النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(٢٣) - بَابُ نَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ - حديث رقم (٨٠٣)
[فإن قلت]: في سنده عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، لم يوثّقه غير
ابن حبّان، وقال عنه في ((التقريب)): مقبول، وإن كان غير مقبول، كما تقدّم في
ترجمته، فكيف أخرجه المصنّف هنا؟.
[قلت]: عبد الله بن عبيد الله قد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، ولم
يجرحه أحد، ولم ينفرد بهذه الرواية، فقد أخرج الحديث ابن حبّان في
(صحيحه)) (١١٤٩) من طريق زيد بن أبي أُنيسة، عن شُرحبيل بن سعد
الأنصاريّ، عن أبي رافع، مولى رسول الله صل، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في
((مصنّفه)) (٤٨/١) من طريق آخر؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٨٠٣/٢٣] (٣٥٧)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٥٤/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٨/١)، و(الطحاويّ) في
((شرح معاني الآثار)) (٦٦/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١١٤٩)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٧٥١ و٧٥٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٨٩)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٠٤] (٣٥٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ النَِّيَّ ◌َّهِ شَرِبَ لَّبْناً، ثُمَّ
دَعَا بِمَاءٍ، فَتَمَضْمَضَ(١)، وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمَاً))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (لَيْث) بن سعد الإمام المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عُقَيْل) بن خالد الأيليّ، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
(١) وفي نسخة: ((فمضمض)).
-

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم المذكور في الباب.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣]، (ت٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌َّ المذكور في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن هذا أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الخمسة:
الشيخان، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، عن شيخ واحد، وهو قتيبة (١).
٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، وقتيبة، وإن كان
بغلانيّاً إلا أنه دخل مصر، ونصفه الثاني بالمدنيين.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وأن
ابن عبّاس ◌ِّ أحد المكثرين السبعة، وقد تقدّموا كلهم غير مرّة، والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) مَّا ((أَنَّ النَّبِيَّ وَ شَرِبَ لَبَناً) بفتحتين، قال في
(اللسان)): اللبن: خُلاصة الجسد، ومُستخلصه من بين الفرث والدم، وهو
كالْعَرَق يجري في العُرُوق، والجمع أَلبان، والطائفة القليلة لَبَنَةٌ. انتهى(٢). (ثُمَّ
دَعَا بِمَاءٍ، فَتَمَضْمَضَ) وفي نسخة: ((فمضمض))، يقال: مضمضتُ الماءَ في
فمي: إذا حرّكته بالإدارة فيه، وتمضمضتُ بالماء: إذا فعلتَ ذلك، قال
الفارابيّ: المضمضة: صوت الحيّة ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها.
(٣) .
انتهى .
(١) ((الفتح)) ٣٧٤/١، و((عمدة القاري)) ١٦٠/٣.
(٢) ((لسان العرب)) ٣٧٢/١٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٧٥/٢.

٣٤٣
(٢٣) - بَابُ نَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ - حديث رقم (٨٠٤)
وفي رواية ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا
الأوزاعيّ ... فذكره بصيغة الأمر: ((مَضْمِضُوا من اللبن، فإن له دَسَماً))، وكذا
رواه الطبريّ من طريق أخرى، عن الليث بالإسناد المذكور، وأخرج ابن ماجه
من حديث أم سلمة، وسهل بن سعد مثله، وإسناد كل منهما حسنٌ.
وهذا الأمر بالمضمضة للاستحباب، لا للوجوب بدليل ما رواه الشافعيّ
عن ابن عباس رضيّ راوي الحديث، أنه شَرِبَ لبناً، فمضمض، ثم قال: لو لم
أتمضمض ما باليت، وأخرج أبو داود بإسناد حسن، عن أنس نظ الله: ((أن
النبيّ وَّهِ شَرِب لبناً، فلم يتمضمض، ولم يتوضأ)).
قال الحافظ ◌َّتُهُ: وأغرب ابن شاهين، فجعل حديث أنس ناسخاً
لحديث ابن عباس، ولم يذكر مَن قال فيه بالوجوب، حتى يحتاج إلى دعوى
النسخ. انتهى.
(وَقَالَ) وَلَه مبيّناً سبب المضمضة (إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها محكيّة
بالقول (لَهُ دَسَماً))) منصوب على أنه اسم ((إنّ» مؤخّراً، و((الدَّسَمُ)) بفتحتين:
الشيء يظهر على اللبن من الدهن، وقال الزمخشريّ: هو من دسم المطر
الأرضَ: إذا لم يبلُغ أن يبلّ الثرى، والدُّسْمُ بضمّ الدال، وسكون السين:
الشيء القليل. انتهى(١).
وقال المجد تَّتُهُ: ((الدَّسَمُ محرّكةً: الْوَدَكُ، والْوَضَرُ، والدنَسُ.
(٢)
انتھی(٢).
وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: دَسِمَ الطعام دَسَماً، من باب تَعِبَ، فهو دَسِمٌ،
والدَّسَمُ: الْوَدَكُ من لحم وشَحْم، ودسَّمتُ اللُّقْمة تدسيماً: إذا لطّختها.
(٣)
انتھی
قال الجامع عفا الله عنه: إنما أورد المصنّف تَذْتُ هذا الحديث في هذا
الباب، وإن لم يكن اللبن مما مسته النار إشارةً إلى أن سبب الأمر بالوضوء
مما مسّته النار هو الدسم الذي فيه، والله تعالى أعلم.
(١) ((عمدة القاري)) ١٦٠/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٩٤/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٤/ ١١١.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقال ابن بطّال عن المهلّب: فيه بيان علّة الأمر بالوضوء مما مسّت
النار، وذلك لأنهم كانوا أَلِفُوا في الجاهليّة قلّة التنظيف، فأمروا بالوضوء مما
مسّت النار، فلمّا تقرّرت النظافة في الإسلام، وشاعت نُسِخ.
وتعقّبه الحافظ، فقال: ولا تعلّق له بما ذُكر، وإنما فيه بيان العلّة
للمضمضمة من اللبن، فيدلّ على استحبابها من كلّ شيءٍ دَسِم، ويُستنبط منه
استحباب غسل اليدين للتنظيف. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ًَّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٨٠٤/٢٣] (٣٥٨)، و(البخاريّ)
في ((الوضوء)) (٢١١)، و((الأشربة)) (٥٦٠٩)، و(أبو داود) في ((الطهارة))
(١٩٦)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٨٩)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٠٩/١)،
و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٤٩٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١١٥٨
و١١٥٩)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٧٥٦ و٧٥٧ و٧٥٨)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٧٩٠ و٧٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): استحباب المضمضة من شرب اللبن.
٢ - (ومنها): استحباب تنظيف الفم من الأطعمة والأشربة التي فيها دَسَمٌ
وأَثَرٌ يبقى بعد أكلها وشربها .
٣ - (ومنها): استحباب النظافة من كلّ شيء له أثر يبقى على الإنسان؛
لأن النظافة من الدين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللََّ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾
[البقرة: ٢٢٢]، وأما الحديث الذي أخرجه الترمذيّ في ((جامعه))، مرفوعاً:
((إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٧٤/١.

