواب أن يقول مثل ما يقول المقيم: ((قد قامت الصلاة))؛ كما هو ظاهر النصّ؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٦ - (ومنها): ما قال الشوكانيّ كَّتُهُ: والظاهر من الحديث التعبّد بالقول مثل ما يقول المؤذّن، وسواء كان المؤذّن واحداً، أو جماعةً، قال القاضي عياض: وفيه خلاف بين السلف، فمن رأى الاقتصار على الإجابة للأول احتجّ بأن الأمر لا يقتضي التكرار، ويلزمه على ذلك أن يكتفي بإجابة المؤذِّن مرّةً واحدةً في العمر. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٧ - (ومنها): ما قيل: إنه يستحبّ أن يتابع عقب كلّ كلمة، لا معها، ولا يتأخّر عنها؛ عملاً بظاهر الفاء التعقيبيّة المذكورة في قوله وَالر: ((فقولوا))، وهو مذهب الشافعيّ، وللمالكيّة في ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها للباجيّ إن كان في شُغل من ذكر ونحوه عجَّل، وإن كان متفرِّغاً قارنه، ذكره ابن الملقّن تَخَذُهُ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الشافعيّ تَّتُهُ هو الأرجح؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة المؤذّن: (اعلم): أنهم اختلفوا في إجابته بالقول، فذهبت طائفة إلى وجوبه؛ لظاهر الأمر، وحَكَى ذلك الطحاويّ عن قوم من السلف، وبه قالت الحنفيّة، وأهل الظاهر، وابن وهب من المالكيّة. وذهب الجمهور إلى استحبابه، واستُدِلَّ لهم بحديث مسلم وغيره أنه وَّل سَمِع مؤذِّناً، فلما كَبَّر قال: ((على الفطرة))، فلما تشهّد، قال: ((خرجت من النار))، قالوا: فلما قال ◌َّ غير ما قال المؤذن، عَلِمنا أن الأمر بذلك للاستحباب . (١) أخرجه أبو داود في ((سننه)) برقم (٥٢٨) بسند ضعيف؛ لجهالة بعض رواته. (٢) ((نيل الأوطار)) ١٢٣/٢. (٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٧١/٢. ١٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ورُدّ بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون قاله، ولم ينقله الراوي؛ اكتفاءً بالعادة، ونَقَلَ القولَ الزائدَ، وباحتمال أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر، بذلك، قيل: ويَحْتَمِل أن يكون الرجل لم يَقْصِد الأذان. وردّ هذا الأخير بأن في بعض طرقه أنه حضرته الصلاة، أفاده في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مذهب القائلين بالوجوب هو الأرجح؛ لظاهر الأمر، وهو للوجوب ما لم يَصرفه صارف، وقد عرفت أنه لا صارف له هنا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذْتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٥٥] (٣٨٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، وَغَيْرِهِمَا، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ(٢)، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َل يَقُولُ: (إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيٍّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ (٣)، حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ(٤))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَيْوَةُ)(٥) بن شُريح بن صَفْوان النُّجيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧. (١) (الفتح)) ١١٠/٢. (٢) وفي نسخة: ((ابن العاصي)). (٣) وفي نسخة: ((فمِن سأل الله لي الوسيلة)). (٤) وفي نسخة: ((حلَّت عليه الشفاعة)). (٥) بفتح أوّله، وسكون التحتانيّة، وفتح الواو. ١٠٥ (٧) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ... إلخ - حديث رقم (٨٥٥) ٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) واسم أبيه مِقْلاص الْخُزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت١٦١)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤. ٣ - (كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ) بن كعب بن عديّ التنوخيّ، أبو عبد الحميد المصريّ، صدوقٌ [٥]. رَأَى عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيديّ، وَرَوّى عن أبي الخير، مَرْثَد بن عبد الله الْيَزَنيّ، وبلال بن عبد الله بن عمر، وسالم أبي النضر، وعبد الرحمن بن جبير المصريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه حيوة بن شُريح، وسعيد بن أبي أيوب، وعمرو بن الحارث، وابن لَهِيعة، ويحيى بن أيوب، وحرملة بن عمران التجيبي، والليث بن سعد، وآخرون. ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن يونس: مات سنة (١٢٧) فيما يقال، وقال يحيى بن بكير: مات سنة ثلاثين ومائة. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٣٨٤)، وحديث (٤٤٢): ((لا تمنعوا النساء حظوظهنّ من المساجد ... ))، و(١٦٤٥): (كفّارة النذر كفّارة اليمين)). ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) العامريّ المصريّ المؤذِّن، ثقةٌ عالمٌ بالفرائض [٣] (ت٩٧) وقيل بعدها (م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٥/٩٣. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) السَّهميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرّة على الأصحّ بالطائف (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. والباقيان تقدّما قبل باب. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّ كَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: كعب، عن عبد الرحمن بن جبير. ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﴿ها، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العبادلة الأربعة الفقهاء، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حَيْوَةَ) بن شُرَيح (وَسَعِيدٍ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ) اسمه مِقْلاص (وَغَيْرِهِمَا) هو ابن لهيعة، وإنما أبهمه لضعفه، وهكذا يصنع البخاريّ، والنسائيّ يقرنانه بغيره، ويُبهمانه مثله، وقد جاء منصوصاً عليه عند أبي داود في ((سننه))، حيث أخرجه بسند المصنّف، ولفظه (٥٢٣): حدثنا محمد بن سلمة، حدثنا ابن وهب، عن ابن لَهِيعة، وحَيْوَة، وسعيد بن أبي أيوب، عن كعب بن علقمة ... إلخ. (عَنْ كَعْبٍ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ) مولى نافع بن عمرو القرشيّ، قال الحافظ المزيّ رَّتُهُ في ((تهذيب الكمال)): وقد خلط بعضهم ترجمة عبد الرحمن بن جُبير هذا بترجمة عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَير، والصواب التفريق بينهما، كما ذكرنا. انتهى(١). وقال الترمذيّ كَُّهُ: قال محمد - يعني البخاريّ -: عبد الرحمن بن جبير هذا قُرَشيّ مصريّ مدنيّ، وعبد الرحمن بن جبير بن نُفير شاميّ. انتهى(٢). (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ووقع في بعض النسخ: ((ابن العاصي)) بالياء، وهو الغالب في الاستعمال، وإن كان الأول هو الذي اشتهر على الألسنة، وتقدّم البحث في هذا مستوفّى. (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ: ((إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ) أي صوته، أو أذانه (فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ) وتقدّم قريباً أن الراجح أنه مقيّد بما عدا الحيعلتين، فإنه يقول عندهما: ((لا حول ولا قوّة إلا بالله))؛ جمعاً بين الأحاديث. وأما ما استحسنه بعضهم من استثناء ((الصلاة خير من النوم))، فيقول بدله: ((صدَقت وبررت، وبالحقّ نطقت))، وكذا يقول في الإقامة عند قوله: ((قد قامت الصلاة)): ((أقامها الله، وأدامها))، فمما لا يصحّ له دليلٌ يُعتمد عليه، بل (١) ((تهذيب الكمال)) ٣٣/١٧. (٢) راجع: ((الجامع)) للترمذيّ رقم (٣٥٤٧). ١٠٧ (٧) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ... إلخ - حديث رقم (٨٥٥) هو استحسان من قائله، فلا ينبغي الالتفات إليه؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ) أتى بـ«ثُمّ)) إشارة إلى أن الصلاة تكون بعد الفراغ من الإجابة (فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ضمير تفسّره جملة بعده، وهي هنا قوله: (مَنْ) شرطيّة مبتدأ (صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً) أي واحدةً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا) أي بسببها (عَشْراً) أي عشر صلوات. ومعنى صلاة الله على عبده: ثناؤه على العبد عند الملائكة، كما حكاه البخاريّ في ((صحيحه)) عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، وقيل: رحمته، كما نقله الترمذيّ في ((جامعه)) عن الثوريّ، وغير واحد من أهل العلم، وقال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)): وقد يقال: لا منافاة بين القولين(١)، وضعّف العلامة ابن القيّم القول الثاني، وبالغ في تضعيفه والردّ عليه بأوجه كثيرة (٢)، وقد تقدّم تحقيق ذلك، مع أبحاث كثيرة في ((شرح المقدّمة)) عند قول المصنّف: ((وصلّى الله على محمد خاتم النبيين))، فراجعه تستفد(٣)، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: ينبغي أن تكون الصلاة بالصيغة الواردة عنه تَّة، وهي الصلاة الإبراهيميّة، ولا ينبغي لعاقل أن يشتغل بغيرها، ولها صيغ مختلفة، وسيأتي للمصنّف تَخْتُ بعضها في