النص المفهرس

صفحات 381-400

(٢٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، ... إلخ - حديث رقم (٨١١)
٣٨١
(٢٦) - (بَابُ طَهَارَةٍ جُلُودِ الْمَيْتَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨١٢] (٣٦٣) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، قَالَ يَحْبَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى
مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: ((هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا،
فَدَبَغْتُمُوهُ، فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟)) فَقَالُوا(١): إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)).
قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، فِي حَدِيثِهِمَا: عَنْ مَيْمُونَةَ رَِّّا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام
[١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقة، صنّف
((المسند))، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت٢٤٢) (م ت س ت) تقدم في ((المقدمة))
٣١/٥.
والباقون تقدّموا قريباً، وكذا لطائف الإسناد، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود (عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) رِّ أنه
(قَالَ: تُصُدِّقَ) بالبناء للمفعول، وفي الرواية الآتية: ((مرّ بشاة مطروحة أُعطيتها
مولاة لميمونة من الصدقة)) (عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ) قال الحافظ ◌َّتُهُ: لم أقف
على اسم هذه المولاة (٢).
[تنبيه]: قد جاء في رواية صحيحة، أن النبيّ وَلّ كان هو الذي أعطى
(١) وفي نسخة: ((فقال)).
(٢) ((الفتح)) ٤٤٨/٣.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
تلك الشاة لمولاة ميمونة رؤيا فقد أخرج النسائيّ في ((سننه)) بسند صحيح، من
طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس ◌ًّا،
قال: مَرّ رسول الله وَله بشاة ميتة، كان هو أعطاها مولاة لميمونة، زوج
النبيّ وَّر، فقال: ((هلّ انتفعتم بجلدها؟)) فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال
رسول الله وَلّ: ((إنما حرم أكلها))(١).
وقد روي نحو هذا في شاة لسودة رضيؤثّا ففي ((صحيح البخاريّ)) عن ابن
عباس ﴿ّ، عن سودة زوج النبيّ وَّ قالت: ماتت لنا شاةٌ، فدبغنا مَسْكَها، ثم
ما زِلْنا نَنْبِذ فيه، حتى صار شَّاً.
وفي ((مسند أحمد)) عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة،
فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة - يعني الشاة - فقال: ((فلولا أخذتم مَسْكها))،
فقالت: نأخذ مَسْك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول الله وَله: ((إنما قال الله رحمات:
﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَّ أُوْحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمَا
مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥] فإنكم لا تَطْعمونه، أن تدبغوه،
فتنتفعوا به، قالت: فأرسلتُ إليها، فسُلِخت مَسْكها، فدبغته، فأخذتُ منه قِرْبةً
حتى تخرّقت عندها))(٢).
(ِبِشَاةٍ) متعلّق بـ (تُصُدِّق))، وفي رواية البخاريّ: ((مرّ النبيّ ◌َلُّ بعنز ميتة))،
قال في ((الفتح)): ((الْعَنْز)) بفتح المهملة، وسكون النون، بعدها زاي: هي
الماعزة، وهي الأنثى من المعز، ولا ينافي رواية: ((ماتت شاة))؛ لأنه يُظْلَق
عليها شاة كالضأن. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: من الغريب أن صاحب ((فتح المنعم)) تعقّب
كلام الحافظ هذا، فقال: وعندي أن العنز غير الشاة، وحمل الروايتين على
(١) راجع: ((المجتبى)) ١٧٢/٧.
(٢) رواه ((أحمد)) في («مسنده)) (٣٢٧/١ و٤٢٩/٦)، وابن حبّان في ((صحيحه))
(٤/ ٩٧)، وفي إسناده سماك، عن عكرمة، وهو مضطرب، لكن يشهد له ما
تقدّم من ((صحيح البخاري))، فهو صحيح.
(٣) ((الفتح)) ٩/ ٥٧٧.