٣٤٥
(٢٣) - بَابُ نَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ - حديث رقم (٨٠٤)
يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم، ولا تشبهوا باليهود))، فضعيف؛ لأن في سنده
خالد بن إلياس ضعيف، وتُغني عنه الآية المذكورة، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٠٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِي
عَمْرٌو (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ
(ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، بِإِسْنَادِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر، كلّهم تقدّموا في هذا الباب، إلا اثنين،
وهما :
١ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه،
ثقةٌ فاضل، إمام نبيلٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
و((عمرو)): هو ابن الحارث، و((يحيى بن سعيد)) هو القطّان، و((يونس)):
هو ابن يزيد الأيليّ، و((عُقيل)) مصغّراً هو ابن خالد.
[تنبيه]: قوله: (حَدَّثنا ابن وهب، وأخبرني عمرو ... إلخ) قال
النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو في الأصول: ((وأخبرني عمرو)) بالواو في ((وأخبرني))،
وهي واو العطف، والقائل: ((وأخبرني عمرو)) هو ابن وهب، وإنما أتى بالواو
أوَّلاً؛ لأنه سمع من عمرو أحاديث، فرواها، وعطف بعضها على بعض، فقال
ابنُ وهب: أخبرني عمرو بكذا، وأخبرني عمرو بكذا، وعدّد تلك الأحاديث،
فسمع أحمد بن عيسى لفظ ابن وهب هكذا بالواو، فأدّاه أحمد بن عيسى كما
سمعه، فقال: ((حدّثنا ابن وهب، قال - يعني ابنَ وهب ـ: وأخبرني عمرو)).
انتهى كلام النوويّ تَخْلُهُ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه آخر]: رواية عمرو بن الحارث التي أحالها المصنّف هنا على رواية

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
عُقيل، ساقها الإمام ابن حبّان ◌َُّ في ((صحيحه)) (٤٣٣/٣)، فقال:
(١١٥٨) أخبرنا ابن سَلْم، قال: حدثنا حرملة بن يحيى، قال: حدَّثنا ابن
وهب، قال: حدّثني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن
عبد الله، عن ابن عباس، أن رسول الله وَ ﴿ل شَرِبَ لبناً، ثم دعا بإناء،
فمضمض، وقال: ((إن له دَسَماً)). انتهى.
وأما رواية الأوزاعي، فقد أخرجها الإمام البخاريّ تَخَُّ في ((الأشربة)»
من ((صحیحه))، فقال:
(٥٦١٠) حدثنا أبو عاصم، عن الأوزاعيّ، عن ابن شهاب، عن
عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﴿ه، أن رسول الله وَّ شَرِب لبناً،
فمضمض، وقال: ((إن له دَسماً)). انتهى.
وأما رواية يونس، فقد أخرجها الإمام أحمد تَّتُهُ في ((مسنده))، فقال:
(٣٣٥٧) حدّثنا عثمان بن عُمر، حدّثنا يونس، عن الزهريّ، عن
عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﴿ها، أن رسول الله وَل* تمضمض من
لبن، وقال: ((إن له دَسَماً)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٠٦] (٣٥٩) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ جَمَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَتِيَ بِهَدِيَّةٍ :
خُبْزٍ وَلَحْم(١)، فَأَكَلَ ثَلَاثَ لُقَمِ، ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ، وَمَا مَسَّ مَاءً)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
(١) وفي نسخة: ((بهَدِيَّةٍ خُبْزٍ وَلَحْمٍ)) بالإضافة.

