النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
(٢٤) - بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ - حديث رقم (٨٠٨)
ويحتمل أنه أراد بالوضوء غسل اليدين؛ لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام،
اقتَضَى غسل اليد، كما كان ◌َ﴿ يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده(١)، وخَصَّ
ذلك بلحم الإبل؛ لأن فيه من الحرارة والزهومة ما ليس في غيره.
[قلنا]: أما الأول فمخالف للظاهر من ثلاثة أوجه:
[أحدها]: أن مقتضى الأمر الوجوب.
[الثاني]: أن النبيّ وَّل سئل عن حكم هذا اللحم، فأجاب بالأمر
بالوضوء منه، فلا يجوز حمله على غير الوجوب؛ لأنه يكون تلبيساً على
السائل، لا جواباً .
[الثالث]: أنه يُ قرنه بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم، والمراد
بالنهي ها هنا نفي الإيجاب لا التحريم، فيتعين حمل الأمر على الإيجاب؛
ليحصل الفرق.
وأما الثاني فلا يصح؛ لوجوه أربعة:
[أحدها]: أنه يلزم منه حمل الأمر على الاستحباب، فإن غسل اليد
بمفرده غیر واجب، وقد بيّا فساده.
[الثاني]: أن الوضوء إذا جاء في لسان الشارع وجب حمله على الوضوء
الشرعيّ، دون اللغويّ؛ لأن الظاهر منه أنه إنما يتكلم بموضوعاته.
[الثالث]: أنه يخرج جواباً لسؤال السائل عن حكم الوضوء من لحومها،
والصلاة في مباركها، فلا يُفهَم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة.
[الرابع]: أنه لو أراد غسل اليد لما فرَّق بينه وبين لحم الغنم، فإن غسل
اليد منها مستحب، ولهذا قال: ((من بات وفي يده ريح غَمَر، فأصابه شيء فلا
يلومن إلا نفسه))(٢)، وما ذكروه من زيادة الزهومة فأمر يسير لا يقتضي التفريق،
والله أعلم.
(١) الأمر بالوضوء من الطعام، وبعده لا يصحّ، بل هو ضعيف، أخرجه أبو داود ٣/
٣٤٥.
(٢) حديث حسن، أخرجه الترمذيّ ٢٨٩/٤.

٣٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
ثم لا بد من دليل نَصرِف به اللفظ عن ظاهره، ويجب أن يكون الدليل له
من القوّة بقدر قوة الظواهر المتروكة وأقوى منها، وليس لهم دليل وقياسهم
فاسد، فإنه طرديّ لا معنى فيه، وانتفاء الحكم في سائر المأكولات لانتفاء
المقتضي، لا لكونه مأكولاً، فلا أثر لكونه مأكولاً، ووجوده كعدمه.
ومن العجب أن مخالفينا في هذه المسألة أوجبوا الوضوء بأحاديث
ضعيفة، تخالف الأصول، فأبو حنيفة أوجبه بالقهقهة في الصلاة دون خارجها
بحديث من مراسيل أبي العالية، ومالك والشافعيّ أوجباه بمسّ الذكر بحديث
مختلف فيه، معارَض بمثله، دون مسّ بقيّة الأعضاء، وتركوا هذا الحديث
الصحيح الذي لا معارض له، مع بُعده عن التأويل، وقوّة الدلالة فيه؛ لمخالفته
لقياس طرديّ. انتهى كلام ابن قدامة تَظَّشْهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد العلامة ابن قدامة كَّتُهُ في تحقيق هذه
المسألة بما لا مزيد عليه، فجزاه الله خيراً عن دفاعه عن السنّة الصحيحة.
والحاصل أنه قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن المذهب الصحيح هو ما
ذهب إليه المحدّثون، ومحقّقو الفقهاء؛ كأحمد، وإسحاق، وابن المنذر،
والبيهقيّ، وابن حزم، وقوّاه النوويّ وغيره من وجوب الوضوء بأكل لحم
الإبل؛ فتبصّر وكن مع الحقّ، ودُر حيث دار الدليل وإن قلّ المائل إليه، واهجر
خلافه وإن اعتمد الجمهور عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة في مبارك
الإبل :
قال صاحب ((المرعاة)) تَخُّْ: في الحديث دليلٌ على تحريم الصلاة في
مبارك الإبل، وإليه ذهب مالك، وأحمد، وابن حزم، وهو الحقّ.
وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة، وعلى
التحريم مع وجودها، وهذا إنما يتمّ على القول بأن علّة النهي هي النجاسة،
(١) ((المغني)) ٢٣٨/١ - ٢٤٤.

