النص المفهرس

صفحات 1-20

الِالخَطُ التَّارِ
(2)
في شرح
جَهُ الأمر مُسُلِم ◌ُ الحجاج
لَجَامِعِه الْفَقِيرِالِحِصَوْلَهِ الغَنِالْقَدِرُ
مُقَدَابرُ الشَّهُ الْعُلَّمَ بَلِّنْ آدَمْ بِرُمُوسَ الإِنْيُّوُ الوَلْوِيُّ
خُوَيَدْمِ العِلْمُ بِمَكّة المُكَّهَة
عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وَعَنْهُ وَالدِيُّه آمين
المَجَلِّ التَّاسِعْ
كتَّابُ الصَّلاة
رقم الأحاديث (٨٤٣-٩١٧)
دارابن الجوزي

ל

التِالخَيُطُ التجاري
في شرح
جِيعُ الأمَر مُسْلِسُ الحجاج

حِقُوق الطّبْع محفوظة لِدارابن الجوزي
الطَّبَعَة الأولى
رجب ١٤٢٩ هـ
حقوق الطبع محفوظة ٢ ١٤٢٩ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
ابن
U
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
للنّشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - شارع الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ -
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - حي الفلاح - مقابل جامعة الإمام - تلفاكس:
٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ -
الخبر - ت: ٨٩٩٩٣٥٦ - فاكس: ٨٩٩٩٣٥٧ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ -
القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠
البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
٤ - كتاب الصلاة
براس الرحمن الرحيم
ليلة الخميس ١٤٢٦/٣/١٦ هـ أول الجزء التاسع من شرح
((صحيح الإمام مسلم) المسمّى ((البحر المحيط التجّاج في
شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)) رحمه الله تعالى.
(٤) - (كِتَابُ الصَّلَاةِ)
أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدالّة على أحكام الصلاة.
و((كتاب)) يجوز رفعه، ونصبه، ويجوز جرّه أيضاً على قلّة، وقد تقدّم توجيه
ذلك كلّه في الكلام على ((كتاب الطهارة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
ولَمّا فرغ من بيان أحاديث الطهارة التي هي من شروط الصلاة، شَرَع يُبيِّن
أحاديث الصلاة التي هي المشروطة، فلذا أخّرها عن الشرط؛ لأن شرط الشيء
يَسبقه، وحكمه يَعقُبه، وقدّمها على الزكاة والصوم، وغيرهما؛ لكونها تالية
الإيمان، وثانيته في الكتاب والسنّة، ولشدّة الاحتياج، وعمومه إلى تعلّمها؛ لكثرة
وقوعها ودَوَرانها، بخلاف غيرها من العبادات(١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا المقام مسائل:
(المسألة الأولى): في تعريف ((الصلاة)) لغةً وشرعاً:
(اعلم): أن ((الصلاة)) في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيَّهِمْ﴾
[التوبة: ١٠٣]، أي ادعُ لهم، وفي الحديث في إجابة الدعوة: ((وإن كان صائماً،
فليُصلّ))، أي فليَدْعُ لهم بالبركة.
وقال ابن الأثير تَخْلُهُ: وقد تكرر في الحديث ذكر الصلاة، وهي العبادة
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٣/٥.

٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
المخصوصة، وأصلها في اللغة: الدعاء، فسُمِّيت ببعض أجزائها، وقيل:
أصلها في اللغة: التعظيم، وسُمِّيت الصلاة المخصوصة صلاةً؛ لما فيها من
تعظيم الرب تعالى وتقدس، وقوله في التشهد: ((الصلوات)): أي الأدعية التي
يُراد بها تعظيم الله هو مستحقُّها، لا تليق بأحد سواه، وأما قولنا: ((اللهم صل
على محمد)»، فمعناه: عَظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء
شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وقيل: المعنى
لَمّا أمرنا الله سبحانه بالصلاة عليه، ولن نبلغ قَدْرَ الواجبِ من ذلك أحلناه
على الله، وقلنا: اللهم صلّ أنت على محمد؛ لأنك أعلم بما يليق به.
وهذا الدعاء قد اختُلِف فيه، هل يجوز إطلاقه على غير النبيّ وَِّ أم لا؟،
والصحيح أنه خاصّ له، ولا يقال لغيره، وقال الخطابيّ: الصلاة التي بمعنى
التعظيم والتكريم لا تقال لغيره وَلغيره، والتي بمعنى الدعاء والتبريك، تقال لغيره،
ومنه: ((اللهم صلِّ على آل أبي أوفى))، أي تَرَخَّم، وبَرِّكْ، وقيل فيه: إن هذا خاصّ
له، ولكنه هو آثرَ به غيره، وأما سواه فلا يجوز له أن يخُصّ به أحداً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم جواز الصلاة على غير الأنبياء لقّلة
مما لا يؤيّده دليلٌ، بل الأدلّة على خلافه، كالحديث المذكور: ((اللهم صلِّ
على آل أبي أوفى))، وغيره، وحديث: ((صلّى الله على زوجك))، وآية: ﴿وَصَلّ
عَلَيْهِمْ﴾، ودعوى الخصوصيّة مما لا دليل عليها، فالحّق جوازها، إلا أن الأولى
والشائع بين الأمة الصلاة على الأنبياء، والترضّي على الصحابة، والترحّم على
غيرهم، فهذا من باب الأولويّة، لا من باب الوجوب؛ فتبصّر، وسيأتي تمام
البحث في هذا في محلّه - إن شاء الله تعالى -، وبالله تعالى التوفيق.
وقال العلامة ابن قدامة تَخْدُ: ((الصلاة)) في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى:
﴿وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَُّمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]: أي ادع لهم، وقال النبيّ يَّ:
((إذا دُعي أحدكم فليجب، وإن كان مفطراً فليَطْعَم، وإن كان صائماً فليصلّ))(٢).
قال الشاعر [من البسيط]:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْتُ مُرْتَحَلاَ يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
(١) ((النهاية)) ٥٠/٣.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في سننه (٣٣١/٢).