٣٤٧
(٢٣) - بَابُ نَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ - حديث رقم (٨٠٥)
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق
المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) - بمهملتين، بينهما لام ساكنة - الدِّيليّ
- بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانيّة - المدنيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن معبد بن كعب بن مالك، وعطاء بن يسار، ومحمد بن عمرو بن
عطاء، وحُميد بن مالك، ومحمد بن عمران الأنصاريّ، والزهريّ، ووهب بن
كيسان، وغيرهم.
ورَوَى عنه عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن
محمد القرشيّ، وسعيد بن أبي هلال، وابن إسحاق، وزهير بن محمد،
والوليد بن كثير، ومالك بن أنس، وإسماعيل بن جعفر، والدَّرَاوَرْديّ،
وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
((الثقات)) وقال: كان ذا هيئة، ملازماً للمسجد، وكذا قاله ابن سعد.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٥٩)، وحديث (٧٩٢): ((ما أذِنَ الله
لشيء كأَذَنِه لنبيّ يتغنّى ... ))، و(٩٥٠): ((مستريحٌ، ومستراح منه ... ))،
و(٢٠٢٢): ((كُلْ مما يليك)، و(٢٤٤٩): ((إن فاطمة منّي، وإني أتخوّف أن
تُفتن في دينها ... )).
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه، ومحمد بن عمرو بن حلحلة، فما أخرج له الترمذيّ، وابن
ماجه .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فمروزيّ، والله تعالى
أعلم.

٣٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌ََّا ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَيِّ جَمَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ) يعني لبسها
واستتر بها، وفي رواية أبي عوانة من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن
عمرو بن عطاء، قال: ((كنت مع ابن عبّاس في بيت ميمونة في المسجد، فقال:
لقد رأيتني في هذا البيت عند رسول الله (وَلّر، وقد توضّأ، ثم لبس ثيابه ... ))،
وفي رواية أبي نعيم: ((قال: كنت مع ابن عبّاس في بيت ميمونة، فجعل يتعجّب
ممن يزعُمُ أن الوضوء مما مسّت النار، ثم قال: لقد كنت في هذا البيت عند
النبيّ بَّرَ، وقد توضّأ، ولبس ثيابه، فجاءه المؤذّن، فخرج إلى الصلاة، حتى
إذا كان في الحجرة خارجاً من البيت، لقيه هديّة عضو من شاة، فأكل منه
لقمةً، أو لقمتين ... )) (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَتِيَ) بالبناء للمفعول (بِهَدِيَّةٍ) بفتح
الهاء، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة: فَعِيلة بمعنى مفعولة،
وقوله: (خُبْزِ وَلَحْم) بالجرّ على البدليّة من ((هديّة))، وفي بعض النسخ بإضافة
(هديّة)) إلى ما بعدَّها (فَأَكَلَ ثَلَاثَ لُقَم) بضمّ اللام، وفتح القاف: جمع لَقْمة
بفتح، فسكون: اسم لما يُلقم في مرّة،ً كالْجُرْعة اسم لما يُجْرَع في مرّة، يقال:
لَقِمتُ الشيءَ لَقَماً، من باب تَعِبَ، والتقمته: إذا أكلته بسُرعة، ويُعدَّى بالهمزة
والتضعيف، فيقال: لَقَّمتُهُ الطعامَ تلقيماً، وألقمته إياه إلقاماً، فتلقّمه تَلَقُّماً. قاله
الفيّوميّ(١).
(ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ) أي إماماً لهم (وَمَا مَسَّ مَاءً))) ((ما)) نافية، والجملة في
محلّ نصب على الحال من فاعل ((صلّى))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ظّها هذا من أفراد المصنّف تَّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٨٠٦/٢٣ و٨٠٧] (٣٥٩)،
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٥٧.

٣٤٩
(٢٣) - بَابُ نَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ - حديث رقم (٨٠٦)
و(أحمد) في («مسنده)) (٣٤٥/١) رقم (٢٢٥٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١/
١٥٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٤٩ و٧٥٠)، و(أبو نعيم) في ((مسنده))
(٧٩٢ و٧٩٣)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث أول الباب، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٨٠٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ
كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ .. وَسَاقَ
الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ حَلْحَلَةَ، وَفِيهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهِدَ ذَلِكَ مِنَ
النَّبِيِّ ◌َّهِ، وَقَالَ: صَلَّى، وَلَمْ يَقُلْ بِالنَّاسِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الأئمة
الستة بلا واسطة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) الْمَخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ،
صدوقٌ، عارف بالمغازي، ورمي برأي الخوارج [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
والباقيان تقدّما قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ حَلْحَلَةَ) فاعل ((ساق)) ضمير
الوليد بن كثير. والمعنى: أن حديث الوليد بن كثير، عن محمد بن عمرو بن
عطاء، كمعنى حديث محمد بن عمرو بن حَلْحَلة، عنه.
وقوله: (وَفِيهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهِدَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ◌َِّ ... إلخ) يعني أن في
حديث الوليد زيادة: ((أن ابن عبّاس ﴿ّ شَهِد ذلك))، أي الفعل الذي فعله
النبيّ وَّ، من الأكل من تلك الهديّة، ثم قال: ((صَلّى))، ولم يزد قوله: ((بالناس)).
وقال النوويّ كَّلُ - عند قوله: ((وفيه أن ابن عبّاس ◌َّا شَهِد ذلك من

