النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
(٢٧) - بَابُ التََّمُّمِ
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه الإمام
المشهور، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِم) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو
محمد المدنيّ، وُلِد في حياة عائشة ◌َّا، وأمه قُرَيبة بنت عبد الرحمن بن أبي
بكر، ثقةٌ جليلٌ فاضلٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وابن المسيِّب، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن
عبد الله بن عمر، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وغيرهم.
وروى عنه سماك بن حرب، والزهريّ، وعبيد الله بن عمر، وابن
عجلان، وهشام بن عروة، ومنصور بن زاذان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ،
وموسى بن عقبة، وأيوب السختيانيّ، وحميد الطويل، ومالك، وشعبة،
والثوريّ، والأوزاعيّ، وابن جريج، والليث، وعمرو بن الحارث المصريّ،
ويزيد بن الهاد، وغيرهم.
قال مصعب الزهريّ: كان من خيار المسلمين، وكان له قدرٌ في أهل
المشرق، وقال ابن عيينة: ثنا عبد الرحمن بن القاسم، وكان أفضل أهل
زمانه، وقال مرةً: سمعت عبد الرحمن بن القاسم، وما بالمدينة يومئذ أفضل
منه، وقال مالك: لم يَخلُف أحد أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن، وقال أبو
طالب، عن أحمد: ثقةٌ ثقةٌ، وقال العجليّ، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال
ابن حبان في ((الثقات)): كان من سادات أهل المدينة فقهاً وعلماً وديانةً وفضلاً
وحفظاً وإتقاناً، وقال الواقديّ عن ابن أبي الزناد: كان ثقةً ورعاً، كثير
الحدیث.
قال ابن سعد، وغير واحد: مات بالشام سنة (١٢٦)، وكذا قال خليفة،
وقال مرةً: مات سنة (٣١)، وكذا قال الفلاس، والهيثمُ بن عديّ، وابن قانع،
والأول أصحّ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثاً.

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
٤ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أحد الفقهاء
السبعة، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٣]، (ت١٠٦) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٩٥/٣.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َؤُهَا، ماتت (٥٧) على الأصحّ (ع)، تقدّمت
في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وفيه التحديث والقراءة،
والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه وإن كان نيسابوريّاً، إلا أنه
دخل المدينة، وأخذ عن مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، عن عمّته.
٥ - (ومنها): أن فيه القاسم أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد
تقدّموا غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة أم المؤمنين الصّدّيقة بنت الصدّيق، من
المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، وكانت من المشهورين بالفُتْیا،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِّنَا (أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ)
قال في ((الفتح)): قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): يقال: إنه كان في غَزَاة بني
الْمُصْطَلِقِ، وجزم بذلك في ((الاستذكار))، وسبقه إلى ذلك ابنُ سعد، وابنُ
حبان، وغَزَاة بني المصطلق هي غزوة الْمُرَيسيع، وفيها وقعت قصة الإفك
لعائشة ﴿ّا، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضاً، فإن كان ما جزموا به
ثابتاً حُمِل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين؛ لاختلاف القصتين، كما
هو مُبَيَّن في سياقهما .
قال: واستبْعَد بعض شيوخنا ذلك، قال: لأن المريسيع من ناحية مكة بين

٤٢٣
(٢٧) - بَابُ التََّمُّم - حديث رقم (٨٢٢)
قُدَيد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر؛ لقولها في الحديث: ((حتى
إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش))، وهما بين المدينة وخيبر، كما جزم به
النوويّ.
قال الحافظ: وما جزم به مخالف لما جزم به ابنُ التين، فإنه قال:
البيداء هي ذو الحليفة، بالقرب من المدينة من طريق مكة، قال: ((وذاتُ
الجيش)) وراء ذي الحليفة، وقال أبو عبيد البكريّ في ((معجمه)): البيداء أدنى
إلى مكة من ذي الحليفة، ثم ساق حديث عائشة هذا، ثم ساق حديث ابن
عمر، قال: ((بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها، ما أهلّ رسول الله وَّ إلا من
عند المسجد ... )) الحديث، قال: والبيداء هو الشرف الذي قُدّام ذي الحليفة
في طريق مكة، وقال أيضاً: ((ذاتُ الجيش)) من المدينة على بَرِيد، قال: وبينها
وبين العَقِيق سبعة أميال، والعقيقُ من طريق مكة، لا من طريق خيبر، فاستقام
ما قال ابن التين.
ويؤيده ما رواه الحميديّ في ((مسنده)) عن سفيان، قال: حدثنا هشام بن
عروة، عن أبيه، في هذا الحديث، فقال فيه: إن القلادة سقطت ليلة الأبواء.
انتھی .
و((الأبواء)) بين مكة والمدينة، وفي رواية عليّ بن مسهر في هذا الحديث،
عن هشام، قال: وكان ذلك المكان يقال له: الصُّلْصُل، رواه جعفر الفريابيّ
في ((كتاب الطهارة)) له، وابن عبد البرّ من طريقه.
و((الصُّلْصُل)) بمهملتين مضمومتين، ولامين الأولى ساكنة بين الصادين،
قال البكريّ: هو جبل عند ذي الحليفة، كذا ذكره في حرف الصاد المهملة،
وَوَهِمَ مغلطاي في فهم كلامه، فزَعَم أنه ضبطه بالضاد المعجمة، وقلَّده في
ذلك بعض الشراح وتصرّف فيه، فزاده وَهَماً على وَهَم، وعُرِف من تضافر هذه
الروايات تصويب ما قاله ابن التين.
واعتَمَد بعضهم في تعدد السفر على رواية للطبرانيّ صريحة في ذلك، كما
(١)
سيأتي. انتهى(١).
(١) ((الفتح)) ٥١٥/١ - ٥١٦.

