النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
(٢١) - بَابُ بَيَانِ نَسْخِ ((الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ))، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ ... إلخ - حديث رقم (٧٨٩)
قال النوويّ ◌َّتُهُ: معنى الحديث: أن إيجاب الغسل لا يَتَوَقّف على نزول
المنيّ، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة،
وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة، ومن بعدهم،
ثم انعقد الإجماع على ما ذكرناه، وقد تقدم بيان هذا. انتهى.
[تنبيه]: قوله: ((وفي حديث مطر ... )) إلخ، هذا ظاهر في أن هذه الزيادة
لم تقع في رواية قتادة، ولعله لم يقع ذلك للمصنّف تَُّهُ في روايته، وإلا فقد
وقع في رواية قتادة أيضاً، رواه ابن أبي خيثمة في ((تاريخه)) عن عفّان، قال:
حدثنا همام وأبان، قالا: حدثنا قتادة به، وزاد في آخره: ((أَنزَلَ أو لم يُنزل))،
وكذا رواه الدارقطنيّ، وصححه من طريق عليّ بن سهل، عن عفّان، وكذا
ذكرها أبو داود الطيالسيّ، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، قاله في ((الفتح)) (١).
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) أي ابن حرب، شيخه الأول (مِنْ بَيْنِهِمْ) أي من بين
شيوخه الأربعة ((بَيْنَ أَشْعُبِهَا الْأَرْبَع))) يعني أن رواية زُهير بن حرب، عن معاذ بن
هشام بلفظ ((أَشْعُب)) بالهمزة، بدلَ رواية الثلاثة عنه بلفظ ((شُعَب)) بضمّ؛ ففتح،
و((الأَشْعُبُ)) بفتح الهمزة، وضمّ العين، جمع شَعْبٍ، كفلس وأَفْلُس، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٨٩/٢١ و٧٩٠] (٣٤٨)، و(البخاريّ) في
((الغسل)) (٢٩١)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٢١٦)، و(النسائيّ) في ((الطهارة))
(١١٠/١ و١١١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٥٩/١)، و(ابن أبي
شيبة) في ((مصنّفه)) (٨٥/١ -٨٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٤/٢ و٣٩٣
و٥٢٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٩٤/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(٩٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١١٧٤ و١١٧٨ و١١٨٢)، و(الطحاويّ) في
(١) ١/ ٤٧١.

٢٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
(شرح معاني الآثار)) (٥٦/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٣/١) وفي
((المعرفة)) (٤١٧/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٤٢)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٨٢٣ و٨٢٤ و٨٢٥ و٨٢٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٧٨
و٧٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نسخ مفهوم حديث أبي سعيد الخدريّ ظُّه الماضي:
((إنما الماء من الماء))، ودليل النسخ ما رواه الإمام أحمد كَّتُهُ في ((مسنده)) عن
أبي بن كعب ◌َّهِ: ((أن الفُتيا التي كانوا يقولون: ((الماء من الماء)) رخصةٌ،
كان رسول الله وَل﴿ رَخَّص بها في أول الإسلام، ثم أَمَرَنا بالاغتسال بعدها))،
وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، وقال الإسماعيليّ: إنه صحيح على شرط
البخاريّ، وهو صريح في النسخ، وتؤيّده الآية الكريمة: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًّا
فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦]، قال الشافعيّ كَّتُهُ: الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع،
ولو لم يحصل إنزال.
٢ - (منها): أن المراد بالجهد هنا الكدّ بحركته، ولا يكون ذلك إلا مع
الإيلاج، ويفسّره رواية أبي داود: ((إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان
بالختان، فقد وجب الغسل)، وهو حديث صحيح.
٣ - (ومنها): أن فيه جواز الجماع على هذه الكيفية، وإن كان غيرها من
الإقبال والإدبار، وعلى الشق جائزاً، ما كان في مكان الحرث، وهو القبل؛
لإطلاق الآية: ﴿فَأَتُواْ حَرْفَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
٤ - (ومنها): استحباب الكناية فيما يُستقبح التصريح بذكره، كالجماع.
٥ - (ومنها): ما قاله ابن الملقّن ◌َّتُهُ: إن قوله وَلّ: ((فقد وجب الغسل))
فيه دلالة على أنه ليس على الفور، وهو إجماع، قال: ثم اعلم أن الأحكام
المتعلّقة كلّها من وجوب الغسل، والمهر، وغيرهما متعلّقة بتغييب الحشفة
بالاتّفاق، ولا يُشترط تغييب جميع الذكر، قال: ومسائل تغييب الحشفة كثيرة
جدّاً، أوصلها الجوينيّ إلى ستّين، وغيره إلى نيّف وسبعين، وبعض المالكيّة
إلى نيّف وثمانين، وقال ابن أبي جمرة رَّتُهُ: إنها أصل لألف مسألة، وقد