٧
٤ - كتاب الصلاة
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي نَوْماً فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
وأما معناها شرعاً: فهي عبارة عن الأركان المعهودة، والأفعال
المخصوصة، قاله في ((العمدة))(١).
وقال ابن قُدامة تَظْلُهُ: هي في الشرع: عبارةٌ عن الأفعال المعلومة، فإذا
وَرَدَ في الشرع أمر بصلاة، أو حكمٌ مُعَلَّقٌ عليها انصَرَف بظاهره إلى الصلاة
الشرعية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في الاختلاف في اشتقاق اسم ((الصلاة)) مم هو؟:
قال القاضي عياض تَُّهُ: اختلف في اشتقاقها، فقيل: هي مشتقّةٌ من
الدعاء الذي اشتَمَلت عليه، وهو قول أكثر أهل العربيّة والفقهاء، وتسمية الدعاء
صلاةً معروفٌ في كلام العرب.
وقيل: لأنها ثانية الشهادتين، وتاليتهما، كالْمُصَلِّي من السابق في الْحَلْبَةِ(٢).
وقيل: بل لأنه متتبّع فعل النبي و ﴿ كالمصلّي مع السابق، ولعلّ هذا في
أول شَرْع الصلاة، وائتمامهم فيها بالنبيّ وَّ، لكن هذا يضعُف في تسميتها في
حقّه وٍَّ، وهو السابق.
وقيل: بل من الصَّلَوَين(٣)، وهما عِرْقان من الرِّدْف، وقيل: عظمان
ينحنيان في الركوع والسجود، قالوا: وبه سُمّي الْمُصَلِّي من الخيل؛ لأن أنفه
يأتي ملاصقاً صَلَوي السابق، قالوا: ومنه كُتِب بالواو في المصحف.
وقيل: بل من الرحمة، وتسميتها بذلك معروف في كلام العرب، ومنه
صلاة الله على عباده، أي رحمته(٤).
وقيل: أصلها الإقبال على الشيء؛ تقرّباً إليه.
(١) ((عمدة القاري)) ٣٩/٥.
(٢) اعتُرض هذا بأنه اشتقاق من الفرع.
(٣) قال النوويّ: هذا باطلٌ؛ لأن لام الكلمة في ((الصلاة)) واوٌ بدليل الصلوات، وفي
صليت ياء، فكيف صحّ الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصليّة؟.
وتعقّبه العينيّ بأن اشتراط اتّفاق الحروف الأصليّة إنما هو في الاشتقاق الصغير
دون الكبير والأكبر، قال: ولا ينافي قولهم: صَلَيتُ بالياء دون صَلَوتُ بالواو أن
تكون واويّة؛ لأنهم يقلبون الواو ياءً إذا وقعت رابعة.
(٤) قد تقدّم اعتراض ابن القيّم كَثّثُ تفسير الصلاة بالرحمة في ((شرح المقدّمة))، فراجعه تستفد.

٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وقيل: معناها اللزوم، من قولهم: صَلِيَ بالنار، وقيل: الاستقامةُ من
قولهم: صَلَيتُ العودَ على النار: إذا قوّمته، والصلاة تُقيم العبد على طاعة ربّه،
قال الله تعالى: ﴿إِنَ الضَّلَوْةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَّرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وقيل: لأنها صِلَّةٌ بين العبد وبين ربّه. انتهى كلام القاضي عياض ◌َظُّهُ(١).
وقال الراغب الأصبهانيّ تَخُّْ في ((المفردات في غريب القرآن)): قال كثير
من أهل اللغة: ((الصلاة)): هي الدعاء، والتبريك، والتمجيد، يقال: صليت عليه:
أي دعوت له، وزَكَّيتُ، قال: والصلاةُ التي هي العبادة المخصوصة، أصلها
الدعاء، وسُمِّيت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه، والصلاة
من العبادات التي لم تنفك شريعة منها، وإن اختَلَفت صورها بحسب شرع،
فشرعٍ، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا قَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وقال بعضهم: أصل الصلاة من الصّلاء، قال: ومعنى صَلَّى الرجل: أي
أنه أزال عن نفسه بهذه العبادة الصّلاء الذي هو نار الله الموقدة، وبناءُ صلّى
كبناء مَرَّضَ لإزالة المرض، ويُسَمَّى موضع العبادة الصلاة؛ لذلك سميت
الكنائس صلوات، كقوله: ﴿لَِّّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ﴾ [الحج: ٤٠].
وكل موضع مَدَحَ الله تعالى بفعل الصلاة، أو حَثَّ عليه ذُكِر بلفظ
الإقامة، نحو: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، ﴿وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةُ﴾ [يونس:
٨٧]، ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [الرعد: ٢٢]، ولم يقل: المصلين إلا في المنافقين، نحو
﴾ [الماعون: ٤، ٥]،
اُلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ
قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
﴿وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤].
وإنما خَصَّ لفظ الإقامة تنبيهاً أن المقصود من فعلها توفية حقوقها
وشرائطها، لا الإتيان بهيئتها فقط، ولهذا رُوِي أن المصلين كثير، والمقيمين
لها قليل، وقوله: ﴿لَ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ﴾ [المدثر: ٤٣]، أي من أتباع النبيين،
[القيامة: ٣١] تنبيهاً أنه لم يكن ممن يصلي، أي
وقوله: ﴿فَلَ صَلَّقَ وَلَا صَلَى
(١) ((إكمال المعلم)) ٢٣٤/٢، وقد أنكر بعضهم بعض هذه الاشتقاقات؛ لاختلاف لام
الكلمة في بعض هذه الأقوال، فلا يصحّ الاشتقاق مع اختلاف الحروف، وأجاب
بعضهم بأن الاختلاف إنما يضرّ في الاشتقاق الصغير، لا في الكبير، والأكبر.

٩
٤ - كتاب الصلاة
يأتي بهيئتها فضلاً عمن يقيمها، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا
مُكَهُ وَتَصْدِيَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٥]، فتسميةُ صلاتهم مكاءً وتصديةً تنبيهٌ على إبطال
صلاتهم، وأن فعلهم ذلك لا اعتداد به، بل هم في ذلك كطيور تَمْكُو وتصدي.
انتهى كلام الراغب تَُّهُ في ((مفردات ألفاظ القرآن))(١).
وقال ابن منظور تَّتُهُ: الصلاة الركوع والسجود، والجمع صلوات،
والصلاة: الدعاء والاستغفار، قال الأعشى [من المتقارب]:
وَأَبْرَزَهَا وَعَلَيْهَا خَتَمْ
وَصَهْبَاءَ طَاَفَ يَهُودِيُّهَا
وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ
وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا
قال: دعا لها أن لا تَحْمَضَ ولا تَفْسُدَ.
والصلاة من الله تعالى الرحمة، قال عديّ بن الرقاع [من الكامل]:
وَأَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وَزَادَهَا
صَلَّى الإِلَهُ عَلَى امْرِىءٍ وَدَّعْتُهُ
وقال الراعي [من البسيط]:
صَلَّى عَلَى عَزَّةَ الرَّحْمَنُ وَابْنَتِهَا
لَيْلَى وَصَلَّى عَلَى جَارَاتِهَا الأُخَرِ
وصلاة الله على رسوله وَ ل﴿ رَحْمَتُهُ له، وحُسْنُ ثنائه عليه، وفي حديث
عبد الله بن أبي أوفى ﴿يا أنه قال: كان النبيّ وَّ﴿ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال:
((اللهمّ صلّ على آل فلان)) فأتاه أبي بصدقته، فقال: ((اللهم صَلِّ على آل أبي
أوفى»، متّفقٌ عليه.
قال الأزهريّ: هذه الصلاة عندي الرحمة، ومنه قوله ريق: ﴿إِنَّ اللَّهَ
وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ يَّأَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
٥٦)
[الأحزاب: ٥٦]، فالصلاة من الملائكة دعاء واستغفارٌ، ومن الله رحمة، وبه
سُمِّيت الصلاة؛ لما فيها من الدعاء والاستغفار.
وفي الحديث: ((التحيات، والصلوات))، قال أبو بكر: الصلوات معناها
الترحم، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِكَتَّهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ): أي يترحمون،
وقول النبي ◌َّ: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)): أي ترحم عليهم.
وتكون الصلاة بمعنى الدعاء، وفي الحديث: ((إذا دُعي أحدكم إلى طعام
(١) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص٤٩٢.

