النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٣)
٥ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو بعد ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
و ((ابن شهاب)) تقدّم.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد ابن شهاب المتقدّم، وهو: عن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس ◌ًِّا.
وقوله: (بِنَحْوِ رِوَايَةٍ يُونُسَ) يعني أن رواية صالح بمعنى رواية يونس بن
يزيد السابقة .
[تنبيه]: رواية صالح، عن ابن شهاب هذه أخرجها أبو عوانة (١) في
((مسنده)) (١٧٩/١) فقال:
(٥٥١) حدّثنا أبو داود الْحَرّانيّ، وعبّاس الدُّوريّ، قالا: ثنا يعقوب بن
إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن عبيد الله بن عبد الله
أخبره، أن عبد الله بن عبّاس أخبره، أن رسول الله وَلَ مَرَّ بشاة ميتة، فقال:
((هلّا استمتعتم بإهابها؟))، قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: ((إنما حرم
أكلها)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨١٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (٢) ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ،
وَاللَّفْظُ لِبْنٍ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنٍ
عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوحَةٍ، أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ،
فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: ((أَلَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا، فَدَبَغُوهُ، فَانْتَفَعُوا بِهِ؟))).
(١) وكذا أخرجها أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٣٩٩/١) رقم (٨٠٠)، إلا أنه سقط من
النسخة ذكر ابن عبّاس، وهو غلط من النساخ؛ فتنبّه.
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ) هو: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن
الْمِسْور بن مَخْرَمة الزهريّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠].
رَوَى عن ابن عيينة، وعبد الوهاب الثقفيّ، وأبي سعد مولى بني هاشم، وأبي
عامر الْعَقَديّ، ومعاذ بن معاذ بن هشام، ومالك بن سُعَير بن الخمس، وغيرهم.
ورَوَى عنه الجماعة سوى البخاريّ، وابنُ خزيمة، وأبو حاتم، ومحمد بن
هارون الرُّويانيّ، والبُوشَنْجيّ، وأبو الأذان عمر بن إبراهيم الحافظ، ومحمد بن
يحيى بن مندهْ، وأبو عَرُوبة، وابن أبي داود، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال الدارقطنيّ: من
الثقات، قليل الخطأ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال اللالكائيّ: مات سنة ست وخمسين ومائتين.
أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط(١)،
هذا الحديث برقم (٣٦٣)، وحديث (١٨٠١): ((من لكعب بن الأشرف؟، فإنه
قد آذی الله ورسوله ... )).
٢ - (عَمْرو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
(١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١/ ١٨٤.
٣ - (عَطَاء) بن أبي رباح واسمه أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد
المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في
(الإيمان)» ٨٣/ ٤٤٢.
والباقون تقدّموا أول الباب، و((ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى،
و((سفيان)) هو: ابن عيينة.
(١) وذكر في ((تهذيب التهذيب)) (١١/٦)، ما نصّه: وفي ((الزهرة)): روى عنه مسلم
(١٤) حديثاً. انتهى. والذي سُجّل له في برنامج الحديث (صخر) هو الذي ذكرته
في الشرح، وما أظنّ هذا الذي ذكره في ((التهذيب)) صحيحاً، وسيتبيّن عند نهاية
الشرح - إن شاء الله تعالى - ما هو الصحيح من ذلك، أسأل الله تعالى أن يوفّقني
لإتمامه، إنه سميع قريب مجيب الدعوات.

٤٠٣
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةٍ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٥)
وقوله: (أَلَّا أَخَذُوا) بتشديد اللام كـ ((هلّا)) وزناً ومعنّى، ويجوز في ((ألا))
التخفيف أيضاً، كما سبق قريباً، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريباً،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨١٦] (٣٦٤) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ مُنْذُ حِينٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِّ (١) ابْنُ
عَبَّاسٍ، أَنَّ مَيْمُونَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ دَاجِنَةً كَانَتْ لِبَعْضِ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَمَاتَتْ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان البصريّ الملقَّب أبا الْجَوزاء،
ثقةٌ [١١] (ت٢٤٦) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
٢ - (أَبُو عَاصِم) الضّحّاك بن مَخْلَد النبيل الشيبانيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٩] (ت٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ
مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يرسل ويدلّس [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٩/٦.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (أَنَّ دَاجِنَةً) قال النوويّ تَُّهُ: هي : - بالدال المهملة والجيم
والنون - قال أهل اللغة: داجن البيت ما أَلِفَها من الطير والشاء، وغيرهما،
وقد دَجَنَ في بيته: إذا لزمه، والمراد بالداجنة هنا الشاة. انتهى.
وقال الفيّوميّ تَخْتُهُ: دَجَنَ بالمكان دَجْناً، من باب قَتَل، ودُجُوناً: أقام
به، وأدجن بالألف مثلُهُ، ومنه قيل لِمَا يَأْلَف البيوتَ من الشاء والحمام،
ونحوهما: دَواجن، وقد قيل: داجنة بالهاء، وسَحَابةٌ داجنةٌ: أي مُمِطِرة،
والدَّجْنُ وزانُ فَلْسٍ: المطر الكثير. انتهى (٢).
(١) وفي نسخة: ((منذ حينٍ، أخبرني ابن عبّاس)) بحذف ((قال)).
(٢) ((المصباح المنير)) ١٩٠/١.