٣٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
النبيّ وَّ)) -: هذا فيه فائدةٌ لطيفةٌ، وذلك أن الرواية الأولى فيها عن ابن
عباس، أن النبيّ وَّ جَمَع ثيابه، وليس فيها أنّ ابن عباس رأى هذه القضية،
فيَحْتَمِل أنه رآها، ويحتمل أنه سمعها من غيره، وعلى تقدير أن يكون سمعها
من غيره، يكون مرسل صحابيّ، وقد مَنَعَ الاحتجاج به الأستاذ أبو إسحاق
الإسفراييني، والصواب قول الجمهور، وهو الاحتجاج به، فلما كانت هذه
الرواية محتملةً هذا الذي ذكرناه، نَبَّهَ مسلم تَخْتُ على ما يزيل هذا كلّه، فقال:
(شَهِدَ ابن عباس ذلك))، والله ◌َ أعلم. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية الوليد بن كثير التي أحالها المصنّف هنا على رواية
محمد بن عمرو بن حَلْحَلة، أخرجها الحافظ أبو نُعيم في ((مستخرجه)) (١/
٣٩٦) فقال :
(٧٩٣) حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو
كريب، ثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، ثنا محمد بن عمرو بن عطاء، قال:
كنت مع ابن عباس في بيت ميمونة، فجعل يتعجب ممن يزعُم أن الوضوء مما
مست النار، ثم قال: لقد رأيتني في هذا البيت عند النبيّ ◌َـ﴿، وقد توضأ
ولبس ثيابه، فجاءه المؤذن، فخرج إلى الصلاة، حتى إذا كان في الحجرة،
خارجاً من البيت، لقيه هديةُ عضوٍ من شاة، فأكل منه لقمةً، أو لقمتين، ثم
صلی ولم يتوضأ. انتهى.
وأخرجه البيهقيّ في ((الكبرى)) مطوّلاً (١٥٣/١) فقال:
(٦٩١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا:
حدثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثيّ، ثنا
أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: كنت مع
ابن عباس في بيت ميمونة، زوج النبيّ وَّ في المسجد، فجعل يَعْجَب ممن
يزعُم أن الوضوء مما مست النار، ويضرب فيه الأمثال، ويقول: إنا نستحمّ
بالماء الْمُسَخَّن ونتوضأ به، ونَدَّهِن بالدهن المطبوخ، وذكر أشياء مما يصيب
الناس، مما قد مست النار، ثم قال: لقد رأيتني في هذا البيت، عند
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٧/٤ - ٤٨.