١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
فليجب، فإن كان مفطراً فليَطْعَم، وإن كان صائما فليصلِ)) (١). قوله: ((فليصلِ)):
يعني فَلْيَدْعُ لأرباب الطعام بالبركة والخير، والصائم إذا أُكِل عنده الطعام صَلَّت
عليه الملائكة، ومنه قوله: ((مَن صلى عليّ صلاةً، صَلَّت عليه الملائكة
عشراً))(٢)، وكل داع فهو مصلٍّ، ومنه قول الأعشى (من البسيط]:
إِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي
معناه أنه يأمرها بأن تدعوَ له مثل دعائها، أي تعيد الدعاء له، ويُروَى:
((عليك مثلُ الذي صليت))، فهو رةٌّ عليها، أي عليك مثلُ دعائك، أي ينالك
من الخير مثلُ الذي أردت بي، ودعوت به لي.
وقال أبو العباس في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَبِكَتُهُ﴾
[الأحزاب: ٤٣]، فـ ﴿يُصَلّى﴾: يرحم، وملائكته يدعون للمسلمين والمسلمات.
ومن الصلاة بمعنى الاستغفار حديثُ سودة ﴿ّا أنها قالت: يا رسول الله،
إذا مِتْنَا صَلَّى لنا عثمان بن مظعون حتى تأتينا، فقال لها: ((إن الموت أشدُّ مما
تُقَدِّرین)».
قال شَمِر: قولها: ((صَلَّى لنا)): أي استغفر لنا عند ربه، وكان عثمان
مات حين قالت سودة ذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]
فمعنى الصلوات ههنا الثناء عليهم من الله تعالى، وقال الشاعر : .
صَلَّى عَلَى يَحْيَى وَأَشْيَاعِهِ رَبُّ كَرِيمٌ وَشَفِيعٌ مُطَاعٌ
معناه: ترحم الله عليه، على الدعاء لا على الخبر.
وقال ابن الأعرابيّ: الصلاة من الله رحمةٌ، ومن المخلوقين: الملائكة
والإنس والجنّ: القيامُ والركوعُ والسجودُ والدعاءُ والتسبيحُ، والصلاة من الطير
والهوامّ: التسبيحُ.
وقال الزجاج: الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صَلَّى، واصطلى:
إذا لَزِمَ، ومن هذا: مَن يُصْلَى في النار: أي يلزم النار.
(١) تقدم في ص٦ أنه حديث صحيح.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود، (١٤٤/١)، و((النسائيّ)) (٢٥/٢ و٥٠/٣).

١١
٤ - كتاب الصلاة
وقال أهل اللغة في الصلاة: إنها من الصَّلَوَيْنِ، وهما مكتنفا الذّنَب من
الناقة وغيرها، وأوّلُ مَوْصِل الفخذين من الإنسان، فكأنهما في الحقيقة مكتنفا
الْعُصْعُصِ، قال الأزهريّ: والقول عندي هو الأول، إنما الصلاة لزومُ ما
فَرَضَ الله تعالى، والصلاة من أعظم الفرض الذي أُمِر بلزومه، والصلاة واحدة
الصلوات المفروضة، وهو اسم يُوضَع موضع المصدر، تقول: صَلَّيتُ صلاةً،
ولا تقل: تَصْلِيةً، وصَلَّيْتُ على النبيّ(١) وَلَِّ.
قال الجامع عفا الله عنه: لا شكّ في بعد كثير مما سبق في بيان اشتقاق
الصلاة، والأقرب هو ما عليه أكثر العلماء، كما سبق في كلام القاضي أنها من
صلّى بمعنى: دعا؛ لشهرة ذلك في كلام العرب وأشعارهم؛ فتبصّر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): (اعلم): أن الصلاة واجبة بالكتاب، والسنة،
والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
اُلْدِينَ حُتَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْنُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيْمَةِ
﴾ [البينة: ٥].
وأما السنة فما رَوَى ابن عمر ◌ُّهَا، عن النبيّ وَِّ أنه قال: ((بُني الإسلام
على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً))، مُتَّفَقٌ عليه،
وقد تقدّم في ((كتاب الإيمان))، مع آي، وأخبار كثيرة أخرى.
وأما الإجماع، فقد أَجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم
والليلة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في عدد الصلوات المفروضات:
(اعلم): أن الصلوات المكتوبات خمسٌ في اليوم والليلة، ولا خلاف بين
المسلمين في وجوبها، ولا يجب غيرها إلا لعارضٍ، من نذر أو غيره، هذا
قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: الوتر واجبٌ؛ لما رُوي عن النبيّ وَّه
أنه قال: ((إن الله قد زادكم صلاةً، وهي الوتر))، وهذا يقتضي وجوبه،
وقال ◌َّير: ((الوتر حقّ، فمن لم يوتر فليس منا))، رواه أبو داود.
(١) راجع: ((لسان العرب)) ١٤ / ٤٦٥.