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
(حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ) بفتح الموحّدة والمدّ: هي الشَّرَف الذي قُدّام ذي
الحليفة في طريق مكة (أَوْ) للشكّ، قال العينيّ: هو من عائشة ◌َّا، وقال
الحافظ: الشكّ من بعض الرواة عن عائشة أو منها، وقد جاء في حديث عمّار
أنها ذات الجيش بالجزم (بِذَاتِ الْجَيْشِ) بفتح الجيم، وسكون الياء التحتانّة،
آخره شين معجمة، قيل: هي من المدينة على بريد، بينها وبين العقيق سبعة
أميال (انْقَطَعَ عِقْدٌ) بكسر العين المهملة، وسكون القاف: كل ما يُعْقَد، ويُعَلَّق
في العنق، ويُسَمَّى قِلادةً أيضاً كما سيأتي في الرواية التالية، وعند البخاريّ في
((التفسير)) من رواية عمرو بن الحارث: ((سَقَطت قلادة لي بالبيداء، ونحن
داخلون المدينة، فأناخ النبيّ وَّر، ونَزَل))، وهذا مُشعر بأن ذلك كان عند قربهم
من المدينة، قاله في ((الفتح))(١) .
وقولها: (لِي) أي معي، فاللام للاختصاص، وإلا فهو كان لأختها أسماء
بنت أبي بكر ، استعارته منها(٢).
(فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى الْتِمَاسِهِ) أي لأجل طلب ذلك العقد الضائع
(وَأَقَامَ النَّاسُ) أي الصحابة الذين غزوا تلك الغزوة (مَعَهُ) وَّهِ (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ)
أي ليسوا نازلين على محلّ يوجد فيه ماء للوضوء، أو للوضوء وغيره،
کالشرب.
(وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) أي وليسوا أيضاً حاملين معهم ماء من محلّ آخر،
والجملة في محلّ نصب على الحال من ((الناس)).
(فَأَتَى النَّاسُ) الذين معه وََّ (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ◌َظُه للشكوى مما
فعلت بنته، وكأنهم إنما شكوا إلى أبي بكر ظُه؛ لكون النبيّ وَّ كان نائماً،
وكانوا لا يوقظونه (فَقَالُوا: أَلَا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ) أي من إقامتها
برسول الله ﴿ والناس في مكان ليس فيه ماء، وإنما أسندوا ذلك إليها؛ لأنه
حصل بسببها، وقوله: (أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَبِالنَّاسِ مَعَهُ) بيان لما صنعته،
والباء للتعدية (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) قالت عائشة ◌َُّّ: (فَجَاءَ أَبُو
(١) ٥١٦/١.
(٢) راجع: ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ١٦٤/١.

٤٢٥
(٢٧) - بَابُ التََّّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٢)
بَكْرٍ) ظُه، وإنما لم تقل: أبي؛ تنبيهاً على أنه لم يُراع حقّ الأبوّة من شدّة
غضبه في الله رَكَ (وَرَسُولُ اللهِ لَّهِ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخَذِي) جملة في محلٌ
نصب على الحال، من فاعل ((جاء))، والرابط الواو.
و ((الْفَخِذ)) من الأعضاء مؤنّثة، وفيها أربع لغات: فتح الفاء، وكسر الخاء
المعجمة، وكسرهما، وفتح الأول وكسره، مع سكون الثاني فيهما، وكذا كلّ
ثلاثيّ عينه حرف حلق تجوز فيه اللغات الأربع، سواء كان اسماً؛ كفخذ، أم
فعلاً، كشَهِدَ؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقولها: (قَدْ نَامَ) جملة في محلّ نصب أيضاً على الحال من فاعل
(واضع))، فيكون من الأحوال المتداخلة، أي حال كونه نائماً (فَقَالَ) أي أبو
بكر رَّه (حَبَسْتِ) بفتح الموحّدة، من باب ضرب (رَسُولَ اللهِ وَّ) بالنصب
على المفعوليّة (وَالنَّاسَ) بالنصب عطفاً على المفعول، أو على أنه مفعول معه،
كما قال في ((الخلاصة)):
يُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولاً مَعَهْ فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ
(وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ) عائشة ◌َهَا (فَعَاتَبَنِي أَبُو
بَكْرٍ) رُنه، أي لامني على الحبس المذكور.
قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: عَتَب عليه عَتْباً، من بابي ضرب وقَتَل، ومَعْتِباً أيضاً:
لامه في تسخّطٍ، فهو عاتبٌ، وعَتّابٌ مبالغةٌ، قال: قال الخليل: حقيقة
العتاب: مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الْمَوْجِدَة. انتهى(١).
قال في ((الفتح)): والنكتة في قول عائشة ﴿ها: ((فعاتبني أبو بكر))، ولم
تقل: أبي؛ لأن قضية الأُبُوَّة الْحُنُوّ، وما وقع من العِتَاب بالقول، والتأديب بالفعل
مغايرٌ لذلك في الظاهر، فلذلك أنزلته منزلة الأجنبيّ، فلم تقل: أبي. انتهى(٢).
(وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) أي من اللوم والعتاب، كما جرت به عادة
الأب مع ابنته، ومن جملة ما قاله لها في ذلك ما في رواية عمرو بن الحارث:
((فقال: حبست الناس في قلادة))، أي بسببها، وما عند الطبرانيّ من قوله: ((في
كل مرة تكونين عَنَاءً)).
/
(١) ((المصباح المنير)) ٣٩١/٢.
(٢) ((الفتح)) ٥١٦/١.

٤٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
(وَجَعَلَ) أي شَرَع أبو بكر ◌َظُه (يَطْعُنُ بِيَدِهِ) بضم العين، وكذا في جميع
ما هو حِسّيّ، وأما المعنويّ، فيقال: يَطْعَن، بالفتح، هذا هو المشهور فيهما،
وحَكَى فيهما الفتح معاً في ((المطالع)) وغيرها، والضمُّ فيهما حكاه صاحب
((الجامع))، قاله في ((الفتح)).
(فِي خَاصِرَتِي) هما من الإنسان: ما بين رأس الْوَرِكِ، وأسفل
الأضلاع(١)، ويقال للخاصر: الخصر أيضاً(٢)، قال الفيّوميّ كَذَتُ: ((الْخَصْرُ))
من الإنسان: وسَطُهُ، وهو الْمُسْتَدَقُّ فوق الْوَرِكَين، والجمع خُصُور، مثلُ فَلْس
وفُلُوس. انتهى(٣).
(فَلَا) نافية، ولذا رُفِع الفعل بعدها (يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّ مَكَانُ
رَسُولِ اللهِ ﴿ عَلَى فَخِذِي) أي لم يمنعني من التحرّك مع شدّة ألم الطعن إلا
كون رسول الله و لي نائماً على فخذي.
فـ ((مكانُ)) مصدر ميميّ لـ ((كان))، مرفوع على الفاعليّة لـ ((يمنعني))،
والاستثناء مفرَّع.
(فَنَامَ رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَّى أَصْبَحَ) أي دخل في الصباح، فـ ((أصبح)) هنا
ليست من الأفعال الناقصة التي هي من أخوات ((كان)) تحتاج إلى خبر؛ لأنها
إذا كانت بمعنى الدخول في الوقت تكون تامّةً تكتفي بمرفوعها، وقولها: (عَلَى
غَيْرِ مَاءٍ) متعلّق بـ ((نام))، و((أصبح)) على سبيل التنازع، أفاده الكرمانيّ(٤).
وعند البخاريّ في ((التيمّم)): ((فقام حين أصبح))، قال الحافظ تَخَذْتُهُ:
والمعنى فيهما متقارب؛ لأن كلّاً منهما يدُلّ على أن قيامه من نومه كان عند
الصبح، وقال بعضهم: ليس المراد بقوله: ((حتى أصبح)) بيانَ غاية النوم إلى
الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح؛ لأنه قَيَّدَ قوله: ((حتى أصبح))
بقوله: ((على غير ماء)) أي آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء، وأما رواية
(١) راجع: ((المعجم الوسيط)) ٢٣٧/١.
(٢) راجع: ((تاج العروس)) ١٧٧/٣ فإنه ذكر أن الْخَصْرَ والخاصرة مترادفان.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٧٠/١.
(٤) ((شرح الكرماني على صحيح البخاريّ)) ٢١١/٣.