٣٥١
(٢٣) - بَابُ نَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ - حديث رقم (٨٠٧)
رسول الله وَالر، وقد توضأ ثم لبس ثيابه، فجاءه المؤذن، فخرج إلى الصلاة،
حتى إذا كان في الحجرة، خارجاً من البيت، لقيته هديةُ عضوٍ من شاة، فأكل
منها لقمة أو لقمتين، ثم صلَّى، وما مس ماء. انتهى.
وأخرجه الإمام أحمد تَّتُ في ((مسنده)) من طريق آخر بأتمّ من هذا، فقال:
(٢٢٥٧) حدّثنا يعقوب(١)، حدّثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدّثنا
محمد بن عمرو بن عطاء بن عيّاش بن علقمة، أخو بني عامر بن لؤيّ، قال:
دخلت على ابن عباس بيت ميمونة، زوج النبيّ وَّ لغد يوم الجمعة، قال:
وكانت ميمونة قد أوصت له به، فكان إذا صلَّى الجمعة، بُسِطَ له فيه، ثم
انصرف إليه، فجَلَس فيه للناس، قال: فسأله رجل وأنا أسمع، عن الوضوء مما
مست النار من الطعام؟ قال: فرفع ابن عباس يده إلى عينيه، وقد كُفّ بصره،
فقال: بَصُرَ عيناي هاتان، رأيت رسول الله ◌َّ، توضأ لصلاة الظهر في بعض
حُجَره، ثم دعا بلال إلى الصلاة، فنَهَضَ خارجاً، فلما وَقَفَ على باب
الحجرة، لقيته هديةٌ، من خبزٍ ولحم، بَعَثَ بها إليه بعضُ أصحابه، قال: فرجع
رسول الله وَله بمن معه، ووُضِعَت لَهم في الْحُجْرة، قال: فأكل، وأكلوا معه،
قال: ثم نَهَضَ رسول الله وَّه بمن معه إلى الصلاة، وما مَسَّ، ولا أحد ممن
كان معه ماءً، قال: ثم صلى بهم، وكان ابن عباس إنما عَقَلَ من أمر
رسول الله وَلّ آخره. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢٤) - (بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٠٨] (٣٦٠) - (حَدَّثَنَا(٢) أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ،
(١) هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّةِ: أَنَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ:
((إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأُ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأ)(١)، قَالَ: أَنَوَضَّأُ مِنْ لُحُوَمَ الْإِبِلَ؟ قَالَ:
(نَعَمْ، فَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ))، قَالَ: أُصَلِّ(٢) فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))،
قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِك الْإِبِلِ؟ قَالَ: ((لَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧)، وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، مشهور
بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣ - (عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ(٣)) التيميّ مولاهم المدنيّ الأعرج، وقد
يُنْسَبُ إلى جدّه، ثقةٌ [٤] (ت١٦٠) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١١٤/٤.
٤ - (جَعْفَرُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ) واسم أبيه عكرمة، وقيل: مسلمة، وقيل:
مسلم، الشُّوَائِيّ، أبو ثور الكوفيّ، صدوق (٤) [٣].
رَوَى عن جدّه جابر بن سمرة في الوضوء من لحوم الإبل، وغير ذلك،
وهو جدّه من قَبِل أمه، وقيل: من قِبَل أبيه، ورَوَى عنه أشعث بن أبي الشعثاء،
وسماك بن حرب، وعثمان بن عبد الله بن موهب، ومحمد بن قيس الأَسْديّ.
قال أبو حاتم بن حِبّان: جعفر بن أبي ثور، وهو أبو ثور بن عكرمة،
فمن لم يُحكِم صناعة الحديث تَوَهَّم أنهما رجلان مجهولان، هكذا قال ابن
حبان في ((الثقات))، وقال عبد الله بن علي ابن المدينيّ، عن أبيه: مجهول،
(١) وفي نسخة: ((فلا تتوضّأ)) بتاءين.
(٢) وفي نسخة: ((أَأُصلي)) بهمزتين في الموضعين.
(٣) بفتح الهاء، والميم.
(٤) قال عنه في ((التقريب)): مقبول، والظاهر ما قلته؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن
حبان، وصحح حديثه المصنّف، وابن خزيمة، وابن حبّان، وابن منده، والبيهقيّ،
فلا ريب أنه مشهور؛ فتبصّر، والله تعالى أعلم.

٣٥٣
(٢٤) - بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ - حديث رقم (٨٠٨)
وقال الترمذيّ في ((العلل)): جعفرٌ مشهورٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: هو من
مشايخ الكوفيين الذين اشتَهَرت روايتهم عن جابر، وليس ذكر عكرمة في نسبه
بمحفوظ، وكذا مَن قال: جعفر بن ثور من غير تكنيته، وصحح حديثه في
لحوم الإبل مسلم، وابنُ خزيمة، وابن حبان، وأبو عبد الله بن منده،
والبيهقيّ، وغير واحد، وذكر البخاريّ في ((التاريخ)) الاختلاف في نسبته إلى
جابر بن سمرة، وصَدَّر كلامه بقوله: قال سفيان، وزكرياء، وزائدة، عن
سماك، عن جعفر بن أبي ثور بن جابر، عن جابر بن سمرة، فكأنه عنده
أرجح. قاله في ((تهذيب التهذيب))(١).
تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا
برقم (٣٦٠)، وحديث رقم (١١٢٨).
٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة، ويقال: ابن عمرو بن جُندب بن حُجَير بن
رئاب بن حبيب بن سُواءة بن عامر بن صَعْصَعة السُّوَائيّ، أبو عبد الله، ويقال:
أبو خالد، له ولأبيه صحبة، نَزَل الكوفة، ومات بها، وله عقب بها(٢).
رَوَى عن النبيّ وَ لَّ، وعن أبيه، وخاله سعد بن أبي وقاص، وعمر،
وعليّ، وأبي أيوب، ونافع بن عتبة بن أبي وقاص.
ورَوَى عنه سماك بن حرب، وتميم بن طرفة، وجعفر بن أبي ثور، وأبو
عون الثَّقَفيّ، وعبد الملك بن عُمير، وحُصين بن عبد الرحمن، وأبو إسحاق
السبيعيّ، وجماعة.
قال ابن سعد: تُؤُفّي في خلافة عبد الملك بن مروان، في ولاية بشر بن
مروان، وقال خليفة: مات سنة (٧٣)، وقيل عنه: سنة (٧٦)، وقال ابن
منجويه، وأبو القاسم البغويّ، وابن حبان: مات سنة (٧٤)، قال الحافظ: وهو
أشبه بالصواب؛ لأن بشر بن مروان وَلِيَ الكوفةَ سنة (٧٤) ومات سنة (٧٥)،
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٧٤/٢.
(٢) وضبط العسكريّ في ((التصحيف)) اسم جده زَبّاب، بزاي، وباءين، الأولى مشددة،
وكذا قال ابن ماكولا. قاله في ((تهذيب التهذيب)) ٣٥/٢.