٣٦٣
(٢٤) - بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبلِ - حديث رقم (٨٠٨)
وذلك متوقّف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها، والحقّ طهارة أبوال مأكول
اللحم وأزباله، ولو سلّمنا النجاسة فيه لم يصحّ جعلها علّةً؛ لأن العلّة لو كانت
النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم؛ إذ لا قائل بالفرق.
وقيل: علّة النهي ما فيها من النفور، وبهذا علّل أصحاب مالك
والشافعيّ، وعلى هذا فيفرّق بين كون الإبل في مباركها وبين غَيبتها .
وفيه أن النهي عن الصلاة فيها مطلقٌ، سواءٌ كانت الإبل فيها، أو لم
تكن.
وقيل: علّة النهي أن يُجاء بها إلى مباركها بعد شروعه في الصلاة
فيقطعها، أو يستمرّ فيها مع شغل خاطره، وفيه أيضاً ما تقدّم.
وقيل: لأن الراعي يبول بينها، وفيه أن هذا ظنّ وتخمين لم يقُم عليه
دليلٌ، فلا يُلتَفَت إليه.
وقيل: علّة النهي شدّة نتنها .
وقيل: الحكمة في النهي كونها خُلقت من الشياطين، ويدلّ عليه حديث
عبد الله بن مغفّل بظلُّه عند أحمد، والنسائيّ، وحديث البراء عند أبي داود،
وحديث أبي هريرة عند ابن ماجه.
قال الإمام الشوكانيّ - بعد بيان اختلافهم في تعليل النهي بنحو ما
ذكرنا -: إذا عَرَفت هذا الاختلاف في العلّة تبيّن لك أن الحقّ الوقوف على
مقتضى النهي، وهو التحريم، كما ذهب إليه أحمد والظاهريّة. انتهى.
ولا يُعارضه حديث الصلاة إلى الراحلة بجعلها سُترةً في الصلاة؛ لأن
ذلك كان في السفر حالة الضرورة، ولأن النهي مقصور على مواضع بروكها
وعَطَنها، وفرقٌ بين الصلاة في العَطَن، وبين جعلها سُترةً في الصلاة في حال
شَدّ الرحل عليها. انتهى كلام صاحب ((المرعاة)) تَخُّْهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر الأقوال، وأدلّتها أن
أرجحها هو القول بتحريم الصلاة في مبارك الإبل؛ عملاً بظاهر النصّ الصحيح
الخالي عن المعارض؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٣٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٠٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا
زَائِدَةُ، عَنْ سِمَاكٍ (ح) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ
شَيَْانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، وَأَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْنَاءِ، كُلَّهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ
أَبِي ثَوْرٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو) الْمُهَلَّب بن عمرو الأزديّ الْمَعْنِيّ البغداديّ،
المعروف بابن الْكِرْمانيّ، ثقةٌ، من صغار [٩] (ت٢١٤) عن (٨٦) سنة (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٩٥/ ٥١١.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتُ سنّي [٧]
(ت١٦٠) وقيل بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
٤ - (سِمَاك) بن حرب بن أوس بن خالد الذَّهْليّ، أبو المغيرة الكوفيّ،
صدوق، إلا في عكرمة، فمضطرب، وقد تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤]
(ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان،
وربما نُسب لجدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ، يتشيّع [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٧ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ(١)، أبو معاوية
البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
(١) قيل: هو منسوب إلى بطن من الأزد، لا إلى علم النحو.

٣٦٥
(٢٤) - بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ - حديث رقم (٨٠٨)
٨ - (أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ) الْمُحَاربيّ الكوفيّ، واسم أبي الشعثاء
سُليم بن الأسود، ثقةٌ [٦] (ت١٢٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٣/١١.
والباقون تقدّموا فيما قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ) الضمير يرجع إلى كلٍّ من سماك بن
حرب، وعثمان بن عبد الله، وأشعث بن أبي الشعثاء.
[تنبيه]: رواية سماك، وأشعث أخرجها أبو نعيم تَخُّْهُ في ((مستخرجه (١/
٣٩٧) فقال :
(٧٩٥) حدثنا أبو بكر الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن سماك (ح) وحدثنا أبو محمد بن
حيان، ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الملك، نا محمد بن عثمان بن كرامة، ثنا
عبيد الله بن موسى، ثنا شيبان، عن أشعث، عن جعفر بن أبي ثور، عن
جابر بن سمرة، قال: أتى رجل النبيّ وَل﴿ وأنا عنده، فقال: يا رسول الله،
أتطهر من لحوم الغنم؟ فقال: ((إن شئت، وإن شئت فدع))، قال: فأصلي في
مرابض الغنم؟ قال: ((نعم))، قال: فأتطهر من لحوم الإبل؟ قال: ((نعم))، قال:
أُصلي في مبارك الإبل؟ قال: ((لا)). انتهى.
وأما رواية أشعث، فقد أخرجها ابن حبّان تَّتُهُ في ((صحيحه)) (٤٣٣/٣)
فقال :
(١١٥٧) أخبرنا عمر بن محمد الهمدانيّ، قال: حدثنا بندار، قال:
حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدثنا زائدة، وإسرائيل، عن أشعث بن
أبي الشعثاء، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، قال: سئل
رسول الله وَله عن الوضوء من لحوم الغنم؟ فقال: ((توضأ إن شئت))، وسئل
عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: ((صَلِّ إن شئت))، وسئل عن الوضوء من
لحوم الإبل؟ فقال: ((توضأ))، وسئل عن الصلاة في مَبَاتِ الإبل؟ فقال: ((لا
تصلِ)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
(٢٥) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَقَّنَ الطَّهَارَةَ،
ثُمَّ شََكَ فِي الْحَدَثِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِطَهَارَتِهِ تِلْكَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨١٠] (٣٦١) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرُو النَّقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ عُبَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ، شُكِيَ إِلَى النَّبِّ وَّهِ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ
إِلَيْهِ، أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: ((لَا يَنْصَرِفُ، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْناً، أَوْ يَجِدَ
رِیحاً)).
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ فِي رِوَايَتِهِمَا: هُوَ (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ،
نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في السند الماضي.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم
المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة، من كبار [٨] (ت١٩٨) عن (٩١) سنة (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم تقدّم قبل باب.
٦ - (سَعِيد) بن المسيِّبِ بن حَزْن بن أبي وَهْب القرشيّ المخزوميّ، أبو
محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٧١.
٧ - (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٌ) بن غَزِيَّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣].
(١) وفي نسخة: ((وهو)) بالواو.