١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
واحتجّ الجمهور بحديث أنس بن مالك به قال: قال رسول الله وخلقه:
((فَرَض الله على أمتي خمسين صلاة ... )) فذكر الحديث إلى أن قال: ((فرجعتُ
إلى ربي فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديّ)»، مُتَّفَقٌ عليه.
وعن عبادة بن الصامت به قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((خمس
صلوات، افترضهن الله على عباده، فمن جاء بهنّ، لم يَنقُص منهن شيئاً؛
استخفافاً بهنّ، فإن الله جاعل له يوم القيامة عهداً أن يدخله الجنة، ومن جاء
بهنّ، وقد نقص منهن شيئاً، لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء
غفر له))، حديث صحيح، رواه أبو داود، وغيره.
وعن طلحة بن عبيد الله، أن أعرابيّاً أتى إلى النبيّ وَ﴿، فقال: يا
رسول الله ماذا فَرَض الله عليّ من الصلاة، قال: ((خمس صلوات))، قال: فهل
علي غيرها؟ قال: ((لا إلا أن تطوع شيئاً ... )) الحديث، متّفقٌ عليه.
والحاصل أن الحقّ أنه لا واجب من الصلوات إلا الخمس المكتوبات،
إلا أن يكون بسبب؛ كالنذر، وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في ((كتاب
الإيمان))، مستوفّى، فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال القاضي عياض تَظُّهُ - بعد ذكر ما تقدّم من
الاختلاف في اشتقاق الصلاة - ما نصّه:
ثم تشعّبت مذاهب المتكلّمين والنظّار من الفقهاء في هذه الأسماء
المستعملة في الشرعيّات؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، وشبهها، هل
هي منقولة عن موضوعها في اللغة رأساً؟، وهذا بعيدٌ، ومؤدٍّ إلى أن العرب
خُوطبت، وأُمرت بغير لغتها.
أو هي مبقاةٌ على مقتضاها في أصل اللغة، فالصلاة الدعاء، والصيام
الإمساك، والحجّ القصد، وهكذا في سائرها، وهو المراد بها، والمفهوم منها،
وغير ذلك مما أُضيف إليها من أقوال، وأفعال، غير داخل تحت الاسم، وهو
مذهب القاضي أبي بكر.
أو هي واقعةٌ على أصول مسمّياتها، ثم أُطلق على ما انضاف إليها بحكم
الاشتمال، أو الاستعارة لمشابهة معناها، وهو مذهب الأشياخ والمحقّقين من

١٣
٤ - كتاب الصلاة
متكلّمي أهل السنّة، وغيرهم من الفقهاء، وقد أطال المصنّفون في الأصول
الكلام في هذا الباب، ومَدُّوا أطنابه، ومخالفة الجماهير من الموافقين
والمخالفين جُرْأةٌ تامّةٌ، وجَسَارٌ، وقولُ المرء لقول قيل يعتقد الصواب في
خلافه غير بيّن وخسارة(١)، فالحقّ أحقّ أن يتّبع، لا سيّما بخلاف ليس في
قاعدة دين، ومقالة تلوح بالحقّ اليقين، ولا تخرج عن مراد مشايخنا
المحقّقين، وذلك أنه متى أُعطيت هذه الألفاظ من البحث حقّها وُجدت عند
المخاطبين بها لأول ورودها من أهل الشريعة معروفة المعنى على ما جاءت به
من أفعال مخصوصة، وعبارات مقرّرة إلا ما غيَّر الشرع فيها من بِدَع الجاهليّة،
أو نَسَخ من شرائع مَن تقدّم من الكتابيّة(٢)، لكن لا يبعد أن أصل استعمال
العرب لها في جاهليّتهم قبل ورود الشريعة كان على ما أشار إليه الأشياخ، إما
من إيقاعها على المعنى الحقيقيّ في اللغة دون اعتبار المزيد فيها، على مذهب
القاضي أبي بكر، أو على الجميع بحكم تشابه المعنى والاستعارة على ما ذهب
إليه غيره، ثم استُعير استعمالهم لهذه الألفاظ عرفاً على جميع العبادات،
فصارت كاللغة الصحيحة، والتسمية الموضوعة، فجاءهم الشرع، واستعمالُهم
لها مفهوم عند جميعهم، فقد حقّقنا قطعاً بمطالعة السير، ومدارسة الأثر،
واستقراء كلام العرب، وأشعارها أن الصلاة كانت عندهم معلومةً على هيئتها
عندنا من أفعال، وأقوال ودعاء وخضوع وسجود وركوع، وقد تنصّر كثيرٌ
منهم، وتهوّد، وتمجّس، وتقرّبوا بالصلوات والعبادات، وجاوروا أهل
الديانات، وداخلوا أهل الملل، ووفَدَ أشرافهم على ملوكهم، وأَلِفَت قريش
رحلةَ الشتاء والصيف إلى بلادهم، وثاقبوا ربّانيّيهم وأحبارهم، وشاهدوا
رهبانيّتهم وشرائعهم، وثابر كثير منهم على بقايا عندهم من دين إبراهيم،
وعرَفُوا السجود والركوع والصوم والحجّ والعمرة والاعتكاف، وحَجُّوا كلَّ
عام، واعتمروا، واعتَكفوا، وحضُّوا على الصدقة، وصاموا عاشوراء، وفي
(١) هكذا النسخة: ((وقول المرء ... إلى قوله: وخسارة))، وهي عبارة ركيكة، فلتحرّر،
والله تعالى أعلم.
(٢) هكذا النسخة، ولعل الأولى ((من أهل الكتاب))، والله أعلم.