٣٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقد ذكر أكثر المؤرخين أن جابر بن سمرة مات في أيامه. انتهى(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥١) حديثاً.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد
عرفت ما له فيه من الأحاديث، وكذا جعفر بن أبي ثور هذا أول محلّ ذكره،
وليس له فيه إلا حديثان، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ) ﴿َا (أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ: أَتَوَضَّأُ)
بهمزتين، ووقع في ((المشكاة)): ((أنتوضّأ)) بالنون، وقال في ((المرعاة)): بالنون،
وفي بعض النسخ بالياء، وفي بعضها: (أتوضّأ)) بالمتكلّم المفرد، مع حذف
همزة الاستفهام، وهي الصحيحة الموافقة لما في ((صحيح مسلم)). انتهى.
هكذا قال، والنسخ التي بين يديّ من ((صحيح مسلم)): ((أأتوضّأ)) بهمزتين؛
فليُتُنّه، والله تعالى أعلم.
(مِنْ لُحُومِ الْغَنَم؟) أي من أكلها (قَالَ) بَرِ ((إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأُ، وَإِنْ شِئْتَ
فَلَا تَوَضَّأْ)) بحذَفَ إحدَى التاءين، كما قال في ((الخلاصة)):
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدِ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَاكَـتَبَيَّنُ الْعِبَرْ))
وفي بعض النسخ: ((فلا تتوضّأ)) بتاءين، وهو الأصل.
(قَالَ) الرجل (أَتَوَضَّأُ) هكذا النسخ بهمزة واحدة بحذف همزة الاستفهام
(مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ) أي أكلها (قَالَ) بَرِ ((نَعَمْ، فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ))) قال في
((المرعاة)): المراد به الوضوء الشرعي، أي وضوء الصلاة؛ لأن الحقائق
الشرعيّة مقدّمة على غيرها، والحديث نصّ على أن الأكل من لحم الإبل ناقض
للوضوء على كلّ حال، نيّئاً كان أو مطبوخاً، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق بن
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٣٥/٢.

٣٥٥
(٢٤) - بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ - حديث رقم (٨٠٨)
راهويه، وغيرهما، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة الرابعة - إن
شاء الله تعالى -.
وقال القرطبيّ تَخْذَتُهُ: هذا الوضوء المأمور به من لحوم الإبل، المباح من
لحوم الغنم هو اللغويّ، ولذلك فرّق بينهما؛ لما في لحوم الإبل من الزفورة
والزّهم، وعلى تقدير كونه وضوءاً شرعيّاً، فهو منسوخ بما تقدّم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ ما سبق من أنه وضوء شرعيّ، وأنه
واجب من لحوم الإبل، وسيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) الرجل (أُصَلِّي) بحذف همزة الاستفهام، وفي بعض النسخ:
(أَأُصلي)) بهمزتين في الموضعين (فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ) جمع مَرْبِض - بفتح الميم،
وسكون الراء، وكسر الموحّدة، وزانُ مَجْلِس -: ◌َ مأوى الغنم ليلاً، أفاده في
((المصباح))(٢)، وفي ((القاموس)): ((الرَّبَضُ محرَّكةً: مأوى الغنم)) (٣).
(قَالَ) بَرِ (نَعَمْ))) أي صلّ في مرابضِها، وفيه دليلٌ على جواز الصلاة
في مرابضها، وهو الحقّ (قَالَ) الرجل (أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ) جمع مَبْرَك
- بفتح الميم والراء، بينهما موحّدة ساكنة، وزانُ جَعْفَر -: موضع بروكها. أفاده
في ((المصباح)) (٤).
(قَالَ) ◌َِّ (لَا))) أي لا تصلّ فيها، وفيه دليل على تحريم الصلاة في
مبارك الإبل، وهو الحقّ، وفيه خلاف سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﴿ّ هذا من أفراد
المصنّف نَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٨٠٨/٢٤ و٨٠٩] (٣٦٠)،
(١) (المفهم)) ٦٠٥/١.
(٣) راجع: ((القاموس)) ٣٣١/٢.
(٢) ((المصباح)) ٢١٥/١.
(٤) راجع: ((المصباح)) ٤٥/١.

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٥٧/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦/١ -
٤٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٦/٥ و٨٨ و٩٣ و٩٨ و١٠٠ و١٠١ و١٠٢
و١٠٥ و١٠٦ و١٠٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (١١٢٤ و١١٢٧)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١/ ٧٠)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٨٦٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٥٤)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٩٤ و٧٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، وإباحته من أكل
لحم الغنم، والمراد به الوضوء الشرعيّ، لا اللغويّ على الصحيح.
قال الإمام ابن حبّان ◌َظُّ في ((صحيحه)) بعد إخراجه الحديث، ما نصّه:
في سؤال السائل عن الوضوء من لحوم الإبل، وعن الصلاة في أعطانها،
وتفريق النبيّ وَّه بين الجوابين أرى البيان أنه أراد الوضوء المفروض للصلاة،
دون غسل اليدين، ولو كان ذلك غسل اليدين من الغَمَر(١) لاستوى فيه لحوم
الإبل والغنم جميعاً، وقد كان ترك الوضوء مما مسّته النار، وبقي المسلمون
عليه مدّة، ثم نُسخ ذلك، وبقي لحوم الإبل مستثنَى من جملة ما أُبيح بعد
الحظر الذي تقدّم ذكرنا له. انتهى كلام ابن حبّان رَُّ(٢)، وهو حسنٌ جدّاً،
والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان جواز الصلاة في مرابض الغنم مطلقاً، خلافاً لمن
قال: إن الإذن بالصلاة فيها كان قبل أن تبنى المساجد، وفيه نظر؛ إذ لا دليل
على ذلك.
٣ - (ومنها): بيان طهارة أبوال الغنم وأبعارها؛ لأن مرابض الغنم لا
تخلو عن ذلك، وقد أذن الشارع بالصلاة فيها مطلقاً، ليس فيه تخصيص موضع
دون موضع، ولا تقييد بحائل يقي من الأبوال، وهذا هو الحقّ، خلافاً
للحنفيّة، والشافعيّة.
(١) ((الْغَمَرُ)) بالتحريك: ما يَعْلَق باليد من دسم اللحم. اهــ ((القاموس)) ١٠٤/٢.
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ٣/ ٤١٠ - ٤١١.