محلّه - إن شاء الله تعالى -. ولا ينبغي أيضاً أن يرفع صوته، كما يفعله بعض المبتدعة في بعض البلدان، حيث يرفعون أصواتهم بعد الأذان على المنارة؛ فإن ذلك من البدع التي حذّر منها النبيّ ◌ِّ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي) أمر من سأل يسأل بالهمزة على النقل، والحذف، والاستغناء، أو من سال بالألف المبدلة من الهمزة، أو الواو، أو الياء، قاله القاري(٤). (الْوَسِيلَةَ) بفتح الواو، وكسر السين المهملة، فَعِيلة بمعنى مفعولة، قال التوربشتيّ تَتُهُ: هي في الأصل ما يُتوسَّل به إلى الشيء، ويُتقَرَّبُ به إليه، (١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٥٠٣/٣. (٢) راجع: ((جلاء الأفهام)) ص ٨٢. (٣) راجع: ((قرّة عين المحتاج)) ٢٢٣/١ - ٢٣٣. (٤) راجع: ((المرقاة)) ٣٥٠/٢. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وجمعها وَسَائل، وإنما سُمِّيت تلك المنزلة من الجنّة بها؛ لأن الواصل إليها يكون قريباً من الله وال، فائزاً بلقائه، مخصوصاً من بين سائر الدرجات بأنواع الكرامات. انتهى(١). وقال ابن منظور تَخْتُهُ: ((الوسيلة)): المنزلة عند الملك، والوسيلة الدرجة، والوسيلة القربة، ووَسَلَ فلانٌ إلى الله وَسِيلةً: إذا عَمِلَ عَمَلاً تَقَرَّب به إليه، والواسل: الراغب إلى الله، قال لَبِيد [من الطويل]: أَرَى النَّاسَ لَا يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِمْ بَلَى كُلُّ ذِي رَأْي إِلَى اللهِ وَاسِلُ وتوسل إليه بوَسِيلة: إذا تقرَّب إليه بعمل، وتوسل إليه بكذا تقرب إليه بِحُرْمة آصِرَةٍ تُعْطِفِه عليه، والوسيلة: الْوُصْلةُ والْقُرْبَى، وجمعها الوسائل، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. وقال الجوهريّ: الوسيلةُ: ما يُتَقَرَّب به إلى الغير، والجمع الْوُسُلُ، والْوَسَائل، والتوسيل، والتوسل واحد، وفي حديث الأذان: ((اللهم آت محمداً الوسيلة))، هي في الأصل: ما يُتَوَصَّل به إلى الشيء، ويُتَقَرَّب به، والمراد به في الحديث: القرب من الله تعالى، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هي منزلة من منازل الجنة، كما جاء في الحديث. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: أولى التفاسير للوسيلة هنا أنها منزلة من منازل الجنّة؛ لحديث الباب؛ لأن خير ما فُسّر به الوارد هو الوارد، والله تعالى أعلم. (فَإِنَّهَا) أي الوسيلة (مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ) أي من منازلها، وهي أعلاها، وأغلاها على الإطلاق (لَا تَنْبَغِي) أي لا تصلح، ولا تتيسّر، قال الزجّاج: يقال: انبغى لفلان أن يفعل كذا: أي صَلَح له أن يفعل كذا، وكأنه قال: طَلَبَ فِعْلَ كذا، فانطلب له: أي طاوعه، ولكنّهم اجتزءوا بقولهم: انبغى، وانبغى الشيء: تيسّرَ وتسهّل، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُ﴾ [يس: ٦٩]: أي ما يتسهّل له ذلك؛ لأنا لم نعلّمه الشعر، وقال ابن الأعرابيّ: وما ينبغي له: وما يصلح له. انتهى(٣). (إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ) يعني أنه لا تصلح (١) راجع: ((المرقاة)) ٣٥٠/٢. (٣) ((لسان العرب)) ١٤/ ٧٧. (٢) ((لسان العرب)) ٧٢٥/١١. (٧) - بَابُ أَمْرِ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ... إلخ - حديث رقم (٨٥٥) ١٠٩ ولا تتيسّر تلك المنزلة إلا لعبد واحد من جميع عباد الله تعالى. (وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ) قال الطيبيّ تَخْذُ: قيل: ((هو)) خبرُ ((أكون)) وُضع موضع ((إياه)، ويَحْتَمِل أن لا يكون ((أنا)) للتأكيد، بل يكون مبتدأ، و((هو)) خبره، والجملة خبر ((أكون))، ويُمكن أن يقال: إن هذا الضمير وُضِع موضع اسم الإشارة؛ أي أكون ذلك العبدَ، كما في قول رؤبة [من الرجز]: فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقُ(١) قيل له: إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والْبَلَق، فقل: كأنهما، فقال: أردت كأن ذاك. انتهى(٢). وإنما قال وَله: ((وأرجو))؛ تواضعاً؛ لأنه إذا كانت تلك المنزلة الرفيعة لا تكون إلا لواحد، فلا يكون ذلك الواحد إلا هو رَّة؛ لأنه أفضل الجمع. وقال في ((المنهل)): وقال ذلك قبل أن يوحى إليه أنه صاحبها، ويَحْتَمِل أنه قاله بعد أن أُوحي إليه بها، فيكون ذلك تواضعاً منه وَالر، وأمره للأمة بسؤال الوسيلة بعدُ لزيادة الرفعة والمقام، كبقيّة الدعاء له، ولتنال الأمة الأجر على الدعاء له. انتهى. وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((وأرجو)) قال هذا