٤٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقوله: (كَانَتْ لِبَعْضٍ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ وَّ﴾﴾ ظاهر هذه الرواية أن تلك
الشاة كانت لبعض أزواجه وَّة، والروايات الأخرى صريحة في كونها لمولاة
ميمونة ضّا فَيَحْتَمِل أن تكون القصّة واحدة، ويكون قوله: ((لبعض نساء
النبيّ وَ لَ﴾)) مجازاً، وهذا يؤيّده كونه من رواية ابن عبّاس، عن ميمونة
ويَحْتَمِلُ أن تكون لبعض نسائه حقيقةً، كما هو الظاهر، فيمكن أن تكون
شاة سودة ◌ّا، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) عن ابن عباس، عن سودة،
زوج النبيّ وَّ﴿ قالت: ماتت لنا شاةٌ فدَبَغنا مَسْكها، ثم ما زلنا نَنْبِذ فيه حتى
صار شَنّاً .
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الأول، فراجعها
تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨١٧] (٣٦٥) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ
سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َه
مَرَّ بِشَاةٍ لِمَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ (٢)، فَقَالَ: ((أَلََّ انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الرَّحِيم بْنُ سُلَيْمَانَ) الكنانيّ، وقيل: الطائيّ، أبو عليّ المروزيّ
الأشلّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، له تصانيف، من صغار [٨].
رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وعاصم الأحول، وعبيد الله بن عمر،
وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويزيد بن أبي زياد، وأبي حيّان التيميّ،
وزكرياء بن أبي زائدة، وعبد الله بن عثمان بن خُثيم، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم بن موسى الرازيّ، وإسماعيل بن الخليل، وأبو بكر بن
أبي شيبة، وهناد بن السريّ، وأبو كريب، وغيرهم.
(١) وفي نسخة: ((وحدثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((لمولاة ميمونة)) بالإضافة.

٤٠٥
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةٍ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٦)
قال سهل بن عثمان: نَظَر وكيع في حديثه، فقال: ما أصحّ حديثه، كان
عبد الرحيم، وحفص بن غياث يطلبان الحديث معاً، وقال ابن معين، وأبو
داود: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، كان عنده مصنفات، قد صَنَّفَ
الكتب، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن المدينيّ: لا بأس به، وقال
العجليّ: ثقةٌ، متعبِّدٌ كثير الحديث، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال
عثمان بن أبي شيبة: ثقةٌ صدوقٌ، ليس بحجة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال محمد بن الحجاج الضبيّ: مات عبد السلام بن حرب سنة سبع
وثمانين ومائة، ومات عبد الرحيم بن سليمان أظن آخر السنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثاً.
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥]
(ت١٤٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
والباقون تقدّموا قبله في الباب، وكذا شرح الحديث، وبيان مسائله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨١٨] (٣٦٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ
زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِهِ يَقُولُ: ((إِذَا دُبغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ))).
رجال هذا الحديث: خمسة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٢ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أسامة
المدنيّ، ثقة فقيه، يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَعْلَةَ) - بفتح الواو، وسكون العين المهملة -
ويقال: ابن السُّمَيْفِع بن وَعْلة السَّبئيّ(١) المصريّ، صدوقٌ [٤].
(١) بفتح السين المهملة، وبعدها الباء الموحّدة، ثم الهمزة، ثم ياء النسب، انتهى.
«شرح النوويّ)) ٥٥/٤.

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، وعنه زيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد
الأنصاريّ، وأبو الخير الْيَزَنيّ، وجعفر بن ربيعة، والقعقاع بن حكيم، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجليّ، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن يونس: عبد الرحمن بن أُسميفع بن وَعْلة
السَّبَيّ، كان شريفاً بمصر في أيامه، وله وِفَادة على معاوية، وصار إلى إفريقية،
وبها مسجده ومواليه، وقال في حرف الألف: أُسميفع بن وَعْلة بن يَعْفُر بن
سَلامة بن شُرَحبيل بن علقمة السَّبئيّ، آخر ملوك سبأ، عليه قام الإسلام، هاجر
في خلافة عمر، وشَهِد الفتح بمصر، وترك عِدّة من الولد، منهم: عبد الله،
وعبد الرحمن، وذكر غَيرَهم، وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات التابعين، من
أهل مصر، وذكره أحمد، فضعَّفه في حديث الدباغ.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا
برقم (٣٦٦)، كرّره ثلاث مرّات، وحديث (١٥٧٩): ((إن الذي حرّم شُربها،
حرّم بيعها ... )).
والباقيان تقدّما في الباب.
وقوله: (إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ) ببناء الفعل للمفعول، و((الإهاب)) بكسر الهمزة:
الجلد قبل أن يُدبغ، أو الجلد مطلقاً، كما تقدّم تمام البحث فيه.
وقوله: (فَقَدْ طَهُرَ) بضم الهاء، وفتحها لغتان، والفتح أفصح، أي ظاهره
وباطنه، فيجوز استعماله في الأشياء اليابسة والمائعة(١).
وتمام شرح الحديث سيأتي في الحديث الثالث، وأخّرته إليه؛ لكونه أتمّ،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨١٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ
(ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيِعٍ، عَنْ سُفْيَانَ،
(١) ((المرعاة شرح المشكاة)) ١٩٨/٢.