٣٥٧
(٢٤) - بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ - حديث رقم (٨٠٨)
قال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْتُهُ: إباحة الصلاة في مرابض الغنم دليلٌ
المالك على طهارة فضلة ما يؤكل لحمه؛ لأن مرابضها مواضع رُبُوضها
وإقامتها، ولا يخلو عن أبوالها وأروائها، وأما نهيه وَلّ عن الصلاة في معاطن
الإبل، فليس لنجاسة فضلاتها، بل لأمر آخر، إما لنتن معاطنها، أو لأنها لا
تخلو غالباً عن نجاسة من يستتر بها عند قضاء الحاجة، أو لئلا يتعرّض لنفارها
في صلاته، أو لما جاء أنها خُلقت من الشياطين، وهذه كلّها مما ينبغي
للمصلّي أن يتجنّبها، ومع هذه الاحتمالات لا يصلح هذا الحديث للاستدلال
به على نجاسة فَضَلاتها، وقد أباح النبيّ وَل﴿ للْعُرَنيين شُرب ألبانها وأبوالها،
ولا يُلتَفتُ إلى قول من قال: إن ذلك لموضع الضرورة؛ لأنا لا نسلّمها؛ إذ
الأدوية في ذلك للمرض الذي أصابهم كثيرةٌ، ولو كان ذلك للضرورة
لاستكشف عن حال الضرورة، ولسأل عن أدوية أخرى حتى يتحقّق عدمها،
ولو كانت نجاسةً لكان التداوي بها ممنوعاً أيضاً بالأصالة كالخمر، ألا تراه
لَمّا سئل وَ ﴿ عن التداوي بالخمر؟ قال: ((إنها ليست بدواء، ولكنها داء))، رواه
مسلم، ولم يلتفت إلى الحاجة النادرة التي يباح فيه، كإزالة الْغَصَص بجرعة
منها عند عدم مائع آخر.
وحاصله أن إخراج الأمور عن أصولها، وإلحاقها بالنوادر، لا يلتفت
إليه؛ لأنه خلاف الأصل. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(١) وهو بحثٌ جيّد، والله
تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): بيان النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، وهو للتحريم على
الأصحّ، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوضوء من أكل
لحم الإبل :
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَُّ: ثابت عن رسول الله وَلاول أنه أمر
بالوضوء من لحوم الإبل، ثم أخرج حديث جابر بن سمرة هذا، وحديث
(١) ((المفهم)) ٦٠٥/١ - ٦٠٦.

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
البراء ظه(١)، ثم قال: والوضوء من لحوم الإبل يجب؛ لثبوت هذين
الحدیثین، وجَوْدة إسنادهما .
وقد اختَلَف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة كما قلنا، رَوَينا عن
جابر بن سمرة أنه كان يقول: كنا نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم
الغنم، ورَوَينا عن ابن عمر أنه قال: توضّوا من لحوم الإبل، ولا توضّوا من
لحوم الغنم.
قال: وهذا قول محمد بن إسحاق، صاحب ((المغازي))، وبه قال أحمد،
وإسحاق، وقال أحمد بن حنبل: فيه حديثان صحيحان: حديث البراء، وحديث
جابر بن سمرة، وقال إسحاق: قد صَحّ عن رسول الله وَ لّ ذلك.
وأسقطت طائفة الوضوء من لحوم الإبل، وممن كان لا يرى ذلك واجباً
مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وقد رُوي ذلك
عن سُويد بن غَفَلة، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ورُوي ذلك عن ابن عمر ◌ًّا.
انتهى كلام ابن المنذر تَذَتْهُ(٢).
وقال النوويّ كَّلُ بعد ذكر الاختلافات: وذهب إلى انتقاض الوضوء به:
أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبو بكر بن المنذر،
وابن خزيمة، واختاره الحافظ أبو بكر البيهقيّ، وحُكِي عن أصحاب الحديث
مطلقاً، وحُكِي عن جماعة من الصحابة
ثم قال: وهذا المذهب أقوى دليلاً، وإن كان الجمهور على خلافه، وقد
أجاب الجمهور عن حديث: ((توضّأ من لحوم الإبل)) بحديث جابر: ((كان آخر
الأمرين من رسول الله ◌َ ﴿ تركَ الوضوء مما مست النار))، ولكن هذا الحديث
(١) قال: (٢٩) حدثنا إسحاق، عن عبد الرازق، عن الثوريّ، عن الأعمش، عن
عبد الله - هو ابن عبد الله -، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب،
أن رسول الله ﴿ سُئل: أنصلي في أعطان الإبل؟ قال: ((لا))، قال: أنصلي في
مرابض الغنم؟ قال: ((نعم))، قال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ((لا))، قال:
أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: ((نعم)). انتهى. ((الأوسط)) ١٣٨/١.
(٢) ((الأوسط)) ١٣٨/١ - ١٤٢.