٣٦٧
(٢٤) - بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ - حديث رقم (٨٠٩)
رَوَى عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ، وهو أخو تميم لأمه،
وجدته أم عمارة، وأبي قتادة الأنصاريّ، وأبي بشير الأنصاريّ، وأبي سعيد
الخدريّ، وعويمر بن أشقر.
وروى عنه عمرو بن يحيى عمارة، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم، وابناه: محمد، وعبدُ الله ابنا أبي بكر والزهريّ، وحبيب بن زيد،
وعُمارة بن غَزِيّة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة، ومحمد بن
يحيى بن حَبّان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم.
قال الواقديّ: عن أبي بكر بن أبي سَبْرة، عن موسى بن عقبة، قال: قال
عباد: كنت يوم الخندق ابن خمس سنين، وقال محمد بن إسحاق، والنسائيّ:
ثقةٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ابن خمس سنين)) إن صحّ هذا فعبّاد من
صغار الصحابة، فقد عُدّ منهم من هو أصغر منه، فتأمل.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثاً.
٨ - (عَمُّهُ) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ،
أبو محمد الصحابيّ المشهور، صاحب صفة الوضوء، مات تظ نه (٦٣) (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٧/ ٥٦١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخُّْهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ،
فرّق بينهم بالتحويل؛ للاختلاف في كيفيّة تحمّله عنهم، فقد أخذ عن الأولين
وحده، ولذا قال: ((وحدّثني))، وعن الثالث مع غيره، ولذا قال: ((وحدّثنا)).
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج
له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين، وهما عن عمّ الثاني.
٤ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن رَّتُهُ: إن عبّاداً هذا بفتح أوله، وتشديد
ثانيه، يشتبه بعُبَاد بضمّ أوّله، وتخفيف ثانيه، وهو قيس بن عُبَاد وغيره، وبعِبَاد
بكسر أوّله، وتخفيف ثانيه، وبعِيَاذ بالياء المثنّاة تحتُ، وذال معجمة، وبعِيَاد

٣٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
مثله إلا أن الدال مهملة، وبعناد بإبدال الباء نوناً، وكلَّ موضّح في كتابي
((مشتبه النسبة)). انتهى كلام ابن الملقّن تَذْهُ(١).
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، وهو راوي صفة
وضوء النبيّ ◌َّه المتّفق عليه، وهو الذي قتل مسيلمة الكذّاب، واستُشهد بالحرّة
سنة (٦٣)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيد) بن المسيِّب (وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيم) بالجرّ عطفاً على سعيد، وفي
رواية البخاريّ: ((وعن عبّاد)) بزيادة ((عن))، فقال في ((الفتح)): هو معطوف على
قوله: ((عن سعيد بن المسيب))، وسقطت الواو من رواية كريمة غَلَطاً؛ لأن
سعيداً لا رواية له عن عبّاد أصلاً، ثم إن شيخ سعيد فيه يَحْتَمِل أن يكون عَمَّ
عباد، كأنه قال كلاهما عن عمه؛ أي عم الثاني، وهو عبّاد، ويَحتَمِل أن يكون
محذوفاً، ويكون من مراسيل ابن المسيِّب، وعلى الأول جَرَى صاحب
((الأطراف))، ويؤيد الثاني رواية معمر لهذا الحديث، عن الزهريّ، عن ابن
المسيِّب، عن أبي سعيد الخدريّ، أخرجه ابن ماجه، ورواته ثقات، لكن سئل
أحمد عنه، فقال: إنه منكر. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ويؤيّد الثاني ... إلخ فيه نظر لا يخفى،
كيف يؤيّده وهو منكرٌ، كما قال الإمام أحمد، بل الذي يظهر أن ما ذهب إليه
صاحب ((الأطراف)) هو الصواب، فسعيد بن المسيِّب يروي هذا الحديث مع
عبّاد بن تميم، عن عم عبّاد، وهو عبد الله زيد، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(عَنْ عَمِّهِ) أي عمّ عبّاد، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ
الأنصاريّ، كما سماه سفيان بن عيينة هنا، واختُلِف هل هو عم عباد لأبيه، أو
لأمه؟ (شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ الرَّجُلُ) هو بضم الشين، وكسر الكاف مبنيّاً
للمفعول، و((الرجل)) مرفوع على أنه نائب فاعله، قال النوويّ تَّثُ: ولم يُسَمَّ
هنا الشاكي، وجاء في رواية البخاريّ أن السائل هو عبد الله بن زيد الراوي،
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦٦٠/١ - ٦٦١.