٣٨٣
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةٍ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٢)
حادثتين مختلفتين أولى من حمل العنز والشاة على ذات واحدة. انتهى.
والغريب قوله: العنز غير الشاة، فمن أين له هذا؟، وقد أثبت أرباب
اللغة أن الشاة والغنم يطلقان على الضأن وعلى المعز(١)، بل ذكر في
((القاموس))، و((اللسان)) قولاً: إن الشاة تُطلق على الضأن، والمعز، والظباء،
والبقر، والنعام، وحمر الوحش.
وأيضاً من أين له أنه وسيله اتّفقت له هذه الواقعة مرّتين لمولاة ميمونة طفيًا؟
هذا شيء عجيب.
فالصواب ما قاله الحافظ تَّتُهُ، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(فَمَاتَتْ) أي تلك الشاة (فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ نَّةِ، فَقَالَ: ((هَلَّا أَخَذْتُمْ)
((هَلَّا)) - بفتح الهاء، وتشديد اللام -: حرف تحضيض، مختصّ بالجمل
الفعليّة، فإذا قُصد به التوبيخ، وهو اللوم على ترك الفعل، والتنديم؛ أي
الإيقاع في الندم، كما هنا، كان الفعل ماضياً، وإن قُصِد الحثّ على الفعل
كان مستقبلاً، ومثلها ((لولا))، و((لوما))، و((أَلَّا)) بالتشديد، و((ألا)) بالتخفيف،
وإلى قاعدة هذه الحروف أشار ابن مالك تَّتُهُ في ((الخلاصة)) حيث قال:
إِذَا امْتِنَاعاً بِوُجُودٍ عَقَدَا
(لَوْلًا)) و((لَوْمَا)) يَلْزَمَانِ الابْتِدَا
((أَلَّا)) ((أَلَا)) وَأَوْلِيَنْهَا الْفِعْلَا
وَبِهِمَا التَّحْضِيضَ مِزْ وَاهَلَّا)»
عُلِّقَ أَوْ بِظَاهِرٍ مُؤَخَّرٍ
وَقَدْ يَلِيهَا اسْمٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ
(إِهَابَهَا) بكسر الهمزة، وتخفيف الهاء، قال في (القاموس)): ((الإهاب))
كَكِتَاب: الجلد، أو ما لم يُذْبَغ، جمعه: آهِبَةٌ، وأُهُبِّ، وأَهَبِّ. انتهى (٢).
وفي ((المصباح)): ((الإهاب)): الجِلْدُ قبل أن يُدبغ، وبعضهم يقول:
الإهاب: الجلد، وهذا الإطلاق محمولٌ على ما قيّده الأكثرُ، فإن قوله وَلّه :
((أيُّما إهاب دُبغ)) يدلّ عليه، والجمعُ أُهُبٌ بضمّتين على القياس، مثلُ كتاب
وكُتُب، وبفتحتين على غير قياس، قال بعضهم: وليس في كلام العرب فِعَالٌ
(١) راجع: ((القاموس المحيط))، و((المصباح المنير))، و(لسان العرب)) في مادّة ((غنم))،
و((شوه)) تجد الصواب.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٧/١.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
يُجمَعُ على فَعَلِ بفتحتين إلا إِهابٌ وأَهَبٌّ، وعِمَادٌ وعَمَدٌ، وربّما استُعير الإهاب
لجلد الإنسان. انتهى(١).
(فَدَبَغْتُمُوهُ) قال في ((المعجم الوسيط)): دَبَغَ الجلدَ يدبُغُه دَبْغاً، ودِبَاغاً،
ودِبَاغَةً: عالجه بمادّة ليلين، ويزول ما به من رُطُوبة، ونَتْن. انتهى(٢). وقال في
((القاموس)): دَبَغَ الإهاب، كنصر، ومَنَعَ، وضَرَبَ دَبْغاً ودِبَاغاً ودِبَاغَةً
بكسرهما، فاندبَغَ، والدِّبَاغُ، والدِّبْغُ، والدِّبْغَةُ مكسوراتٍ: ما يُذْبَغُ به،
وككِتَابَةٍ: حِرْفَة الدَّبّاغ. انتهى(٣).
(فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟) أي بالإهاب (فَقَالُوا) أي القوم المخاطبون، وفي بعض
النسخ: ((فقال)) بالإفراد، أي بعض الحاضرين، قال الحافظ تَُّهُ: لم أقف
على تعيين القائل. انتهى (٤). (إِنَّهَا) أي الشاة (مَيْئَةٌ) بتخفيف الياء، ويجوز
تشديدها، قال في ((المصباح)): ((الميتة)): من الحيوان: ما مات حَتْفَ أنفه،
والجمع ميتات، وأصلها ميّةٌ بالتشديد، قيل: والتُزِم التشديد في ميتة الأَناسيّ؛
لأنه الأصل، والتُزم التخفيف في غير الأناسيّ؛ فرقاً بينهما، ولأن استعمال
هذه أكثر من الآدميّات، فكانت أولى بالتخفيف. انتهى(٥).
والمعنى: أن هذه الشاة محرَّمة؛ لأنها ميتة، وإنما قالوا ذلك ظنّاً منهم
أن تحريم الميتة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ يشمل جلدها كلحمها
(فَقَالَ) وَلَه مبيّناً المراد بالتحريم في الآية (إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) بتشديد الراء من
التحريم، ويجوز تخفيفها، قال النوويّ كَخَّتُهُ: رويناه على وجهين: ((حَرُمَ)) - بفتح
الحاء، وضمّ الراء -، و((حُرِّم)) - بضمّ الحاء، وكسر الراء المشدّدة - وفي هذا
اللفظ دلالة على تحريم أكل جلد الميتة، وهو الصحيح، كما سيأتي تحقيقه،
وللقائل الآخر أن يقول: المراد تحريم لحمها. انتهى(٦).
وقال القرطبيّ تَظّثُهُ: قوله: ((إنما حرم أكلها)) خرج على الغالب مما تُراد
اللحوم له، وإلا فقد حرم حملها في الصلاة، وبيعها، واستعمالها، وغير ذلك
(١) ((المصباح المنير)) ٢٨/١.
(٣) ((القاموس المحيط)) ١٠٤/٣.
(٥) ((المصباح المنير)) ٢ /٥٨٤.
(٢) ((المعجم الوسيط)) ٢٧٠/١.
(٤) ((الفتح)) ٩/ ٥٧٥.
(٦) ((شرح النوويّ)) ٤/ ٥٥.

٣٨٥
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٢)
مما يحرم من النجاسات. انتهى(١).
وقال السنديّ تَخْلَتُ: ظاهره أن ما عدا المأكول من أجزاء الميتة غير
محرّم الانتفاع به، كالشعر، والسنّ، والقرن، ونحوها، قالوا: لا حياة فيها،
فلا تنجس بموت الحيوان. انتهى(٢).
(قَالَ أَبُو بَكْرٍ) هو: ابنُ أبي شيبة، شيخه الثاني (وَابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو
محمد بن يحيى بن أبي عمر، شيخه الرابع (فِي حَدِيثِهِمَا) أي في روايتهما لهذا
الحديث عن سفيان بن عيينة (عَنْ مَيْمُونَةَ ﴿ّا) يعني أنهما ذكرا ميمونة ◌َّا بعد
ابن عبّاس ميّ، فجعلاه من رواية ابن عبّاس عنها، بخلاف يحيى بن يحيى،
وعمرو الناقد، فقد جعلاه من مسند ابن عبّاس ◌ًُّا.
قال في ((الفتح)) عند قوله: ((مَرَّ بشاة))، ما نصّه: كذا للأكثر عن الزهريّ،
وزاد بعض الرواة عن الزهريّ، عن ابن عباس، عن ميمونة، أخرجه مسلم
وغيره من رواية ابن عيينة، والراجح عند الحفّاظ في حديث الزهريّ، ليس فيه
ميمونة، نعم أخرج مسلم، والنسائيّ من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار،
عن عطاء، عن ابن عباس، أن ميمونة أخبرته. انتهى (٣).
قال الإمام الترمذيّ تَّفُ - بعد إخراج حديث ابن عبّاس ﴿ّ هذا -، ما
نصّه: وفي الباب عن سَلَمة بن الْمُحَبِّق، وميمونة، وعائشة، وحديث ابن عباس
حسن صحيح، وقد رُوِي من غير وجه عن ابن عباس، عن النبيّ وَّ نحوُ هذا،
ورُوي عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبيّ وََّ، ورُوي عنه عن سَوْدة، و
سمعت محمداً - يعني البخاريَّ - يُصَحِّح حديث ابن عباس، عن النبيّ وَّه
وحديث ابن عباس، عن ميمونة، وقال: احْتَمَل أن يكون رَوَى ابنُ عباس، عن
ميمونة، عن النبيّ وَّ، ورَوَى ابنُ عباس، عن النبيّ ◌َّ، ولم يَذكُر فيه عن
ميمونة. انتهى كلام الترمذيّ كَذُهُ(٤) .
(١) ((المفهم)) ٦١٠/١.
(٢) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٧/ ١٧٢.
(٣) ((الفتح)) ٩/ ٥٧٥ ((كتاب الذبائح والصيد)) رقم الحديث (٥٥٣١).
(٤) راجع: ((الجامع)) ((كتاب اللباس)) رقم (١٦٥٠).