٢٨٣
(٢١) - بَابُ بَيَانِ نَسْخِ ((الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ))، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ ... إلخ - حديث رقم (٧٨٩)
جمعت منها ما تيسّر من ذلك في أوراق مفردة، ولله الحمد. انتهى (١).
٦ - (ومنها): أن نفس الإيلاج موجب للغسل، وإن لم يحصل إنزال،
قال ابن الملقّن تَخْتُهُ: إن إيجاب الغسل لا يتوقّف على إنزال المنيّ، بل متى
غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، ولهذا جاء في
الرواية الأخرى: ((وإن لم يُنزل))، فيكون قوله: ((إذا جلس)) خرج مخرج
الغالب، لا أن الجلوس بين شُعبها وجهدها شرط لوجوب الغسل، وهذا لا
خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة؛ كعثمان، وأُبيّ، ومن
بعدهم؛ كالأعمش، وداود، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرنا.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ثم انعقد الإجماع ... )) إلخ فيه نظرٌ لا يخفى؛
إذ الخلاف لا زال قائماً على ما ستعرفه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
وقال الشيخ ابن دقيق العيد تَّتُهُ: خالف بعض الظاهريّة داودَ، ووافق
الجماعة، ومستند داود: ((إنما الماء من الماء))، وقد جاء في الحديث: ((إنما
الماء من الماء)) كان رخصة في أول الإسلام، ثم نُسخ، رواه الترمذيّ،
وصححه(٢)، فزال ما استندوا إليه.
وقال النوويّ نَّتُهُ - بعد ذكر نحو ما تقدّم -: قال أصحابنا: ولو غَيَّب
الحشفة وجب الغسل، سواء كان المولَج فيه حيّاً أو ميتاً صغيراً أو كبيراً،
وسواء كان ذلك عن قصد، أم عن نسيان، وسواء كان مختاراً، أو مكرهاً، أو
استدخَلَت المرأة ذكره، وهو نائم، وسواء انتشَرَ الذكر أم لا، وسواء كان
مختوناً، أم أغلف، فيجب الغسل في كل هذه الصور على الفاعل والمفعول
به، إلا إذا كان الفاعل أو المفعول به صبيّاً أو صبيّةً، فإنه لا يقال: وجب عليه
لأنه ليس مكلفاً، ولكن يقال: صار جُنُباً، فإن كان مميزاً وجب على الوليّ أن
يأمره بالغسل، كما يأمره بالوضوء، فإن صلّى من غير غسل لم تصح صلاته،
وإن لم يغتسل حتى بَلَغ وجب عليه الغسل، وإن اغتسل في الصبا، ثم بلغ لم
يلزمه إعادة الغسل.
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢/ ٩٢.
(٢) الترمذيّ (١٨٥/١)، وابن حبّان رقم (١١٧٠ و١١٧٦)، وابن خزيمة (١١٢/١).

٢٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال: والاعتبار في الجماع بتغييب الحشفة من صحيح الذكر بالاتفاق،
فإذا غَيَّبها بكمالها تعلقت به جميع الأحكام، ولا يشترط تغييب جميع الذكر
بالاتفاق، ولو غيب بعض الحشفة، لا يتعلق به شيء من الأحكام بالاتفاق،
إلا وجهاً شاذاً ذكره بعض أصحابنا أن حكمه حكم جميعها، وهذا الوجه غلطٌ
منكرٌ متروٌ.
وأما إذا كان الذكر مقطوعاً، فإن بقي منه دون الحشفة، لم يتعلق به شيء
من الأحكام، وإن كان الباقي قدر الحشفة فحسب، تعلقت الأحكام بتغييبه
بكماله، وإن كان زائداً على قدر الحشفة، ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا،
أصحهما أن الأحكام تتعلق بقدر الحشفة منه، والثاني لا يتعلق شيء من
الأحكام إلا بتغييب جميع الباقي.
ولو لَفّ على ذكره خرقة، وأولجه في فرج امرأة ففيه ثلاثه أوجه
لاصحابنا: الصحيح منها والمشهور، أنه يجب عليهما الغسل، والثاني:
لا يجب؛ لأنه أولج في خرقة. والثالث: إن كانت الخرقة غليظة تمنع وصول
اللذة والرطوبة، لم يجب الغسل، وإلا وجب.
ولو استدخَلت المرأة ذكر بهيمة، وجب عليها الغسل، ولو استدخَلت
ذكراً مقطوعاً، فوجهان، أصحهما يجب عليها الغسل. انتهى كلام النووي
ببعض اختصار(١).
[تنبيه]: قال ابن العربيّ: قد رَوى جماعة من الصحابة المنع، ثم
رجعوا، حتى رُوي عن عمر أنه قال: من خالف في ذلك جعلته نكالاً، وانعقد
الإجماع على ذلك(٢)، ولا يُعبأ بخلاف داود في ذلك، فإنه لولا خلافه ما
عُرِف(٣)، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاريّ في ذلك، وحكمه بأن الغسل
(١) ((شرح النوويّ)) ٤/ ٤١.
(٢) هذا غير صحيح، فلا زال الخلاف قائماً، كما ستعرفه.
(٣) هذا مما لا يليق بمثل ابن العربيّ من الحط على داود، فإن داود تَُّ إمام من
الأئمة المعتبرين، وبالجملة فإنه لا يكون دونك يا ابن العربي، قاتل الله التعصب،
إنا لله وإنا إليه راجعون.

٢٨٥
(٢١) - بَابُ بَيَانِ نَسْخِ ((الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ))، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ ... إلخ - حديث رقم (٧٨٩)
أحوط، وهو أحد علماء الدين، والعجب أنه يساوي بين حديث عائشة في
وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وبين حديث عثمان، وأبيّ في نفي الغسل إلا
بالإنزال، وحديث عثمان ضعيف؛ لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان المعَلِّم،
يرويه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد،
والحسين لم يسمعه من يحيى، وإنما نقله له، بـ ((قال يحيى))، ولذلك أدخله
البخاريّ عنه بصيغة المقطوع، وهذه علّة، وقد خولف حسين فيه عن يحيى،
فرواه عنه غيره موقوفاً على عثمان، ولم يذكر فيه النبيّ وَّر، وهذه علّة ثانية،
وقد خولف فيه أيضاً أبو سلمة، فرواه زيد بن أسلم، عن عطاء، عن زيد بن
خالد، أنه سأل خمسة أو أربعة من الصحابة، فأمروه بذلك، ولم يرفعه، وهذه
علّة ثالثة، وكم من حديث ترك البخاريّ إدخاله بواحدة من هذه العلل الثلاث،
فكيف بالحديث إذا اجتمعت فيه، وحديث أُبيّ أيضاً يصعُب التعلّق به؛ لأنه قد
صحّ رجوعه عما رَوَى لَمّا سَمِعَ، وعَلِمَ مما كان أقوى منه.
ويحتمل قول البخاريّ: الغسل أحوط؛ يعني في الدين، وهو باب مشهور
في أصول الفقه، وهو أشبه بإمامة الرجل وعلمه(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا تجرّأ ابن العربيّ بالحكم على حديثٍ اتّفق
الشيخان على تصحيحه، وتخريجه في ((صحيحيهما))، سبحان الله إن هذا لهو
العجب العُجَاب !!!.
قال ابن الملقّن ◌َّهُ بعد سوق كلام ابن العربيّ هذا، ما نصّه: قد أخرج
البخاريّ حديث عثمان من غير طريق الحسين بن ذكوان، رواه عن سعد بن
حفص، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عطاء، عن زيد بن خالد،
عن عثمان مرفوعاً، وقال الدارقطنيّ: حدّث به عن يحيى حسينٌ المعلِّم،
وشیبان، وهو صحيح عنهما .
(١) قال الحافظ تخلَثُ بعد نقل كلام ابن العربيّ هذا، ما نصّه: قلت: وهذا هو الظاهر
من تصرفه، فإنه لم يترجم بجواز ترك الغسل، وإنما ترجم ببعض ما يُستفاد من
الحديث من غير هذه المسألة، كما استَدَلّ به على إيجاب الوضوء فيما تقدم.
انتهى. ((الفتح)) ٤٧٤/١.