١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
الحديث: ((كان عاشوراء يوماً تصومه الجاهليّة ... )) الحديث، متّفقٌ عليه، وقال
عمر ظه: ((نذرت في الجاهليّة أن أعتكف يوماً في المسجد الحرام ... ))
الحديث، متّفقٌ عليه، وفي إسلام أبي ذرّ ◌ُبه، وأنه صلّى قبل المبعث بثلاث
سنين مع صواحبه، وأنه كان يتوجّه عشاء حيث يوجّهه الله.
ومن طالع أخبارهم، ودرس أشعارهم، عَلِمَ ذلك منهم ضرورةً، فجاء
الشرع بالأمر بهذه العبادات، وهي عندهم معلومة، مفهوم المراد منها، من أن
الصوم إمساك مخصوصٌ عن أفعال مخصوصة بالنهار دون الليل، والاعتكاف
لزوم التعبّد والتبرّر بمكان مخصوص، والحجّ قصدٌ مخصوصٌ لبيت الله
الحرام، يشتمل على وقوف بعرفة، وطواف بالبيت، ودعاء، وذكر، وتبرّر، وأن
الصدقة بذلُ المال للمحتاج، ثم سُمّيت زكاةً؛ لما فيها من زكاة المال ونمائه،
أو زكاة صاحبه وتطهيره، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةُ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم
بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فإن لم توجد تسمية الزكاة الشرعيّة قبلُ معروفةً، فالصدقة
معروفةٌ، وقد قال الأعشى:
لَهُ صَدَقَاتٌ مَا تُغِبُّ(١) وَنَائِلُ
ومع هذا التقرير، فلا مجال للخلاف مع الإنصاف، وقد طالعت بهذا
الرأي أهل التحقيق من شيوخي، فما رأيت منهم مُنصفاً ردّه.
ثم اختلف الأصوليّون، والفقهاء من أصحابنا وغيرهم في ورود هذه
الألفاظ الشرعيّة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]،
و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ اُلْضِيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ [آل
عمران: ٩٧]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فقيل: هي مجملةٌ
تحتاج إلى بيان، وقيل: هي عامّة تُحمَل على العموم، إلا ما خَصّ منها
الدليل، وقيل: تُحمل على أصل ما يتناوله اللفظ، واستقصاء هذا في علم
الأصول. انتهى كلام القاضي عياض تَّثُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القاضي تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً.
وخلاصته أن الألفاظ الشرعيّة من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ،
(١) مضارع أغبّ: إذا تأخّر.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢٣٤/٢ - ٢٣٦.

١٥
(١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ
ونحوها على وفق معانيها اللغويّة، وليست من باب النقل، ولا المجاز، وإنما
هي معلومة للعرب في جاهليتهم، فخاطبهم الشرع بما يعرفونه، غير أنه أضاف
لهم من الشروط، والأركان والمندوبات بعض ما كانوا يُخلّون به، ونقص منها
ما كانوا يفعلونه من الأفعال المنافية للشرع؛ كالشركيّات، والبدع، والخرافات،
فهذّب لهم التوحيد، والعبادات الخالصة لله تعالى.
والحاصل أن ما ادعاه كثيرون من أن الألفاظ الشرعيّة منقولة من اللغويّة،
أو مجاز واستعارة، أو نحو ذلك ادّعاء لا ينبني على التحقيق، بل مجرّد
تخمينات وظنون، فلا ينبغي الاشتغال بالبحث فيه، والتعمّق في إدراكه؛ لأنه
مجرّد هذيان، والله تعالى المستعان.
وأما الخلاف في ورود الأوامر بالألفاظ الشرعيّة، هل هي مجملة ... إلخ،
فالحقّ أنها عامّة تُحمل على عمومها حتى يرد دليلٌ يخصّها، ويوضّح هذا عمل
الصحابة ، فإنها كانوا إذا سمعوا أمراً في كتاب الله، أو في سنّة رسول الله وَلآ،
كانوا يُبادرون إلى العمل به، ولا يبحثون هل له مخصّصات أم لا؟ إلى أن يبيّن
لهم النبيّ ◌َ﴿ المراد الخاصّ، فيقبلونه، فلما نزل قوله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ
الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] جعل عديّ بن حاتم ظُه الخيطين
تحت وسادته، فجعل يأكل حتى يتبيّنا له، فبيّن له وَّ ر أن ذلك ليس المراد، بل
هما بياض النهار وسواد الليل، وكذلك لما نزل قوله ويات: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ
عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] شقّ عليهم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فبيّن لهم ◌َّ بأن
الظلم هنا هو الشرك، وهكذا كانوا يحملون العمومات على ظواهرها إلى أن يأتي
مخصّص، وكان النبيّ وَّه يقرّهم على فهمهم ذلك، ويبيّن لهم مخصصه إن اقتضى
المقام ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - (بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ)
قال الجامع عفا الله عنه: فيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في تعريف ((الأذان)) لغةً وشرعاً:
(اعلم): أن ((الأذان)) بالفتح اسم من التأذين، قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: وأَذَّن