٤٠٧
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْنَةِ - حديث رقم (٨١٨)
كُلُّهُمْ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ وَعْلَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ
النَّبِّ ◌َِّ بِمِثْلِهِ، يَعْنِي حَدِيثَ بَحْبَى بْنِ بَحْبَى).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت ١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدّرَاوَرْديّ، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم
المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدث من كتُب غيره فيُخطئ [٨] (ت١٨٤) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الستة
بلا واسطة، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت٢٤٧) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه، المروزيّ، ثقةٌ
ثبتٌ إمام حجة [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٥ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيحِ الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
عابد، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٦ - (سُفْيَان) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
إمام حجة فقيه، من كبار [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن حديث شيوخه الخمسة: أبي بكر بن أبي شيبة،
وعمرو الناقد، وقتيبة، وأبي كريب، وإسحاق مثل حديث شيخه الماضي، وهو
یحیی بن یحیی.
وقوله: (يَعْنِي حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى) قال النوويّ ◌َثْتُهُ: هكذا هو في
الأصول (يعني)) بالياء المثنّاة من تحتُ، ولعله من كلام الراوي عن مسلم، ولو
رُوي بالنون في أوله على أنه من كلام مسلم لكان حسناً، ولكن لم يُرْوَ. انتهى(١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((شرح النووي)) ٤/ ٥٥.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٢٠] ( .. ) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ
أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ
أَيُّوبَ، عَنْ بَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ وَعْلَةَ
السَّبَتَّيِّ فَرْواً، فَمَسِسْتُهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ:
إِنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ، وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ، وَالْمَجُوسُ، نُؤْتَى بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ، وَنَحْنُ لَا
تَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَأْتُونَا (١) بِالسِّقَاءِ، يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ
سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((دِبَاغُهُ طَهُورُهُ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ
المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان))
١٥٦/١٢.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصاغانيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ) بن طارق بن قُرّة بن نَهِيك بن مُجاهد الهلاليّ، أبو
حفص الكوفيّ، نزيل مصرَ، ثقةٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن مالك، والليث، ويحيى بن أيوب، وابن لَهِيعة، ومَسْلَمة بن
علي الْخُشَنيّ، ورِشْدين بن سعد، والسَّرِيّ بن يحيى، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، وروى مسلم، وأبو داود له بواسطة يحيى بن معين،
وإسحاق بن منصور الكَوْسَج، وأبي بكر الصاغانيّ، وأبي حاتم الرازيّ، وعنه
أيضاً ولده طاهر، وإبراهيم الْجُوزَجانيّ، وإبراهيم بن ديزيل، ومحمد بن
عبد الملك بن زنجويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن سهل بن
عسكر، وإبراهيم بن هانئ، وأحمد بن عبد الله العجليّ، ويعقوب بن سفيان،
وغيرهم.
(١) وفي نسخة: ((ويأتوننا).

٤٠٩
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةٍ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٩)
قال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، كتبنا عنه بمصر، وقال أبو حاتم: صدوقٌ،
وقال الحاكم عن الدارقطنيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال ابن يونس: مات في ربيع الأول سنة تسع عشرة ومائتين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط، وأعاده بعده، وكذا له عند البخاريّ حديث واحد فقط، برقم
(٥١٣٧) حديث عائشة ◌َّا أنها قالت: يا رسول الله، إن البكر تستحي، قال:
((رضاها صَمْتها)).
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيّ - بمعجمة، وفاء، وقاف - أبو العبّاس
المصريّ، صدوقٌ ربّما أخطأ [٧].
رَوَى عن حميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن أبي
بكر بن حزم، وعبد الله بن دينار، وربيعة بن جعفر بن ربيعة، وسهل بن معاذ،
وغيرهم.
ورَوَى عنه شيخه ابن جريج، والليث، وهو من أقرانه، وجرير بن حازم،
وابن وهب، وابن المبارك، وأشهب، وزيد بن الحباب، والمقبري، وعمرو بن
الربيع، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سيئ الحفظ، وهو دون خَيْوَة، وسعيد بن
أبي أيوب، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح، وقال مرة: ثقة.
وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي: يحيى بن أيوب أحب إليك، أو ابن أبي
الموال؟ فقال: يحيى بن أيوب أحب إليّ، ومحل يحيى الصدق، يكتب حديثه،
ولا يحتج به. وقال الآجري: قلت لأبي داود: ابن أيوب ثقة؟ فقال: هو
صالح. وقال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ليس بالقوي. وذكره ابن
حبان في ((الثقات)). وقال ابن يونس: كان أحد طلاب العلم بالآفاق، وحَدّث
عنه الغرباء أحاديث ليست عند أهل مصر، قال: أحاديثُ جرير بن حازم، عن
يحيى بن أيوب ليس عند المصريين منها حديث، وهي تشبه عندي أن تكون من
حديث ابن لهيعة، تُوُفّي سنة ثمان وستين ومائة. وقال ابن سعد: منكر
الحديث. وقال الدارقطني: في بعض حديثه اضطراب، ومن مناكيره عن ابن
جريج، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعاً: ((وإن كان مائعاً فانتفعوا