٣٥٩
(٢٤) - بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ - حديث رقم (٨٠٨)
عامّ، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاصّ، والخاصّ مقدَّم على العام.
انتهى كلام النوويّ كَُّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه النوويّ تَخَذَتُ مخالفاً لمذهبه من
وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل هو الحقّ، ولقد أنصف وتَُّهُ، ودافع عن
السنّة، وترك الدفاع عن المذهب، خلاف ما يسلكه عامّة مقلدي المذاهب من
تأويلهم الأحاديث الصحيحة إذا خالفت مذهبهم.
وقال الحافظ في ((التلخيص)): قال البيهقيّ: حَكّى بعض أصحابنا عن
الشافعيّ قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به.
قال البيهقيّ: قد صحّ فيه حديثان: حديث جابر بن سمرة، وحديث
البراء، قاله أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه. انتهى.
وقد ذكر العلامة الموفق ابن قدامة تَخَّهُ في ((المغني)) في هذا البحث
كلاماً حسناً مفيداً، قال: إن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال نَيِّئاً
ومطبوخاً عالِماً كان أو جاهلاً، وبهذا قال جابر بن سمرة، ومحمد بن
إسحاق، وإسحاق، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وهو أحد
قولي الشافعيّ، قال الخطابيّ: ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث.
وقال الثوريّ، ومالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي: لا ينقض الوضوء
بحال؛ لأنه رُوي عن ابن عباس، عن النبيّ وَّر أنه قال: ((الوضوء مما يخرج،
لا مما يدخل))، ورُوي عن جابر قال: ((كان آخر الأمرين، ترك الوضوء مما
مست النار))، رواه أبو داود.
ولنا ما رَوَى البراء بن عازب ◌ًّا قال: سئل رسول الله وَطل عن لحوم
الإبل؟ فقال: ((توضؤوا منها))، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: ((لا يتوضأ منها))،
رواه أبو داود(٢)، وروى جابر بن سمرة عن النبيّ ◌ُّ مثله، أخرجه مسلم.
وروى الإمام أحمد بإسناده، عن أُسيد بن حُضير قال: قال رسول الله وَلَيه :
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٨/٤ - ٤٩.
(٢) حديث صحيح، رواه أبو داود برقم (١٨٤).

٣٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
((توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم))، وروى ابن ماجه،
عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ وَّ مثل ذلك.
قال أحمد، وإسحاق ابن راهويه: فيه حديثان صحيحان عن النبيّ ◌َلين:
حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة.
وحديثهم عن ابن عباس لا أصل له، وإنما هو من قول ابن عباس موقوفاً
عليه، ولو صَحّ لوجب تقديم حديثنا عليه؛ لكونه أصح منه وأخصّ، والخاصّ
يُقَدَّم على العام، وحديث جابر لا يعارض حديثنا أيضاً؛ لصحته وخصوصه.
[فإن قيل]: فحديث جابر متأخر، فيكون ناسخاً.
[قلنا]: لا يصح النسخ به؛ لوجوه أربعة:
[أحدها]: أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل متأخر عن نسخ الوضوء مما
مست النار، أو مقارن له، بدليل أنه قَرَن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنهي
عن الوضوء من لحوم الغنم، وهي مما مست النار.
فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي، وإما أن يكون بشيء قبله، فإن
كان به، فالأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ الوضوء مما غيرت النار،
فكيف يجوز أن يكون منسوخاً به، ومن شرط الناسخ تأخره، وإن كان النسخ
قبله لم يجز أن يُنسخ بما قبله.
[الثاني]: أن أكل لحوم الإبل إنما نقض؛ لكونه من لحوم الإبل، لا
لكونه مما مست النار، ولهذا ينقض وإن كان نِيئاً، فنَسْخُ إحدى الجهتين لا
يثبت به نسخ الجهة الأخرى، كما لو حُرِّمت المرأة للرضاع، ولكونها ربيبةً،
فَنَسُ التحريم بالرضاع، لم يكن نسخاً لتحريم الربيبة.
[الثالث]: أن خبرهم عامّ، وخبرنا خاصّ، والعام لا يُنسَخ به الخاصّ؛
لأن من شرط النسخ تعذر الجمع، والجمع بين العام والخاص ممكن بتنزيل
العام على ما عدا محل التخصيص.
[الرابع]: أن خبرنا صحيح مستفيض، ثبتت له قوّة الصحة والاستفاضة
والخصوص، وخبرهم ضعيف؛ لعدم هذه الوجوه الثلاثة فيه، فلا يجوز أن
یکون ناسخاً له.
[فإن قيل]: الأمر بالوضوء في خبركم يحتمل الاستحباب، فنحمله عليه،