٤٢٧
(٢٧) - بَابُ التََُّّّم - حديث رقم (٨٢٢)
عمرو بن الحارث فلفظها: ((ثم إن النبيّ وََّ استَيْقَظ، وحَضَرت الصبح))، فإن
أُعربت الواو حالية كان دليلاً على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصباح، وهو
الظاهر، قاله في ((الفتح)) (١).
(فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التََّمُّم) هي آية المائدة على الراجح، قال الحافظ ابن
عبد البر كَُّ: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه وَّ لم يصلٌ منذ افتُرِضت
الصلاة عليه إلا بوضوء، ولا يَدفع ذلك إلا جاهل أو معاند، قال: وفي قوله
في هذا الحديث: ((آية التيمم)) إشارة إلى أن الذي طرأ إليهم من العلم حينئذ
حكمُ التيمم، لا حكم الوضوء، قال: والحكمةُ في نزول آية الوضوء، مع تقدم
العمل به؛ ليكون فرضه مَتْلُوّاً بالتنزيل.
وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون أولُ آية الوضوء نزل قديماً، فعلموا به
الوضوء، ثم نزل بقيتها، وهو ذكر التيمم في هذه القصة، وإطلاق آية التيمم
على هذا من تسمية الكل باسم البعض، لكن رواية عمرو بن الحارث التي
أخرجها البخاريّ في ((التفسير)) تدل على أن الآية نزلت جميعاً في هذه القصة،
فالظاهر ما قاله ابن عبد البر دَّتُهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: رواية عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن
القاسم لفظها: ((فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة:
٦] إلى قوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾، وهي صريحة في أن الآية نزلت كاملةً في وقت واحد
في تلك السفرة، والله تعالى أعلم.
وقولها: (فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التََّمُّم) قال ابن العربيّ تَُّهُ: هذه مُعْضِلة ما
وجدت لدائها من دواء؛ لأنا لا نَعْلَم أيّ الآيتين عَنَت عائشة ◌َّا، قال ابن
بطال ◌َّتُهُ: هي آية النساء، أو آية المائدة، وقال القرطبيّ: هي آية النساء،
ووَجَّهه بأن آية المائدة تُسَمَّى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء،
فيتَّجِه تخصيصها بآية التيمم.
وأورد الواحديّ في ((أسباب النزول)) هذا الحديث عند ذكر آية النساء
أيضاً.
(١) ((الفتح)) ١/ ٥١٧.

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال الحافظ تَخْتُهُ: خَفِيَ على الجميع ما ظهر للبخاريّ من أن المراد بها
آية المائدة بغير تردد؛ لرواية عمرو بن الحارث؛ إذ صَرَّح فيها بقوله: فنزلت:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآية [المائدة: ٦].
(فَتَمَّمُوا) يَحْتَمِل أن يكون خبراً عن فعل الصحابة ﴿ه، أي فتيمم الناس
بعد نزول الآية، ويَحْتَمل أن يكون حكايةً لبعض الآية، وهو الأمر في قوله:
﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ بياناً لقوله: ((آية التيمم))، أو بدلاً، والاحتمال الأوّل
أقرب، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ) بتصغير الاسمين، و((حُضير)) - بحاء مهملة، ثم
ضاد معجمة، آخره راء - ابن سماك بن عَتِيك الأنصاريّ الأشهليّ، أبو يحيى
الصحابيّ الجليل، مات ظُه سنة (٢٠) أو (٢١)، تقدّمت ترجمته مستوفاةً في
((الحيض)) ٣/ ٧٠٠.
(وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ) بالضمّ: جمع نَقِيب بالفتح، يقال: نَقَبَ على القوم،
من باب نصر نِقَابَةً بالكسر، فهو نَقِيبٌ، أي عَرِيف، وعَريف القوم هو مدبّر
أمرهم، والقائم بسياستهم(١).
(مَا هِيَ) أي هذه البركة الحاصلة للمسلمين بسبب فقد العقد، من
الرخصة المشروعة بالتيمّم (بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ) أي بل هي مسبوقة بغيرها من
البركات.
قال في ((العمدة)): والقرينة الحاليّة والمقاليّة تدلّان على أن قوله: ((هي))
يرجع إلى البركة، وإن لم يَمْضِ ذكرها، والبركة: كثرة الخير. انتهى (٢).
فـ ((ما)) نافية يَحتمل أن تكون حجازيّة، و((هي)) اسمها، ويحتمل أن تكون
تميميّة، و((هي)) مبتدأ، والخبر قوله: ((بأول بركتكم))، والباء زائدة في الخبر
للتوكيد، كما قال في ((الخلاصة»:
وَبَعْدَ ((لَا)) وَنَفْي ((كَانَ)) قَدْ يُجَرْ
وَبَعْدَ ((مَا)) وَ((لَيْسَ)) جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ
وفي رواية عمرو بن الحارث: ((لقد بارك الله للناس فيكم))، وفي تفسير
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٢٠/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٨/٤.