نَّ قبل أن يبان له أنه صاحبها؛ إذ قد أخبر أنه يقوم مقاماً لا يقومه أحدٌ غيره، ويَحمَد الله بمحامد لم يُلهمها أحد غيره، ولكن مع ذلك فلا بدّ من الدعاء فيها، فإن الله تعالى يزيده بكثرة دعاء أمته رِفْعةً كما زاده بصلاتهم، ثم إنه يرجع ذلك عليهم بنيل الأجور، ووجوب شفاعته وَ له. انتهى(٣). (فَمَنْ) شرطيّة أيضاً (سَأَلَ لِي) أي لأجلي (الْوَسِيلَةَ) المذكورة، فـ((أل)) فيه للعهد الذكريّ؛ للقاعدة المشهورة أن المعرفة إذا أُعيدت معرفةً كانت عين الأولى، قال السيوطيّ في ((عقود الجمان)) [من الرجز]: (١) ((التوليع)): استطالة البلَق، و((البَلَق)) محرّكةً: بياض وسواد، و((البهق)) بوزنه: بياض رقيق بسبب سوء مزاج العضو، أفاده في ((ق)). (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٩١٢/٣. (٣) ((المفهم)) ١٣/٢. ١١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ (لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ)) أَبَدَا شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ وَنَقَضَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأَمْئِلَةْ قال الجامع عفا الله عنه: قلت معلّقاً عليه: قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ وفي بعض النسخ: ((فمن سأل الله لي الوسيلة)) (حَلَّتْ لَهُ) وفي بعض النسخ: ((عليه)) (الشَّفَاعَةُ))) أي استحقّها، ووجبت له، أو نزلت عليه، يقال: حَلَّ يَحُلّ بالضمّ: إذا نزل، واللام بمعنى ((على))، كما في بعض النسخ، ووقع عند الطحاويّ من حديث ابن مسعود ظاته: ((وجبت له))، ولا يجوز أن تكون ((حلّت)) من الْحِلّ مقابل الحرمة؛ لأنها لم تكن قبل ذلك محرّمة، قاله في ((الفتح)) . وقال السنديّ كَُّهُ: قد يقال: بل لا تحلّ إلا لمن أُذن له، فيُمكن أن يُجعل الحلّ كنايةً عن حصول الإذن في الشفاعة له. انتهى. واستشكل بعضهم جعل ذلك ثواباً لقائل ذلك مع ما ثبت من أن الشفاعة للمذنبين . وأُجيب بأن له وَل﴾ شفاعات أخرى، كإدخال الجنّة بغير حساب، وكرفع الدرجات، فيُعطي كلّ أحد ما يناسبه. ونقل القاضي عياض عن بعض مشايخه أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مُخلصاً مستحضراً إجلالَ النبيّ وََّ، لا من قَصَد بذلك مجرّد الثواب، ونحو ذلك، وهو تحكّم غير مرضيّ، ولو أخرج الغافل اللاهي لكان أشبه، قاله في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ١١٤/٣. ١١١ (٧) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ... إلخ - حديث رقم (٨٥٥) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ظًا هذا من أفراد المصنّف تَخْذَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٥٥/٧] (٣٨٤)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٥٢٣)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٦١٤)، و(النسائيّ) في ((الأذان)) (٢٥/٢ - ٢٦)، وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٤٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١/ ٢٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٨/٢)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٤١٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦٩٠ و١٦٩١ و١٦٩٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٣/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤١٠/١)، و(ابن السنّيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (ص٤٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٢١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٨٣ و٩٨٤ و٩٨٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٤٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الأمر بإجابة المؤذّن، وقد تقدّم الخلاف، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟ مع ترجيح أنه للوجوب. ٢ - (ومنها): الأمر بالصلاة على النبيّ وَّه بعد الإجابة، وظاهر الأمر أيضاً للوجوب؛ إذ لا صارف له عنه. ٣ - (ومنها): الأمر بسؤال الوسيلة للنبيّ وَلله، وحكمه كسابقه. ٤ - (ومنها): بيان معنى الوسيلة، ويبان علوّ شأنها، حيث لا تصلح إلا لعبد واحد. ٥ - (ومنها): بيان فضل النبيّ وَل حيث اختصّ بتلك المنزلة الرفيعة. ٦ - (ومنها): بيان أن من سأل الله تعالى الوسيلة للنبيّ وَله وجبت له الجنّة. ٧ - (ومنها): البشارة لمن سأل الوسيلة له وَر أنه يموت على حسن الخاتمة؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا من مات على الإسلام، فإذا وجبت له