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما نقله الترمذيّ عن البخاريّ أن
الحديث صحيح بالطريقين، فيُحْمَلُ على أن ابن عبّاس ◌ِظُهَا شَهِدَ القضيّة، لكن
أخبرته خالته ميمونة ﴿يّا بتفاصيلها، حيث إن تلك الشاة كانت لمولاتها، فكان
يُحدّث تارةً بهذا، وتارةً بهذا، ولا مانع من ذلك، بل مثلُ هذا كثير في
أحاديث الحفّاظ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ًَّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٨١٢/٢٦ و٨١٣ و٨١٤ و٨١٥]
(٣٦٣) و[٨١٦/٢٦] (٣٦٤) و[٨١٧/٢٦] (٣٦٥)، و(البخاريّ) في ((الزكاة))
(١٤٩٢) و((البيوع)) (٢٢٢١) و((الذبائح والصيد)) (٥٥٣١ و٥٥٣٢)، و(أبو داود)
(٤١٢٠ و٤١٢١)، و(الترمذيّ) في ((اللباس)) (١٧٢٧)، و(النسائيّ) في ((الفَرَع
والعَتِيرة)) (١٧١/٧ - ١٧٢)، و(ابن ماجه) في ((اللباس)) (٣٦١٠)، و(ابن حبّان)
في ((صحيحه)) (١٢٨٢ و١٢٨٤ و١٢٨٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٨٤)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٧٩/٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣١٥)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٩/٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٨٦/٢)،
و(الدار قطنيّ) في ((سننه)) (٤٢/١)، (والطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٤٦٩/١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥/١)، و(ابن حزم في ((المحلّى)) (١١٩/١)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٥٤٧ و٥٤٨ و٥٤٩ و٥٥٠ و٥٥١ و٥٥٢ و٥٥٣ و٥٥٤
و ٥٥٥ و٥٥٦ و٥٥٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٩٨ و٧٩٩ و٨٠٠ و٨٠١
و٨٠٢ و٨٠٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم جلود الميتة، وهو جواز الانتفاع بها، لكن بشرط
أن تُدبغ.
٢ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة كَّتُهُ: فيه مراجعةُ الإمام فيما لا

٣٨٧
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةٍ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٢)
يَفْهَم السامع معنى ما أَمَرَهُ، كأنهم قالوا: كيف تأمرنا بالانتفاع بها، وقد
حُرِّمت علينا؟ فَبَّنَ له وجه التحريم.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه جواز تخصيص الكتاب بالسنة؛ لأن لفظ
القرآن: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهو شامل لجميع أجزائها في كل
حال، فَخَصَّت السنةُ ذلك بالأكل.
٤ - (ومنها): أن فيه حُسْنَ مراجعتهم، وبلاغتهم في الخطاب؛ لأنهم
جَمَعُوا معانيَ كثيرةً في كلمة واحدة، وهي قولهم: ((إنها ميتة)).
٥ - (ومنها): أن الزهريّ ◌َغْلُهُ استَدَلَّ به على جواز الانتفاع بجلد الميتة
مطلقاً، سواءٌ أدُبِغَ أم لم يُدْبَغ؟ .
وتُعُقِّب بأنه صَحَّ عنه ◌ََّ تقييده بالدباغ، فالحقّ أنه لا بدّ منه، وهو
مذهب الجمهور.
٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز دفع الزكاة لموالي أزواج النبيّ وَّل،
وقد ترجم به الإمام البخاريّ تَّتُهُ في ((صحيحه)) بقوله: ((باب الصدقة على
موالي أزواج النبيّ وَّ))، ثم أورد حديث ابن عبّاس ﴿ه هذا، وسيأتي تمام
البحث فيه في محلّه من كتاب الزكاة - إن شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): بيان مشروعيّة حفظ المال، والعمل في تنميته، حيث إن
النبيّ وَ﴿ أرشدهم إلى أخذ جلدها، وإصلاحه بالدباغ، ثم الانتفاع به، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم جلود الميتة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَخْذُّهُ: اختَلَفَ أهل العلم في الانتفاع بجلود
الميتة قبل الدباغ وبعده:
فنهت طائفةٌ عن الانتفاع به قبل الدباغ وبعده، وممن قال بهذا القول
أحمد بن حنبل، وقال زيد بن وهب: كَتَبَ إلينا عمر بن الخطاب أنه بلغني
أنكم بأرض تَلْبسون ثياباً، يقال لها: الفِرَاء، فانظروا ما من ميتة.
ثم أخرج بسنده، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، أن محمد بن
الأشعث، كَلَّم عائشة ◌َّا في أن يتخذ لها لِحَافاً من الفِرَاء، فقالت: إنه ميتة،

٣٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
ولست بلابسة شيءٍ من الميت، قال: فنحن نصنع لكِ لحافاً مما يُدَبَغ، وكرهت
أن تلبس من الميتة.
وأخرج أيضاً عن محمد (١) قال: كان ممن يَكرَه الصلاة في الجلد إذا لم
يكن ذكيّاً عمر، وابن عمر، وعائشة، وعمران بن حصين، وابن جابر.
قال: وقد احتَجَّ بعض القائلين بهذا القول أن الله حَرَّم الميتة في كتابه
تحريماً عاماً، لم يَخُصَّ منها شيئاً دون شيء، فقال رّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾
الآية [المائدة: ٣]، وكان تحريم الميتة يقع على اللحم والجلد؛ لأنه لم يَخُصّ
شيئاً دون شيء، وليس لأحد أن يخص من ذلك شيئاً إلا بكتاب أو سنة، لا
معارض لها، والأخبار في ذلك مختلفة في أسانيدها ومتونها (٢)، ففي حديث
معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن النبي وَل ◌ّل
مَرَّ على شاة لمولاة لميمونة، فقال: ((ألا استمتعتم بإهابها))، ولم يذكر الدباغ
في حديثه، وفي حديث مالك، عن الزهريّ: ((هلا استنفعتم بجلدها))، ولم
يذكر الدباغ.
واختلفوا في إسناد هذا الحديث، فقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن
عباس، عن ميمونة، ورُوِي عن الشعبيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن
ميمونة، وقال أبو عوانة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((ماتت شاةٌ
لسودة)» .
فلما اختُلِف في إسناد هذا الحديث، وفي متنه، لم يثبت به حجةٌ، ثم لو
لم يَخْتَلف الحديث على ما ذكرناه، وكان حديثاً واحداً لكان خبرُ ابن عُكَیم
ناسخاً له؛ لأنه قال في حديثه: جاءنا كتاب النبيّ وَّ قبل وفاته بشهر: ((أن لا
تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب))، مع أن هذا القول قد رُوِي عن جماعة
من أصحاب رسول الله وَ﴿ أنهم كَرِهوا ذلك، واحتَجَّ ببعض ما ذكرناه أحمد بن
حنبل.
(١) الظاهر أنه ابن سيرين.
(٢) سيأتي أن الصحيح أنه لا اختلاف فيها، ولا اضطراب، وقد أخرجها الشيخان؛
فتنبه .

