النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ (١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٣) وقال ابن منظور: والناقوس: مِضْرابُ النصارى الذي يضربونه لأوقات الصلاة، قال جرير [من البسيط]: صَوْتُ الدَّجَاجِ وَقَرْعٌ بِالنَّوَاقِیسِ لَمَّا تَذَكَّرْتُ بِالدَّيْرَيْنِ أَرَّقَنِي وذلك أنه كان مُزْمِعاً سفراً صبَاحاً، ويُرْوَى: (وَنَفْسٌ بِالنَّوَاقِيسِ))، والنَّفْسُ: الضربُ بالناقوس، والنَّقْسُ: ضَرْبٌ من النواقيس، وهي الْخَشَبة الطويلةُ، والْوَبِيلةُ، والْوَبِيلُ: الخشبة القصيرة. انتهى. (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْناً) أي بل اتّخِذوا قرناً (مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ) أي قرناً يُنفَخْ فيه، فيَخرُج منه صوتٌ يكون علامةً لأوقات الصلاة، كما كانت اليهود تفعله، وهذا القرن هو المسمَّى بالبُوق بضم الموحّدة. ووقع في رواية البخاريّ: وقال بعضهم: ((بل بُوقاً مثل قرن اليهود)): أي قال بعضهم: اتّخِذوا بُوقاً بضمّ الباء الموحّدة، وبعد الواو الساكنة قافٌ، وهو الذي يُنفخ فيه، قال في ((الفتح)): الْبُوقُ والقَرْن: معروفان، والمراد أن يُنفَخ فيه، فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، ويُسمَّى أيضاً الشابُور بالشين المعجمة المفتوحة، والموحّدة المضمومة. انتهى(١). (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب ◌َتُهُ (أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً) الهمزة للاستفهام، والواو عاطفة على مقدَّر؛ أي أتقولون بموافقة اليهود والنصارى، ولا تبعثون رجلاً؟ وقال الطيبيّ تَُّهُ: الهمزة إنكار للجملة الأولى؛ أي المقدَّر، وتقريرٌ للجملة الثانية حثّاً وبَعْثاً (يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟) ببناء الفعل للفاعل، والجملة صفة [ ((رجلاً)). قال القاضي عياض تظلُّهُ: ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعيّ، بل إخبار بحضور وقتها، قال النوويّ: وهذا الذي قاله القاضي مُحْتَمِلٌ، أو متعينٌ، فقد صحّ في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في سنن أبي داود، والترمذيّ، وغيرهما أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى رسول الله ◌َ* يخبره به، فجاء عمر ◌ُله، فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحقّ، لقد رأيت مثل الذي رأى ... وذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه كان في (١) ((الفتح)) ٢ /٩٦. ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة مجلس آخر، فيكون الواقع الإعلام أوّلاً، ثم رأى عبد الله بن زيد الأذان، فشرعه النبيّ وَّر بعد ذلك؛ إما بوحي، وإما باجتهاده وَّر على مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له وَّر، وليس هو عملاً بمجرّد المنام، هذا ما لا يُشَكّ فيه بلا خلاف. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: يَحْتَمِل أن يكون عبد الله بن زيد لَمّا أخبر برؤياه، وصدّقه النبيّ ◌َّي بادر عمر، فقال: ((أوَلا تبعثون رجلاً ينادي))، أي يؤذِّن للرؤيا المذكورة، فقال النبيّ وَّهِ: ((قُم يا بلال))، فعلى هذا فالفاء في سياق حديث ابن عمر هي الفصيحة، والتقدير: فافترقوا، فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النبيّ وَِّ فِقَصَّ عليه، فصدَّقه، فقال عمر. وتعقّبه في ((الفتح)) بأن سياق حديث عبد الله بن زيد يخالف ذلك، فإن فيه أنه لَمّا قَصّ رؤياه على النبيّ بَّه، فقال له: ((أَلْقِها على بلال، فليؤَذِّن بها))، قال: فسمع عمر الصوتَ، فخرج، فأتى النبيّ وَّه، فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى، فدلّ على أن عمر لم يكن حاضراً لَمّا قَصّ عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة، كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك، والله أعلم. وقد أخرج أبو داود بسند صحيح إلى أبي عمير بن أنس، عن عمومته من الأنصار، قالوا: اهتَمَّ النبيّ ◌َّوَ للصلاة، كيف يَجمَع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور وقت الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ... الحديث، وفيه ذَكَروا الْقُنْعَ بضم القاف، وسكون النون؛ يعني الْبُوقَ، وذكروا الناقوس، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مُهْتَمٌّ، فأُري الأذان، فغدا على رسول الله بَّ، قال: وكان عمر رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوماً، ثم أخبر به النبيّ وَّ، فقال: ((ما منعك أن تُخبرنا؟))، قال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله وَلقوله: ((يا بلال قم، فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله))، ترجم له أبو داود بدء الأذان. وقال أبو عمر بن عبد البر: رَوَى قصةَ عبد الله بن زيد جماعة من (١) ((شرح النوويّ)) ٧٦/٤. ٢٣ (١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٣) الصحابة بألفاظ مختلفة، ومعانٍ متقاربة، وهي من وجوه حسان، وهذا أحسنها . قال الحافظ: وهذا لا يخالفه ما تقدم أن عبد الله بن زيد لَمّا قص منامه، فسمع عمر الأذان، فجاء فقال: قد رأيت؛ لأنه يُحْمَل على أنه لم يُخبر بذلك عقب إخبار عبد الله، بل متراخياً عنه؛ لقوله: ((ما منعك أن تخبرنا؟)) أي عقب إخبار عبد الله، فاعتذر بالاستحياء، فدَلّ على أنه لم يخبر بذلك على الفور، وليس في حديث أبي عمير التصريح بأن عمر كان حاضراً عند قَصّ عبد الله رؤياه، بخلاف ما وقع في روايته التي ذُكِر بها: ((فسمع عمر الصوت، فخرج، فقال))، فإنه صريح في أنه لم يكن حاضراً عند قص عبد الله، والله أعلم. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الراجح في معنى قول عمر ظه: ((أَوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة)) هو النداء المطلق، كقوله: ((الصلاة جامعة))، ونحو ذلك، لا الأذان المعروف؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يَا بِلَالُ، قُمْ، فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)) وفي رواية عند أبي عوانة: ((فأذّن بالصلاة))، وفي رواية أبي نعيم: (يا بلال قم، فناد، فأذّن بالصلاة»، قال القاضي عياض وغيره: فيه حجة لشرع الأذان قائماً، وكذا احتج به قبله ابن خزيمة، وابن المنذر، وتعقب ذلك النوويّ بأن المراد بقوله: ((قُمْ)» أي اذهب إلى موضع بارز، فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس، قال: وليس فيه تعرّض للقيام في حال الأذان. انتهى. قال في ((الفتح)): وما نفاه ليس ببعيد من ظاهر اللفظ، فإن الصيغة محتملة للأمرين، وإن كان ما قاله أرجح. قال الجامع عفا الله عنه: بل الأرجح عكس ما قاله؛ لكونه أوفق لظاهر اللفظ، فأيّ دليل يدلّ على صرف ((قم)) عن ظاهره، حتى نرجّح ما قاله؟ فالحديث ظاهر في الدلالة على مشروعيّة القيام للأذان، فتبصّر. والحاصل أن القيام للأذان سنّة ثابتة؛ للحديث المذكور، ولحديث (١) ((الفتح)) ٢ /٩٦ - ٩٧. ٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة الذي رأى الأذان، قال: ((يا رسول الله رأيت في المنام عبد الله بن زيد كأن رجلاً قائماً، وعليه ثوبان أخضران ... )) الحديث(١). قال ابن المنذر تَّثُ: ولم يختلف أهل العلم في أن من السنّة أن يؤذّن وهو قائمٌ إلا من علّة، فإن كانت به علّة فله أن يؤذّن جالساً، وروينا عن أبي زيد صاحب رسول الله بَّه، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله أنه أذّن وهو قاعد، وقال عطاء، وأحمد بن حنبل: لا يؤذّن جالساً إلا من علّة، وكره الأذان قاعداً مالكٌ، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وكان أبو ثور يقول: يؤذّن وهو جالسٌ من علّة وغير علّة، والقيام أحبّ إليّ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر تها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٤٣/١] (٣٧٧)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٠٤)، و(الترمذيّ) فيه (١٩٠)، و(النسائيّ) فيه (٢/٢ -٣)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٤٥٦/١ - ٤٥٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٣٢١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٦١)، و(الدارقطنيّ) في «سننه)) (٢٣٧/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٧٣/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٤٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٣١ و٨٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ابتداء الأذان؛ لأن المراد بقوله: ((قم يا بلال، فناد بالصلاة)) النداء المعروف، وذلك بعد رؤيا عبد الله بن زيد نظراته الأذان، كما أسلفنا تقريره. ٢ - (ومنها): حرص الصحابة ﴿ّ على أداء الصلاة جماعةً، حيث إنهم كانوا يجتمعون من غير أن يكون هناك أذان. (١) أخرجه ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٨/٣ بسند صحيح. ٢٥ (١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٣) ٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على مشروعية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة، دون الاقتصار على الظواهر، قاله ابن العربيّ، وعلى مراعاة المصالح، والعمل بها، وذلك أنه لَمّا شَقّ عليهم التبكير إلى الصلاة، فتفوتهم أشغالهم، أو التأخّر عنها فيفوتهم وقت الصلاة، نظروا في ذلك. ٤ - (ومنها): أن فيه مشروعيةَ التشاور في الأمور المهمة، وذلك مستحبّ في حقّ الأمة بالإجماع، قال النوويّ: واختَلَف أصحابنا هل كانت المشاورة واجبة على النبيّ وَّ﴿، أو كانت سنّةً كما في حقّنا؟ والصحيح عندهم وجوبها، وهو المختار، قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء، ومحقّقو أهل الأصول أن الأمر للوجوب. ٥ - (ومنها): أنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كلّ منهم ما عنده من الرأي، ثم يفعل صاحب الأمر ما ظهرت له فيه المصلحة. ٦ - (ومنها): أنه لا حرج على أحد المتشاورين إذا أخبر بما أدَّى إليه اجتهاده، ولو خطأ . ٧ - (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لعمر، وعبد الله بن زيد نگها. ٨ - (ومنها): أنه يجب مخالفة اليهود والنصارى، وغيرهم من أهل الملل المخالفة للإسلام فيما يستعملونه في عباداتهم، وعاداتهم الخاصّة بهم. ٩ - (ومنها): بيان شرف رؤيا المؤمن، وقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت جه، عن النبيّ وَّر قال: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)). وأخرج البخاريّ عن أبي هريرة رضيله قال: سمعت رسول الله وَلل يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات))، قالوا: وما المبشرات؟ قال: ((الرؤيا الصالحة)». وأخرج مسلم عن ابن عباس ظًا، عن النبيّ وَّ أنه قال: ((أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة، إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له)). ١٠ - (ومنها): مراعاة المصالح والعمل بها، وذلك أنه لَمّا شقّ عليهم التبكير إلى الصلاة؛ لئلا تفوتهم أشغالهم أو التأخّر عنها؛ لئلا يفوتهم صلاتها جماعةً، نظروا في ذلك. ٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ١١ - (ومنها): مشروعيّة القيام للأذان، على ما الراجح في قوله وَل: ((قم يا بلال))، وقال القاضي عياض تَخُّْهُ: في الحديث حجة لشرع الأذان من قيام، وأنه لا يجوز الأذان قاعداً، قال: وهو مذهب العلماء كافّةً إلا أبا ثور، فإنه جوّزه، ووافقه أبو الفرج المالكيّ. وتعقّبه النوويّ، فقال: وهذا الذي قاله ضعيف لوجهين: أحدهما: أنّا قدمنا عنه أن المراد بهذا النداء الإعلام بالصلاة، لا الأذان المعروف، والثاني: أن المراد: قُمْ فاذهب إلى موضع بارز، فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس من البعد، وليس فيه تعرّض للقيام في حال الأذان، لكن يُحْتَجُّ للقيام في الأذان بأحاديث معروفة غير هذا. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن احتجاج القاضي بقوله: ((قم يا بلال)) على القيام ظاهرٌ، وقد احتجّ به قبله ابن المنذر في ((الأوسط))(١). وكذا كون المراد من قوله: ((فناد بالصلاة)) الأذان المعروف هو الأظهر، كما أسلفنا تحقيقه، وأما قول عمر ظلاله: ((ينادي بالصلاة)) فحمله على مطلق الإعلام هو الأقرب، والله تعالى أعلم. قال: وأما قوله: مذهب العلماء كافة أن القیام واجبٌ، فلیس کما قال، بل مذهبنا المشهور أنه سنة، فلو أذّن قاعداً بغير عذر صح أذانه، لكن فاتته الفضيلة، وكذا لو أذّن مضطجعاً مع قدرته على القيام صحّ أذانه على الأصح؛ لأن المراد الإعلام، وقد حَصَل، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَخْدَهُ(٢) . ١٢ - (ومنها): ما قيل: سبب تخصيص بلال ظته بالنداء والإعلام هو ما جاء مبيناً في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما في الحديث الصحيح، حديثٍ عبد الله بن زيد، أن رسول الله وَل﴿ قال له: ((أَلْقِه على بلال، فإنه أندى صوتاً منك))، قيل: معناه أرفع صوتاً، وقيل: أطيب، فيؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه، وهذا متفق عليه، قال أصحابنا: فلو وجدنا مؤذناً حسن الصوت يَطلُب على أذانه رزقاً، وآخر يتبرع بالأذان، لكنه غير حسن (١) ((الأوسط)) ١٢/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٤/ ٧٧. ٢٧ (١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٣) الصوت، فأيهما يؤخذ؟ فيه وجهان؛ أصحهما يُرْزَق حسن الصوت، وهو قول ابن سريج، والله أعلم. انتهى. وقال ابن المنذر كَّلُهُ - بعد إخراجه حديث رؤيا عبد الله بن زيد للأذان - ما نصّه: ويدلّ هذا الحديث على أن من كان أرفع صوتاً أحقّ بالأذان؛ لأن النداء إنما جُعل لاجتماع الناس للصلاة، بَيَّنَ ذلك في قوله: ((ألقها عليه، فإنه أندى صوتاً منك)). انتهى (١). ١٣ - (ومنها): ما ذكره العلماء أن في حكمة الأذان أربعة أشياء: إظهار شعار الإسلام، وكلمة التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة، وبمكانها، والدعاء إلى الجماعة(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم متى شُرع الأذان؟ : قال الإمام البخاريّ رَّتُهُ في ((صحيحه)): ((باب بَدْء الأذان)) وقوله رَّى: ٥٨ [المائدة: ﴿وَإِذَا نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ الَّخَذُوهَا هُوًا وَعِبَأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ٥٨]، وقوله: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَّوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. فأشار بالآية الأولى إلى أن ابتداء الأذان كان بالمدينة، وقد ذكر بعض أهل التفسير أن اليهود لَمّا سمعوا الأذان قالوا: لقد ابتدعت يا محمد شيئاً لم يكن فيما مضى، فنزلت: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآية. وأشار بالآية الثانية أيضاً إلى أن الابتداء كان بالمدينة، وذلك لأن ابتداء الجمعة إنما كان بالمدينة. قال في ((الفتح)): واختُلِف في السنة التي فُرض فيها، فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى، وقيل: بل كان في السنة الثانية، ورُوي عن ابن عباس أن فرض الأذان نزل مع هذه الآية، أخرجه أبو الشيخ. قال: وحديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ظاهر في أن الأذان إنما شُرِع بعد الهجرة، فإنه نُفِيَ النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقاً، وقوله في آخره: ((يا بلال قم، فناد