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
ورواه ابن شاهين من حديث معاوية بن سلّام، عن يحيى به، والحسين بن
ذكوان ثقةٌ مشهورٌ، أخرج له السّة، وأما العُقيليّ، فضعّفه بلا حجّة.
وقوله: إن البخاريّ رواه بصيغة المقطوع؛ فيه نظرٌ، بل ذكره في موضع
الاحتجاج به، وقد أخرجه مسلم بصيغة ((عن يحيى)) بدل ((قال يحيى))، وقال
ابن طاهر: سمع الحسين بن ذكوان من يحيى، وقد رواه مصرّحاً بالسماع من
يحيى ابنُ خُزيمة في (صحيحه))، والبيهقيّ في ((سننه))، وغيرُهما، فلله الحمد.
وقوله: إن أبا سلمة خالفه زيد بن أسلم، لا يضرّه؛ لأن أبا سلمة إمام
حافظٌ، وقد زاد فيُقبل، ولأن الراوي قد ينشَطُ، فَيَرفَع الحكم. انتهى كلام ابن
الملقّن ◌َظَتُهُ(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد ابن الملقّن رَّتُهُ، في ردّه على اجتراء
ابن العربيّ بتضعيف حديثٍ اتّفَقَ الشيخان على تصحيحه، وجنى عليهما بالحظّ
عن مقدارهما، بكونهما لم يَعْلَما ثلاث علل في الحديث اطّلع عليها ابن العربيّ
بمهارته، وبُعْد نظره، وهيهات هيهات أن يكون هذا.
وبالجملة فحديث عثمان رظته صحيح، وقد تقدّم البحث عنه بأتمّ مما هنا
عند شرحه، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الجماع دون إنزال
المنيّ:
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى إيجاب الغسل
بالإيلاج، وإن لم يُنزل، وبه قال الخلفاء الأربعة، والأئمة الأربعة، وقد اذَّعَى
بعضهم انعقاد إجماع الصحابة والتابعين عليه، وليس كذلك، بل الخلاف
موجود، كما سنحقّقه.
وذهب بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى عدم الإيجاب إلا
بالإنزال.
وممن رُوي عنه ذلك عثمان بن عفّان، وعليّ بن أبي طالب، والزبير بن
العوّام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقّاص، وابن مسعود، ورافع بن
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٨٩/٢ - ٩٢.

٢٨٧
(٢١) - بَابُ بَيَانِ نَسْخِ ((الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ))، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ ... إلخ - حديث رقم (٧٨٩)
خَدِيج، وأبو سعيد الْخُدريّ، وأبيّ بن كعب، وأبو أيوب الأنصاريّ، وابن
عبّاس، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وجمهور الأنصار ية، وهو قول
عطاء بن أبي رباح، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهشام بن عروة،
والأعمش، وبعض أهل الظاهر، قاله ابن حزم تظُّهُ(١).
وقال النوويّ ◌َّتُ - بعد ذكر بعض من ذكرهم ابن حزم -: ثم منهم من
رجع عنه إلى موافقة الجمهور، ومنهم من لم يرجع. انتهى(٢).
قال الحافظ تَُّ - بعد ذكر نفي ابن العربيّ الماضي - ما نصّه: وأما نفي
ابن العربيّ الخلاف، فمعتَرَض، فإنه مشهور بين الصحابة، ثبت عن جماعة
منهم، لكن ادَّعَى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين التابعين، وهو معتَرَضٌ
أيضاً، فقد قال الخطابيّ: إنه قال به من الصحابة جماعةٌ، فسَمّى بعضهم،
قال: ومن التابعين: الأعمش، وتبعه عياض، لكن قال: لم يقل به أحد بعد
الصحابة غيره، وهو معترضٌ أيضاً، فقد ثَبَت ذلك عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، وهو في ((سنن أبي داود)) بإسناد صحيح، وعن هشام بن عروة،
عند عبد الرزاق، بإسناد صحيح، وقال عبد الرزاق أيضاً: عن ابن جريج، عن
عطاء، أنه قال: لا تطيب نفسي إذا لم أُنزل حتى أغتسل، من أجل اختلاف
الناس؛ لأخذنا بالعروة الوثقى، وقال الشافعيّ في ((اختلاف الحديث)): حديث:
((الماء من الماء)) ثابتٌ، لكنه منسوخ .. إلى أن قال: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا
- يعني: من الحجازيين - فقالوا: لا يجب الغسل حتى يُنزل. انتهى.
فَعُرِف بهذا أن الخلاف كان مشهوراً بين التابعين، ومن بعدهم، لكن
الجمهور على إيجاب الغسل، وهو الصواب. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن دعوى الإجماع على وجوب
الغسل بالإيلاج دون الإنزال غير صحيحة، بل الخلاف في ذلك لا زال قائماً
بين الصحابة فمن بعدهم، وإن كان الجمهور على الإيجاب، وهو الحقّ؛
لوضوح أدلّته على ما نوضّحه الآن، فنقول:
(١) راجع: ((المحلَّى)) ٤/٢.
(٣) (الفتح)) ٤٧٤/١.
(٢) راجع: ((المجموع)) ١٣٦/٢.