٣٨٩
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةٍ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٢)
قال: وأباحت طائفة الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ، وحَرَّمت الانتفاع
بها قبل الدباغ، وذلك مثل جلود الأنعام، وما يقع عليه الذكاة، وهي حيّة،
هذا قول أكثر أهل العلم.
قال: وممن رَأَى أن جلود ما يقع عليه الذكاة إذا مات منها شيء قبل أن
يُذَكَّى، ويدبغ أن الدباغ يُطَهِّرِه: عطاءُ بن أبي رَبَاحِ، وإبراهيم النخعيّ،
والشعبيّ، والحسن البصريّ، وقتادة، ويحيى الأنصاريّ، وسعيد بن جبير، وبه
قال الأوزاعيّ، والليث بن سعد، وسفيان الثوريّ، وأهل الكوفة، وابن
المبارك، والشافعيّ، وإسحاق بن راهويه.
قال: وقد رَوَينا غيرَ ما ذكرناه أقاويلَ غيرها خلافَ ما ذكرناه، فمن ذلك
ما رواه هُشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، أنه كان يقول: يُنْتَفَع بجلود الميتة إذا
دُبِغت، ولا تباع، ولا نَعْلَم أحداً وافق النخعيّ على هذا القول.
وقد حَكَى ابنُ وهب عن مالك أنه سئل، هل يُصَلَّى في جلد الميتة إذا
دُبغ؟ قال: لا، وقال: إنما أُذن في الاستمتاع به، ولا أرى أن يُصَلَّى فيه.
ورُوي عن الحسن أنه كان لا يرى بالصلاة في كل شيء دُبغ بأساً.
قال: وظاهر هذا القول يُلزم أن يُصَلَّى في جلود الخنازير والكلاب إذا
دُبِغت، ولا نعلم أحداً يقول ذلك في جلود الخنازير(١).
ومن ذلك ما رَويناه عن الزهريّ أنه كان ينكر الدباغ، ويقول: يُسْتَمتَع به
على كل حال، مع أنا قد رَوَينا من حديث الوليد بن الوليد الدمشقيّ، عن
الأوزاعيّ، عن الزهريّ أن دباغها طهورها.
وقد رَوينا عن النخعيّ روايةً غير الرواية الأولى، أنه سئل عن الرجل
يموت له الإبل والبقر والغنم، فيَدْبُغ جلودها؟ قال: يبيعها، ويلبسها إذا دَبَغها.
قال ابن المنذر: وقد احتَجَّ بعض أصحابنا ممن يقول بما ذكرناه، من
جُمَل أهل العلم: أن الله رَ حَرَّم الميتة في كتابه، فكان ذلك واقعاً على
اللحم والجلد جميعاً، إلا أن يُروَى عن النبيّ وَّهِ خبر يدلّ على خصوصيّة شيء
منه، فلما ثبت عن النبيّ وَّه أنه رَخَّصَ في جلد الشاة الميتة بعد الدباغ، وَجَب
(١) فيه أنه لا يصحّ دعوى الإجماع في هذا، فالخلاف قائم، كما سيأتي؛ فتنبّه.

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
استثناء ذلك من جملة التحريم، وهو الجلد قبل الدباغ على جملة التحريم.
وذكر هذا القائل حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وحديث
الشعبيّ، عن عكرمة، والزهريّ، عن عبيد الله، وقال: هذه الأخبار ثابتةٌ.
فإن قيل: قد اختلفوا فيه.
قيل: ليس الاختلاف مما يوهن الخبر، وليس يخلو ذلك من أحد
معنيين: إما أن يكون ابن عباس سمع ذلك من ميمونة وسودة جميعاً؛ لأن كُلَّ
مَن رَوَى ما ذكرناه، عن ابن عباس، عن ميمونة، أو سودة ثقةٌ، يجب قبول
حديثه، فَيَحْتَمِل أن يكون ابنُ عباس سمع الحديث منهما، فإن كان ذلك فهو
ثابت، لا يدفع له أن يكون ذلك ثابتاً عن أحدهما، فأيهما كان فهو مقبول، لا
معنى لردّه، وأيهما كان غيره يجب قبوله.
وقال: فأما خبر ابن وَعْلَة، عن ابن عباس، فليس مما يجوز أن يكون أن
يُقابَلَ به خبرُ عبيد الله بن عبد الله، ولا عطاء، ولا عكرمة إذا خالفوه؛ لأن
هؤلاء حفاظ أصحاب ابن عباس، مع أن رواية ابن وعلة ليست بخلاف لرواية
هؤلاء، قد يجوز أن يكون ابن عباس قد سمع النبيّ وَّر يقول: ((إذا دُبِغ
الإهاب، فقد طَهُر))، مختصراً، ويكون قد سمع من ميمونة وسودة، أو إحداهما
قصة الشاة، وليس في رواية ابن وعلة قصة الشاة، ولا في حديث هؤلاء اللفظ
الذي في رواية ابن وعلة، فيجوز أن يكونا حديثين محفوظين، كل واحد منهما
غير صاحبه.
فإن قالوا: ليس في رواية معمر، عن الزهريّ ذكر الدباغ.
قيل لهم: قد رَوَى هذا الحديث ابنُ عيينة، وعُقيلٌ، والزُّبيديّ، وهؤلاء
من ثقات أصحاب الزهريّ، وقد ذَكَروا الدباغ في حديثهم، والحافظ إذا زاد
في الحديث شيئاً، فزيادته مقبولة.
فإن قال قائل: كيف يجوز أن يكون الدباغ في حديث الزهريّ يُرَخّص(١)
في جلود الميتة قبل الدباغ وبعده؟.
(١) هكذا نسخة ((الأوسط))، والظاهر أنه سقط منه لفظة ((وهو))؛ أي وهو يرخّص في
جلود الميتة ... إلخ.