٣٦٩
(٢٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَقَّنَ الطَّهَارَةَ، ... إلخ - حديث رقم (٨١٠)
وينبغي أن لا يُتَوَهَّم بهذا أنه ((شَكَى)) مفتوحة الشين والكاف، ويُجْعَل الشاكي
هو عمَّه المذكور، فإن هذا الوَهْمَ غَلَظُ. انتهى (١).
ووقع في رواية البخاريّ: ((أنه شكا إلى رسول الله وَّ))، قال في
(الفتح)): قوله: ((أنه شكا)) كذا في روايتنا ((شكا)) بألف، ومقتضاه أن الراوي
هو الشاكي، وصَرَّح بذلك ابن خزيمة، عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان،
ولفظه: ((عن عمه، عبد الله بن زيد، قال: سألت رسول الله (ص﴿ عن الرجل))،
ووقع في بعض الروايات: ((شُكِيَ)) بضم أوله، على البناء للمفعول، وعلى هذا
فالهاء في ((أنه)) ضمير الشأن، ووقع في مسلم: ((شُكِيَ)) بالضم أيضاً، كما
ضبطه النوويّ. انتهى(٢).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((شَكَى)) من شَكَوت فلاناً أشكوه شَكْواً،
وشِكايةً وشَكِيَّةً وشَكَاةً: إذا أخبرتَ عنه بسوء فعله، فهو مَشْكُوّ، وشَكِيٍّ،
والاسم الشكوى، والياء في شَكَى منقلبة عن واو، وأصله شَكَوَ بدليل يشكو،
والشَّكْوَى، ويجوز أن تكون أصلية، غير منقلبة في لغة من قال: شَكَى يَشْكِي
(٣)
بالياء. انتهى(٣) .
(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) - بضم أوله، وفتح المعجمة، وتشديد الياء المثنّاة التحتانيّة
المفتوحة - وأصله من الْخَيَال، والمعنى: يُظَنّ، والظن هنا أعمّ من تساوي
الاحتمالين، أو ترجيح أحدهما، على ما هو أصل اللغة، من أن الظن خلاف
اليقين، قاله في ((الفتح)) (٤).
وقال في ((العمدة): قوله: ((يُخَيَّل)) على صيغة المجهول: أي يُشَبَّه،
ويُخايَل، وفلان يَمضي على الْمُخَيَّل، أي على ما خُيِّلت، أي شُبِّهت، يعني
على غَرَر من غير تعين، وخُيِّل إليه أنه كذا على ما لم يُسَمَّ فاعله من التخييل
والوهم، قال الله تعالى: ﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَشْعَى﴾ [طه: ٦٦]. انتهى (٥).
وقال في ((المصباح)): وخُيِّل له كذا بالبناء للمفعول، من الوَهْم والظنّ،
(١) ((شرح النوويّ)) ٥١/٤.
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٨٢/٢.
(٥) ((عمدة القاري)) ٣٨٢/٢.
(٢) ((الفتح)) ٢٨٦/١.
(٤) ((الفتح)) ٢٨٦/١.

٣٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وخَيَّلَ الرجلُ على غيره تخييلاً، مثلُ لبّس تلبيساً وزناً ومعنّى: إذا وجّه الوهْمَ
إليه، والْخَيالُ كلُّ شيء تراه كالظلّ، وخَيَالُ الإنسان في الماء والمرآة صورة
تِمِثَاله، وربّما مرّ بك الشيء يُشبه الظلّ فهو خَيَالٌ، وكلُّهُ بالفتح. انتهى(١).
والجملة من الفعل والنائب صفة لـ ((الرجل))، على تقدير ((أل)) جنسيّة،
والمعرّف بها في قوّة النكرة، كما في قول الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيم يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
فإنه لم يُرِد لئيماً معيّناً، فهو نكرة في المعنى، نبّه عليه الفاكهيّ(٢).
(أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ) أي الحدثَ خارجاً منه، وصَرَّح به الإسماعيليّ،
ولفظه: ((يُخَيَّلُ إليه في صلاته أنه يَخرُج منه شيء)»، وفيه العدول عن ذكر الشيء
المستقذَر بخاص اسمه، إلا للضرورة.
وجملة ((أن)) من اسمها وخبرها نائب فاعلٍ لقوله: ((يُخَيَّل)).
(فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ ((يُخيّل))، أو بـ (يجد))، قال في ((الفتح)): تمسّك
بعض المالكية بظاهره، فخَصُّوا الحكم بمن كان داخل الصلاة، وأوجبوا
الوضوء على من كان خارجها، وفَرَّقوا بالنهي عن إبطال العبادة، والنهيُ عن
إيطال العبادة متوقف على صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك؛ لأن هذا التخيُّل
إن كان ناقضاً خارج الصلاة، فينبغي أن يكون كذلك فيها، كبقية النواقض.
(٣)
انتھی(٣).
(قَالَ) وَه مجيباً عن هذا السؤال ((لَا يَنْصَرِفُ) بالرفع على أن ((لا)) نافية،
أو بالجزم على أنها ناهية، ويكون النفي بمعنى النهي، بل هو أبلغ؛ لأنه نفيٌ
للشيء من أصله، والنهي إعدام لحكمه مع بقائه، ويجوز الجزم على أنها
ناهية، وفي رواية البخاريّ: ((لا ينفتل، أو لا ينصرف))، قال في ((الفتح)): هو
شك من الراوي، وكأنه من عليّ - يعني ابن المدينيّ شيخ البخاريّ فيه - لأن
الرواة غيره رووه عن سفيان بلفظ: ((لا ينصرف))، من غير شك. انتهى.
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٨٧.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦٦١/١ - ٦٦٢.
(٣) ((الفتح)) ٢٨٦/١.