٤٢٩
(٢٧) - بَابُ التَّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٢)
إسحاق البُسْتيّ من طريق ابن أبي مليكة عنها: أن النبيّ وَّ قال لها: ((ما كان
أعظم بركة قلادتك))، وفي رواية هشام بن عروة عند البخاريّ: ((فوالله ما نزل
بكِ من أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه خيراً))، وفي رواية: ((إلا
جعل الله لك منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه بركةً)).
[تنبيه]: إنما اختصّ أسيد بن حضير ظله بهذا القول، دون غيره من
الصحابة الآخرين؛ لأنه كان رأس المبعوثين في طلب ذلك العقد الذي ضاع،
والله تعالى أعلم.
(يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ) لفظة ((آل)) مقحمة، وأراد أبا بكر نفسه، ويجوز أن يراد
به أبو بكر وأهله وأتباعه. قاله في ((العمدة))، والمعنى الثاني أظهر.
قال: والآل يُستعمل في الأشراف، بخلاف الأهل، فلا يقال: آل
الحجّام، بل يقال: آل السلطان، ولا يَرِد قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
اُلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]؛ لأنه بحسب تصوّره ذكره كذلك، أو بطريق التھگم،
ويجوز فيه (يال أبي بكر) بحذف الهمزة للتخفيف. انتهى(١).
[تنبيه]: قول أسيد بن حُضَير ◌َظُبه: ((ما هي بأول بركتكم ... إلخ)) يُشْعِر بأن
هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، فيُقَوِّي قولَ من ذهب إلى تعدد ضَيَاع العقد.
وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأخباريّ، فقال: سقط عقد عائشة
في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلِقِ.
وقد اختَلَف أهل المغازي في أيِّ هاتين الْغَزَاتين كانت أوَّلاً، وقال
الداوديّ: كانت قصة التيمم في غَزَاة الفتح، ثم ترَدَّد في ذلك، وقد رَوَی ابن
أبي شيبة من حديث أبي هريرة ◌ُته قال: لَمّا نَزَلت آية التيمم لم أدر كيف
أصنع؟ ... الحديث، فهذا يدل على تأخرها عن غَزْوة بني المصطلِقِ؛ لأن
إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف.
قال الحافظ ما حاصله: سيأتي في ((كتاب المغازي)) أن البخاريّ يَرَى أن
غزوة ذات الرِّقاع كانت بعد قدوم أبي موسى الأشعريّ نَظُه، وقدومه كان وقت
إسلام أبي هريرة.
(١) ((شرح الكرمانيّ)) ٢١١/٢، و((عمدة القاري)) ٥/٤.

٤٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
ومما يدل على تأخر القصة أيضاً عن قصة الإفك، ما رواه الطبرانيّ من
طريق عَبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﴿ّا، قالت: ((لَمّا كان من أمر
عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله وَّر في غزوة
أخرى، فسَقَط أيضاً عقدي، حتى حُبِس الناس على التماسه، فقال لي أبو
بكر: يا بُنَيّة في كل سَفْرة تكونين عَنَاءً وبلاء على الناس، فأنزل الله رَّ
الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة ثلاثاً))، وفي إسناده محمد بن
حُمَيد الرازيُّ، وفيه مقال، وفي سياقه من الفوائد بيان عتاب أبي بكر الذي
أُبْهِم في حديث الباب، والتصريح بأن ضَيَاع العقد كان مرتين في غزوتين، والله
تعالى أعلم. انتهى (١).
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِيَّنَا (فَبَعَثْنَا) أي أَثَرنا من مَبْرَكه (الْبَعِيرَ) بفتح الموحّدة،
وقد تُكسر: الْجَمَلَ البازل(٢)، أو الْجَذَع، جمعه: أَبْعِرَةٌ، وأباعرُ، وأباعيرُ،
وبُعْرانٌ بالضمّ، وبِعْرانٌ بالكسر، أفاده في ((القاموس))(٣).
وقال في ((المصباح)): الْبَعِيرُ: مثلُ الإنسان يقع على الذكر والأنثى،
يقال: حَلَبْتُ بَعِيري، والْجَمَلُ بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، والناقة بمنزلة
المرأة تختصّ بالأنثى، والْبَكْرُ والْبَكْرَةُ: مثلُ الْفَتَى والْفَتَاة، والْقَلُوصُ:
كالجارية، هكذا حكاه جماعة، منهم: ابن السِّكِّيت، والأزهريّ، وابن جنّي،
ثم قال الأزهريّ: هذا كلام العرب، ولكن لا يعرفه إلا خواصّ أهل العلم
باللغة، ووقع في كلام الشافعيّ تَظُّ في الوصيّة: لو قال: أعطوه بعيراً، لم
يكن لهم أن يعطوه ناقةً، فَحَمَل البعير على الجمل، ووجهُهُ أن الوصيّة مبنيّةٌ
على عرف الناس، لا مُحتَمَلات اللغة التي لا يَعرِفها إلا الخواصّ، وحَكَى في
((كِفَاية الْمُتَحَفِّظِ)) معنى ما تقدّم، ثم قال: وإنما يُقال: جَمَلٌ، أو ناقةٌ إذا أَرْبَعَا،
فأما قبل ذلك، فيقال: قَعُودٌ، وبَكْرٌ، وبَكْرةٌ، وقَلُوصٌ. انتهى (٤).
(الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ) أي راكبةً عليه حالة السفر (فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ) قال
(١) ((الفتح)) ٥١٨/١.
(٢) بزل البعير من باب قعد: فَطَر نابه بدخوله في السنة التاسعة. اهـ. ((المصباح)) ٤٨/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٣.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٣٧٤/١ - ٣٧٥.

٤٣١
(٢٧) - بَابُ التَّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٢)
النوويّ نَّثُهُ: كذا وقع هنا، وفي رواية البخاريّ: ((فَبَعَث رسول اللهِ وَّه رجلاً،
فوجدها))، وفي روايةٍ: (رجلين))، وفي روايةٍ: ((ناساً))، وهي قضيّة واحدة، قال
العلماء: المبعوث هو أُسيد بن حُضير وأتباعٌ له، فذَهَبوا فلم يجدوا شيئاً، ثم
وجدها أُسيد بعد رجوعه تحت البعير، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): ((فوجدنا العقد تحته)) ظاهرٌ في أن الذين توجهوا في
طلبه أوّلاً لم يجدوه، وفي الرواية التالية: ((فأرسل رسول الله وَلّ ناساً من
أصحابه في طلبها))، وفي رواية للبخاريّ من طريق عروة: ((فبعث رسول الله وَ له
رجلاً، فوجدها))، أي القلادة، ولأبي داود: ((فبَعَثَ أسيد بن حضير وناساً معه)).
وطريق الجمع بين هذه الروايات أن أُسيداً كان رأس مَن بُعِث لذلك،
فلذلك سُمِّي في بعض الروايات دون غيره، وكذا أُسند الفعل إلى واحد مبهم،
وهو المراد به، وكأنهم لم يجدوا العقد أوّلاً، فلما رجعوا ونزلت آية التيمم،
وأرادوا الرَّحِيل، وأثاروا البعير، وَجَدَه أُسيد بن حُضير، فعلى هذا فقوله في
رواية البخاريّ: ((فوجدها))، أي بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره.
وقال النوويّ كَّلُهُ: يَحْتَمِل أن يكون فاعل ((وجدها)) النبيَّ وََّ(٢).
وقد بالغ الداوديّ في توهيم رواية عروة، ونَقَلَ عن إسماعيل القاضي أنه
حَمَل الوهم فيها على عبد الله بن نُمَير، وقد بان بما ذكرنا من الجمع بين
الروايتين أن لا تخالف بينهما، ولا وَهَم. انتهى(٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: في الحديثين أيضاً اختلافٌ آخر، وهو قول عائشة ◌َّا: «انقَطَعَ
عِقْدٌ لي))، وقالت في رواية عمرو بن الحارث: ((سَقَطَت قلادة لي))، وفي رواية
عروة عنها: ((أنها استعارت قِلادةً من أسماء - يعني أختها - فهلكت))، أي
ضاعت.
(١) ((شرح النوويّ)) ٥٩/٤.
(٢) هكذا عزا في ((الفتح)) هذا الكلام إلى النوويّ، ولم أره في ((شرحه)) في هذا
المحلّ، فالله تعالى أعلم.
(٣) («الفتح» ٥١٩/١.

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
والجمع بينهما أن إضافة القلادة إلى عائشة؛ لكونها في يدها وتصرفها،
وإلى أسماء؛ لكونها ملكها؛ لتصريح عائشة في رواية عروة بأنها استعارتها
منها، وهذا كله بناءً على اتحاد القصة.
وقد جَنَحَ البخاريّ في ((التفسير)) إلى تعدّدها، حيث أورد حديث الباب
في ((تفسير المائدة))، وحديث عروة في ((تفسير النساء))، فكان نزول آية المائدة
بسبب عقد عائشة، وآية النساء بسبب قلادة أسماء، قال الحافظ: وما تقدم من
اتحاد القصة أظهر، والله تعالى أعلم. انتهى.
[فائدة]: وقع في رواية عمار، عند أبي داود وغيره في هذه القصة أن
العقد المذكور كان من جَزْع ظَفَار، وكذا وقع في قصة الإفك - كما سيأتي في
موضعه - إن شاء الله تعالى - و((الْجَزْع)) - بفتح الجيم، وسكون الزاي - خَرَز
يمنيّ، و((ظَفَارِ)) اسم مدينة، أفاده في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة رضيّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٨٢٢/٢٧ و٨٢٣] (٣٦٧)،
و(البخاريّ) في ((التيمّم)) (٣٣٤ و٣٣٦)، وفي ((فضائل الصحابة)) (٣٦٧٢
و٣٧٧٣)، و((التفسير)) (٤٦٠٧ و٤٦٠٨) و((النكاح)) (٥٢٥٠) و ((الحدود)) (٦٨٤٤
و٦٨٤٥)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٣١٧)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١/
١٧٢)، و(ابن ماجه) في ((التيمّم)) (٥٦٨)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٨٩)،
و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٤٣/١ - ٤٤ ترتيب الساعاتيّ)، و(عبد الرزاق) في
((مصنّفه)) (٨٨٠)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٦٥)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٤٢٨٣ و٢٥١٣٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٠٨/١)، و(ابن خزيمة) في
(صحيحه)) (٢٦١ و٢٦٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٣٠٠ و١٧٠٩)،
(١) ((الفتح)) ٥١٨/١ - ٥١٩.

٤٣٣
(٢٧) - بَابُ النَّهُمِ - حديث رقم (٨٢٢)
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٣/١ - ٢٢٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٠٧)،
و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٩٦٤١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨٧٠ و٨٧١ و٨٧٢
و٨٧٣)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٨٠٩ و٨١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان بدء التيمّم، وأنه شُرع بسبب قصّة عائشة رًِّا.
٢ - (ومنها): جواز السفر بالنساء في الغزوات وغيرها عند الأمن عليهنّ،
فإذا كان لواحد نساء، فله أن يسافر مع أيتهنّ شاء واختلف في وجوب القرعة،
فأوجبه مالك والشافعي وأحمد، واستحبّه الحنفيّة، وسيأتي تمام البحث فيه في
الموضع المناسب له - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): اتخاذ النساء الحليّ؛ تجملاً لأزواجهنّ.
٤ - (ومنها): جواز السفر بالعارية، وهو محمول على رضا صاحبها .
٥ - (ومنها): جوازُ الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه، وكذا سلوك
الطريق التي لا ماء فيها، هكذا قيل.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن المدينة كانت قريبةً منهم، وهم على قصد
دخولها، ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ وَّ لم يَعْلَم بعدم الماء مع الركب، وإن كان
قد عَلِم بأن المكان لا ماء فيه، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: ((ليس معهم ماء))، أي
للوضوء، وأما ما يحتاجون إليه للشرب، فَيَحْتَمِل أن يكون معهم، والأول
مُحْتَمِلٌ لجواز إرسال المطر، أو نبع الماء من بين أصابعه بَّ، كما وقع في
مواطن أخرى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الاستدلال الأول قويّ، ولا يخفى ما
في الاحتمالات الأخرى من التكلّف، فتأمّله، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أن فيه اعتناءَ الإمام بحفظ حقوق المسلمين، وإن قَلَّت،
فقد نقل ابن بطال أنه رُوي أن ثمن العقد المذكور كان اثني عشر درهماً،
ويَلْتَحق بتحصيل الضائع الإقامةُ للحوق المنقطع، ودفنِ الميت، ونحو ذلك من
مصالح الرعية، وفيه إشارة إلى ترك إضاعة المال.
(١) ١/ ٥١٦.