٣٩١
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٢)
قيل: قد اختُلِف فيه عن الزهريّ، والكراهيةُ ثبتت عندنا عنه، وأقلُّ ذلك
أن تكون الروايتان متكافئتين، فلا يجوز أن يَثْبُت عليه واحدة منهما، وإذا لم
يثبت عليه واحدة منهما، سقط قولُ الزهريّ، ويثبت تحريم الانتفاع بجلد الميتة
قبل الدباغ باتفاق أهل العلم؛ إذ لا نَعْلَم أحداً أرخص في ذلك إلا ما اختُلِفَ
فيه عن الزهريّ.
قال: ولو لم يُرْوَ عن الزهريّ هذا الحديث، لكان في رواية عمرو بن
دينار، وابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن ميمونة، وحديثه عن
عكرمة، عن ابن عباس، كفايةٌ ومَقْنَعٌ.
فإن قيل: فإن ثبت هذا، فحديث ابنُ عکیم ناسخ له.
قيل: إن ابن عكيم لم يَسْمَع ذلك من النبيّ وََّ، وليست له صحبة، إنما
رَوَى ذلك عن مشيخة من جهينة لم يسمهم، ولم يُدْرَ مَن هم؟ ولا يجوز دفع
خبر، وقد صَحّ عن النبيّ وَّه بخبر مشيخة(١) لا يُعرِفُون.
قال: ومع هذا فلو كان خبر ابن عكيم ثابتاً، لاحْتَمَلَ أن لا يكون مخالفاً
للأخبار التي ذكرناها؛ لأن تلك الأخبار فيها إذن النبيّ و ◌َل# بالانتفاع بجلد
الشاة الميتة بعد الدباغ، وإذا أمكن لنا أن تكون الأخبار مختلفةً، وأمكن
استعمالها، فاستعمالها أولى بنا من أن نَجعلها متضادّة، فيُستَعمَل خبرُ ابن
عُكيم في النهي عن استعمال جلود الميتة قبل الدباغ، ويُستَعمَل خبر ابن عباس
وغيره في الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ.
وقد يجوز أن يكون النبيّ وَّرَ جَعَل دباغ الميتة طهورها قبل موته بأقل من
شهر، ولا يكون خبر ابن عكيم لو ثبت ناسخاً له، على أن خبر ابن عُكيم غير
ثابت؛ لأنه لم يُخبِر مَن حامل الكتاب إليهم؟ ولا مَن قرأ الكتاب عليهم؟،
والحديث من مشيخة لا يُعْرَفون. انتهى المقصود من كلام ابن المنذر رَُّ .
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: استَدّلّ الزهريّ بقوله وَلّ: ((هلا استمتعتم
بإهابها)) على جواز الانتفاع بجلود الميتة مطلقاً، سواء دُبغت أم لا، لكن صحّ
التقييد من طرق أخرى بالدباغ، وهي حجة الجمهور، واستثنى الشافعي من
(١) كان في النسخة ((غير مشيخة))، والظاهر أنه تصحيف، فتأمله.

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
الميتات الكلب والخنزير، وما تولّد منهما لنجاسة عينها عنده، ولم يستثن أبو
يوسف وداود شيئاً؛ أخذاً بعموم الخبر، وهي رواية عن مالك.
وقد أخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: ((إذا دُبِغ الإهاب فقد
طهر))، ولفظ الشافعيّ، والترمذيّ، وغيرهما من هذا الوجه: ((أيما إهاب دبغ
فقد طهر))، وأخرج مسلم إسنادها ولم يسق لفظها، فأخرجه أبو نعيم في
((المستخرج)) من هذا الوجه باللفظ المذكور، وفي لفظ مسلم من هذا الوجه،
عن ابن عباس: سألنا رسول الله بَّر عن ذلك؟، فقال: ((دباغه طهوره))، وفي
رواية للبزار من وجه آخر قال: ((دباغ الأديم طهوره)).
وجزم الرافعي وبعض أهل الأصول أن هذا اللفظ ورد في شاة ميمونة،
ولكن لم أقف على ذلك صريحاً، مع قوة الاحتمال فيه؛ لكون الجميع من
رواية ابن عباس.
وقد تَمَسَّك بعضهم بخصوص هذا السبب، فقَصَر الجواز على المأكول؛
لورود الخبر في الشاة، ويَتَقَوَّى ذلك من حيث النظر بأن الدباغ لا يزيد في
التطهير على الذكاة، وغير المأكول لو ذُكِّي لم يطهر بالذكاة عند الأكثر،
فكذلك الدباغ.
وأجاب مَن عَمَّم بالتمسك بعموم اللفظ، فهو أولى من خصوص السبب،
وبعموم الإذن بالمنفعة، ولأن الحيوان طاهر يُنتَفَع به قبل الموت، فكان الدباغ
بعد الموت قائماً له مقام الحياة، والله أعلم.
وذهب قوم إلى أنه لا يُنتَفَع من الميتة بشيء، سواءٌ دُبغ الجلد أم لم
يُدَبَغ، وتَمَسَّكوا بحديث عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله وَّه قبل
موته: ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب))، أخرجه الشافعيّ، وأحمد،
والأربعة، وصححه ابن حبان، وحسّنه الترمذيّ، وفي رواية للشافعيّ وأحمد
وأبي داود: ((قبل موته بشهر))، قال الترمذيّ: كان أحمد يذهب إليه، ويقول:
هذا آخر الأمر، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده، وكذا قال الخلال نحوه.
ورَدَّ ابن حبان على من ادَّعى فيه الاضطراب، وقال: سمع ابن عُكيم
الكتاب يُقرأ، وسمعه من مشايخ من جهينة، عن النبيّ وَّر، فلا اضطراب.
وأعلّه بعضهم بالانقطاع، وهو مردود، وبعضهم بكونه كتاباً، وليس بعلّة