(٢٥) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، ... إلخ - حديث رقم (٨١٠)
٣٧١
وقال في ((العمدة)): كلمة ((أو)) للشك من الراوي، قال الكرمانيّ:
والظاهر أنه من عبد الله بن زيد، قال العينيّ: يجوز أن يكون ممن دونه من
الرواة، ووقع في كتاب الخطابيّ: ((ولا ينصرف)) بحذف الهمزة، وفي رواية
للبخاري: ((لا ينصرف))، من غير شك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: كون الشكّ من عليّ ابن المدينيّ هو الأقرب،
كما أشار إليه الحافظ، بدليل رواية غيره بلا شكّ؛ إذ لو كان ممن فوقه لاتفقت
الروايات في الشكّ؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً) أي من الدبر (أَوْ) للتنويع لا للشكّ (يَجِدَ رِيحاً)) أي
خارجاً من الدبر أيضاً، وعبّر بالوجدان دون الشمّ؛ ليشمل ما لو لمس المحلّ،
ثم شمّ يده. قاله في ((الفتح)).
ثم إن الغاية تدلّ على أنه إذا وجد ريحاً، أو سمع صوتاً ينصرف لأجل
الوضوء، وهو المطلوب، والمقصود بقوله: ((حتى يسمع ... إلخ)) أي حتى
يتيقّن بطريق الكناية أعمّ من أن يكون بسماع صوت، أو وجدان ريح، أو يكون
بشيء آخر، وغلبة الظنّ عند بعض العلماء في حكم المتيقّن، فبقي الشكّ لا
عبرة به، بل يُحكم بالأصل المتيقّن، وإن طرأ الشكّ في زواله. قاله
السنديّ ◌َظَّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): ودَلَّ حديث الباب على صحة الصلاة، ما لم يَتَيقَّن
الحدث، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين؛ لأن المعنى إذا كان
أوسع من اللفظ، كان الحكم للمعنى. قاله الخطابي.
وقال أيضاً: وحَمَل بعضهم الحديث على مَن كان به وسواس، وتَمَسَّك
بأن الشكوى لا تكون إلا من علة.
وأُجيب بما دلّ على التعميم، وهو حديث أبي هريرة ◌َظُه الآتي بلفظ:
((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً، فأشكل عليه؛ أخرج منه شيء أم لا؟ فلا
يخرجنّ من المسجد، حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)). انتهى(٢).
(١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٩٩/١.
(٢) ((الفتح)) ٢٨٧/١.

٣٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقال ابن الملقّن تَخْتُهُ: ((الشيء)) المشار إليه هو الحركة التي يُظُنّ بها أنها
حدَثٌ، وليس كذلك، ولهذا قال وَّ: ((حتى يسمع صوتاً أو يَجِد ريحاً))،
ومعناه: يعلم وجود أحدهما يقيناً، ولا يُشترط اجتماع السماع والشمّ بالإجماع.
قال الإسماعيليّ تَخَّتُهُ: هذا من رسول الله وَّر فيمن شك في خروج ريح
منه، لا نفي الوضوء إلا من سماع صوت، أو وجدان ريح.
وفي ((صحيحي ابن خزيمة وابن حبّان))، و((مستدرك الحاكم)) من حديث
أبي سعيد الخدريّ رُبه مرفوعاً: ((إذا جاء أحدكم الشيطان، فقال: إنك
أحدثتَ، فليقل: كذبتَ، إلا ما وجد ريحاً بأنفه، أو سمع صوتاً بأذنه)).
وفي ((مسند أحمد)) من حديث أبي سعيد ظُبه أيضاً: ((إن الشيطان ليأتي
أحدكم، وهو في صلاته، فيأخذ شَعْرة من دبره، فيَمُدُّها، فيرى أنه أحدث،
فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً)، وفي إسناده عليّ بن زيد بن جُدْعان، ضعيف.
وقال ابن خزيمة: قوله: ((فليقل: كذبت)) أراد: فليقل: ((كذبت)) بضميره،
لا ينطق بلسانه؛ إذ المصلي غير جائز له أن يقول: كذبت، نطقاً .
قال في ((العمدة)): ويؤيد ما قاله ما رواه ابن حبان في ((صحيحه)) من
حديث أبي سعيد رؤيته أيضاً مرفوعاً: ((إذا جاء أحدكم الشيطان، فقال: إنك قد
أحدثت، فليقل في نفسه: كذبت)).
وفي حديث أبي هريرة ظُبه الآتي بعد هذا: ((إذا وجد أحدكم في بطنه
شيئاً، فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجنّ من المسجد))، وفي
رواية الترمذيّ: ((فوجد ريحاً بين أَلْيَتَيْه)).
وفي ((علل ابن أبي حاتم)): ((فوجد ريحاً من نفسه))، وفي ((كتاب الطهور))
لأبي عبيد القاسم بن سلّام: ((يجد الشيءَ في مقعدته، قال: لا يتوضأ إلا أن
يجد ريحاً يعرفها، أو صوتاً يسمعه)).
وروى ابن ماجه بسند فيه ضعف، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال:
رأيت السائب بن يزيد، يَشُمّ ثوبه، فقلت: مِمّ ذلك؟ قال: سمعت رسول الله وعَّل
يقول: ((لا وضوء إلا من ربح، أو سماع)).
ورَوَى أبو داود من حديث علي بن طلق، يرفعه: ((إذا فَسَا أحدكم
فليتوضأ)).