٤٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
٧ - (ومنها): أن فيه شَكْوَى المرأة إلى أبيها، وإن كان لها زوج، وكأنهم
إنما شَكَوا إلى أبي بكر ◌َظُه؛ لكون النبيّ وَليو كان نائماً، وكانوا لا يوقظونه
حتى يستيقظ بنفسه؛ لأنهم لا يعلمون أيوحى إليه أم لا؟.
٨ - (ومنها): أن فيه نسبةَ الفعل إلى من كان سبباً فيه؛ لقولهم:
((صَنَعَتْ))، و((أقامت)).
٩ - (ومنها): فيه جواز دخول الرجل على ابنته، وإن كان زوجها عندها،
إذا عَلِمَ رضاه بذلك، ولم يكن حالة مباشرة.
١٠ - (ومنها): أن فيه تأديبَ الرجل ابنته، ولو كانت مُزَوَّجةً كبيرةً خارجةً
عن بيته، ويُلْحَق بذلك تأديب مَن له تأديبه، ولو لم يأذن له الإمام.
١١ - (ومنها): أن فيه استحبابَ الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة، أو
يَحصُل به تشويش لنائم، وكذا لِمُصَلِّ، أو قارئٍ، أو مُشتغل بعلم، أو ذكر.
١٢ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على الرخصة في ترك التهجد في السفر، إن
ثبت أن التهجد كان واجباً عليه وَله .
١٣ - (ومنها): أنه استُدلّ به أيضاً على أن طلب الماء لا يجب إلا بعد
دخول الوقت؛ لقولها في رواية البخاريّ: ((وحَضَرَت الصبح، فالتُمِس الماء،
فلم یوجد)).
١٤ - (ومنها): بيان أن الوضوء كان واجباً عليهم قبل نزول آية الوضوء،
ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حقّ عائشة ما
وَقَع.
١٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ بالآية على وجوب النية في التيمم؛ لأن معنى:
﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ اقصِدُوا، كما تقدم، وهو قول فقهاء الأمصار، إلا الأوزاعيّ وزُفَر.
١٦ - (ومنها): ما قيل: إنه يجب نقل التراب، ولا يكفي هبوب الريح
به، بخلاف الوضوء، كما لو أصابه مطرٌ فنَوَى الوضوء به، فإنه يجزئ.
قال في ((الفتح)): والأظهر الإجزاء لمن قَصَد التراب من الريح الهابّة،
بخلاف من لم يَقْصِد، وهو اختيار الشيخ أبي حامد. انتهى، وهو بحثٌ نفيسٌ،
والله تعالى أعلم.
١٧ - (ومنها): بيان أنه يتعين الصعيد الطيب للتيمم، لكن اختَلَفَ العلماء

٤٣٥
(٢٧) - بَابُ التََّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٢)
في المراد بالصعيد الطيب، وسيأتي تحقيقه وترجيح الراجح منه قريباً - إن
شاء الله تعالى -.
١٨ - (ومنها): ما قيل: إنه يجب التيمم لكل فريضة، والحقّ أنه لا
يجب، وسيأتي تحقيقه أيضاً قريباً - إن شاء الله تعالى -.
١٩ - (ومنها): أن فيه دليلاً على فضل عائشة وأبيها ضيها، وتكرار البركة
منهما .
٢٠ - (ومنها): أنّ فيه دليلاً على أن التيمّم يستوي فيه الصحيح والمريض
والمحدث والجنب، ولم يختَلِف فيه علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام
والمشرق والمغرب، وقد كان عمر بن الخطاب، وابن مسعود رضيها يقولان:
الجنب لا يطهِّره إلا الماء؛ لقوله رغمت: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة:
٦]، وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَبِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٣٤]، وذهبا إلى أن
الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ تَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ
أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:
٤٣، والمائدة: ٦]، ولم يتعلَّق بقولهما أحد من الفقهاء؛ للأحاديث الثابتة الواردة
في تيمم الجنب، وسيأتي تمام البحث في هذا قريباً - إن شاء الله تعالى -.
٢١ - (ومنها): بيان جواز التيمم في السفر، وهذا أمر مجمعٌ عليه،
واختلفوا في الحضر، والحقّ جوازه، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك وترجيح
الراجح بدليله قريباً - إن شاء الله تعالى -.
٢٢ - (ومنها): جواز وضع الرجل رأسه على فخذ امرأته، ونومه عليها،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل التيمّم رافع للحدث، أم
مبيح للصلاة؟ :
قال النوويّ تَخْلَثُ: مذهبنا، ومذهب الأكثرين أن التيمّم لا يرفع الحدث،
بل يبيح الصلاة، فيستبيح به فريضةً، وما شاء من النوافل، ولا يَجمَع بين
فريضتين بتيمم واحد، وإن نوى بتيممه الفرض استباح الفريضة والنافلة، وإن
نوى النفل استباح النفل، ولم يستبح به الفرض، وله أن يصلي على جنائز بتيمم
واحد، وله أن يصلي بالتيمم الواحد فريضة وجنائز، ولا يتيمم قبل دخول

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقتها، وإذا رأى المتيمم لفقد الماء ماءً وهو في الصلاة لم تبطل صلاته، بل له
أن يتمها إلا اذا كان ممن تلزمه الإعادة، فإن صلاته تبطل برؤية الماء. انتهى
كلام النوويّ.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن التيمّم رافع للحدث، وقد حقّق هذا
الموضوع شيخ الإسلام ◌َّتُهُ، حيث قال:
وقد تنازع العلماء في التيمم، هل يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً إلى حين
القدرة على استعمال الماء، أم الحدث قائمٌ؟ ولكنه تصح الصلاة مع وجود
الحدث المانع، وهذه مسألة نظريةٌ، وتنازعوا هل يقوم مقام الماء، فيتيمم قبل
الوقت كما يتوضأ قبل الوقت، ويصلي به ما شاء من فروض ونوافل، كما
يصلي بالماء، ولا يبطل بخروج الوقت، كما لا يبطل الوضوء؟ على قولين
مشهورين، وهو نزاع عَمَليّ :
فمذهب أبي حنيفة أنه يتيمم قبل الوقت، ويبقى بعد الوقت، ويصلي به
ما شاء كالماء، وهو قول سعيد بن المسيِّب، والحسن البصريّ، والزهريّ،
والثوريّ، وغيرهم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل.
والقول الثاني أنه لا يتيمم قبل الوقت، ولا يبقى بعد خروجه.
ثم من هؤلاء من يقول: يتيمم لوقت كل صلاة، ومنهم من يقول: يتيمم
لفعل كل فريضة ولا يَجمع به فرضين، وغلا بعضهم، فقال: ويتيمم لكل نافلة،
وهذا القول في الجملة هو المشهور من مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد،
قالوا: لأنه طهارة ضرورية، والحكم المقيد بالضرورة مقدر بقدرها، فإذا تيمم
في وقت يستغني عن التيمم فيه لم يصح تيممه، كما لو تيمم مع وجود الماء.
قالوا: ولأن الله أمر كل قائم إلى الصلاة بالوضوء، فإن لم يجد الماء
تيمم، وكان ظاهر الخطاب يوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء والتيمم،
لكن لما ثبت في الصحيح أن النبيّ وَّه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد،
رواه مسلم في ((صحيحه))، دلّت السنة على جواز تقديم الوضوء قبل وقت
وجوبه، وبقي التيمم على ظاهر الخطاب.
وعَلَّل ذلك بعضهم بأنه مأمور بطلب الماء عند كل صلاة، وذلك يبطل
تیممه .