٣٩٣
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةٍ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٢)
قادحة، وبعضهم بأن ابن أبي ليلى، راويه عن ابن عكيم لم يسمعه منه؛ لما
وقع عند أبي داود عنه، أنه انطلق، وناس معه إلى عبد الله بن عكيم، قال:
فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إليّ فأخبروني. فهذا يقتضي أن في السند
مَن لم يُسَمَّ، ولكن صَحَّ تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بسماعه من ابن
عكيم، فلا أثر لهذه العلة أيضاً.
وأقوى ما تَمَسَّك به من لم يأخذ بظاهره، معارضة الأحاديث الصحيحة
له، وإنها عن سماع، وهذا عن كتاب، وإنها أصح مخارج.
وأقوى من ذلك الجمع بين الحديثين بحمل الإهاب على الجلد قبل
الدباغ، وأنه بعد الدباغ لا يسمى إهاباً، إنما يسمى قِرْبة، وغير ذلك، وقد نُقِلَ
ذلك عن أئمة اللغة، كالنضر بن شُمَيل، وهذه طريقة ابن شاهين، وابن
عبد البرّ، والبيهقيّ.
وأبعد مَن جَمَع بينهما بحمل النهي على جلد الكلب والخنزير؛ لكونهما
لا يُذْبَغان، وكذا مَن حَمَل النهي على باطن الجلد، والإذن على ظاهره.
وحَكَى الماورديّ عن بعضهم أن النبيّ ◌ََّ لَمّا مات، كان لعبد الله بن
عُكيم سَنة، وهو كلام باطلٌ، فإنه كان رجلاً. انتهى ما في (الفتح)) (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر المذاهب وأدلّتها أن
أقوى المذاهب قول من قال: يجوز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدبغ مطلقاً،
سواء كان مأكول اللحم، أو غير مأكوله، ولو خنزيراً أو كلباً، وأن الدباغ يُطهِّر
ظاهره وباطنه، فهذا هو الحقّ؛ لأن الأحاديث الكثيرة الواردة في طهارة
الإهاب إذا دُبغ عامّة لم تفرّق بين مأكول اللحم، وغير مأكوله، وبين الخنزير
والكلب وغيرهما .
وأما حديث عبد الله بن عُكيم، فلا يقاوم هذه الأحاديث الصحاح، بل
هو ضعيف (٢)؛ للاضطراب، كما تقدّم عن الإمام أحمد دَخْتُهُ، ولجهالة مشايخ
(١) ٥٧٥/٩ - ٥٧٦ ((كتاب الذبائح والصيد)) رقم الحديث (٥٥٣١).
(٢) ضعفه كثير من الأئمة: ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والخطابيّ، والبيهقيّ،
وابن عبد البرّ، والنوويّ. راجع: ((المعرفة)) للبيهقيّ ١٧٦/١، و((التمهيد)) لابن =

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
ابن عكيم؛ وأما محاولة الشيخ الألبانيّ تَُّ في تصحيحه بأن مشايخه من
الصحابة(١)، ففيه نظر لا يخفى، فمن أين ثبت له التصريح بكونهم من
الصحابة؟ هيهات.
والحاصل أن الراجح ضعفه، وعلى تقدير صحّته، فيُوفّق بينه وبينها بحمله
على غير المدبوغ، كما قال كثير من أهل اللغة: إن الإهاب لا يطلق إلا على
غير المدبوغ.
ثم رأيت الحافظ أبا بكر الحازميّ كَّتُهُ قد أجاد الكلام في حديث
عبد الله بن عُكيم هذا، في كتابه ((الاعتبار))، حيث قال:
حديث ابن عُكيم هذا حسنٌ على شرط أبي داود والنسائيّ، أخرجاه في
كتابيهما من عدّة طرُق، وقد روي عن الحكم من غير وجه، وفيها اختلاف
ألفاظ. قال: ومن ذهب إلى هذا الحديث قال: المصير إلى هذا الحديث
أولى؛ لأن فيه دلالة النسخ، ألا ترى حديث سلمة بن المحبّق يدلّ على أن
الرخصة كانت يوم تبوك، وهذا قبل موته بشهر، فهو بعد الأول بمدّة؟ ولأن في
حديث سودة: ((حتى تخرّقت))، وفي رواية أخرى: كنّا ننبذ فيه حتى صار شنّاً.
ثم قال الحازميّ: ولو اشتهر حديث ابن عكيم بلا مقال فيه، كحديث ابن
عباس في الرخصة لكان حديثاً أولى أن يؤخذ به، ولكن في إسناده اختلافٌ،
رواه الحكم مرّة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عُكيم، ورواه القاسم بن
مُخيمرة، عن خالد، عن الحكم، وقال: إنه لم يسمعه من ابن عُكيم، ولكن
من أناس دخلوا عليه ثم خرجوا، فأخبروه به.
قال: ولولا هذه العلل، لكان أولى الحديثين أن يؤخذ به حديث ابن
عُكيم؛ لأنه إنما يؤخذ عن النبيّ وَ﴿ بالآخر فالآخر، والأحدث فالأحدث،
على أن جماعة أخذوا به، وذهب إليه من الصحابة عمر بن الخطاب، وابنه
عبد الله.
ثم روى الحازميّ بإسناده عن أبي الشيخ الحافظ أنه قال: حُكي أن
= عبد البرّ ١٦٤/٤، و((العلل)) لابن أبي حاتم رقم (٧٧)، و((المجموع)) للنووي ٢١٩/١.
(١) راجع: ((إرواء الغليل)) ٧٦/١ - ٧٩.