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
المؤذِّنُ بالصلاة: أَعْلَمَ بها، قال ابن بَرِّيّ: وقولهم: أَذَّن العصرَ بالبناء للفاعل
خطأٌ، والصواب أُذِّنَ بالعصر، بالبناء للمفعول مع حرف الصِّلَةِ، و((الأذان)) اسم
منه، والْفَعَالُ بالفتح يأتي اسماً من فَعَّلَ بالتشديد، مثلُ وَذَّعَ وَدَاعاً، وسَلَّمَ
سَلَاماً، وكَلَّمَ كَلَاماً، وزَوَّجَ زَوَاجاً، وجَهَّزَ جَهَازاً. انتهى(١).
وقال النوويّ كََّثُ في ((شرح المهذّب)): قال أهل اللغة: أصل الأذان
الإعلام، والأذان للصلاة معروف، يقال فيه: الأذان، والأَذِين، والتأذين، قاله
الهرويّ في ((الغريبين)). قال: وقال شيخي: الأَذِين: المؤذِّن: الْمُعْلِم بأوقات
الصلاة، فَعِيل بمعنى مُفْعِل، قال الأزهريّ: يقال: أَذَّن المؤذن تأذيناً وأَذاناً:
أي أعلم الناس بوقت الصلاة، فوُضِع الاسم موضع المصدر، قال: وأصله من
الأَذَنِ، كأنه يُلْقي في آذان الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة. انتهى كلام
النوويّ ◌َذَتُ(٢) .
وقال في ((الفتح)): ((الأذانُ)): لغةً الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَنُ مِنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾ الآية [التوبة: ٣]، واشتقاقه من الأَذَنِ - بفتحتين - وهو الاستماع،
وشرعاً: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. انتهى(٣).
وقال ابن قُدامة كَثُ: الأذان: إعلام بوقت الصلاة، والأصل في الأذان
الإعلام، قال الله رَّ: ﴿وَأَذَنٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾ أي إعلام، و﴿مَاذَنُكُمْ عَلَى
سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أي أعلمتكم، فاستوينا في العلم، وقال الحارث بن حلّزة
[من الخفيف]:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ رُبَّ ثَاوِ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
أي أعلمتنا، والأذان الشرعيّ: هو اللفظ المعلوم المشروع في أوقات
الصلوات للإعلام بوقتها. انتهى(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): قال القاضي عياض تَّثُ: (اعلم): أن الأذان كلام
جامعٌ لعقيدة الإيمان، مشتملٌ على نوعه من العقليات والسمعيات، فأوله إثبات
(١) ((المصباح المنير)) ١٠/١.
(٢) ((المجموع شرح المهذّب)» ٨٠/٣ - ٨١.
(٣) ((الفتح)) ٢/ ٩٢.
(٤) ((المغني)) ٤١٣/١.

١٧
(١) - بَابُ بَدْءِ الآذَانِ
الذات، وما يستحقه من الكمال، والتنزيه عن أضدادها، وذلك بقوله: ((الله
أكبر))، وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه، ثم صرح بإثبات
الوحدانية، ونفي ضدِّها من الشركة المستحيلة في حقه ، وهذه عمدة
الإيمان والتوحيد، المقدمة على كل وظائف الدين، ثم صَرَّح بإثبات النبوة،
والشهادة بالرسالة لنبينا وَلتر، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية،
وموضعها بعد التوحيد؛ لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك
المقدَّمات من باب الواجبات، وبعد هذه القواعد، كملت العقائد العقليات فيما
يجب ويستحيل، ويجوز في حقه ثُّ، ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات،
فدعا إلى الصلاة، وجعلها عقب إثبات النبوة؛ لأن معرفة وجوبها من جهة
النبيّ ◌َّر، لا من جهة العقل، ثم دعا إلى الفلاح، وهو الفوز، والبقاء في
النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة، من البعث والجزاء، وهي آخر تراجم
عقائد الإسلام، ثم كَرَّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن
لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، وليدخل
المصلي فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دَخَل
فيه، وعظمة حق من يعبد، وجزيل ثوابه. هذا آخر كلام القاضي تكَّثهُ، وهو
من النفائس الجليلة، وبالله تعالى التوفيق(١).
وقال في ((الفتح)): قال القرطبيّ وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل
على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم
ثَنّى بالتوحيد، ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد ◌ّر، ثم دعا إلى
الطاعة المخصوصةَ عقب الشهادة بالرسالة؛ لأنها لا تُعرف إلا من جهة
الرسول وَله، ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى الْمَعاد،
ثم أعاد ما أعاد توكيداً.
ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة،
وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول،
وتیسره لكل أحد في كل زمان ومكان.
(١) راجع: ((إكمال المعلم) ٢٥٣/٢ - ٢٥٤، و((المجموع)) ٨٠/٣.