٤٣٧
(٢٧) - بَابُ التََّمُّمِ - حديث رقم (٨٢٢)
ووَرَد عن عليّ، وعمرو بن العاص، وابن عمر مثل قولهم.
ولنا أنه قد ثَبَت بالكتاب والسنة أن التراب طهور، كما أن الماء طهور،
وقد قال النبيّ وَّير: ((الصعيد الطيب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر
سنين، فإذا وجدت الماء فأَمِسَّه بشرتك، فإن ذلك خير))(١)، فجعله مطهراً عند
عدم الماء مطلقاً، فدلّ على أنه مطهرٌ للمتيمم، وإذا كان قد جَعَل المتيمم
مُطَهَّراً كما أن المتوضئ مُطَهَّر، ولم يقيد ذلك بوقت، ولم يقل: إن خروج
الوقت يبطله، كما ذكر أنه يبطله القدرة على استعمال الماء، دل ذلك على أنه
بمنزلة الماء عند عدم الماء، وهو موجب الأصول، فإن التيمم بدل عن الماء،
والبدل يقوم مقام المبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلاً له في صفته، كصيام
الشهرين فإنه بدل عن الإعتاق، وصيام الثلاث والسبع، فإنه بدلٌ عن الهدي في
التمتّع، وكصيام الثلاثة الأيام في كفّارة اليمين، فإنه بدل عن التكفير بالمال،
والبدل يقوم مقام المبدل منه، وهذا لازم لمن يقيس التيمم على الماء في
صفته، فيوجب المسح على المرفقين، وإن كانت آية التيمم مطلقة، كما قاس
عمّار لَمّا تمرغ في التراب، كما تتمرغ الدابة، فمسح جميع بدنه، كما يغسل
جميع بدنه، وقد بَيَّن النبيّ ◌َ﴿ فساد هذا القياس، وأنه يجزئك من الجنابة
التيمم الذي يجزئك في الوضوء، وهو مسح الوجه واليدين؛ لأن البدل لا
تكون صفته كصفة المبدل، بل حكمه حكمه، فإن التيمم مسح عضوين، وهما
العضوان المغسولان في الوضوء، وسقط العضوان الممسوحان، والتيمم عن
الجنابة يكون في هذين العضوين، بخلاف الغسل، والتيمم ليس فيه مضمضة
ولا استنشاق، بخلاف الوضوء، والتيمم لا يستحب فيه تثنية ولا تثليث،
بخلاف الوضوء، والتيمم يفارق صفة الوضوء من وجوه، ولكن حكمه حكم
الوضوء؛ لأنه بدل منه، فيجب أن يقوم مقامه كسائر الأبدال، فهذا مقتضى
النص والقياس.
[فإن قيل]: الوضوء يرفع الحدث، والتيمم لا يرفعه.
[قيل]: عن هذا جوابان:
(١) حديث صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ.

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
[أحدهما]: أنه سواء كان يرفع الحدث أو لا يرفعه، فإن الشارع جعله
طهوراً عند عدم الماء، يقوم مقامه، فالواجب أن يثبت له من أحكام الطهارة ما
يثبت للماء، ما لم يقم دليل شرعيّ على خلاف ذلك.
[الوجه الثاني]: أن يقال: قول القائل: يرفع الحدث أو لا يرفعه، ليس
تحته نزاع عَمَليّ، وإنما هو نزاع اعتباريّ لفظيّ، وذلك أن الذين قالوا: لا
يرفع الحدث قالوا: لو رفعه لم يَعُد إذا قدر على استعمال الماء، وقد ثبت
بالنص والإجماع أنه يبطل بالقدرة على استعمال الماء، والذين قالوا: يرفع
الحدث إنما قالوا برفعه رفعاً مؤقتاً إلى حين القدرة على استعمال الماء، فلم
يتنازعوا في حكم عمليّ شرعيّ، ولكن تنازعهم ينزع إلى قاعدة أصولية، تتعلق
بمسألة تخصيص العلة، وأن المناسبة هل تنخرم بالمعارضة؟، وأن المانع
المعارض للمقتضي هل يرفعه أم لا يرفعه اقتضاؤه مع بقاء ذاته؟.
ثم أفاض شيخ الإسلام كثّتُ في تحقيق هذا الموضوع إلى أن قال:
وهكذا القول في كون التيمم يرفع الحدث أو لا يرفعه، فإنه فرع على
قول من يقول: إنه يرفع الحدث، فصاحب هذا القول إذا تبين له أنه يرفع
الحدث رفعاً مؤقتاً إلى أن يقدر على استعمال الماء ثم يعود، هذا المعنى ليس
بممتنع، والشرع قد دل عليه، فجعل التراب طهوراً، والماء يكون طهوراً إذا
أزال الحدث، وإلا مع وجود الجنابة يمتنع حصول الطهارة، ومن قال: إنه
ليس برافع، ولكنه مبيح، والحدث هو المانع للصلاة، وأراد بذلك أنه مانع تامّ
كما يكون مع وجود الماء، فهذا غالط، فإن المانع التام مستلزم للمنع،
والمتيمم يجوز له الصلاة ليس بممنوع منها، ووجود الملزوم بدون اللازم
ممتنع، وإن أريد أن سبب المنع قائم، ولكن لم يعمل عمله لوجود الطهارة
الشرعية الرافعة لمنعه، فإذا حصلت القدرة على استعمال الماء حصل منعه في
هذه الحال، فهذا صحيحٌ.
وكذلك من قال: هو رافع للحدث إن أراد بذلك أنه يرفعه كما يرفعه
الماء، فلا يعود إلا بوجود سبب آخر كان غالطاً، فإنه قد ثبت بالنص
والإجماع، أنه إذا قدر على استعمال الماء استعمله، وإن لم يتجدد بعد الجنابة
الأولى جنابة ثانية بخلاف الماء.