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
به)). وقال الترمذي عن البخاري: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: كان ثقةً
حافظاً. وقال الإسماعيلي: لا يحتج به. وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال
أحمد بن صالح: له أشياء يخالف فيها. وقال إبراهيم الحربي: ثقة. وقال
الساجيّ: صدوق يَهِم، كان أحمد يقول: يحيى بن أيوب يخطئ خطأً كثيراً.
وقال الحاكم أبو أحمد: إذا حدّث من حفظه يخطئ، وما حدث من كتاب
فليس به بأس. وذكره العقيليّ في ((الضعفاء))، وحَكَى عن أحمد أنه أنكر
حديثه، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة في القراءة في الوتر. وكذا
نقل ابن عدي، ثم قال: ولا أرى في حديثه إذا رَوَى عن ثقة حديثاً منكراً،
وهو عندي صدوق، لا بأس به.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٣٦٦)
وأعاده بعده، و(٤٨٣) و(٨٧٢) و(١١٣٤) و(١٤٤٢) و(٢٢٩٦).
٥ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) واسم أبيه سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ
فقيهٌ، كان يُرسل [٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في (الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٦ - (أَبُو الْخَيْرِ) مَرْثَد بن عبد الله الْيَزَنيّ المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٠)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
والباقيان تقدّما قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) اسمه سُويد (أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ) مَرْثد بن عبد الله
(حَدَّثَهُ) وقوله: (قَالَ) تفسير وتوضيح لمعنى ((حدّثه)) (رَأَيْتُ عَلَى) عبد الرحمن
(ابْنِ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ) بفتح السين المهملة، والموحّدة، بعده همزة: نسبة إلى
سبأ بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان(١). (فَرْواً) قال النوويّ تَخْذُّ: هكذا هو في
النسخ ((فَرْواً))، وهو الصحيح المشهور في اللغة، وجمع الفَرْو فِرَاءٌ، ككَعْب
وكِعَاب، وفيه لغة قليلة أنه يقال: ((فَرْوَةٌ)) بالهاء، كما يقولها العامّة، حكاها ابن
فارس في ((الْمُجمل))، والزُّبَيديّ في ((مختصر العين)). انتهى(٢).
(١) ((اللباب)) ٩٨/٢، و((الأنساب)) ٢٠٩/٣ - ٢١٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٥٦/٤.

٤١١
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨٢٠)
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((المشهور في اللغة)) هكذا قال النوويّ،
لكن الذي تقتضيه كتب اللغة التي بين يديّ أنهما مشهوران، بل لم يذكره في
(القاموس)) إلا بالهاء، وعبارته: ((الْفَرْوةُ)): لُبسٌ معروف. انتهى (١).
وقال في ((المصباح)): ((الْفَرْوة)»: التي تُلْبَس، قيل: بإثبات الهاء، وقيل:
بحذفها، والجمع الْفِرَاءُ، مثلُ: سَهْمِ وسِهَام. انتهى (٢) .
وقال في ((اللسان)): ((الْفَرْوُ))، و((الْفَرْوَةُ)): معروفٌ الذي يُلبَس، والجمع
فِرَاءٌ، وقال أبو منصور: والْفَرْوةُ إذا لم يكن عليها وَبَرٌ، أو صُوفٌ لم تُسَمَّ
فَرْوةً. انتهى باختصار(٣).
وذكر المرتضى كَُّ في ((التاج)) أن الفَرْو أنواع، قال: وهي جلود
حيوانات، تُدْبَغُ، فَتُخَيّط، ويلبس بها الثياب، فيلبسونها اتّقاء البرد. انتهى (٤).
(فَمَسِسْتُهُ) بكسر السين الأولى، على اللغة المشهورة، وفي لغة قليلة
بفتحها، فعلى الأول المضارع يَمَسّه، بفتح الميم، وعلى الثانية بضمّها، قاله
النوويّ(٥) .
وفي ((المصباح)): مَسِسْتُهُ، من باب تَعِبَ، وفي لغة مَسَسْتُهُ مَسّاً، من باب
قتل: أفضيتُ إليه بيدي من غير حائل، هكذا قيّدوه، والاسم: المسيس، مثلُ
کریم. انتهى(٦).
(فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَسُّهُ؟) ((ما)» تعجّبِيّة، أي أَيُّ شيء ثبت لك في مسّه؟ (قَدْ
سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ◌َِّ، وقوله: (قُلْتُ) تفسير لـ ((سألتُ))، وبيان لكيفيّته
(إِنَّا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها محكيّة بالقول، كما قال في ((الخلاصة)):
وَحَيْثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ
أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلْ
حَالٍ كَـ «زُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَالْ))
(نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ) وفي رواية النسائيّ: ((إنا نغزو هذا المغرب، وإنهم أهل
وَثَنٍ ... ))، والمراد بالمغرب القُطْر المعروف (وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ) بباءين موحّدتين،
(١) ((القاموس المحيط)) ٣٧٣/٤.
(٣) ((لسان العرب)) ١٥١/١٥.
(٥) ((شرح النوويّ)) ٥٦/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٧١/٢.
(٤) (تاج العروس)) ١٠/ ٢٧٨.
(٦) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٢.