٢٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
احتجّ القائلون بعدم وجوب الغسل إلا بالإنزال بما رواه الشيخان عن
زيد بن خالد الجهنيّ، أنه سأل عثمان بن عفان، فقال: أرأيت إذا جامع الرجل
امرأته، فلم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال
عثمان: سمعته من رسول الله، فسألت عن ذلك عليّ بن أبي طالب، والزبير بن
العوّام، وطلحة بن عبيد الله، وأُبَيّ بن كعب ظه، فأمروه بذلك.
وما أخرجاه عن أبي سلمة، أن عروة بن الزبير، أخبره أن أبا أيوب
أخبره، أنه سمع ذلك من رسول الله وَ له .
وما أخرجاه عن أبي أيوب الأنصاريّ، قال: أخبرني أُبَيّ بن كعب أنه
قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة، فلم يُنزِل؟ قال: ((يغسل ما مس
المرأة منه، ثم يتوضأ، ويصلي)).
وما أخرجاه من حديث أبي سعيد الخدريّ، في قصّة عتبان بن مالك
رضىعنه .
وما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه، عن رسول الله وَل قال:
((إنما الماء من الماء)).
وغير ذلك من الأحاديث بهذا المعنى.
واحتجّ الجمهور القائلون بالوجوب وإن لم يُنزل بحديث أبي هريرة
وعائشة حيًّا المذكور في الباب: ((إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد
وجب الغسل، وإن لم يُنزل)).
قالوا: حديث: ((الماء من الماء)) منسوخ بهذه الأحاديث.
[فإن قلت]: ليس فيها دليل على النسخ؛ لعدم التعرُّض إلى شيء من
التاريخ.
[قلت]: قد جاء ما يدلّ على النسخ صريحاً، وهو ما رواه أبو داود في
(سننه)) بسند صحيح، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد نظرابه قال: حدثني
أبيّ بن كعب: أن الفُتيا التي كانوا يُفتون: ((إن الماء من الماء)) كانت رخصةً
رَخَّصها رسول الله وََّ في بدء الإسلام، ثم أَمَرنا بالاغتسال بعدُ. وأخرجه ابن
ماجه، والترمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح، وقال ابن عبد البر في
((الاستذكار)): هو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له.

٢٨٩
(٢١) - بَابُ بَيَانِ نَسْخِ ((الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ ... إلخ - حديث رقم (٧٨٩)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه
الجمهور من وجوب الاغتسال من التقاء الختانين، وإن لم يوجد الإنزال؛
لوضوح نسخ حديث: ((إنما الماء من الماء)» بحديث أبي هريرة، وعائشة
المذكورين في الباب، وعلى فرض عدم تأخّر تاريخهما لم ينتهض حديث:
((الماء من الماء)) لمعارضتهما؛ لأنه مفهوم، وهما منطوقان، والمنطوق أرجح
من المفهوم، كما قاله الشوكانيّ كَُّهُ، وقد أشبعت الكلام في هذا البحث في
((شرح النسائيّ))، فراجعه تزدد علماً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٧٩٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
أَبِي عَدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ
شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: (ثُمَّ اجْتَهَدَ))، وَلَمْ
يَقُلْ: ((وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةً) بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو جعفر
البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٣٤) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٨/٦٣.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه،
أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٣ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم بن زيد الأزديّ، أبو عبد الله البصريّ،
ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٥/٥٠.
وابن المثنى، وقتادة تقدّما في السند الماضي، وشعبة تقدّم في الباب
الماضي .
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لمحمد بن أبي عديّ، ووهب بن
جرير.

٢٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) الإشارة إلى الإسناد الماضي، وهو: عن قتادة،
عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة څته.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ... إلخ) أشار به إلى أن حديث شعبة،
وإن كان مثل هشام الدستوائيّ، أنه خالفه في قوله: ((ثم جهدها))، فإنه قال:
(ثم اجتهد)».
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: ((وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ))) فيه إشكال؛ لأنه يقتضي أن هشاماً
قاله، وقد تقدّم أن المصنّف نصّ على أنه لم يقع في رواية قتادة: ((وإن لم
يُنزل))، وإنما هو في رواية مطر فقط، مع أن غيره أثبته في رواية قتادة أيضاً،
كما أسلفناه.
ويَحْتمل أن يجاب بأنه إنما ذكره من باب التأكيد، لا من باب بيان
الخلاف بينهما، ولا يخفى ما فيه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية شعبة هذه أخرجها أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٣٩١/١)
فقال :
(٧٧٩) وحدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى، ثنا
عمرو بن عليّ، وأبو موسى قالا: ثنا وهب بن جرير، قال: وثنا يحيى بن
حكيم، ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن قتادة (ح) وحدثنا أبو عمرو بن
حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن المثنى، ثنا وهب بن جرير، ثنا
شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَل
قال: ((إذا قَعَدَ بين شُعَبها الأربع، ثم اجتهد، فقد وجب الغسل)). انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تكَُّ المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٧٩١] (٣٤٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ
الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي
مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، وَهَذَا حَدِيثُهُ،
حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي

٢٩١
(٢١) - بَابُ بَيَانِ نَسْخِ ((الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ))، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ ... إلخ - حديث رقم (٧٩٠)
مُوسَى، قَالَ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّونَ:
لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّ مِنَ الدَّفْقِ، أَوْ مِنَ الْمَاءِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ(١) إِذَا خَالَطَ
فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَنَا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ
عَلَى عَائِشَةَ، فَأُذِنَ لِي، فَقُلْتُ لَهَا: بَا أُمَّاهْ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ
أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ، وَإِنِّي أَسْتَحْبِيِكِ(٢)، فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحْيِيٍ (٣) أَنْ تَسْأَلَنِ عَمَّا كُنْتَ
سَائِلاً عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ، قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ قَالَتْ:
عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، وَمَسَّ
الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبله.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ) هو: محمد بن عبد الله بن الْمُثَنَّى بن
عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاريّ، أبو عبد الله البصريّ القاضي، ثقة [٩].
رَوَى عن أبيه، وسليمان التيميّ، وحميد الطويل، وابن عون، وابن
جريج، وحبيب بن الشهيد، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام بن حسان،
وغیرهم.
ورَوى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون عن عليّ ابن المدينيّ، وأحمد بن
حنبل، ويحيى بن جعفر البِيكَنديّ، وخليفة بن خياط، وقتيبة بن سعيد، وأبي
موسى محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار بندار، وإبراهيم بن المستمِرّ
الْعُرُوقِيّ، وأبي الأزهر، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، ومحمد بن إسماعيل
ابن علية، وأبي حاتم الرازيّ، وغيرهم.
قال الأحوص بن المفضَّل بن غسان الغلابيّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال
أبو حاتم: صدوق، وقال مرّةً: لم أر من الأئمة إلا ثلاثة: أحمد بن حنبل،
وسليمان بن داود الهاشميّ، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وقال أبو داود:
(١) وفي نسخة: ((بَلَى)).
(٢) وفي نسخة: ((أستحيي منك)).
(٣) وفي نسخة: ((لا تستحي)) بياء واحدة.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
تغيَّر تغيراً شديداً، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال زكريا الساجيّ: رجل جليل عالم، لم يكن عندهم من فرسان الحديث،
مثل يحيى القطان ونظرائه، غَلَب عليه الرأي، قال: وحُدِّثت عن ابن معين
قال: كان محمد بن عبد الله الأنصاري يَلِيق به القضاء، فقيل له: يا أبا زكريا
فالحديث؟ قال: للحديث رجال، وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي، وأبو
خيثمة: أنكر معاذ بن معاذ ويحيى بن سعيد حديثَ الأنصاريّ، عن حبيب بن
الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس: ((احتجم النبيّ ◌َّ، وهو محرم
صائم))، وقال الأثرم، عن أحمد: ما كان يصنع الأنصاريّ عند أصحاب
الحديث، إلا النظر في الرأي، وأما السماع فقد سَمِع، قال: وقد سمعت أبا
عبد الله ذكر الحديث الذي رواه الأنصاريّ، عن حبيب بن الشهيد، فضغَّفه،
وقال: كانت ذهبت للأنصاريّ كتبٌ، فكان بعدُ يحدِّث من كتب غلامه أبي
حكيم، أُراه قال: فكان هذا من ذلك، وقال يعقوب بن سفيان: سئل عليّ ابن
المدينيّ عن حديث الأنصاريّ، عن حبيب بن الشهيد، قال: ليس من ذلك
شيء، إنما أراد حديث حبيب، عن ميمون، عن يزيد بن الأصمّ: تزوج
النبيّ وَل﴿ ميمونة محرماً، قال الخطيب: كان الأنصاريّ قد جالس في الفقه
سَوّار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن العنبريّ، وعثمان الْبَنِّيَّ، وولِيَ قضاء
البصرة أيام الرشيد، بعد معاذ بن معاذ، ومات بالبصرة، قال يعقوب بن
سفيان: سنة (٢١٤) مات الأنصاريّ، قال: وسمعته سنة اثنتي عشرة ومائتين،
يقول: قد أشرفت على أربع وتسعين سنة.
وقال الخطيب: وَهِمَ يعقوب في تاريخ وفاته، ثم رَوَى بإسناده عن أبي
موسى، محمد بن المثنى، قال: مات سنة خمس عشرة، وفيها أَرَّخه
إسماعيل بن إسحاق القاضي، زاد ابن سعد: لم يزل الأنصاريّ بالبصرة يُحَدِّث
إلى أن مات بها في رجب سنة خمس عشرة ومائتين، قال ابن سعد: وكان
صدوقاً، وأرَّخه عمرو بن عليّ سنة ثمان عشرة ومائتين، وقال معاذ: ما رأيته
عند الأشعث قط، وذكر عُمَر بن شَبّة في ((أخبار البصرة)) أنه ذُكِر للقضاء أيام
المهديّ سنة ست وستين ومائة، فقال عثمان بن الربيع الثقفيّ للفضل بن
الربيع: إنه فقيهٌ وعفيفٌ، ولكنه يأتم بقول أبي حنيفة، ولنا في مصرنا أحكام

٢٩٣
(٢١) - بَابُ بَيَانِ نَسْخِ ((الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ))، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ ... إلخ - حديث رقم (٧٩١)
تخالفه، فلا يُصلحنا إلا مَن أجاز أحكامنا، فتركوا ولايته إذ ذاك، وقال
الساجيّ: سمعت محمد بن المثنى يقول: سمعت الأنصاريّ يقول: من زعم
من أصحاب أشعث، ممن كان يلزمه أنه كان لا يراني إلى جنبه، فهو من
الكاذبين، كأنه يُعَرِّض بمعاذ بن معاذ، وعلى هذا فقد تعارضا، فتساقطا، قال:
وسمعت بشر بن آدم ابن بنت أزهر يقول: سمعت الأنصاريّ يقول: قد وُلِّيتُ
القضاء مرتين، والله ما حكمت بالرأي، ولقد بعت مُدَبَّراً، قال: وسمعت
محمد بن عبد الله الزياديّ يقول: سألت الأنصاريّ عن شيء قَضَى به علينا
معاذ بن معاذ، فأفتى بخلافه، فلما وُلِّي القضاء قَضَى في تلك المسألة بما
قَضَى به معاذ، فسألته، فقال: كنت أنظر في كتب أبي حنيفة، فإذا جاء دخول
الجنة والنار، لم نجد القول إلا ما قال معاذ.
أخرج له الجماعة، وليس له عند المصنّف في الكتاب إلا هذا الحديث
فقط .
٣ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
٤ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من
أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٥ - (حُمَيد بن هلال) بن هُبَيرة، ويقال: ابن سُويد بن هُبيرة الْعَدَويّ، أبو
نصر البصريّ، ثقة عالم [٣].
رَوَى عن عبد الله بن مُغَفّل، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وأنس، وهشام بن
عامر الأنصاري، وابنه سعد بن هشام، وعبد الله بن الصامت، وأبي بُرْدة بن
أبي موسى الأشعريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أيوب السختياني، وعاصم الأحول، وحجاج بن أبي عثمان،
وحبيب بن الشهيد، وقتادة، وسليمان بن المغيرة، وهشام بن حسّان، وغيرهم.
قال القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: لأنه
دخل في عمل السلطان، وكان في الحديث ثقة. وقال ابن معين والنسائي:
ثقة. وقال أبو هلال الراسبي: ما كان بالبصرة أعلم منه. وقال ابن عديّ: له
أحاديث كثيرة، وقد حَدّث عنه الأئمة، وأحاديثه مستقيمة. وقال ابن سعد: كان