بالصلاة)) كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد، وسياق حديثه يدلّ على ذلك، كما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق محمد بن إسحاق، (١) ((الأوسط)) ١٣/٣. (٢) راجع: ((شرح النوويّ)) ٧٧/٤. ٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال: حدّثني محمد بن إبراهيم التيميّ، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: حدَّثني عبد الله بن زيد، فذكر نحو حديث ابن عمر، وفي آخره: فبينما هم على ذلك أُرِيَ عبد الله النداء، فذكر الرؤيا، وفيها صفة الأذان، لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع التكبير، وإفراد الإقامة، وتثنية ((قد قامت الصلاة))، وفي آخره قوله وَلاير: ((إنها لرؤيا حقّ إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال، فألقها عليه، فإنه أندى صوتاً منك))، وفيه مجيء عمر، وقوله: إنه رأى مثل ذلك. وقد أخرج الترمذيّ فى ترجمة بدء الأذان حديث عبد الله بن زيد، مع حديث عبد الله بن عمر، وإنما لم يخرجه البخاريّ؛ لأنه على غير شرطه، وقد رُوِي عن عبد الله بن زيد من طُرُق، وحَكَى ابن خزيمة عن الذّهليّ أنه ليس في طُرُقه أصح من هذه الطريق، وشاهده حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، مرسلاً، ومنهم من وصله عن سعيد، عن عبد الله بن زيد، والمرسل أقوى إسناداً . ووقع في ((الأوسط)) للطبراني أن أبا بكر أيضاً رأى الأذان، ووقع في ((الوسيط)) للغزاليّ أنه رآه بضعة عشر رجلاً، وعبارة الجيلي في ((شرح التنبيه)) أربعة عشر رجلاً، وأنكره ابن الصلاح، ثم النوويّ، ونقل مغلطاي أن في بعض كتب الفقهاء أنه رآه سبعةٌ، ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصةُ عمر جاءت في بعض طرقه. وفي ((مسند الحارث بن أبي أسامة)) بسند واوٍ قال: ((أول من أذّن بالصلاة جبريل في سماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالاً، فأخبر النبيّ وَّل، ثم جاء بلال، فقال له: سبقك بها عمر)). قال الجامع عفا الله عنه: تبيّن بما سبق أن الراجح أن شرع الأذان كان بالمدينة، كما بيّنه حديث ابن عمر ﴿يّ المذكور في الباب. قال ابن المنذر تَّثُ بعد ذكر حديث ابن عمر ظها: هذا الحديث يدلّ على أن بدء الأذان إنما كان بعد أن هاجر النبيّ وَ ﴿ إلى المدينة، وأن صلاته بمكّة إنما كانت بغير نداء، ولا إقامة، وكذلك كان يُصلّي أوّل ما قَدِمَ المدينة ٢٩ (١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٣) إلى أن رأى عبد الله بن زيد النداء في المنام بغير أذان ولا إقامة. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: وردت أحاديث تدلّ على أن الأذان شُرع بمكة قبل الهجرة، منها للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: لما أُسري بالنبيّ ◌َ ﴿ أوحى الله إليه الأذان، فتَزَل به، فعلَّمه بلالاً، وفي إسناده طلحة بن زيد، وهو متروك. وللدارقطني في ((الأطراف)) من حديث أنس، أن جبريل أمر النبيّ بالأذان حين فُرِضت الصلاة، وإسناده ضعيف أيضاً. ولابن مردويه من حديث عائشة، مرفوعاً: ((لما أُسري بي أَذَّن جبريل، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدَّمني فصليت))، وفيه من لا يُعْرَف. وللبزار وغيره من حديث عليّ قال: لما أراد الله أن يُعَلِّم رسوله الأذان، أتاه جبريل بدابة يقال لها: البراق، فركبها ... فذكر الحديث، وفيه: إذ خرج ملك من وراء الحجاب، فقال: الله أكبر الله أكبر، وفي آخره: ثم أخذ الملك بيده، فأمَّ بأهل السماء، وفي إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو متروك أيضاً، ويمكن على تقدير الصحة أن يُحمَل على تعدد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة . وأما قول القرطبيّ: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعاً في حقه، ففيه نظر؛ لقوله في أوله: ((لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان))، وكذا قول المحب الطبريّ: يُحْمَل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغويّ، وهو الإعلام؛ ففيه نظر أيضاً؛ لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه. والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه وله كان يصلي بغير أذان منذ فُرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر، ثم حديث عبد الله بن زيد. انتهى. وقد حاول السهيليّ الجمع بينهما، فتكلّف وتعسَّف، والأخذ بما صَحّ (١) ((الأوسط)) ١١/٣. ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة أولى، فقال بانياً على صحة الحكمة في مجيء الأذان على لسان الصحابيّ: إن النبيّ وَّ سمعه فوق سبع سماوات، وهو أقوى من الوحي، فلما تأخر الأمر بالأذان عن فرض الصلاة، وأراد إعلامهم بالوقت، فرأى الصحابيّ المنام فقصّها، فوافقت ما كان النبيّ وَّر سمعه، فقال: ((إنها لرؤيا حقّ))، وعَلِم حينئذ أن مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنةً في الأرض، وتَقَوَّى ذلك بموافقة عمر؛ لأن السكينة تنطق على لسانه، والحكمةُ أيضاً في إعلام الناس به على غير لسانه وَل# التنويه بقدره، والرفع لذكره بلسان غيره؛ ليكون أقوى لأمره، وأفخم لشأنه. انتهى ملخصاً. قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ كَّتُهُ في ردّه على القرطبيّ والسهيليّ هذه التكلّفات والتعسّفات؛ إذ هي تعب لا ينبني عليه أرب؛ إذ الجمع بين النصوص المختلفة إنما هو فرع عن صحّتها، فأما إذا كانت واهية كالأحاديث المذكورة هنا، فلا داعي إلى التكلّف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: ومما كَثُر السؤال عنه، هل باشر النبيّ ◌َ ر الأذان بنفسه؟ وقد وقع عند السهيليّ أن النبيّ ◌َ﴿ أَذَّن في سفر، وصلى بأصحابه وهم على رواحلهم، السماء من فوقهم، والبِلّة من أسفلهم، أخرجه الترمذيّ من طريق تدور على عمر بن الرِّمَاح، يرفعه إلى أبي هريرة. انتهى. قال الحافظ تَخّْتُهُ: وليس هو من حديث أبي هريرة، وإنما هو من حديث يعلى بن مرّة، وكذا جزم النوويّ بأن النبيّ ◌َ ﴿ أَذَّن مرة في السفر، وعزاه للترمذيّ، وقوّاه، ولكن وجدناه في ((مسند أحمد)) من الوجه الذي أخرجه الترمذيّ، ولفظه: ((فأمر بلالاً، فأذّن))، فعُرف أن في رواية الترمذيّ اختصاراً، وأن معنى قوله: (أَذَّن)) أمر بلالاً به، كما يقال: أعطى الخليفةُ العالم الفلانيّ ألفاً، وإنما باشر العطاء غيره، ونُسب للخليفة؛ لكونه آمراً به. قال: ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان: ما رواه أبو الشيخ بسند فيه مجهول، عن عبد الله بن الزبير، قال: ((أُخِذ الأذانُ من أذان إبراهيم، ﴿وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجْ﴾ الآية [الحج: ٢٧]، قال: فأذّن رسول الله وَّ))، وما رواه أبو نعيم في ((الحلية)) بسند فيه مجاهيل: ((إن جبريل نادى بالأذان لآدم حين أُهبط من الجنة)). انتهى. ٣١ (١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٣) قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأحاديث كلّها ضعاف لا ينبغي الاعتماد عليها، وإنما تُذكر للتنبيه؛ فتنبّه ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: قد استُشكِل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد؛ لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعيّ. وأُجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك، أو لأنه وَ* أُمر بمقتضاها؛ ليَنظُر أَيُقَرُّ على ذلك أم لا؟ ولا سيما لَمّا رأى نظمها يَبْعُد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده وَّ ر في الأحكام، وهو المنصور في الأصول، ويؤيد الأول ما رواه عبد الرزاق، وأبو داود في ((المراسيل)) من طريق عُبيد بن عمير الليثيّ، أحد كبار التابعين، أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر به النبيّ ◌َّر، فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبيّ وَّشير: سبقك بذلك الوحي، وهذا أصح مما حَكَى الداوديّ، عن ابن إسحاق أن جبريل أتى النبيّ وَ * بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام. وأشار السهيلي إلى أن الحكمة في ابتداء شرع الأذان على لسان غير النبيّ وَلّ التنويه بعلوّ قدره على لسان غيره؛ ليكون أفخم لشأنه، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأذان: قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَظُّ في كتابه «الأوسط)): ((ذكرُ الأمر بالأذان، ووجوبه))، قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعُ﴾ [الجمعة: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ اَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّأَ﴾ الآية [المائدة: ٥٨]. قال: ولا نعلم أذاناً كان على عهد رسول الله وَله إلا للصلاة المكتوبة، وقد ثَبَت أن رسول الله وَله أمر بالأذان والإقامة للمسافر، ثم أخرج بسنده عن مالك بن الحويرث وبه أنه أتى النبيّ وَّ هو وصاحب له، فقال: ((إذا سافرتما، فأذّنا ثم أقيما، وليؤمّكما أكبركما))، متّفقٌ عليه. قال: فالأذان والإقامة واجبتان على كلّ جماعة في الحضر والسفر؛ لأن ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة النبيّ وَّهِ أمر بالأذان، وأَمْرُه على الفرض، وقد أمر النبيّ وَّ أبا محذورة أن يؤذّن بمكة، وأمر بلالاً بالأذان، وكلُّ هذا يدلّ على وجوب الأذان. وقد اختَلَف أهل العلم فيمن صلَّى بغير أذان ولا إقامة، فرُوي عن عطاء أنه قال فيمن نسي الإقامة: يعيد الصلاة، وبه قال الأوزاعيّ، ثم قال الأوزاعيّ فيمن نسي الأذان: يُعيد ما دام في الوقت، فإن مضى الوقت فلا إعادة، وكان يقول في الأذان والإقامة: يُجزئ أحدهما عن الآخر، وقد رُوي عن مجاهد أنه قال: من نسي الإقامة في السفر أعاد. وقال مالك: إنما يجب النداء في مساجد الجماعة التي يُجمع فيها الصلاة . وقالت طائفة: لا إعادة على من ترك الأذان والإقامة، وروينا عن الحسن أنه قال: من نسي في السفر فلا إعادة عليه، وكذلك قال النخعيّ، وقال الزهريّ وقتادة: من نسي الإقامة لم يُعِد صلاته، وقال مالك: لا شيء عليه إذا صلّى بغير إقامة، وإن تعمّد يستغفر الله، ولا شيء عليه، وقال أحمد، وإسحاق، والنعمان، وصاحباه في قوم صلَّوا بغير أذان ولا إقامة، قالوا: صلاتهم جائزة. انتهى كلام ابن المنذر تَّثهُ(١) . وقال أبو محمد بن حزم كَُّهُ: ولا تُجزئ صلاة فريضةٌ في جماعة: اثنين فصاعداً إلا بأذان وإقامة، سواء كانت في وقتها، أو كانت مقضيّةً لنوم أو لنسيان، متى قُضيت، السفر والحضر سواء في كلّ ذلك، فإن صلّى شيئاً من ذلك بلا أذان ولا إقامة، فلا صلاة لهم، حاشا الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بمزدلفة، فإنمها يُجمعان بأذان لكلّ صلاة، وإقامة للصلاتين معاً؛ لأثر في ذلك. ثم ذكر حديث مالك بن الحويرث وبه المتقدّم، ثم قال: وما نعلم لمن لم ير ذلك فرضاً حُجّةً أصلاً، ولو لم يكن إلا استحلال رسول الله وَّه دماء من لم يسمع عندهم أذاناً وأموالهم، وسبيهم لكفى في وجوب فرض ذلك، (١) ((الأوسط)) ٢٤/٣ - ٢٥. ٣٣ (١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٣) وهو إجماع متيقّنٌ من جميع من كان معه من الصحابة ◌َّ بلا شكّ. انتهى كلام ابن حزم ◌َّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول بوجوب الأذان والإقامة هو الأرجح؛ للأدلة الكثيرة الواضحة في ذلك، وقد ذكرت كثيراً منها في ((شرح النسائيّ))(٢)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): الأصل في الأذان هو ما أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٣)، فقال: (٤٩٩) حدثنا محمد بن منصور الُوسيّ، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: حدثني أبي، عبد الله بن زيد، قال: لَمّا أمر رسول الله وَلّ بالناقوس يُعْمَل؛ ليُضْرَب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يَحمِل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلَّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى، قال: فقال: تقول: ((الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله))، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: ((الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)). فلما أصبحت أتيت رسول الله وَال ير، فأخبرته بما رأيت، فقال: ((إنها لرؤيا حقّ إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى (١) ((المحلَّى)) ١٢٢/٣ - ١٢٥. (٢) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ٧/ ٦٦٧ - ٦٦٨. (٣) ((سنن أبي داود)) ١٣٥/١. ٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة صوتاً منك))، فقمت مع بلال، فجعلت أُلقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب، وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحقّ يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله وَله: ((فلله الحمد)) . وأخرج ابن ماجه نحوه، وزاد: قال أبو عبيد(١): فأخبرني أبو بكر الحكميّ أن عبد الله بن زيد الأنصاريّ قال في ذلك [من الخفيف]: ـرَامِ حَمْداً عَلَى الأَذَانِ كَثِيرًا أَحْمَدُ اللّهَ ذَا الْجَلَالِ وَذَا الإِكْـ ـهِ فَأَكْرِمْ بِهِ لَدَيَّ بَشِيرَا إِذْ أَتَانِي بِهِ الْبَشِيرُ مِنَ اللَّ كُلَّمَا جَاءَ زَادَنِي تَوْقِيرًا فِي لَيَالٍ وَالَى بِهِنَّ ثَلَاثٍ قال ابن المنذر تَُّ بعد إخراج الحديث من طريق ابن إسحاق بسند أبي داود قال: وليس في أسانيد أخبار عبد الله بن زيد إسناد أصحّ من هذا الإسناد، وسائر الأسانيد فيها مقال. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الأذان على غير طهارة: اختلفوا فيه على مذاهب: فكرهت طائفة أن يؤذّن المؤذِّن إلا طاهراً، فممن قال ذلك عطاء، ومجاهد، والأوزاعيّ، وكان الشافعيّ يكره ذلك، ويقول: يجزيه إن فعل، وبه قال أبو ثور، وقال أحمد: لا يؤذّن الجنب، وإن أذّن على غير طهارة أرجو أن لا يكون به بأس، وقال إسحاق: إذا أذّن الجنب أعاد الأذان، وقال: لا يؤذِّن إلا متوضئ. ورخّصت طائفة في الأذان على غير وضوء، وممن رخّص في ذلك الحسن البصريّ، والنخعيّ، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وقال الثوريّ: لا (١) هو شيخ ابن ماجه محمد بن عُبيد بن ميمون المدنيّ، قال في ((التقريب)): صدوقٌ من العاشرة، مات سنة (٢٥١). انتهى. والحديث عند ابن ماجه حديث حسن، لكن الأبيات فيها انقطاع. (٢) ((الأوسط)) ١٣/٣. ٣٥ (١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٣) بأس أن يؤذّن الجنب، وقال مالك: يؤذّن على غير وضوء، ولا يُقيم إلا على وضوء، وقال النعمان فيمن أذّن على غير وضوء وأقام: يجزيهم، ولا يعيدوا الأذان ولا الإقامة، وإن أذن وهو جنبٌ أُحبّ أن يعيدوا، وإن صلَّوا أجزأهم، وكذلك إذا أقام، وهو جنب. قال ابن المنذر تَخْلَتُ بعد ذكر هذه الأقوال: ليس على من أذّن وأقام وهو جنبٌ إعادة؛ لأن الجنب ليس بنجس؛ لقوله وَمطر: ((إن المسلم لا ينجس))، ولأنه سي* كان يذكر الله على كلّ أحيانه، والأذان على الطهارة أحبّ إليّ، وأكره أن يُقيم جنباً؛ لأنه يُعَرِّض نفسه للتهمة، ولفوات الصلاة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر تَظُّ هو الأرجح عندي؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في الكلام في الأذان: قال الإمام ابن المنذر تَّثهُ: اختلفوا في هذا، فرخّصت فيه طائفة، وممن رخّص فيه: الحسن البصريّ، وعطاء، وقتادة، وروينا عن سليمان بن صُرَد، وكانت له صحبة أنه كان يأمر بالحاجة له، وهو في أذانه، وكان عروة بن الزبير يتكلّم في أذانه. واحتجّ بعض من رخّص في الكلام في الأذان بحديث ابن عبّاس ◌َّ، ثم أخرج بسند صحيح عن عبد الله بن الحارث، أن ابن عبّاس أمر مناديه يوم الجمعة في يوم مطير، فقال: إذا بلغت حيّ على الفلاح، فقل: ألا صلُّوا في الرحال، فقيل له: ما هذا؟ فقال: فعله من هو خير مني. قال: وكان أحمد بن حنبل يرخّص في الكلام في الأذان، وذكر حديث سليمان بن صُرد رَظُه، ثم أخرج بسند صحيح عن موسى بن عبد الله بن یزید، أن سليمان بن صُرَد، وكانت له صحبةٌ، كان يؤذّن في العسكر، فأمر غلامه بالحاجة له، وهو في أذانه. وكرهت طائفة الكلام في الأذان، وممن كره ذلك النخعيّ، وابن سیرین، والأوزاعيّ، وقال مالكٌ: لم نعلم أحداً يُقتدى به تكلّم بين ظهراني أذانه، وقال (١) ((الأوسط)) ٣٨/٣. ٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة الثوريّ: وإذا أُذّن وأقام فلا يتكلّمنّ فيهما، ولا بأس أن يتكلّم بينهما، وقال الشافعيّ: أحبّ أن لا يتكلّم في أذانه، فإن تكلّم فلا يعيد، وقال إسحاق: لا ينبغي للمؤذّن أن يتكلّم في أذانه إلا كلاماً من شأن الصلاة، نحو: صلّوا في رحالكم، وقال النعمان ويعقوب ومحمد: لا يتكلّم في أذانه وإقامته، فإن تكلّم في أذانه وصلّى القوم، فصلاتهم تامّة، وقد روينا عن الزهريّ أنه قال: إذا تكلّم الرجل في الإقامة أعاد الإقامة. قال ابن المنذر: أحسن ما قيل في هذا الباب الرخصة في الكلام في الأذان مما هو شأن الصلاة، کما قال إسحاق، وعلى ذلك يدلّ حديث ابن عبّاس ﴿ّ، فإن تكلّم بما ليس من الصلاة فهو مكروه، ولا يبطل أذانه، ولا إقامته؛ إذ لا حجّة على إبطالهما. انتهى كلام ابن المنذر تَذَتْهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح أن لا يتكلّم في أثناء الأذان، كما هو حال بلال وغيره من مؤذّني النبيّ وَّر، فإن تكلّم فلا شيء عليه؛ لعدم ورود ما يدلّ على المنع؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في أذان النساء: قال ابن المنذر تَُّهُ: اختلفوا في أذان النساء، وإقامتهنّ، فروينا عن عائشة ﴿ّا أنها كانت تؤذّن وتقيم، وعن وهب بن كيسان قال: سئل ابن عمر: هل على النساء أذان؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذكر الله؟ وحُكي عنه أنه قال: ليس على النساء أذان ولا إقامة، ولأن تقيم أحبّ إلينا. وقالت طائفة: عليهنّ إقامة، روي ذلك عن عطاء، ومجاهد، والأوزاعيّ، وقال الأوزاعيّ: ليس عليهنّ أذان، وعن جابر بن عبد الله ظّا أنه سئل: أتقيم المرأة؟ قال: نعم. وقالت طائفة: ليس على النساء أذان ولا إقامة، كذلك قال أنس بن مالك، وروي ذلك عن ابن عمر، وقال أنس: إن فعلن فهو ذِكرٌ. وممن قال: ليس على النساء أذانٌ ولا إقامةٌ: سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ، والنخعيّ، والزهريّ، والثوريّ، ومالكٌ، والشافعيّ، (١) ((الأوسط)) ٤٣/٣ - ٤٥. ٣٧ (١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٣) وأحمد، وأبو ثَوْر، والنعمان، ويعقوب، ومحمد، وقال مالك: وإن أقامت فحسنٌ، وقال الشافعيّ: وإن جمّعن، وأذّنّ، وأقمن فلا بأس. قال ابن المنذر: الأذان ذكرٌ من ذكر الله فلا بأس أن تؤذّن المرأة وتقيم، قال: وروينا عن النبيّ ◌َ ﴿ حديثاً في هذا الباب، ثم أخرج بسنده حديث أم ورقة ابنة عبد الله بن الحارث الأنصاريّ، وكان رسول الله و 8* يزورها، ويُسمّيها الشهيدة، وكان رسول الله وَ ل﴿ قد أمرها أن تؤمّ في دارها، وكان لها مؤذّن(١). انتھی. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر كَثْلَتُهُ من أنه لا بأس على المرأة أن تؤذّن وتقيم هو الحقّ عندي؛ لأن الأذان ذكر، وهي من أهل الذكر، ولم يَرِد نصّ ولا إجماع بنهيها عن ذلك، بل استحسنه كثير من أهل العلم، ويؤيّد ذلك قصّة أم ورقة ظَهُنا، وأما حديث: ((ليس على النساء أذانٌ ولا إقامة))، رواه البيهقيّ، من حديث ابن عمر ﴿هَا، فضعيفٌ مرفوعاً، وإنما هو موقوف، وعلى تقدير صحّته يكون معناه أنه لا يجب عليهنّ الأذان ولا الإقامة، كما يجب على الرجال، فلا ينافي الجواز. والحاصل أن المرأة إن أذّنت وأقامت، فلا بأس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في الأذان والإقامة لمن صلّى في بیته : اختلفوا فيمن صلّى في منزله منفرداً، فقالت طائفة: له أن يصلّي بغير أذان ولا إقامة، قال الأسود، وعلقمة: أتينا عبد الله في داره، فقال: قوموا فصلُّوا، قال: فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، وعن ابن عمر قال: إذا كنت في قرية يؤذّن بها، ويقام أجزأك ذلك. وهذا مذهب الشعبيّ، والأسود، وأبي مِجْلَز، ومجاهد، والنخعيّ، وعكرمة، وقال أحمد: إذا كان في مصر أجزأه أذان أهل المصر، وقال أبو (١) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد في «مسنده)) (٢٦٠٢٢)، وأبو داود في ((سننه)) (٥٩١). ٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة حنيفة: إذا صلّى وحده إن أذْن وأقام فحسنٌ، وإن اكتفى بأذان الناس وإقامتهم أجزأه، وكذا قال أبو ثور. وقالت طائفة: يكفيه الإقامة، وبه قال: سعيد بن جبير، والأوزاعيّ، والحسن، وابن سيرين، وميمون بن مِهْران، ومالك بن أنس. وقالت طائفة: تجزئ الإقامة إلا في الفجر، فإنه يؤذّن ويقيم، روي هذا عن ابن سيرين، والنخعيّ. وقالت: إن صلّى بغير أذان وإقامة أعاد الصلاة، وتجزيه الإقامة، وهو قول عطاء. قال ابن المنذر تَّتُهُ بعد ذكر هذه الأقوال: أحبّ إليّ أن يؤذّن ويقيم إذا صلّى وحده، ويجزيه إن أقام، وإن لم يؤذّن، ولو صلّى بغير أذان ولا إقامة لم يجب عليه إعادة، وإنما أحببت الأذان والإقامة للمصلّي وحده؛ لما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة الأنصاريّ، ثم المازنيّ، عن أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدريّ قال له: إني أراك تُحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يَسْمَع مَدَى صوت المؤذِّن جنّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ إلا شَهِد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله محمدلے فقد دلّ الحديث على أن الأذان ليس لاجتماع الناس فقط، بل لفضيلة الأذان أيضاً، وقد أمر ◌َّه مالك بن الحويرث وابن عمّه ضيًّا بالأذان والإقامة، ولا جماعة معهما (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح أن يؤذّن ويقيم من يصلّي وحده في بيته؛ لأن أدلّة مشروعيّة الأذان لم تشترط الجماعة، بدليل حديث أبي سعيد ظه المذكور؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) راجع: ((الأوسط)) ٥٨/٣ - ٦٠. ٣٩ (١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٣) (المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في الأذان والإقامة لمن صلّى في مسجد قد صُلّ فيه: (اعلم): أنهم اختلفوا في الرجل يأتي إلى مسجد قد صلَّى فيه أهله، فقالت طائفة: يؤذّن ويُقيم، كذلك فَعَل أنس بن مالك نظُّبه، دخل مسجداً قد صُلّي فيه، فأذّن وأقام وصلّى جماعةً، وكان سلمة بن الأكوع ظُبه إذا فاتته الصلاة مع القوم أذِن وأقام، وقال سعيد بن المسيّب، والزهريّ: يؤذّن ويقيم، وقال قتادة: لا يأتيك من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا خیرٌ. واختلف في هذه المسألة عن الشافعيّ، فحَكى الزعفرانيّ عنه أنه قال: أذان المؤذّنين وإقامتهم كافيةٌ، وحَكَى الربيع عنه أنه قال: إذا دخل مسجداً أقيمت فيه الصلاة أحببت له أن يؤذّن ويقيم في نفسه، وسئل أحمد عنه فقال: أليس كذا فعل أنس؟. وقالت طائفة: يقيم، روي هذا عن طاوس، وعطاء، ومجاهد، وبه قال مالك، والأوزاعيّ. وقالت طائفة: ليس عليه أن يؤذّن ولا أن يقيم، رُوي ذلك عن الحسن، والنخعيّ، وعكرمة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. قال ابن المنذر تَخُّْهُ بعد ذكر هذه الأقوال: أذانه وإقامته أحبّ إليّ، وإن اقتصر على أذان أهل المسجد فصلّى، فلا إعادة عليه، ولا أحبّ أن يفوته فضل الأذان. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي يظهر لي أن من أتى مسجداً قد صّلى فيه أهله، وتفرّقوا أن يؤذّن ويقيم، ولا يقتصر على الأذان الأول؛ لأنه لم يحضره؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): في اختلاف أهل العلم في أخذ الأجرة على الأذان : قال ابن المنذر تَخْشُهُ: اختلفوا في ذلك، فكرهت طائفة أخذ الأجرة على (١) ((الأوسط)) ٦٠/٣ - ٦٢. ٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة الأذان، وممن كره ذلك القاسم بن عبد الرحمن، وروي عن الضحّاك بن مزاحم، وقتادة، وعن ابن عمر ﴿ّ أن رجلاً قال له: يا أبا عبد الرحمن، إني أحبّك في الله، فقال له ابن عمر: وأنا أُبغضك في الله، قال: سبحان الله أحبّك في الله، وتُبغضني في الله؟ فقال ابن عمر: إنك تأخذ على أذانك أجراً. وكره ذلك أصحاب الرأي، وقال إسحاق: لا ينبغي أن يأخذ على الأذان أجراً . ورخّص مالك في الأجر على الأذان، وقال: لا بأس به، وقال الأوزاعيّ: الإجارة في ذلك مكروهة، ولا بأس بأخذ الرزق من بيت المال على ذلك، ولم ير بأساً بالمعونة على غير شرط. وقال طائفة: لا يُرزق المؤذّن إلا من خمس الخمس، سهم النبيّ وَّ، ولا يُرزق من غيره من الفيء، ولا من الصدقات، وهكذا قال الشافعيّ. قال ابن المنذر بعد ذكر هذه الأقوال: لا يجوز للمؤذّن أخذ الأجر على أذانه؛ لحديث عثمان بن أبي العاص وَظُه، حيث أمره النبيّ وَّ أن يتّخذ مؤذّناً لا يأخذ على أذانه أجراً (١)، قال: فإن أخذ مؤذن على أذانه أجراً لم يسعه ذلك؛ لأن السنّة منعت منه، فإن صلّوا بأذان من أخذ على أذانه أجراً فصلاتهم مجزئة؛ لأن الصلاة غير الأذان، وليست الإمامة كذلك، أخشى أن لا تجزئ صلاة من أمّ بجُعْل، كما رُوي عن الحسن أنه قال: أخشى أن لا تكون صلاته خالصة لله. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر لكَّثُ من عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان هو الأرجح عندي، لكن لو رُزق المؤذن من بيت المال دون المشارطة؛ لئلا تتعطّل المساجد، فالظاهر أنه لا مانع منه؛ لأنه ليس استئجاراً، وقد مال إلى هذا الشوكانيّ تَّتُهُ، وقد ذكرت المسألة بأتمّ مما هنا في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) حديث صحيح أخرجه أحمد، وأصحاب السنن. (٢) ((الأوسط)) ٦٢/٣ - ٦٤. (٣) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٢٧٣/٨ - ٢٧٦.