٤٣٩
(٢٧) - بَابُ التََّّمُّم - حديث رقم (٨٢٢)
وإن قال: أريد برفعه أنه رفع منع المانع، فلم يبق مانعاً إلى حين وجود
الماء، فقد أصاب، وليس بين القولين نزاع شرعيّ عمليّ.
وعلى هذا فيقال على كل من القولين: لم يبق الحدث مانعاً مع وجود
طهارة التيمم، والنبيّ وَّ قد جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً، لكن
جعل طهارته مقيدة إلى أن يجد الماء، ولم يشترط في كونه مطهراً شرطاً آخر،
فالمتيمم قد صار طاهراً، وارتفع منع المانع للصلاة إلى أن يجد الماء، فما لم
يجد الماء فالمنع زائل، إذا لم يتجدد سبب آخر يوجب الطهارة، كما يوجب
طهارة الماء، وحينئذ فيكون طهوراً قبل الوقت، وبعد الوقت، وفي الوقت، كما
كان الماء طهوراً في هذه الأحوال الثلاثة، وليس بين هذا فرق مؤثّرٌ إلا إذا قدر
على استعمال الماء، فمن أبطله بخروج الوقت، فقد خالف موجب الدليل.
وأيضاً فالنبيّ وَّهِ جعل ذلك رخصة عامة لأمته، ولم يَفْصِل بين أن يقصد
التيمم بفرض، أو نفل، أو تلك الصلاة، أو غيرها، كما لم يفصل في ذلك في
الوضوء، فيجب التسوية بينهما، والوضوء قبل الوقت فيه نزاع، لكن النزاع في
التیمم أشهر.
وإذا دلت السنة الصحيحة على جواز أحد الطهورين قبل الوقت، فكذلك
الآخر، كلاهما متطهر، فَعَلَ ما أمر الله به، ولهذا جاز عند عامة العلماء اقتداء
المتوضئ والمغتسل بالمتيمم، كما فَعَل عمرو بن العاص ◌َظ ◌ُبه، وأقره
النبيّ وَّ﴾، وكما فعل ابن عباس حيث وطئ جارية له، ثم صلى بأصحابه
بالتيمم، وهو مذهب الأئمة الأربعة، ومذهب أبي يوسف وغيره، لكن محمد بن
الحسن لم يُجَوِّز ذلك؛ لنقص حال المتيمم.
وأيضاً كان دخول الوقت وخروجه من غير تجدد سبب حادث لا تأثير له
في بطلان الطهارة الواجبة؛ إذ كان حال المتطهر قبل دخول الوقت وبعده
سواءً، والشارع حكيم إنما يثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تناسبها، فكما لا
يبطل الطهارة بالأمكنة، لا يبطل بالأزمنة، وغيرها من الأوصاف التي لا تأثير
لها في الشرع.
[فإن قيل]: هذا ينتقض بطهارة الماسح على الخفين، وطهارة
المستحاضة، وذوي الأحداث الدائمة.

٤٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
[قيل]: أما طهارة الماسح على الخفين، فليست واجبة، بل هو مخير بين
المسح وبين الخلع والغسل، ولهذا وقّتها الشارع، ولم يوقتها بدخول وقت
صلاة ولا خروجها، ولكن لما كانت رخصةً ليست بعزيمة حدَّ لها وقتاً محدوداً
في الزمن، ثلاثاً للمسافر، ويوماً وليلةً للمقيم، ولهذا لم يجز المسح في
الطهارة الكبرى، ولهذا لما كانت طهارة المسح على الجبيرة عزيمةً لم تتوقت،
بل يمسح عليها إلى أن يَحُلِّها، ويمسح في الطهارتين: الصغرى والكبرى، كما
يتيمم عن الحدثين: الأصغر والأكبر، فإلحاق التيمم بالمسح على الجبيرة أولى
من إلحاقه بالمسح على الخفين.
وأما ذوو الأحداث الدائمة؛ كالمستحاضة، فأولئك وُجد في حقهم
السبب الموجب للحدث، وهو خروج الخارج النجس من السبيلين، ولكن
لأجل الضرورة رَخَّص لهم الشارع في الصلاة معه، فجاز أن تكون الرخصة
مؤقتةً، ولهذا لو تطهرت المستحاضة، ولم يخرج منها شيء لم تنتقض طهارتها
بخروج الوقت، وإنما تنتقض إذا خرج الخارج في الوقت، فإنها تصلي به إلى
أن يخرج الوقت، ثم لا تصلي؛ لوجود الناقض للطهارة، بخلاف المتيمم، فإنه
لم يوجد بعد تیممه ما ینقض طهارته.
والتيمم كالوضوء، فلا يُبطِل تيممَهُ إلا ما يبطل الوضوء، ما لم يقدر على
استعمال الماء، وهذا بناء على قولنا، وقول من وافقنا على التوقيت في مسح
الخفين، وعلى انتقاض الوضوء بطهارة المستحاضة، فإن هذا مذهب الثلاثة:
أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد.
وأما من لم ينقض الطهارة بهذا، أو لم يوقت هذا؛ كمالك، فإنه لا
يصلح لمن قال بهذا القول المعارضة بهذا وهذا، فإنه لا يتوقت عنده، لا هذا
ولا هذا، فالتيمم أولى أن لا يتوقت.
وقول القائل: إن القائم إلى الصلاة مأمور بإحدى الطهارتين.
[قيل]: نعم يجب عليه، لكن إذا كان قد تطهر قبل ذلك فقد أحسن،
وأتى بالواجب قبل هذا، كما لو توضأ قبل هذا، فإن كونه على طهارة قبل
الوقت إلى حين الوقت أحسن من أن يبقى محدثاً، وكذلك المتيمم إذا كان قد
أحسن بتقديم طهارته؛ لكونه على طهارة قبل الوقت أحسن من كونه على غير