الجنة، عُلِم أنه ممن له البشرى بحسن الختام، اللهم أحسن ختامنا بمنّك وجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين آمين. ١١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٨ - (ومنها): بيان تواضعه وَله، حيث طلب من أمته الدعاء له بتلك المنزلة، مع أنها ستکون له. ٩ - (ومنها): تحقيق معنى قوله رَى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ حيث إن من صلّى عليه واحدةً صلّى الله عليه عشراً، ومن سأل له الوسيلة وجبت له الجنّة، إلى غير ذلك مما تناله الأمة من تضاعف الدرجات، ورفع المقامات، فكلّه رحمة وَل﴾. ١٠ - (ومنها): أن فيه جواز إفراد الصلاة عليه وّل عن السلام من غير كراهة؛ لهذا الحديث، وإليه ذهب كثيرون، وقال بعضهم: يكره إفرادها عنه، وهو ضعيف، وقد أسلفنا تحقيقه في ((شرح المقدّمة)) فراجعه تستفد . ١١ - (ومنها): ما قال المهلّب تَخْدَثُ: في الحديث الحضّ على الدعاء في أوقات الصلوات؛ لأنه حال رجاء الإجابة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٥٦] (٣٨٥) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرِ، مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الَّزَّحْمَنِ بْنِ إِسَافٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلََّ اللهُ، مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ)). ١١٣ (٧) - بَابُ أَمْرِ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ... إلخ - حديث رقم (٨٥٦) رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور) بن بَهْرَام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٢ - (أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَم الثَّقَفِيُّ) هو: محمد بن جَهْضَم بن عبد الله الثقفيّ، البصريّ، خراسانيّ الأصَّل، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن إسماعيل بن جعفر المدنيّ، ومحمد بن طلحة بن مُصَرِّف، وابن عيينة، وأبي معشر المدنيّ، والهذيل بن بلال، ويزيد بن عطاء الواسطيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه إسحاق بن منصور الْكَوْسَج، ويحيى بن محمد بن السَّكَن، وعبد القدوس بن محمد الْحَبْحَابيّ، وعباس بن عبد العظيم الْعَنْبَريّ، وعبد العزيز بن معاوية القرشيّ، ومحمد بن يونس الكُدَيميّ، وآخرون. قال أبو زرعة: صدوقٌ لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٣٨٥)، وحديث (٩٢٥): ((يا أخا الأنصار، كيف أخي سعد بن عبادة؟ ... ))، و(٢٢٣٣): «نَهَى عن قتل الْجِنَّان التي تكون في البيوت ... )). ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٤ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) بن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦] (ت١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ١٢ / ٥٨٥. ٥ - (خُبَيْبُ (١) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسَافٍ) بكسر الهمزة، ويقال أيضاً: يساف - بالياء - الأنصاري، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٦ ـ (حَفْصُ بْنُ عَاصِم بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) الْعُمَريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٧ - (أَبُوهُ) هو: عاصم بن عمر بن الخطاب العَدَويّ، أبو عُمَر، ويقال: (١) بضم الخاء المعجمة، مصغّراً. ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة أبو عَمْرو المدنيّ، وُلد في حياة النبيّ وََّ، وأمه جَمِيلة بنت ثابت بن أبي الأقلح، ثقة [٢]. رَوَى عن أبيه، وعنه ابناه: حفصُ وعبيدُ الله، وعروة بن الزبير، قال الزبير: كان من أحسن الناس خُلُقاً، وكان عبد الله بن عمر يقول: أنا وأخي عاصم لا نُسابُ الناسَ، قال: وكان عمر طَلَّق أمه، فتزوجها يزيد بن جارية، فولدت له ابنه عبد الرحمن، فرَكِبَ عمر إلى قباء، فوجد ابنه عاصماً يَلْعَب مع الصبيان، فحمله بين يديه، فأدركته جدته الشَّمُوس بنت أبي عامر، فنازعته إيّاه حتى انتهى إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: خَلِّ بينها وبينه، فما راجعه وأسلمه لها، رَوَی ذلك غير واحد من علمائنا . قال: ورَوَى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم، قال: زَوَّجني أبي، فأنفق عليّ شهراً، ثم أرسل إليّ بعدما صلَّى الظهر، فدخلتُ عليه، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني كنت أرى هذا المال يحلّ لي، وهو أمانةٌ عندي إلا بحقّه، وما كان قطّ أحرم عليّ منه حين وَلِيتُهُ، فعاد