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وراءين، وزانُ جَعْفر: قوم من أهل المغرب، كالأعراب في الْقَسْوَةِ والْغِلْظة،
قاله الفيّوميّ(١).
وقال المجد تَّلُهُ: وبَرْبَرٌ: جِيلٌ، جمعه: الْبَرَابِرة، وهم بالمغرب، وأُمّة
أخرى بين الْحُبُوش والزَّنْج يقطعون مذاكير الرجال، ويجعلونها مهور نسائهم،
وكلُّهم من وَلَد قَيْسٍ عَيْلانَّ، أو هم بطنان من حِمْيَر، صِنْهاجةُ، وكُتَامَةُ، صاروا
إلى الْبَرْبَر أيّام فتح أَفْرِيقَش الملك أَفْرِيقِيَةَ. انتهى(٢).
(وَالْمَجُوسُ) بفتح الميم، وتخفيف الجيم: أمّة من الناس، قال
الفيّوميّ تَخْتُهُ: هي كلمة فارسيّةٌ، وتمجّس: صار من المجوس، كما يقال:
تَنَصَّرَ، وتَهَوَّدَ: إذا صار من النصارى، أو من اليهود، ومجّسه أبواه: جعلاه
مجوسيّاً. انتهى(٣).
وقال ابن سِيدهْ: المجوس: جِيل معروف، جمعٌ، واحدهم مجوسيّ،
وقال غيره: وهو معرَّبٌ، أصله مِنْج كُوشْ، وكان رجلاً صغير الأذنين، كان
أول من دان بدين المجوس، ودعا الناس إليه، فعرَّبته العرب، فقالت:
مَجُوس، ونزل القرآن به، والعرب ربّما تركت صرف مجوس إذا شُبِّه بقبيلة من
القبائل، وذلك أنه اجتمع فيه العُجمة والتأنيث، ومنه قوله:
كَنَارٍ مَجُوسَ تَسْتَعِيرُ اسْتِعَارَا (٤)
(نُؤْتَى) بالبناء للمفعول (بِالْكَبْشِ) بفتح الكاف، وسكون الموحّدة: هو
الْحَمَلُ (٥) إذا أَثْنَى (٦)، أو إذا خرجت رَبَاعيته، جمعه: أَكْبُشْرٌ؛ بفتح، فسكون،
ثم ضمّ الموحّدة، وكِبَاشٌ بالكسر، وأَكْبَاشٌ بالفتح، أفاده المجد(٧). وقوله:
(١) ((المصباح المنير)) ٤٤/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٧٠/١ - ٣٧١، وراجع: (تاج العروس)) في هذا الموضع ٣/
٣٨ - ٣٩ ففيه بيان وإيضاح.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢ / ٥٦٤.
(٤) ((لسان العرب)) ٢١٤/٦ - ٢١٥.
(٥) ((الْحَمَلُ)) بفتحتين: ولد الضأن في السنة الأولى، جمعه: حُمْلان، قاله في
((المصباح)) ١٥٢/١.
(٦) أي ألقى ثنيّته.
(٧) ((القاموس المحيط)) ٢٨٥/٢.

٤١٣
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨٢٠)
(قَدْ ذَبَحُوهُ) جملة في محلّ جرّ نعتٌ لـ ((الكبش)) على جعل ((أل)) جنسيّة، أو
حالٌ منه، على حدّ قول الشاعر:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
وقد تقدّم غير مرّة (وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ) أي لأنهم ليسوا من أهل
الكتاب الذين أحلّ الله ذبائحهم، بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمُ﴾
الآية [المائدة: ٥]، وفي رواية النسائيّ: ((وإنهم أهل وَثَنٍ ... )).
(وَيَأْتُّونَا) بحذف نون الرفع؛ تخفيفاً، وفي نسخة: ((ويأتوننا)) بنونين،
الأولى نون الرفع، والثانية نون ((نا)) ضمير المتكلّم (بِالسِّقَاءِ) بكسر السين، قال
ابن الأثير تَخْلَتُهُ: هو: ظرف الماء من الجلد، ويُجمع على أسقية، وقد تكرّر
في الحديث مفرداً وجمعاً. انتهى(١).
وقال المجد تَخْتُ: السِّقاءُ كَكِسَاءِ: جِلْدُ السَّحْلة إذا أجذع، يكون للماء
واللبن، جمعه: أَسْقِيةٌ، وأَسقياتٌ، وأَسَاقٍ. انتهى(٢) .
(يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ) قال النوويّ ◌َّتُهُ: هكذا هو في الأصول ببلادنا
(يجعلون)) بالعين بعد الجيم، وكذا نقله القاضي عياضٌ عن أكثر الرواة، قال:
ورواه بعضهم ((يَجمُلُون)) بالميم، ومعناه يُذيبون، يقال: بفتح الياء، وضمّها
لغتان، يقال: جَمَلتُ الشحمَ، وأجملته: أذبته. انتهى (٣).
و((الْوَدَكَ)): بفتح الواو، والدال المهملة: دَسَمُ اللحم والشَّحْم، وهو ما
يتحلّب من ذلك، يقال: وَدَّكتُ الشيءَ توديكاً، وكبشٌ وَدِيكٌ، ونَعْجَةٌ وَدِيكةٌ:
أي سَمِينٌ وسَمِينَةٌ، ووَدَكُ الميتة: ما يَسِيل منها، قاله الفيّوميّ(٤).
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ) ﴿هَا (قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَنْ ذَلِكَ) أي حكم جلد
الميتة (فَقَالَ) وَ ((دِبَاغُهُ) بكسر الدال المهملة تقدّم أنه يكون للمصدر، ويكون
اسماً لما يُدبغ به، والأول هو المناسب هنا، وهو عبارة عن إزالة الرائحة
الكريهة، والرطوبات النجسة باستعمال الأدوية، أو بغيرها، قال إبراهيم
(١) ((النهاية)) ٣٨١/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٥٦/٤.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٤٣/٤.
(٤) ((المصباح المنير)) ٦٥٣/٢.

٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
النخعيّ كَّتُ: كلَّ شيء يمنع الجلد من الفساد، فهو دباغ(١).
فقوله: (دباغه)) مبتدأ، خبره قوله: (طَهُورُهُ))) بفتح الطاء المهملة؛ أي
مُطهّرٌ له، وفي الرواية التالية: ((فقال: اشرب، فقلت: أرأي تراه؟ فقال ابن
عبّاس: سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: ((دِباغه طَهُوره))، وفي رواية النسائيّ:
((ولهم قِرَبٌ يكون فيها اللبن والماء، فقال ابن عبّاس: الدباغ طَهُور))، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ها هذا من أفراد المصنّف ◌َخَّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٨١٨/٢٦ و٨١٩ و٨٢٠ و٨٢١]
(٣٦٦)، و(أبو داود) في ((اللباس)) (٤١٢٣)، و(الترمذيّ) في ((اللباس))
(١٧٢٨)، و(النسائيّ) في ((الْفَرَع والْعَتِيرة)) (١٧٣/٧)، و(ابن ماجه) في
((اللباس)) (٣٦٠٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٤٩٨/٢)، و(أبو داود الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (٤٣/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٠)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٣٧٨/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٩/١ و٢٧٠ و٣٤٣)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٨٦/٢)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٤٦/١)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (١٦/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤٦٩/١)، وفي
((مشكل الآثار)) (٢٦٢/٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٦١)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (١٢٨٧ و١٢٨٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٠٣)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده) (٥٦٠ و٥٦١ و٥٦٢ و٥٦٣ و٥٦٤)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٨٠٤ و٨٠٥ و٨٠٦ و٨٠٧ و٨٠٨)، وبقيّة المسائل تقدّمت قريباً،
فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
(١) ((المرعاة)) ١٩٨/٢.

٤١٥
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨٢٠)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٢١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي(١) إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِي
الْخَيْرِ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَعْلَةَ السَّبَئِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ،
قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ، فَيَأْتِينَا الْمَجُوسُ بِالْأَسْقِيَةِ، فِيهَا الْمَاءُ وَالْوَدَكُ، فَقَالَ:
اشْرَبْ، فَقُلْتُ: أَرَأْيُ تَرَاهُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ:
(دِبَاغُهُ طَهُورُهُ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبيل بن حَسَنَةَ الْكِنديّ، أبو شُرَحْبيل
المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (أَرَأْيُّ تَرَاهُ؟) وفي رواية النسائيّ: ((قال ابن وَعْلَة: عن رأيك، أو
شيءٌ سمعته من رسول الله (وَليؤ؟))، أي أتفتيني بهذا عن مجرّد اجتهادك، أم
تفتيني مستنداً إلى ما سمعته من النبيّ وَلّ؟، وفيه أن المستفتي له أن يسأل
المفتي عن مأخذه؛ استرشاداً، حتى يكون على بصيرة من أمر دينه؛ لا تعنّتاً،
وعلى العالم أن يُبيِّن له ذلك، إن كان جليّاً، كدليل ابن عبّاس ◌َّ هذا، وأما
إذا كان صعباً يقصر فهم السائل عن إدراكه، فليس عليه أن يبيّنه له؛ صوناً
لنفسه عن التعب فيما لا يفيد، ويَعتذر إليه بقصور فهمه عنه، وإلى هذا كله
أشار السيوطيّ كَّهُ في ((الكوكب الساطع))، حيث قال:
مُسْتَرْشِداً وَلْيُبْدِ إِنْ كَانَ جَلِي
وَجَازَ عَنْ مَأْخَذِهِ إِنْ يَسْأَلٍ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١) وفي نسخة: ((حدّثني))، وفي أخرى: ((حدّثنا)).