٣٩٥
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٢)
إسحاق ابن راهويه ناظر الشافعيّ، وأحمدُ بنُ حنبل حاضرٌ في جلود الميتة إذا
دُبغت، فقال الشافعيّ: دباغها ظهورها، فقال له إسحاق: ما الدليل؟ فقال:
حديث الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، عن ميمونة، أن
النبيّ وَّ﴾ قال: ((هلّ انتفعتم بإهابها))، فقال له إسحاق: حديث ابن عُكيم:
كَتَب إلينا النبيّ وَّه قبل موته بشهر: ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا
عَصَب))، فهذا يُشبه أن يكون ناسخاً لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر، فقال
الشافعيّ: فهذا كتاب، وذاك سماع، فقال إسحاق: فإن النبيّ وَّ كَتَب إلى
كسرى وقيصر، فكانت حجةً بينهم عند الله، فسكت الشافعيّ، فلما سمع ذلك
أحمد ذهب إلى حديث ابن عُكيم، وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث
الشافعيّ.
قال الحازميّ: وقد حَكَى الخلّال في ((كتابه)) عن أحمد أنه توقّف في
حديث ابن عُكيم لَمّا رأى تزلزل الرواة فيه، وقال بعضهم: رجع عنه.
قال الحازميّ: وطريق الإنصاف فيه أن يقال: إن حديث ابن عُكيم ظاهر
الدلالة في النسخ لو صَحّ، ولكنه كثير الاضطراب، ثم لا يقاوم حديث ميمونة
في الصحّة، وقال النسائيّ: أصحّ ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دُبغت
حديث الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عبّاس، عن ميمونة
قال الحازميّ: وروينا عن الدُّوريّ أنه قال ليحيى بن معين: أيما أعجب
إليك من هذين الحديثين: ((لا ينتفع من الميتة بإهاب، ولا عَصَب))، أو ((دباغها
طهورها))؟. فقال: ((دباغها طهورها)) أعجب إليّ.
قال الحازميّ: فإذا تعذّر ذلك، فالمصير إلى حديث ابن عبّاس أولى؛
لوجوه من الترجيحات، ويُحمَلُ حديث ابن عُكيم على الانتفاع به قبل الدباغ،
وحينئذ يُسمّى إهاباً، وبعد الدباغ يُسمّى جدداً، ولا يُسمّى إهاباً، وهذا معروف
عند أهل اللغة؛ ليكون جمعاً بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضادّ
عن الأخبار. انتهى كلام الحافظ أبي بكر الحازميّ تَُّ(١) ببعض اختصار.
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ الحازميّ تَخْلَتُهُ وأفاد، فتلخّص
(١) (كتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار)) ص٥٦ - ٥٩.

٣٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
من كلامه أن حديث عبد الله بن عُكيم مضطربٌ، لا يقاوم حديث ابن
عبّاس ◌ًِّا في الترخيص بالانتفاع بعد الدبغ، وعلى تقدير صحّته، فيُجمع
بحمله على ما قبل الدبغ؛ فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الانتفاع بشعور الميتة،
وأصوافها، وأوبارها :
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَّتُ: اختَلَفُوا في ذلك، فأباحت طائفة
الانتفاع بذلك كله، وممن أباح ذلك الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، وبه
قال حماد بن أبي سليمان إذا غُسِل، وقال الأعمش: كان أصحاب عبد الله
يَرَون أن غسل صوف الميتة طهوره، وبه قال مالك بن أنس، والليث بن سعد،
وأحمد، وإسحاق، وقالوا: يُغْسَل، وقال الأوزاعيّ: الريش والعَصَب والصوف
ذکِیّ کله.
وكَرِه بعضهم ذلك، قال ابن جريج: سألت عطاء عن صوف الميتة؟
فكرهه، وقال: إني لم أسمع أنه يُرَخَّص إلا في إهابها إذا دُبغ.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الشاة أو البعير أو البقرة إذا
قُطِع من أيّ ذلك عضو، وهو حيّ أن المقطوع منه نجس، وأجمعوا على أن
الانتفاع بأشعارها وأوبارها وأصوافها جائز، إذا أُخِذ منها ذلك، وهي أحياء،
ففيما أجمعوا عليه على الفرق بين الأعضاء والشعر والصوف والوبر بيان على
افتراق أحوالها، ودَلَّ ذلك أن الذي يَحتاج إلى الذكاة هو الذي إذا فات أن
يُذَكَّى حرُم، وأن ما لا يَحتاج إلى الذكاة ولا حياة فيه طاهر، أُخِذ منها ذلك
وهي أحياء أو بعد موتها؛ إذ لا حياة فيها؛ لأنها لو كانت فيها حياة كانت
كالأعضاء التي تحتاج إلى الذكاة، فلا بأس بشعر الميتة وصوفها ووبرها، وهذا
قول أكثر أهل العلم، والله أعلم.
فأما عطاء فإنما كَرِهه، وقد يَكْرَه الشيءَ، فإذا وُقِّف على التحريم لم
يُحَرِّمه، ولا يؤخذ من عطاء أنه حَرَّمه، ولو وُجد ذلك منه لكان خلافاً لقول مَن
قد ذكرنا ذلك عنه من التابعين ومن بعدهم.

٣٩٧
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٢)
وقد رَوَينا عن النبيّ وَِّ أنه قال: ((ما قُطِع من البهيمة، وهي حية، فهو
میت)).
ثم أخرج بسنده عن أبي واقد الليثيّ، قال: قدم النبيّ ◌َّ ر المدينة،
والناس يَجُبّون أسنمة الإبل، ويقطعون ألية الغنم، فقال النبيّ وَّ: ((ما قُطِع من
البهيمة وهي حية، فهو ميت))(١).
قال: وقد أجمعوا على أنه لم يُرِد بذلك الشعر، ولا الصوف، ولا الوبر.
وقال بعض من يُوافق مذهبنا: يقال لمن يخالف ما قلنا: جاء الحديث
عن النبيّ وَّير أنه قال: ((ما قُطِع من البهيمة، وهي حية فهو ميت))، واتفق أهل
العلم على القول به، فلم أبحتَ الانتفاع بشعر ما يؤكل لحمه إذا جُزّ، وهو
حيّ؟ فإن قال: لأن الشعر لا يموت، ولا يحتاج إلى الذكاة؛ لأنه لا حياة
فيه، قيل: وكذلك هو بعد موت الشاة، وإنما حَرُم بموت الشاة ما يموت
بموتها، وما كان لا يَحِلّ إلا بالذكاة، وموافقتك إيانا على ما ذكرناه في حياة
الشاة توجب عليك القول بمثل ذلك بعد موتها؛ لأن القياس منهما واحد.
انتهى كلام ابن المنذر كَذَتهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قول الجمهور بجواز
الانتفاع بشعر الميتة، وصوفها، ووبرها هو الحقّ؛ لأن هذه الأشياء مما لا
تحلّها الحياة، فهي مخالفة لأعضاء الميتة الأخرى، بدليل أنه لو قُطع عضو من
البهيمة، وهي حيّة كان حراماً؛ لقوله بَّله: ((ما قُطع من البهيمة وهي حيّة فهو
ميتة))، وقد وقع الإجماع على أنه لو جُزّ شعرها، أو صوفها، أو وبرها وهي
حيّة، جاز الانتفاع به، فبان الفرق بذلك، واتّضح؛ فتأمله بالإنصاف، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عظام الميتة والعاج(٣):
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٢٠٨٩٧ و٢٠٨٩٨)، وأبو داود (٢٨٥٨)، والترمذيّ
(١٤٠٠) بإسناد صحيح.
(٢) ((الأوسط)) ٢٧٢/٢ - ٢٧٤.
(٣) ((العاج)): أنياب الفيل. اهـ. ((المصباح)) ٤٣٦/٢.