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال البزار في ((مسنده)): لم يسمع من أبي
ذرّ. وقال أبو حاتم: لم يَلْقَ هشام بن عامر، والحفاظ لا يُدخلون بينهما
أحداً، حماد بن زيد وغيره، وهو الأصح. وقال ابن المديني: لم يَلْقَ عندي
أبا رفاعة العدوي. ووَثّقه العجلي، وفي أحاديث القهقهة من ((السنن)) للدار قطني
من طريق وهيب عن ابن عون عن ابن سيرين قال: كان أربعة يُصَدِّقُون مَنْ
حدَّثهم، ولا يبالون ممن يسمعون: الحسن، وأبو العالية، وحُميد بن هلال،
ولم يذكر الرابع، وفي بعض النسخ منه: وداود بن أبي هند.
قال ابن سعد: مات في ولاية خالد على العراق.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً.
٦ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل:
الحارث، ثقة [٣] (١٠٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
٧ - (أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حضّار الصحابيّ
المشهور، مات رُه سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦.
٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿يّا، (ت ٥٧) (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة))
جـ١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه إسنادان فرّق بينهما
بالتحويل، ويجتمعان في هشام بن حسّان، وإنما فرّق بينهما؛ لاختلاف صيغ
الأداء؛ ففي رواية محمد بن عبد الله الأنصاريّ، قال هشام بن حسّان: ((حدّثنا
حُميد بن هلال، عن أبي بُردة، عن أبي موسى))، فصرّح بتحديث حميد له،
ولم يشك، وفي رواية عبد الأعلى، قال: ((عن حميد بن هلال، قال: ولا
أعلمه إلا عن أبي بُردة ... إلخ))، فشكّ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه هو أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم
أصحاب الأصول بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وأبو موسى وظيفته، كان والياً على

٢٩٥
(٢١) - بَابُ بَيَانِ نَسْخِ ((الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»، وَوُجُوبٍ الْغُسْلِ ... إلخ - حديث رقم (٧٩١)
البصرة، زمن عمر نظُبه، فؤُلد له أبو بُردة هناك، ثم تولى إمرة الكوفة، وكذلك
أبو بُردة كان قاضياً على الكوفة بعد شُريح، فهما بصريّان كوفیّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهرا بالكنية، أما أبو بردة، فقد اختلف في
اسمه، فقيل: اسمه كنيته، وقيل: عامر، وقيل: الحارث، كما أسلفته آنفاً، وأما
أبو موسى ربه، فلم يُختَلف في اسمه عبد الله بن قيس ظُه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ هِلَالٍ) تَذَثُ (قَالَ) الظاهر أن الضمير لحميد (وَلَا أَعْلَمُهُ)
أي لا أعتقد هذا الحديث (إِلَّا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) أي إلا كوني سمعته منه، ويحتمل
أن يكون لهشام، أي قال هشام: لا أعلم حميداً حدّثني بهذا الحديث إلا عن
أبي بردة.
[فإن قلت]: فيه شكّ، فكيف أخرجه المصنّف تَخْذَّتُهُ؟.
[قلت]: الشكّ في هذا الطريق لا يضرّ؛ لأنه قد جزم في رواية محمد بن
عبد الله الأنصاريّ، فالظاهر أنه حدّث به هشاماً مرّتين، مرّة، وقد شكّ فيه،
ومرّة قد تحقّق عنده سماعه منه فجزم، ولذا استجاز المصنّف إخراجه ترجيحاً
لحالة الجزم؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي مُوسَى) متعلّق بحال مقدّر؛ أي حال كون أبي بردة راوياً عن
أبيه أبي موسى الأشعريّ ◌َُّه (قَالَ) أبو موسى ◌َظُّه (اخْتَلَفَ) بالبناء للفاعل
(فِي ذَلِكَ) الإشارة إلى حكم الجماع دون إنزال المنيّ (رَهْطٌ) بالرفع على
الفاعليّة لـ ((اختَلَف))، وقد تقدّم ((الرهط)) بسكون الهاء أفصح من فتحها، وهم:
ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وقيل غير ذلك في معناه (١)، (مِنَ
الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) ﴿، (فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّونَ) جمع أنصاريّ، نسبة إلى
الأنصار، وإن كان جمعاً؛ لكونه جرى مجرى العلم، كما أشار إليه ابن
مالك كَّتُ في )) الخلاصة))، حيث قال:
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٤١/١ - ٢٤٢.

