النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ (١٥) - بَابُ مَشْرُوعِيَّةِ تَسَتُّرِ الْمُغْتَسِلِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ - حديث رقم (٧٧١) الحديث بـ((باب من نُسب إلى خلاف الظاهر))، وإليه أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحدیث))، حيث قال: لِكَوْنِهِ جَاوَرَ وَالتَّيْمِيًّا وَنَسَبُوا الْبَدْرِيَّ وَالْخُوزِيًّا وَمِقْسَمٌ مَوْلَى بَنِي عَبَّاسٍ كَذَلِكَ الْحَذَّاءُ لِلْجَلَّاسِ . (حَدَّثَهُ)، أي حدّث سعيداً (أَنَّ أُمَّ هَانِيْ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) ◌ْنَا (حَدَّثَتْهُ)، أي أبا مرّة (أَنَّهُ) الضمير للشأن، أي أن الحَّال والشأن (لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْح) بالرفع على الفاعليّة، فـ((كان)) هنا تامّة، أي حضر، ويحتمل أن تكون ناقصةً، واسمها ضمير يعود إلى الزمن، و((عامَ الفتح)) خبرها، أي لَمّا كان الزمن عامَ الفتح (أَتَتْ رَسُولَ اللهِ وََّ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن تقول: أتيت إلخ، والجملة جواب ((لَمّا)) (وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، أي والحال أنه وَله نازلٌ بأعلى مكة، وذلك أنه وَل ◌ّ دخل مكة يوم الفتح من أعلاها من الموضع المسمّى بكَدا بالفتح والمدّ، وضُربت له خيمة هناك. [تنبيه]: هذا الحديث سيأتي مطوّلاً في ((كتاب الصلاة))، فقد أخرجه بهذا السند، عن أبي النضر، أن أبا مرة، مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره، أنه سمع أم هانئ، بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله ومدير عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، قالت: فسلمت، فقال: ((من هذه؟)) قلت: أم هانئ، بنت أبي طالب، قال: ((مرحباً بأم هانئ))، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات، ملتحفاً في ثوب واحد، فلما انصرف، قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي، عليّ بن أبي طالب، أنه قاتل رجلاً أجرته، فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله وَلجر: ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ»، قالت أم هانئ: وذلك ضحى. وقوله: (قَامَ رَسُولُ اللهِ وَهَ) جملة في محلّ نصب على الحال بتقدير ((قد)) على رأي البصريين، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] (إِلَى غُسْلِهِ) متعلّق بـ((قام))، وهو بضمّ الغين اسم من الاغتسال (فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ) ◌َّا (ثُمَّ) بعد تمام غسله (أَخَذَ) وَ (قَوْبَهُ) هو الثوب الذي سترته به فاطمة ظهرها، ففي الرواية التالية: ((فسترته ابنته فاطمة بثوبه، فلما ١٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض اغتسل أخذه، فالتَحَف به)) (فَالْتَحَفَ بِهِ) بالبناء للفاعل، أي اشتمل به، قال البخاريّ في ((صحيحه)): قال الزهريّ: الملتحف: المتوشِّح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على المنكبين. انتهى. وقال في ((القاموس)): لَحَفَه، كمَنَعَه: غَطّاه باللِّحَاف ونحوه، والتحف به: تغطّى، واللِّحَاف ككتاب: ما يُلْتَحف به. انتهى (١). وقال في ((العمدة)): الالتحاف لغةً التغطّي، وكلُّ شيء تغطّيتَ به، فقد التحفت به، وقال الليث: اللَّخْفُ: تغطيتك الشيء باللِّحاف، وقال غيره: لَحَفتُ الرجل ألحفه لَحْفاً: إذا طَرَحت عليه اللِّحاف، أو غطّيته بشيءٍ، وتلحّفتُ: اتّخذت لنفسي لِحَافاً . وفائدة الالتحاف: أن لا ينظر المصلّي إلى عورة نفسه إذا ركع، وأن لا يسقط الثوب إذا ركع، وإذا سجد. انتهى(٢). (ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) بإثبات الياء في ((ثماني))، ونصبه