٣٧٣
(٢٥) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَقَّنَ الطَّهَارَةَ، ... إلخ - حديث رقم (٨١٠)
قال مهنّا: قال أبو عبيد الله: عاصم الأحول يُخطئ في هذا الحديث،
يقول: علي بن طلق، وإنما هو طلق بن عليّ، وأبى ذلك البخاريّ، فقال فيما
ذكره أبو عيسى عنه في ((العلل))، وذكر حديث علي بن طلق هذا، بلفظ: جاء
أعرابي إلى النبيّ بَّ، فقال: إنا نكون بالبادية، فيكون من أحدنا الرُّوَيحة؟
فقال: ((إن الله تعالى لا يستحي من الحقّ، إذا فَسَا أحدكم، فليتوضأ))، فقال:
لا أعرف لعليّ بن طلق، عن النبيّ وَّ غير هذا الحديث، وهو عندي غير
طلق بن عليّ، ولا يُعرَف هذا من حديث طلق بن علي.
ولما ذكره الترمذي في ((الجامع)) من حديث علي بن طلق حَسَّنه، وذكره
ابن حبان في ((صحيحه)) بلفظ: ((إذا فَسَا أحدكم في الصلاة، فلينصرف، ثم
ليتوضأ، ولْيُعِد صلاته))، ثم قال: لم يقل أحد: ((ولْيُعِد صلاته)) إلا جرير بن
عبد الحميد، وقال أبو عبيد في ((كتاب الطهور)): إنما هو عندنا عليّ بن طلق؛
لأنه حديثه المعروف، وكان رجلاً من بني حنيفة، وأحسبه والد طلق بن عليّ
الذي سأل عن مسّ الذكر.
وممن ذكره في مسند عليّ بن طلق أحمد بن منيع في ((مسنده))،
والنسائيّ، والكجيّ في ((سننيهما))، وأبو الحسين بن قانع في آخرين.
[تنبيه]: (اعلم): أن حقيقة المعنى في قوله: ((حتى يسمع صوتاً، أو يجد
ريحاً)): حتى يَعْلَم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع، فإن
الأصمّ لا يسمع صوتاً، والأخشم الذي راحت حاسّة شَمّه لا يشُمّ أصلاً.
وقال الخطابيّ تَّتُهُ: لم يُرِد بذكر هذين النوعين من الحدث تخصيصهما،
وقَصْرَ الحكم عليهما، حتى لا يُحدِث بغيرهما، وإنما هو جوابٌ خَرَجَ على
حرف المسألة التي سأل عنها السائل، وقد دخل في معناه كلُّ ما يَخرج من
السبيلين، وقد تخرج منه الريح، ولا يسمع لها صوتاً، ولا يجد لها ريحاً، فيكون
عليه استئناف الوضوء، إذا تَيَّقَّن ذلك، وقد يكون بأذنه وَقْرٌ، فلا يسمع الصوت،
أو يكون أخشم، فلا يجد الريح، والمعنى إذا كان أوسع من الاسم، كان الحكم
للمعنى، وهذا كما رُوي أنه ◌َُّ قال: ((إذا استَهَلَّ الصبيّ وَرِثَ، وصُلِّي عليه))(١)،
(١) ضعيف.

٣٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
لم يُرِد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت، دون غيره من أمارات الحياة،
من حركة، وقبض، وبسط، ونحوها. قاله في ((العمدة))(١).
(قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة شيخه الثالث (وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) شيخه
الثاني (فِي رِوَايَتِهِمَا: هُوَ) وفي نسخة: ((وهو)) بالواو (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) يعني
أنهما زادا في روايتهما بعد قوله: ((عن عمّه)) ما نصّه: هو: عبد الله بن زيد،
والمعنى أن المراد بعمّه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ، وهو عمّ
العبّاد بن تميم، وقد سبق عن الحافظ أنه اختُلف هل هو عمّه لأبيه أو لأمه؟
وقال ابن الملقّن: هو عمّه من قبل أمه، لا من قبل أبيه(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد ظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٨١٠/٢٥] (٣٦١)، و(البخاريّ)
في ((الوضوء)) (١٣٧ و١٧٧) و((البيوع)) (٢٠٥٦)، و(أبو داود) في ((الطهارة))
(١٧٦)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٩٨/١)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة))
(٥١٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥١/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٨/١
و٢٤٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٤٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٧٩٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن هذا الحديث أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدة من
قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يُحكَم ببقائها على أصولها، حتى يُتَيَّقَّن خلاف
ذلك، ولا يضرّ الشكّ الطارئ عليها، والعلماء متفقون على هذه القاعدة،
ولكنهم مختلفون في كيفية استعمالها، مثاله مسألة الباب التي دلّ عليها
(١) ((عمدة القاري)) ٣٨٣/٢ - ٣٨٤.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦٦٠/١ - ٦٦١.

٣٧٥
(٢٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَقَّنَ الطَّهَارَةَ، ... إلخ - حديث رقم (٨١٠)
الحديث، وهي أن مَن تيقن الطهارة، وشكّ في الحدث يُحكَم ببقائه على
الطهارة، سواء حَصَل الشك في الصلاة أو خارجها، وهذا بالإجماع بين
الفقهاء، إلا عن مالك، فله روايتان: إحداهما: أنه يلزمه الوضوء، إن كان
شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والأخرى يلزمه بكل حال،
وحُكِيت الأولى عن الحسن البصريّ، وهو وجه شاذّ عند الشافعية، ذكره
الرافعيّ، والنوويّ في ((الروضة))، وحُكِيت الثانية أيضاً وجهاً للشافعية، وهو
غريب، وعن مالك رواية ثالثة، رواها ابن قانع عنه، أنه لا وضوء عليه، كما
قاله الجمهور، وحکاها ابن بطال عنه.
ونَقَل القاضي، ثم القرطبيّ، عن ابن حبيب المالكيّ أن هذا الشك في
الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث، واعتَذَر عنه بعض
المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحلّ منه شيء، بخلاف البول والغائط، ولا
يخفى ما فيه، وعن بعض أصحاب مالك أنه إن كان الشك في سبب حاضر،
كما في الحديث طرح الشك، وإن كان في سبب متقدم فلا .
وأما إذا تيقن الحدث، وشكّ في الطهارة، فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع،
وعلى هذا الأصل من شكّ في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء
الطاهر، أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب، أو غيره، أو أنه صلى ثلاثاً أو
أربعاً، أو أنه ركع، أو سجد أم لا، أو نَوَى الصوم أو الصلاة، أو الاعتكاف،
وهو في أثناء هذه العبادات، وما أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير
لها، والأصل عدم الحادث.
وقالت الشافعية: تُسْتَثْنَى من هذه القاعدة بضع عشرة مسألةً:
(منها): من شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها، قيل: أو فيها،
ومن شك في ترك بعض وضوء، أو صلاة بعد الفراغ، لا أثر له على الأصح.
(ومنها): عَشْرٌ ذَكَرَهُنّ ابن القاصّ - بتشديد الصاد المهملة المشدّدة - من
الشافعية(١): الشكّ في مدة خُفّ، وأنّ إمامه مسافر، أو وَصَل وطنه، أو نوى
(١) هو أحمد بن أبي أحمد إمام جليل، توفّي بطرسوس سنة (٣٣٥هـ). ((المجموع))
(١٤٣/١).