١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
واختُلِف أيما أفضل: الأذان أو الإمامة؟ ثالثها إن عَلِم من نفسه القيامَ
بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان، وفي كلام الشافعي ما يومئ إليه.
واختُلِف أيضاً في الجمع بينهما، فقيل: يكره، وفي البيهقي من حديث
جابر مرفوعاً النهي عن ذلك، لكن سنده ضعيف، وصح عن عمر ظه: لو
أطيق الأذان مع الخلافة لأذّنت، رواه سعيد بن منصور وغيره، وقيل: هو
خلاف الأولى، وقيل: يستحبّ، وصححه النووي. انتهى(١).
وسيأتي تمام البحث فيها في المسائل - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى
أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٤٣] (٣٧٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
بَكْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج
(ح) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ - وَّاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ:
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ:
كَانَ الْمُسْلِمُونَّ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، يَجْتَمِعُونَ، فَيَتَحَيَُّونَ الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ يُنَادِي
بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْماً فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوساً مِثْلَ نَاقُوسٍ
الَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْناً مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً،
يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ)).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه، أبو محمد
المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسَانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ
[٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١]
(ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
(١) ((الفتح)) ٩٢/٢.

١٩
(١) - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ - حديث رقم (٨٤٣)
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِميريّ مولاهم، أبو بكر
الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٥ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل باب.
٦ - (هَارُونُ بْنُّ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ البزّاز،
ثقةٌ [١٠] (٢٤٣) وقد ناهز (٨٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٧ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور، أبو محمد المصِّيصيّ، ترمذيّ الأصل،
نزل بغداد، ثم المصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط بعد دخوله بغداد قبل موته [٨]
(ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٤.
٨ - (نَافِعٌ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ) الْعَدويّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه
[٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٩ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿ّ المتوفّى سنة (٧٣) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ،
فرّق بينهم بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثاني
ما أخرج لهما ابن ماجه، والثالث ما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ له)) أي سياق متن الحديث لهارون بن
عبد الله، وأما إسحاق، ومحمد بن رافع، فروياه بمعناه.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر رضيها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، والمشهورين بالفتوى، وأشدّ الناس اتّباعاً للسنّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِّ
قَدِمُوا الْمَدِينَةَ) أي مهاجرين من مكة (يَجْتَمِعُونَ) أي لأداء الصلاة جماعةً
(فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ) بالحاء المهملة: أي يُقدّرون حينها؛ ليأتوا إليها، وهو من

٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
التحيّن، من باب التفَعُّل الذي وُضِعَ للتكلّف غالباً، وهو من الْحِين، وهو
الوقت والزمن(١). (وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ) ببناء الفعل للفاعل، و((أحدٌ)) بالرفع
تنازعه ((ليس))، و((ينادي))، ويَحْتَمل أن يكون اسم ((ليس)) مؤخّراً، وفاعل
((ينادي)) ضمير يعود إليه؛ لكونه مقدّماً معنًى، وقيل: إن ((ليس)) هنا حرف نفي
بمعنى ((لا))، فلا اسم لها ولا خبر، وقيل: إن اسمها ضمير الشأن، وجملة
((يُنادي بها أحدٌ)) خبرها .
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((ليس يُنادَى بها)) بالبناء للمفعول، فقال
ابن مالك تَّقُهُ: هذا شاهد على جواز استعمال ((ليس)) حرفاً، لا اسم لها، ولا
خبر لها، أشار إليه سيبويه، ويَحْتَمِلُ أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة
بعدها خبر لها، قاله في ((العمدة))(٢).
(فَتَكَلَّمُوا يَوْماً فِي ذَلِكَ) أي في شأن وقت الصلاة، ثم بيّن الكلام الذي
تكلّموا به بقوله: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا) بكسر الخاء، بصيغة الأمر، قال
الحافظ تَُّ: لم يقع لي تعيين المتكلّمين في ذلك، واختَصَر الجواب في هذه
الرواية، ووقع لابن ماجه من وجه آخر، عن ابن عمر: ((أن النبيّ وَّ استشار
الناس لِمَا يجمعهم إلى الصلاة، فذكرُوا الْبُوقَ، فكرهه؛ من أجل اليهود، ثم
ذكروا الناقوس، فكرهه؛ من أجل النصارى)).
وفي رواية رَبَاح بن عطاء، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس،
عند أبي الشيخ، فقالوا: لو اتّخَذنا ناقوساً، فقال رسول الله وَلّون: ((ذلك
للنصارى))، فقالوا: لو اتّخذنا بُوقاً، فقال: ((ذلك لليهود))، فقالوا: لو رفعنا
ناراً، فقال: ((ذلك للمجوس)).
(نَاقُوساً مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى) الناقوس: خشبةٌ طويلةٌ، تُضرب بخشبة
أصغر منها، قاله ابن الأثير تَخْذَهُمُ(٣).
وقال الفيّوميّ تَُّهُ: الناقوس: خشبةٌ طويلة يَضرِبُ بها النصارى إعلاماً
للدخول في صلاتهم، ونَقَسَ نَقْساً، من باب قتل: فَعَلَ ذلك. انتهى (٤).
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٤/٥.
(٣) ((النهاية)) ١٠٦/٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٥٤/٥.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٢١.