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجَمْعِ إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِداً بِالْوَضْعِ
وفي رواية أبي نعيم: ((عن أبي موسى: قال: كنت في بيت، فذكروا ما
يوجب الغسل))، وفي رواية أبي عوانة: ((عن أبي موسى: قال: كنّا جلوساً،
فذكروا ما يوجب الغسل، فقال من حضر من المهاجرين: إذا مسّ الختان
الختان، أو خالط الختان الختان، فقد وجب الغسل، وقال من حضر من
الأنصار: لا حتى يَدْفُق، فقال أبو موسى: أنا آتيكم بالخبر، فقام إلى عائشة،
فسلّم ... )) الحديث.
(لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها (يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنَ الدَّفْقِ) بفتح
الدال المهملة، وسكون الفاء: أي خروج المنيّ بشدّة، وقال أبو نعيم: الدَّفْعُ:
الصبّ. انتهى. يقال: دَفَقَ الماءُ دَفْقاً، من باب نصر (١): انصبّ بشدّة، ودفقتُهُ
أنا، يتعدّى ولا يتعدّى، فهو دافقٌ ومدفوقٌ، وأنكر الأصمعيّ استعماله لازماً،
قال: وأما قوله تعالى: ﴿مِن مَّلِ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] فهو على أسلوبٍ لأهل
الحجاز، وهو أنهم يُحَوِّلون المفعول فاعلاً إذا كان في محلّ نَعْتٍ، والمعنى:
من ماء مدفوقٍ، وقال ابن الْقُوطيّة(٢) ما يوافقه: سِرٌّ كاتم؛ أي مكتوم،
وعارف: أي معروفٌ، ودافقٌ: أي مدفوقٌ، وعاصم: أي معصومٌ، وقال
الزجّاج: المعنى: من ماء ذي دَفْقٍ. ذكره الفيّوميّ تَخْذُ(٣).
وقال المجد دَخْذُهُ: دَفَقَه يَدْفُقُهُ - أي بالضمّ - ويَدْفِقُهُ - أي بالكسر -:
صبّهُ، وهو ماءٌ دافقٌ: أي مدفوقٌ؛ لأن دَفَقَ متعدٍّ عند الجمهور. انتهى (٤).
ثم يحتمل أن يكون المراد بقوله: ((من الدَّفق)) المعنى المصدريّ؛ أي من
إخراج المنيّ، إن كان من المتعدّي، أو خروجه إن كان من اللازم، و((من)) في
الموضعين سببيّة .
(١) هكذا في ((المصباح))، لكن في ((القاموس)) ما يفيد أنه من بابي نصر، وضرب؛
فتنبه .
(٢) الظاهر أن ((قال)) هنا بمعنى ذكر؛ أي ذكر ابن القوطيّة ما يوافق ما قاله الأصمعي،
فقال: يقال: سرّ كاتم ... إلخ.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١٩٧.
(٤) ((القاموس المحيط)) ٢٣١/٣.

٢٩٧
(٢١) - بَابُ بَيّانِ نَسْخِ ((الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ ... إلخ - حديث رقم (٧٩١)
(أَوْ مِنَ الْمَاءِ) ((أو)) للشكّ من أحد الرواة في أيّ اللفظين وقع عند
الاختلاف، والمراد من كلّ اللفظين المنيّ.
(وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ) للإضراب الإبطاليّ، وفي بعض النسخ: ((بلى))
أي بلى يجب الغسل (إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ) الضمير في ((خالط)) المفهوم
من المقام، للرجل؛ أي جامع امرأته، أو للعضو، والمخالطة كناية عن المبالغة
في الجماع، واختلاطِ العضوين، قال الحربيّ: والخلط من أسماع الجماع(١).
(قَالَ) أبو بردة (قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ ◌َّهِ (فَأَنَا أَشْفِيكُمْ) الفاء في
جواب شرط مقدَّر؛ أي إذا كنتم مختلفين، ولم تجدوا من يفصل بينهم، فأنا
أشفيكم، وقوله: ((أشفيكم)) بفتح الهمزة، وضمّها، يقال: شفاه يَشفيه: أبرأه،
كأشفاه، قاله في ((القاموس)).
وقال في ((المصباح)): شَفَى الله المريضَ، يَشْفِيه، من باب رَمَى (٢)،
شِفَاءً: عافاه، واشتفيتُ بالعدوّ، وتَشَفّيتُ به من ذلك؛ لأن الغضب الكامن
كالداء، فإذا زال بما يطلبه الإنسان من عدوّه، فكأنه برئ من دائه. انتهى (٣).
(مِنْ ذَلِكَ) الإشارة إلى الاختلاف في هذا الموضوع، كأنه داء، ورفعه
دواؤه (فَقُمْتُ) أي من مجلس الاختلاف (فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين الظُّ
( فَأُذِنَ لِي) بالبناء للمفعول (فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاهْ) منادى مضاف إلى ياء المتكلّم،
وأصله: يا أمّي، قلبت ياء المتكلّم ألفاً بعد قلب الكسرة قبلها فتحةً؛ للتخفيف،
ثم أُلحق بها هاء السكت ساكنة؛ لأجل الوقف (أَوْ) للشك من أحد الرواة
أيضاً، هل قال: ((يا أماه))، أو قال: (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) هذا مأخوذ من قوله
[الأحزاب: ٦] (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ، وَإِنِّي
تعالى: ﴿وَأَزْوَجُ: أُمَّهَهُ
أَسْتَحْيِيك) وفي نسخة: ((أستحيي منك))، فالأول على لغة التعدية بنفسه، والثاني
على لغة التعدية بالحرف، قال في ((القاموس)): ((الحياء)): الْحِشْمَةُ، حَيِيَ منه
حياءً، واستحيا منه، واستَحَى منه، واستحياه. انتهى(٤).
(١) راجع: ((النهاية)) ٦٤/٢.
(٢) قد عرفت مما سبق عن ((القاموس)) أنه من بابي نصر، وضرب؛ فتنبّه.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣١٩/١.
(٤) ((القاموس المحيط)) ٣٢٢/٤.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
فقد أفاد أنه يتعدّى بنفسه، وبحرف الجرّ.
وقال في ((المصباح)): الحياء: هو الانقباض، والانزواء، قال الأخفش:
يتعدّى بنفسه، وبالحرف، فيقال: استحييتُ منه، واستحييته، وفيه لغتان:
إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم بياء واحدة.
(١)
انتھی(١).
(فَقَالَتْ) عائشة ◌َّها (لَا تَسْتَحْيِي) وقع في النسخ بياءين، وعليه فـ(لا))
نافية، والفعل مرفوع، وهو خبرٌ بمعنى النهي على وجه المبالغة، وفي بعض
النسخ: ((لا تستحي)) بياء واحدة، على لغة من قال: استحَى يستحي، كما تقدّم
بيانه (أَنْ تَسْأَنِي) ((أن)) مصدريّة والفعل في تأويل المصدر مفعول به، أو مجرور
بحرف جرّ مقدّر؛ لأن سأل يتعدّى إلى المفعول الثاني بنفسه، وبحرف الجرّ،
قال في ((القاموس)): سأله كذا، وعن كذا، وبكذا بمعنى(٢)، والتقدير هنا: أي
عن سؤالي (عَمَّا كُنْتَ سَائِلاً عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ) الفاء
للتعليل؛ أي لأني أمك، كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَُهُ
[الأحزاب: ٦] (قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟) الفاء في جواب شرط مقدّر، و((ما))
استفهاميّة؛ أي إذا أذِنت لي في السؤال، وشجّعتني عليه، وخفَّفتِ عني ثقل
الحياء الذي اعتراني، فأيُّ شيءٍ يوجب على الإنسان أن يغسل جميع بدنه؟
(قَالَتْ) عائشة ◌ِّا (عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ) معناه: صادفت خبيراً بحقيقة ما سألت
عنه، عارفاً بخفيّه وجليّه، حاذقاً فيه.
قال الأبيّ ◌َّتُهُ: هذا مثلٌ، قال أبو عبيد: وأصله لمالك بن حُبير، أحد
حكماء العرب، وبه تمثّل الفرزدق حين لقيه الحسين نظره، وهو يريد العراق
للبيعة، وقال له: ما وراءك؟، فقال: ((على الخبير سقطت))، قلوب الناس
معك، وسيوفهم مع بني أميّة، والأمر ينزل من السماء، فقال: صدقتني.
(٣)
انتھی(٣) .
وهذا القول من عائشة ﴿ُّ يدلّ على أنها فَهِمَت أن سؤاله عما يوجب
(١) ((المصباح المنير)) ١٦٠/١.
(٣) ((شرح الأبيّ)) ١١٢/٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٩٢/٣.