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
إقامةً، ومسح مستحاضة شُفِيت، وغسل متحيّرة، وثوبٌ خَفِيَت نجاسته، ومسألة
الظبية، وبطلان التيمم بتوهم الماء، وتحريم صيد جَرَحه فغاب، فوجده ميتاً.
قال القفال: لم يَعْمَل بالشك في شيء منها؛ لأن الأصل في الأولى
الغسل، وفي الثانية الإتمام، وكذا في الثالثة، والرابعة إن أوجبناه، والخامسة
والسادسة اشتراطُ الطهارة، ولو ظنّاً أو استصحاباً، والسابعة بقاء النجاسة،
والثامنة لقوة الظنّ، والتاسعة للشك في شرط التيمم، وهو عدم الماء، وفي
الصید تحریمه، إن قلنا به.
قال النوويّ نَّثُ في ((تحقيقه)) بعد أن لخّص المسألة هكذا، وبسطها في
((شرح المهذّب)): وقولُ ابن القاصّ أقوى في غير الثامنة، والتاسعة، والعاشرة.
انتھی.
٢ - (ومنها): ما قالته الشافعية: لا فرق في الشك بين تساوي الاحتمالين
في وجوب الحدث وعدمه، وبين ترجيح أحدهما وغلبة الظن في أنه لا وضوء
عليه، فالشك عندهم خلاف اليقين، وإن كان خلاف الاصطلاح الأصوليّ،
وقولهم موافق لقول أهل اللغة: الشك خلاف اليقين، نعم يُستحب الوضوء
احتياطاً، فلو بان حدثه أوّلاً، فوجهان أصحهما لا يجزيه هذا الوضوء؛ لتردده
في نيته، بخلاف ما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة، فتوضأ، ثم بان
محدثاً، فإنه يجزيه قطعاً، لأن الأصل بقاء الحدث، فلا يضر التردد معه، ولو
تيقن الطهارة والحدث معاً، وشك في السابق منهما فأوجه: أصحها أنه يأخذ
بضدّ ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء مطلقاً .
٣ - (ومنها): ما قال الخطابيّ تَخَُّ: فيه حجة لمن أوجب الحدّ على من
وُجِدت منه رائحة المسكر، وإن لم يُشاهَد شربه، ولا شهد عليه الشهود، ولا
اعترف به .
وتعقّبه العينيّ، بأن الحدود تدرأ بالشبهة والشبهة هنا قائمة.
قال الخطابيّ: وفيه دلالة أيضاً على أنه إذا تيقّن النكاح، وشكّ في
الطلاق كان على النكاح المتقدّم، إلا إن تيقّن الطلاق.
قال ابن الملقّن: وهذا فرد من أفراد القاعدة التي أسلفناها، ويتعلّق بها
ما رويناه بالإسناد إلى عبد الرحمن بن مالك بن مغراء، قال: جاء رجلٌ إلى

٣٧٧
(٢٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَّقَّنَ الطَّهَارَةَ، ... إلخ - حديث رقم (٨١٠)
أبي حنيفة، فقال: شربت البارحة نبيذاً، فلا أدري أطلّقتُ امرأتي أم لا؟، فقال
له: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك طلّقتها، قال: فتركه، ثم جاء سفيان
الثوريّ، فسأله، فقال: اذهب فراجعها، فإن كنت طلّقت، فقد راجعتها، وإلا
فلا تضرّك المراجعة، فتركه وجاء إلى شريك، فقال له: اذهب فطلّقها ثم
راجعها، فتركه، وجاء إلى زفر فسأله، فقال: هل سألت قبلي أحداً؟، قال:
نعم، وقصّ عليه القصّةَ، فقال في جواب أبي حنيفة: الصوابَ قال لك، وقال
في جواب سفيان: ما أحسن ما قال، ولما بلغ إلى قول شريك ضَحِك مليّاً،
ثم قال: لأضربنّ لهم مثلاً، رجلٌ مرّ بشِعْب يسيل دماً، فشكّ في ثوبه هل
أصابه نجاسة؟ قال أبو حنيفة: ثوبك طاهر حتى تستيقن، وقال سفيان: اغسله،
فإن كان نجساً، فقد طهّرته، وإلا فقد زدته طهارةً، وقال شريك: بُلْ عليه، ثم
اغسله، ذكره ابن الملقّن(١)، والله أعلم بصحّة القصّة.
٤ - (ومنها): مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع، وجواب
السائل.
٥ - (ومنها): ترك الاستحياء في العلم، وأنه رَّير كان يعلمهم كل شيء،
وأنه يصلي بوضوء واحد صلوات ما لم يحدث.
٦ - (ومنها): قبول خبر الواحد.
٧ - (ومنها): أن من كان على حال لا ينتقل عنه إلا بوجود خلافه.
٨ - (ومنها): أنهم كانوا يَشْكُون إلى النبيّ وَّ جميع ما ينزل بهم.
٩ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن رؤية المتيمم الماء في
صلاته، لا ينقض طهارته(٢)، وفيه نظرٌ؛ لأن الشرع جعل صلاحية طهارة التيمم
مغيّاة بوجود الماء، فقد أخرج أبو داود، وغيره بسند صحيح، عن أبي ذرّ ◌َظُه
مرفوعاً: ((إن الصعيد الطيِّب طَهُور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا
وجدت الماء فأمسَّه جلدك)).
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٦٧٥/١ - ٦٧٦.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٨٤/٢ _ ٣٨٥.

٣٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
فقد جعل وُجود الماء غاية لصلاحية التيمّم، فيدلّ على أنه ينتقض
بوجوده، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن تَخْذُهُ: هذه القاعدة تُعرف في الأصول
باستصحاب الحال، وهي من الأدلّة الشرعيّة الثلاثة التي هي: أصلٌ، ومعقول
الأصل، واستصحاب حال.
ونعني بالأصل: الكتاب، والسنّة، والإجماع، وبمعقول الأصل: فحوى
الخطاب، ولحن الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب، على ما تقرّر في
الأصول.
ونعني باستصحاب حال الأصل البقاء عليه حتى يدلّ دليل على خلافه، وهو
على ضربين: استصحاب حال العقل، واستصحاب حال الإجماع. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة استصحاب الحال قد استوفيتها في
(التحفة المرضيّة))، و((شرحها)) في الأصول، فراجعهما تستفد علماً جمّاً، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الکتاب قال:
[٨١١] (٣٦٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئاً،
فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ، حَتَّى يَسْمَعَ
صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ رِيحاً)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة))
٥٠/٦.
٢ - (سُهَيْل) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٨)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ٦٧٢.

٣٧٩
(٢٥) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَقَّنَ الطَّهَارَةَ، ... إلخ - حديث رقم (٨١٠)
٣ - (أَبُوهُ) ذكوان السمّان الزيّات أبو صالح المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣]
(ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُبه، وزهير تقدّما في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َتُهُ، وفيه التحديث، والعنعنة،
والقول.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله أحفظ من
روى الحديث في عصره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((إِذَا وَجَدَ
أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئاً) أي من المرض، كالقرقرة، بأن تردّد في بطنه ريح
(فَأَشْكَلَ) أي التبس (عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ) أي من الحدث (أَمْ لَا؟) قال
ابن الملك كثّفُهُ: يعني صار مشكلاً عنده خروج شيء من بطنه، وعدم
خروجه، قال: هذا الاستفهام جعله في حكم المصدر، كما في قوله
تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنَذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرُهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، يعني إنذارك وعدم
إنذارك سواء. انتهى(١).
(فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ) المراد من محلّ صلاته؛ أي لا ينصرف من
موضع صلاته لأجل الوضوء؛ لأن المتيقّن لا يُبطله الشكّ.
قال الطيبيّ كَّهُ: هذا يوهم أن حكم غير المسجد بخلاف المسجد،
لكن أشير به إلى أن الأصل أن يصلي المؤمن التقيّ في المسجد؛ لأنه مكان
الصلاة ومعدنها، وكأن من هو خارجٌ منه خارج من حكم المصلّ؛ مبالغةً،
(١) راجع ما كتبه محمد ذهني في هامش: ((صحيح مسلم)) ١٩٠/١.

٣٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
فعلى المؤمن ملازمته، والمواظبة على إقامة الصلوات مع الجماعات، والله
أعلم. انتهى(١).
(حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ رِيحً)) تقدّم أن ((أو)) هنا للتنويع، لا للشكّ،
أي حتى يتيقّن بوجود الحدث الناقض لوضوئه، وذلك بأن يسمع صوت الريح
الخارجة من الدبر، أو يجد ذلك في يده بأن يَشُمَّ المحلّ.
وقال البغويّ كَُّ في ((شرح السنّة)): معنى: ((حتى يسمع صوتاً ...
إلخ)): حتى يتيقّن الحدث، لا أن سماع الصوت، أو وجود الريح شرط، فإنه
قد يكون أصمّ لا يسمع الصوت، وقد يكون أخشم لا يجد الريح، وينتقض
طهره إذا تيقّن الحدث.
وقال المازريّ تَتُهُ: في الحديث دليلٌ على أن الريح الخارجة من أحد
السبيلين توجب الوضوء، وقال أصحاب أبي حنيفة: خروج الريح من القبل لا
يوجب الوضوء.
وفيه دليلٌ على أن اليقين لا يزول بالشكّ في شيء من أمر الشرع، وهو
قول عامّة أهل العلم. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظه هذا من أفراد المصنّف ◌َخَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٨١١/٢٥] (٣٦٢)، و(أبو داود) في
((الطهارة)) (١٧٧)، و(الترمذيّ) فيها (٧٤ و٧٥)، و(ابن ماجه) فيها (٥١٥)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٤٤١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٤١)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (٧٩٧)، و(البيهقي) في ((الكبرى)) (١٨٨/١)، وبقيّة المسائل
تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٥٩/٣.
(٢) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٥٨/٣.