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
(٢٧) - (بَابُ التَّيَمُّم)
قال الجامع عفا الله عنه: في هذه الترجمة مسائل:
(المسألة الأولى): في معنى التيمّم لغة وشرعاً :
((التيمّم)): في اللغة: هو القصدُ، قال الأزهريّ: التيمّم في كلام العرب
القصد، يقال: تيمّمتُ فلاناً، ويَمّمته، وتأمّمته، وأمّمته: أي قصدته. انتهى.
قاله النوويّ(١).
وقال في ((الفتح)): التيمّم في اللغة: القصد، قال امرؤ القيس :.
تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتٍ وَأَهْلُهَا بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِي
أي قصدتها .
وفي الشرع: القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بنيّة استباحة الصلاة
ونحوها، وقال ابن السِّكِّيت: قوله: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا﴾ [النساء: ٤٣] أي اقصدوا
الصعيد، ثم كثر استعمالهم حتى صار التيمّم مسح الوجه واليدين بالتراب.
انتهى. فعلى هذا هو مجاز لغويّ، وعلى الأول هو حقيقة شرعيّة، واختلف في
التيمّم، هل هو عزيمة أو رخصةٌ؟ وفصّل بعضهم، فقال: هو لعدم الماء
عزيمة، وللعذر رخصة. انتهى (٢).
وقال في ((العمدة)): ((التيمم)) مصدر تيمم تيمماً، من باب التفَعُّل، وأصله
من الأَمّ، وهو القصد، يقال: أَمَّهُ يؤُمُّه أَمّاً: إذا قصده، وذكر أبو محمد في
كتابه ((الواعي)): يقال: أَمَّ، وتَأَمَّم، ويَمَّمَ، وتَيَمَّمَ بمعنى واحد، والتيمم أصله
من ذلك؛ لأنه يقصد التراب، فيتمسح به، وفي ((الجامع)) عن الخليل: التيمم
يَجري مجرى التَّوَخِّي، تقول: تَيَمَّمْ أطيب ما عندك، فَأَطْعِمنا منه؛ أي تَوَخَّهُ،
وأجاز أن يكون التيمم الْعَمْدَ والْقَصْدَ، وهذا الاسم كَثُر حتى صار اسماً
للتمسح بالتراب، قال الفراء: ولم أسمع يَمَمْتُ بالتخفيف، وفي ((التهذيب))
لأبي منصور: التيمم: التعمُّد، وهو ما ذكره البخاريّ في ((التفسير)) في ((سورة
(١) ((شرح النوويّ)) ٥٦/٤.
(٢) ((الفتح)) ٥١٤/١ _ ٥١٥.

٤١٧
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨٢١)
المائدة))، ورواه ابن أبي حاتم، وابن المنذر، عن سفيان.
قال العينيّ: التيمم في اللغة مطلق القصد، قال الشاعر [من الوافر]:
أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي
وَلَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضاً
أَم الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي
أَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا أَبْتَغِيهِ
ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ بِالتُّرْبِ
تَيَمَّمْتُكُمْ لَمَّا فَقَدْتُ أُولِي النُّهَى
وفي الشرع: قصد الصعيد الطاهر، واستعماله بصفة مخصوصة، وهو
مسح الوجه واليدين؛ لاستباحة الصلاة، وامتثال الأمر. انتهى بزيادة(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): التيمّم جائز بالكتاب، والسنّة، والإجماع؛ أما
الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
وأما السنّة فأحاديث الباب وغيرها .
وأما الإجماع، فقد أجمعت الأمة على جواز التيمّم في الجملة (٢).
قال النوويّ تَخْلَتُهُ: التيمّم رخصة، وفضيلة اختُصّت بها هذه الأمة
- زادها الله شرفاً - لم يُشاركها فيها غيرها من الأمم، كما صَرَّحت به
الأحاديث الصحيحة المشهورة عن رسول الله وَلقر، وأجمعوا على أن التيمّم
مختصّ بالوجه واليدين، سواء تيمّم من الحدث الأصغر، أو الأكبر، وسواء
تيمّم عن كلّ الأعضاء، أو بعضها. انتهى(٣).
وقال الشاه وليّ الله الدهلويّ تَخْتُ في كتابه ((حجة الله البالغة)): لَمّا كان
من سنّة الله في شرائعه أن يُسهّل عليهم كلّ ما لا يستطيعونه، وكان أحقّ أنواع
التيسير أن يُسقط ما فيه حرجٌ إلى بدل؛ لتطمئنّ نفوسهم، ولا تختلف الخواطر
عليهم بإهمال ما التزموه غاية الالتزام مرّة واحدةً، ولا يَألفوا ترك الطهارات،
أسقط الوضوء والغسل في المرض والسفر إلى التيمّم، ولَمّا كان ذلك كذلك
نزل القضاء في الملا الأعلى بإقامة التيمّم مقام الوضوء والغسل، وحصل له
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٣/٤.
(٣) ((المجموع شرح المهذّب)) ٣٠٩/٢.
(٢) راجع: ((المغني)) ٣١٠/١.