٢٩٩
(٢١) - بَابُ بَيَانِ نَسْخِ ((الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ»، وَوُجُوبٍ الْغُسْلِ ... إلخ - حديث رقم (٧٩١)
الغسل من الجماع؛ لأنه رجل إنما يسأل عما يخصّه غالباً، وقد يَحْتَمل أن
سؤاله كان حين سؤال عمر وغيره من الصحابة لها حين اختلافهم في المسألة،
ففهِمَت بقرينة الحال مراده، أفاده القاضي عياض تَظُّهُ(١).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَع) تقدّم الخلاف في
معناه (وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ) قال ابن الأثير تَخْتُ: المراد بالختانين موضع القطع
من ذكر الغلام، وفرج المرأة، ويقال لقطعهما: الإعذار والْخَفْض. انتهى (٢).
وقال في ((القاموس)): خَتَنَ الولدَ يَخْتِنُهُ، ويَخْتُنُه - أي من بابي ضرب،
ونصر -، فهو خَتِينٌ، ومختونٌ: قَطَعَ غُرْلَته(٣)، والاسم ككِتاب، وكتابة،
والختانة: صناعته، والختان موضعه من الذكر، والْخَتْنُ: القطعُ. انتهى (٤).
وقال بعض الشرّاح: ((الخِتان)) للرجل: قطع قِطعة الكَمَرة(٥) المغطّية
للحشفة، وللمرأة قطع جلدة من أعلى الفرج، تُشبه عَرْفَ الدِّيك، مجاورة
لمخرج البول، بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة، قيل: يُطلق الختان للرجل
والمرأة، بخلاف الخِفَاض، فلا يقال إلا للمرأة، وقيل: الخِتان للرجل،
والخفاض للمرأة، وعليه فالتثنية في قوله {وَلقر: ((إذا التقى الختانان)) على سبيل
التغليب، وقاعدتُهُ ردّ الأثقل إلى الأخفّ، والأدنى إلى الأعلى(٦).
قال الجامع عفا الله: المراد هنا الموضع الذي قُطعت منه الجلدة، من
الرجل والمرأة، فعلى ما سبق من إطلاق الختان على مكان القطع فلا حذف،
وعلى إطلاقه على المصدر، فالكلام على حذف مضاف؛ أي موضع الختان،
أي القطع.
قال النوويّ تَخَّتُهُ: قال العلماء: معناه غَيَّب ذكره في فرجها، وليس
المراد حقيقة المس، وذلك أن ختان المرأة في أعلى الفرج، ولا يمسه الذكر
(١) ((إكمال المعلم)) ١٩٩/٢.
(٢) ((النهاية)) ١٠/٢.
(٣) ((الْغُرْلة)): كالْقُلْفة وزناً ومعنى. اهـ. ((المصباح)) ٤٤٦/٢.
(٤) ((القاموس الحيط)) ٢١٨/٤.
(٥) ((الكَمَرة: الحَشَفة وزناً ومعنى. اهـ. ((المصباح)) ٥٤١/٢.
(٦) ((فتح المنعم)) ٣٧٨/٢.

٣٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
في الجماع، وقد أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها، ولم
يولجه، لم يجب الغسل، لا عليه ولا عليها، فدَلّ على أن المراد ما ذكرناه،
والمراد بالْمُمَاسّة الْمُحَاذاة، وكذلك الرواية الأُخرى: ((إذا التقى الختانان)): أي
تحاذیا. انتهى (١).
(فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ))) جواب ((إذا))، أي وجب غسل جميع الجسد على
الرجل والمرأة؛ لكونهما جنبين، داخلين، في أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ
جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة يؤثّا هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٧٩١/٢١] (٣٤٩)، و(الترمذيّ) في
(الطهارة)) (١٠٨ و١٠٩)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٦٠٨)، و(مالك) في
((الموطأ)) (٤٦/١ و٦٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٥٤)، و(ابن خزيمة)
في (صحيحه)) (٢٢٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١١٨٣)، و(الطحاويّ) في
(شرح معاني الآثار)) (٥٥/١ و٥٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٣/١
و١٦٦)، وفي ((المعرفة)) (٤١٥/١ و٤١٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٣٤٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨٢٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٨٠
و٧٨١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
◌ّ من شدّة حرصهم على
١ - (منها): بيان ما كان عليه الصحابة
العلم، حتى يحصل بينهم مناقشة؛ للوصول إلى معرفة الحقّ.
٢ - (ومنها): بيان ما كانت عليه عائشة هنا من العلم الذي لا يشاركها
غيرها مما كان رسول الله وَلا يفعله معها.
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٢/٤.