أمانتي، وقد أنفقت عليك شهراً من مال الله، ولستُ زائدك عليه، وقد أعنتك بثُمُن مالي، فبِعْهُ، ثم قُم في السوق إلى جنب رجل من قومك، فإذا صفق بسلعة، فاستشركه، ثم بع وكُلْ، وأنفق على أهلك. وقال السريّ بن يحيى، عن محمد بن سيرين، قال: قال فلانٌ، وسَمَّي رجلاً: ما رأيت رجلاً من الناس إلا لا بُدَّ أن يَتَكَلَّم ببعض ما لا يريد غير عاصم بن عمر. قال ابن حبان: مات بالرَّبَذَة، وقال الواقديّ: تُوُفّي سنة سبعين، وكذا قال علي ابن المديني، وأَرَّخه مُطَيَّن سنة (٧٣)، وذكره جماعة ممن أَلَّف في الصحابة، وفي ((تاريخ البخاري)) خاصمت أمه أباه فيه إلى أبي بكر، وله ثمان سنين، وقال ابن الْبَرْقِيّ: وُلِد في حياة النبيّ بِّه، ولم يَرْوِ عنه شيئاً، وقال أبو أحمد العسكريّ وغيره: وُلِد في السنة السادسة من الهجرة، وذكر ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) أن النبيّ وَّ مات وله سنتان(١). (١) (تهذيب الكمال)) ٥٢٠/١٣ - ٥٢٧، و((تهذيب التهذيب)) ٢٥٧/٢ - ٢٥٨. ١١٥ (٧) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ... إلخ - حديث رقم (٨٥٦) أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٣٨٥)، وحديث (١١٠٠): ((إذا أقبل الليل، وأدبر النهار، وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم)). ٨ - (جَدُّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفيل بن عبد العزَّى بن رِيَاح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزَاح القرشيّ الْعَدويّ، أمير المؤمنين، جمّ المناقب، استُشهد ◌َرُّه في ذي الحجة سنة (٢٣)، وولي الخلافة عشر سنين ونصفاً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل، وشيخه مروزيّ، وأبو جعفر بصريّ، خراسانيّ الأصل. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: خبيب، عن حفص، عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، عن جدّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الدار قطنيّ تَخْلُ في ((كتاب الاستدراك)): هذا الحديث رواه الدَّرَاوَرْديّ وغيره مرسلاً، وقال الدارقطنيّ أيضاً في ((كتاب العلل)): هو حديث متصلٌ، وصله إسماعيل بن جعفر، وهو ثقةٌ حافظٌ، وزيادته مقبولةٌ، وقد رواه البخاريّ ومسلم في (الصحيحين))، قال النوويّ تَخَّتُهُ: وهذا الذي قاله الدارقطنيّ في ((كتاب العلل)) هو الصواب، فالحديث صحيحٌ، وزيادة الثقة مقبولةٌ، وقد سَبَق مثال هذا في الشرح. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ كَُّ: وزيادة الثقة مقبولةٌ، قد أسلفنا أن هذا المذهب سلكه النوويّ، وقبله ابن حبّان، وابن حزم، وغيرهما، وهو مذهب غير مرضيّ على إطلاقه، بل زيادة الثقة إنما تُقبل حسب القرائن التي تحتفّ بها، ولذا ترى الدارقطنِيّ يقرّر في حديث أن زيادة الثقة مقبولة (١) ((شرح النوويّ)) ٨٦/٤. ١١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة كهذا الحديث، وفي حديث آخر نظيره يقرّر أن هذه الزيادة لا تقبل، وهكذا غيره من محققي النقّاد يسلكون هذا المسلك، وما ذاك إلا لأن قبول زيادة الثقة، وردّها تحتاج إلى النظر فيها حسب القرائن، فلا تُقبل على الإطلاق، ولا تردّ على الإطلاق، وقد قدّمت تحقيق هذا في (شرح المقدّمة)) عند كلام الإمام مسلم على زيادة الثقة، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. شرح الحديث: (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ◌َّهِ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ) قال الطيبيّ تَخْذُهُ: قوله: ((إذا)) شرطيّة، وقوله: ((فقال)) عطفٌ على الشرط، وجزاء الشرط قوله: ((دخل الجنّة))، والمعطوفات بـ(ثمّ)) مقدّرات بحرف الشرط والفاء، ويجوز أن يكون ((فقال)) جواباً للشرط، وكذا قال في المعطوفات. انتهى (١). (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ) لم يذكر الأربع اكتفاءً بذكر الاثنين منها، ومن ثَمّ ذكر واحداً من الاثنين فيما بعدُ، وفيه دليلٌ أنه يستحبّ للمؤذّن أن يقول كلّ تكبيرتين بنفس واحد (٢). (فَقَالَ أَحَدُكُمُ) عطف على الشرط (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ) عطف على ((قال)) الأوّلِ، قال الطيبيّ تَظَُّهُ: المعطوفات بُثُمّ مقدَّرات بحرف الشرط والفاء، أي إذا قال المؤذِّن: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ) أي فقال أحدكم، فحُذف اختصاراً (٣). (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ) أي لا حِيلةَ في الخلاص من موانع الطاعة، ولا قُوّة على فعلها إلا