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وجود تشبيهيّ أنه طهارة من الطهارات، وهذا القضاء أحد الأمور العظام التي
تميّزت به الملّة المصطفويّة(١) من سائر الملل، وهو قوله وَله: ((وجُعِلت تربتها
لنا طهوراً إذا لم نجد الماء))(٢).
قال: إنما خصّ الأرض لأنها لا تكاد تُفقَد، فهي أحقّ ما يُرفَع به
الحرج، ولأنها طَهُور في بعض الأشياء؛ كالخفّ، والسيف بدلاً عن الغسل
بالماء، ولأن فيه تذلّلاً بمنزلة تعفير الوجه في التراب، وهو يناسب طلب العفو.
وإنما لم يفرَّق بين بدل الغسل والوضوء، ولم يُشرَع التمرّغ؛ لأن من حقّ
ما لا يُعقَل معناه بادئ الرأي أن يُجعل كالمؤثّر بالخاصيّة دون المقدار، فإنه هو
الذي اطمأنّت نفوسهم به في هذا الباب، ولأن التمرّغ فيه بعض الحرج، فلا
يصلح رافعاً للحرج بالكلّيّة.
وفي معنى المرض البرد الضارّ؛ لحديث عمرو بن العاص رضي الله(٣)،
والسفرُ ليس بقيد، إنما هو صورة لعدم وجدان الماء يتبادر(٤) إلى الذهن.
وإنما لم يؤمر بمسح الرِّجْل بالتراب؛ لأن الرجل محلّ الأوساخ، وإنما
يؤمر بما ليس حاصلاً ليحصل التنبّه. انتهى(٥)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): قال الإمام ابن القيّم تَّتُ في كتابه الممتع «إعلام
الموقّعين)): ومما يُظنّ أنه على خلاف القياس باب التيمم، قالوا: إنه على
خلاف القیاس من وجهين:
[أحدهما]: أن التراب مُلَوِّث لا يزيل دَرَناً، ولا وسخاً، ولا يُطَهِّر البدن
كما لا يطهر الثوب.
(١) هكذا النسخة، والجاري على القاعدة أن يقال: ((المصطفيّة))؛ فتنبّه.
(٢) أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وسيأتي في ((الصلاة)) برقم (٥٢٢).
(٣) يعني قصّة صلاته بأصحابه في السفر بالتيمّم، وهو جنب، علّقه البخاريّ (١/
٤٥٤)، وأخرجه أبو داود في «سننه)) (٢٠٧/١) وصححه الحاكم، وابن حبّان.
(٤) هكذا النسخة، ولعله ((كما يتبادر ... إلخ)).
(٥) ((حجة الله البالغة)) ٥٥٨/١ - ٥٥٩.

٤١٩
(٢٧) - بَابُ التَّيَمُّمِ
[والثاني]: أنه شُرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا
خروج عن القياس الصحيح.
ولَعَمْرُ الله إنه خروج عن القياس الباطل المضادّ للدين، وهو على وفق
القياس الصحيح، فإن الله ◌ُعَلَ جَعَل من الماء كل شيء حيّ، وخلقنا من
التراب، فلنا مادتان: الماء والتراب، فجعل منهما نشأتنا، وأقواتنا، وبهما
تَطَهُّرنا، وتَعَبُّدنا، فالتراب أصل ما خُلق منه الناس، والماء حياة كل شيء،
وهما الأصل في الطبائع التي رَكَّب الله عليهما هذا العالم، وجَعَل قِوَامه بهما،
وكان أصل ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار هو الماء في الأمر
المعتاد، فلم يَجُز العدول عنه إلا في حال العدم والعذر بمرض أو نحوه، وكان
النقل عنه إلى شقيقه وأخيه التراب أولى من غيره، وإن لَوَّثَ ظاهراً، فإنه يُطَهِّر
باطناً، ثم يُقَوِّي طهارة الباطن، فيزيل دنس الظاهر أو يخففه، وهذا أمر يشهده
من له بصر نافذ بحقيقة الأعمال، وارتباط الظاهر بالباطن، وتأثّر كل منهما
بالآخر، وانفعاله عنه.
قال: وأما كونه في عضوين، ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة، فإن
وضع التراب على الرؤوس مكروه في العادات، وإنما يُفعَل عند المصائب
والنوائب، والرجلان محلّ ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب
الوجه من الخضوع والتعظيم الله، والذل له والانكسار لله ما هو أحب العبادات
إليه، وأنفعها للعبد، ولذلك يُسْتَحَبّ للساجد أن يُتَرِّب وجهه لله، وأن لا يقصد
وقاية وجهه من التراب، كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد، وجعل بينه
وبين التراب وقايةً، فقال: تَرِّبْ وجهك، وهذا المعنى لا يوجد في تتريب
الرجلين .
وأيضاً فموافقة ذلك للقياس من وجه آخر، وهو أن التيمم جُعِل في
العضوين المغسولين، وسَقَطَ عن العضوين الممسوحين، فإن الرجلين تمسحان
في الخف، والرأس في العمامة، فلما خُفُّف عن المغسولين بالمسح، خُفّف
عن الممسوحين بالعفو؛ إذ لو مُسِحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما، بل
كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب، فظهر أن الذي جاءت

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
به الشريعة، هو أعدل الأمور وأكملها، وهو الميزان الصحيح.
قال: وأما كون تيمم الجنب كتيمم المحدِث، فلَمَّا سَقَط مسح الرأس
والرجلين بالتراب عن المحدث، سقط مسح البدن كله بالتراب عنه بطريق
الأولى؛ إذ في ذلك من المشقة والحرج والعسر ما يناقض رخصة التيمم،
ويُدْخِل أكرمَ المخلوقات على الله في شبه البهائم، إذا تمرغ في التراب، فالذي
جاءت به الشريعة لا مزيد في الحسن والحكمة والعدل عليه، ولله الحمد.
انتهى كلام ابن القيّم ◌َُّ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٨٢٢] (٣٦٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ، انْقَطَعَ
عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ،
وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا: أَلَا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتْ
عَائِشَةُ، أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَبِالنَّاسِ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ،
فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ وَاضِحٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي، قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ، وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ: فَعَاتَبَنِي أَبُو
بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ
التَّحَرُّكِ إِلَّ مَكَانُ رَسُولِ اللهِ عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ حَتَّى أَصْبَحَ
عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَّمُّم، فَتَمَّمُوا، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، وَهُوَ أَحَدُ
النُّقَبَاءِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ، يَا أَلَّ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي
كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ).
(١) ((إعلام الموقّعين)) ٣٧٢/١ - ٣٧٤.