٣٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَخُّْهُ: اختَلَفُوا في الانتفاع بعظام الميتة،
وأنياب الفِيَلَة، فكرهت طائفة ذلك، قال عطاء: زعموا أنه لا يصاب عظامها
إلا وهي ميتة، قال: فلا يُستمتع بها، قيل: وعظام الميتة كذلك؟ قال: نعم.
وكَرِه طاوس، والحسن البصريّ، وعمر بن عبد العزيز العاج، وقال مالك
في أمشاط العاج: ما كان ذَكِيّاً فلا بأس به، وما كان منها ميتاً فلا خير فيه،
وكَرِه ذلك معمر، وقال الشافعيّ: لا تباع عظام الميتة.
ورَخَّصَت طائفة في العاج، هذا قول عروة بن الزبير، وقال هشام: كان
لأبي مشط، ومدهن من عظام الفيل، وكان ابن سيرين: لا يرى في التجارة به
بأساً.
وقد رَوَينا عن الحسن البصريّ قولاً ثانياً، وهو أن لا بأس بأنياب الفيلة،
وكان النعمان يقول: لا بأس ببيع العاج، وما أشبهه من العظام والقرون، وإن
كان من ميتة، وكذلك الريش والوَبَر والشعر.
وكان سفيان الثوري يقول: لا أرى بالقرن والطّلْف بأساً، ليس بمنزلة
العظم، وقال أصحاب الرأي: لا بأس بعظم الميت إذا غُسِل.
وكان الليث بن سعد يقول: لا بأس بعظام الميتة أن يُنتفع بها الأمشاط
والمداهن، وغير ذلك، إذا أُغليت على النار بالماء، حتى يذهب ما فيها من
الدَّسَم، وهو الذي سمعته من العلماء.
قال ابن المنذر تَّهُ: حَرَّم الله الميتة والدم ولحم الخنزير، وثبت أن
رسول الله وَله حَرَّم الميتة، وأجمع أهل العلم في حمل أقاويلهم على تحريم
الميتة، واختلفوا في عظام الميتة على سبيل ما ذكرناه عنهم، فالميتة مُحَرَّمة
على ظاهر كتاب الله وَك، وسنة نبيه وَّة، واتفاق الأمة، ومن الدليل الْبَيِّن على
أن العظم يَحْيَى بحياة الحيوان، ويموت بموته قوله تعالى: ﴿قَالَ مَن يُحِ الْعِظَمَ
وَهِىَ رَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُحِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوْلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقِ عَلِيهُ ﴿3﴾ الآية
[يس: ٧٨ - ٧٩]، فأعلمنا أنه يُحيي العظام، ودَلَّ ذلك على أن في العظم حياةً،
وليس الشعر والصوف كذلك؛ لأنه لا حياة فيهما، ودل إجماع أهل العلم على
طهارة الصوف إذا جُزَّ من الشاة، وهي حية، وأن عضواً لو قطع منها، وهي
حية أن ذلك نجس، فلما أجمعوا على الفرق بينهما بأن أحدهما يَحيَى بحياة

٣٩٩
(٢٦) - بَابُ طَهَارَةٍ جُلُودِ الْمَيْتَةِ - حديث رقم (٨١٢)
ذي الروح، ويموت بموته، وأن الآخر لا حياة فيه، فيموت كموت ذي الروح،
وأما الجلد المدبوغ، فيُستَثْنَى من جملة الميتة بالخبر الثابت عن نبي الله وَّل،
ولولا ذلك كان حكمه حكم الميتة، ولو وجدنا في العظم سنةً عن رسول الله وَئِه
توجب استثناءه كما توجب استثناء الجلد المدبوغ، لأخرجناه من جملة الميت،
كما أخرجنا الجلد المدبوغ.
وقد ذكر ربيعة بن كلثوم أن ضِرْساً للحسن سقط قال: فقال لي الحسن:
يا ربيعة أشعرت أنه مات بعضي اليوم؟. فأما إباحة الكوفيّ في الانتفاع بشعر
الخنزير، ومنعه الانتفاع بشعور بني آدم وبيعها، فمن أعجب ما حُكِي وأقبحه؛
إذ هو خارج عن باب النظر والمعقول. انتهى كلام ابن المنذر تَظّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر تَظْتُهُ، تحقيقٌ حسنٌ
جدّاً .
وحاصله أن عظام الميتة لا يجوز الانتفاع بها، وليست مثل ما قدّمنا من
الشعر والصوف والوبر؛ لأنها تحلّها الحياة، بدليل الآية السابقة، فنص تحريم
الميتة يشملها، بخلاف الشعر ونحوه؛ لأنها لا تحلّها الحياة، بدليل جواز
الانتفاع بها لو جُزّت من الحيوان الحيّ، فافهم الفرق بإمعان، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨١٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ وَجَدَ شَاةً مَيْنَةً، أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ(٢) مِنَ الصَّدَقَةِ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((هَلََّّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟»، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْنَةٌ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا حَرُمَ
أَكْلُهَا))(٣).
(١) ((الأوسط)) ٢٨١/٢ - ٢٨٣.
(٢) وفي نسخة: ((مولاة ميمونة)) بالإضافة.
(٣) وفي نسخة: ((فقالوا: إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها)).

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
والباقون إلى يونس تقدّموا قبل بابين، ومن بعدهم تقدّموا في السند
الماضي .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمُ شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل .
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨١٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا (١) حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ
يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا
الْإِسْنَادِ، بِنَحْوِ رِوَايَةٍ يُونُسَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَسَنُّ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ
الْخَلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق)
تقدم في ((المقدمة)) ٤/ ٢٤.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١]
(ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٤ - (أَبُوهُ) هو: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن
عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت١٨٥)
(ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤١/٩.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).