بتوفيق الله تعالى. وقال الراغب الأصبهانيّ كَّتُهُ: الحال لما يختصّ به الإنسان وغيره من الأمور المعتبرة في نفسه وجسمه أو ما يتّصل به، والحول: ما له من القوّة في أخذ هذه الأحوال، ومنه قيل: ((لا حول ولا قُوّة إلا بالله)). وقال الطيبيّ كَّتُهُ: إن الرجل إذا دُعي بالحيعلتين كأنه قيل له: أقبِلْ (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٩١٢/٣. (٢) ((المرعاة)) ٢٦٤/٢. (٣) ((المرعاة)) ٢٦٤/٢. ١١٧ (٧) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ... إلخ - حديث رقم (٨٥٦) بوجهك، وشَرَاشِرك على الْهُدَى عاجلاً، وعلى الفلاح آجلاً، أجاب بأن هذا أمرٌ عظيمٌ، وخطْبٌ جسيم، وهي الأمانة التي عُرِضَت على السموات والأرض، فَأَبَيْنَ أن يَحْملنها، وأشفقن منها، فكيف أحملها مع ضعفي، وتشتّت أحوالي؟ ولكن إذا وفّقني الله بحوله وقوّته لعلّي أقوم بها. انتهى. (ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) معنى ((حَيّ على كذا)): أي تَعَالَوْا إليه، و ((الفلاح)): الْفَوْز والنجاة، وإصابة الخير، قالوا: وليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من لفظة ((الفلاح))، وتَقْرُب منها ((النصيحة))، وقد سبق بيان هذا في حديث: ((الدينُ النصيحة))، فمعنى ((حيّ على الفلاح)): أي تَعالَوْا إلى سبب الفوز والبقاء في الجنة، والخلود في النعيم، و((الفَلاح))، و(الْفَلَحُ)): تُطلِقهما العرب أيضاً على البقاء(١). (قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) وإنما أفرد ◌َّهِ الشهادتين والحيعلتين في هذا الحديث مع أن كلّ نوع منها مثنَّى كما هو المشروع؛ لقصد الاختصار، قاله في (المرعاة))(٢). وقال النوويّ كَّلُهُ: معناه: قال كلَّ نوع من هذا مُثَنَّى، كما هو المشروع، فاختصر وّلي من كل نوع شطره؛ تنبيهاً على باقيه. انتهى(٣). [تنبيه]: قال النوويّ تَخْذَلُهُ: قوله: ((لا حَوْلَ ولا قُوَّةً إلا بالله)) يجوز فيه خمسة أوجه لأهل العربية مشهورة: [أحدهما]: لا حولَ ولا قُوّةَ بفتحهما بلا تنوين. [والثاني): فتح الأوّل، ونصب الثاني منوناً. [والثالث]: رفعهما منونين. [والرابع]: فتح الأول، ورفع الثاني منوناً. [و الخامس]: عکسه. قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأوجهُ هي التي أشار إليها ابن مالك تَخّْتُهُ في ((الخلاصة))، حيث قال: (١) ((شرح النوويّ)) ٨٧/٤. (٣) ((شرح النوويّ)) ٨٦/٤. (٢) ((المرعاة)) ٣٦٥/٢. ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ)) وَالثَّانِي اجْعَلَا وَرَكِّبِ الْمُفْرَدَ فَاتِحاً كَـالَا وَإِنْ رَفَعْتَ أَوَّلاً لَا تَخْصِبَا مَرْفُوعاً اوْ مَنْصُوباً اوْ مُرَكَّبَا قال الْهَرَويّ: قال أبو الهيثم: الحول: الحركة، أي لا حركة ولا استطاعةَ إلا بمشيئة الله، وكذا قال ثعلب وآخرون، وقيل: لا حولَ في دفع شرِّ، ولا قوة في تحصيل خير، إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قُوّة على طاعته إلا بمعونته، وحُكِيَ هذا عن ابن مسعود ◌ُبه، وحَكَى الجوهريّ لغةً غريبةً ضعيفةً، أنه يقال: ((لا حَيْلَ، ولا قوة إلا بالله)) بالياء، قال: والحيل والحول بمعنّى. انتهى كلام النوويّ تَظُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لغة غريبة ضعيفة، فيه نظر؛ لأن الحول والحيل بالواو والياء لغتان معروفتان، اللهمّ إلا إذا أراد خُصُوصَ هذا التركيب. قال المجد ◌َّتُهُ في ((القاموس)): و(الْحَوْلُ))، و((الْحَيْلُ))، و((الْحِوَلُ))، كِعِنَبِ، و((الْحَوْلَةُ))، و((الْحِيلَةُ))، و((التحويل))، و((الْمحَالَةُ))، و((الْمَحَالُ))، و((الاحتيال))، و((التّحَوُّلُ))، و((التّحَيُّلُ)): الْحِذْقُ وجَوْدَةُ النظر، والقدرةُ على التصرّف. انتهى كلام المجد (٢). وهكذا أثبت هذا كلّه في ((الجامع))، و((المنتهى))، و((الموعب))، و((المخصص))، و((المحكم))، ذكره في ((العمدة)) (٣). فقد ثبت بهذا أن الْحَيْلَ بالياء لغة فصيحة، مثلُ الحول بالواو، وليست ضعيفةً، كما زعمه النوويّ؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قال الأزهريّ والأكثرون: يقال في التعبير عن قولهم: ((لا حول، ولا قوة إلا بالله)): الْحَوْقَلة، وقال الجوهريّ: الحولقة، فعلى الأول، وهو المشهور الحاء والواو من الحول، والقاف من القوة، واللام من اسم الله تعالى، وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، والأول أولى؛ لئلا يُفْصَل بين الحروف. (١) ((شرح النوويّ)) ٤/ ٨٧. (٣) راجع: ((عمدة القاري)) ١٢١/٥. (٢) ((القاموس المحيط)) ٣٦٣/٣. ١١٩ (٧) - بَابُ أَمْرٍ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، ... إلخ - حديث رقم (٨٥٦) ومثل ((الحولقةِ)) ((الحيعلةُ)) في ((حي على الصلاة))، ((حي على الفلاح))، ((حي على كذا))، و((البسملة)) في ((بسم الله))، و((الحمدلة))، في ((الحمد لله))، و((الهيللة))، في ((لا إله إلا الله))، و((السبحلة))، في ((سبحان الله)). وقال المطرزيّ في ((كتاب اليواقيت)) وفي غيره: إن الأفعال التي أُخذت من أسمائها سبعة، وهي: بَسْمَل الرجل: إذا قال: ((بسم الله))، وسَبْحَل: إذا قال: ((سبحان الله))، وحَوْقل: إذا قال: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))، وحَيْعَل: إذا قال: ((حي على الفلاح))، ويجيء على القياس حَيْصَل: إذا قال: ((حي على الصلاة))، ولم يُذْكَر، وحَمْدل: إذا قال: ((الحمد لله))، وهَيْلل: إذا قال: ((لا إله إلا الله))، وجَعْفل: إذا قال: ((جُعِلت فداءك))، زاد الثعالبيّ الطَّبقلة: إذا قال: ((أطال الله بقاءك))، والدَّمْعزة: إذا قال: ((أدام الله عزك)). وقال القاضي عياض: قوله: الحيصلة على قياس الحيلة غير صحيح، بل الحيعلة تُظْلَق على ((حي على الصلاة))، و((حي على الفلاح))، كلها حيعلة، ولو كان على قياسه في الحيصلة، لكان الذي يقال في ((حي على الفلاح)): الحيفلة بالفاء، وهذا لم يُنقَل، وإنما الحيعلة من قولهم: ((حي على كذا)، فكيف وهو باب مسموعٌ، لا يقاس عليه؟ وانظر قوله: جَعْفل في: ((جُعِلتُ فداك))، لو كان على قياس الحيعلة، لقال: جَعْلف؛ إذ اللام مُقدَّمة على الفاء، وكذلك الطبقلة تكون اللام على القياس قبل القاف. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: ومن المسموع أيضاً سَمْعَلَ: إذا قال: السلام عليكم، وهَيْلَلَ: إذا قال: لا إله إلا الله، وبَعْثَرَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾﴾ [الانفطار: ٤] أي بُعِث موتاها، وأثير ترابها، ومن المولّد الْفَذْلكة، من قولهم: فذلك العدد كذا وكذا، والْبَلكفة، من قولهم: بلا كيف. والنحتُ أن يُختصر من كلمتين، فأكثر كلمة واحدة (٢). وقد نظمت هذه الكلمات المنحوتة بقولي: النَّحْتُ قَدْ وَرَدَ فِي أَفْعَالِ مَسْمُوعَةٍ فَلْتَحْفَظَنْ مَقَالِي (١) ((إكمال المعلم)) ٢٥٢/٢. (٢) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ٤/١. ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة حَوْقَلَ حَيْعَلَ يَلِيهِ حَمْدَلَا بَسْمَلَ سَبْحَلَ كَذَاكَ هَلَّلَا هَيْلَلَ بَعْثَرَ يَلِيهِ سَمْعَلَا طَبْلَقَ دَمْعَزَ كَذَاكَ جَعْفَلَا كَذَاكَ فَذْلَكَ بِهَذَا يُكْتَفَى وَاسْتَعْمَلَ الْمُوَلَّدُونَ بَلْكَفَا (ثُمَّ قَالَ) أي المؤذِّن (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ) أي فقال أحدكم (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ) أي المؤذّن (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ) أي فقال أحدكم (لَا إِلَهَ إِلَّ الله) وقوله: (مِنْ قَلْبِهِ) قيدٌ للكل، ويحتمل أن يكون للأخير، والأول هو الأظهر، وهو متعلّق بحال مقدّر؛ أي حال كون ذلك القول ناشئاً من قلبه، والمراد أنه قال ذلك بلسانه، مع اعتقاده بقلبه، وإخلاصه فيه (دَخَلَ الْجَنَّةَ) قال القاضي عياض نَّثُ ما حاصله: إنما حصل له ذلك؛ لأن في حكايته لما قال المؤذّن التوحيدَ والإعظامَ، والثناءَ على الله تعالى، والاستسلامَ لطاعته، وتفويضَ الأمور إليه بقوله عند الحيعلتين: ((لا حول، ولا قوّة إلا بالله))؛ إذ هي دعاء وترغيب لمن سمعها، فإجابتها لا تكون بلفظها، بل بما يُطابقها من التسليم والانقياد، بخلاف إجابة غيرها من الثناء، والشهادتين فبحكايتها، وإذا حَصَل هذا للعبد، فقد حاز حقيقة الإيمان، وجِمَاعَ الإسلام، واستوجب الجنّة بفضل الله تعالى، وكذلك الحديث الآتي في القول عند أذان المؤذّن: ((رَضِيتُ بالله ربّاً ... )) الحديث قد تضمّن مثلَ هذا من التصريح بحقيقة الإيمان، والاعتراف بقواعده. انتهى(١). وقال الطيبيّ ◌َّتُهُ: وإنما وُضِع الماضي موضع المستقبل؛ لتحقّق الموعود. انتهى؛ أي فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿أَقَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية [النحل: ١]، وقوله: ﴿وَنَدَىَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٤]، والمراد أنه يدخل الجنّة دخولاً أوّليّاً، من غير سبق عذاب، وإلا فكلّ مؤمن لا بدّ له من دخولها، وإن سبقه عذاب بحسب جُرْمه إذا لم يعف الله عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٢٥٣/٢.