على المفعوليّة لـ((صلّى))، وهذا هو الجاري على القاعدة، ووقع في بعض النسخ: («ثمانَ ركعات)) بحذف الياء، وهو مشكلٌ؛ لما سيأتي. [تنبيه]: قال الجوهريّ كَّلُ: يقال: ثمانية رجال، وثماني نسوة، وهو في الأصل منسوب إلى الثُّمُن؛ لأنه الجزء الذي صيَّر السبعةَ ثمانيةً، فهو ثمنها، ثم فتحوا أوّله؛ لأنهم يُغيّرون في النسب، كما قالوا: دُهْريّ، وسُهْليّ، وحذفوا إحدى ياءي النسب، وعوّضُوا منها الألفَ، كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن، فثبتت ياؤه عند الإضافة، كما ثبتت ياء القاضي، فتقول: ثماني نسوة، وثماني مائة، كما تقول: قاضي مكة، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجرّ، وتثبت عند النصب؛ لأنه ليس بجمع، فيُجْرَى مَجْرَى جَوَارٍ وسَوَارٍ في ترك الصرف، وما جاء في الشعر غيرَ مصروف فهو على توهّم أنه جمع. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: الثمانية بالهاء للمعدود المذكّر، وبحذفها للمؤنّث، ومنه ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]، والثوب سبع في ثمانية، أي طوله سبع أذرُع، (١) ((القاموس المحيط)) ١٩٤/٣ - ١٩٥. (٣) ((الصحاح)) ١٦٨٦/٥. (٢) ((عمدة القاري)) ٥٩/٣. ١٨٣ (١٥) - بَابُ مَشْرُوعِيَّةِ تَسَتُّرِ الْمُغْتَسِلِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ - حديث رقم (٧٧١) وعرضه ثمانية أشبار؛ لأن الذراع أنثى، ولهذا حُذفت العلامة معها، والشبر مذكّرٌ، وإذا أُضيفت الثمانية إلى مؤنّث ثبتت الياء ثبوتها في القاضي، وأُعربت إعراب المنقوص، تقول: جاء ثماني نسوة، ورأيتُ ثمانيَ نسوة، تُظهر الفتحة، وإذا لم تُضِفْ قلت: عندي من النساء ثمانٍ، ومررتُ منهنّ بثمانٍ، ورأيتُ ثماني، وإذا وقعت في المركّب تخيَّرتَ بين سكون الياء وفتحها، والفتح أفصح، يقال: عندي من النساء ثَمَانِيَ عشرةَ امرأةً، وتُحذف الياء في لغة بشرط فتح النون، فإن كان المعدود مذكّراً قلتَ: عندي ثمانية عشر رجلاً بإثبات الياء. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما وقع في معظم نسخ ((صحيح مسلم))، كالنسخة التي شرحها النووي، ونسخة محمد ذهني، بلفظ ((ثمانَ ركعات)) خلاف الصواب، فالصواب ما وقع في نسخة شرح الأبيّ، وقد أشار إليها محمد ذهني في هامش نسخته، وفي هامش النسخة الهنديّة أيضاً، بلفظ: ((ثمانِيَ ركعات)) بإثبات الياء، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم. وقوله: (سُبْحَةَ الضُّحَى) بضم السين المهملة، وإسكان الباء الموحّدة: هي النافلة، سُمّيت بذلك للتسبيح الذي فيها. قال النوويّ كَُّ: هذا اللفظ فيه فائدةٌ لطيفةٌ، وهي أن صلاة الضحى ثماني ركعات، وموضع الدلالة كونها قالت: ((سُبْحَة الضُّحى))، وهذا تصريح بأن هذا سنةٌ مقررةٌ معروفةٌ، وصلّاها بنيّة الضحى، بخلاف الرواية الأخرى: ((صَلَّى ثماني ركعات، وذلك ضحى))، فإن من الناس من يَتَوَهَّم منه خلاف الصواب، فيقول: ليس في هذا دليل على أن الضحى ثماني ركعات، ويزعم أن النبيّ ◌َل﴿ صَلَّى في هذا الوقت ثماني ركعات بسبب فتح مكة، لا لكونها الضحى، فهذا الْخَيَال الذي يتعلق به هذا القائل في هذا اللفظ، لايتأتى له في قولها: ((سُبْحة الضُّحى))، ولم يزل الناس قديماً وحديثاً يحتجون بهذا الحديث على إثبات صلاة الضُّحَى ثماني ركعات. انتهى كلام النوويّ رَّتُهُ، وهو تحقيقٌ (١) ((المصباح المنير)) ٨٤/١ - ٨٥. ١٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض نفيسٌ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم هانئ ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [١٥/ ٧٧٠ و٧٧١ و٧٧٢] (٣٣٦)، وفي ((صلاة المسافرين))، و(البخاريّ) في ((الغسل)) (٢٨٠) و((الصلاة)) (٣٥٧) و((الجزية)) (٣١٧١) و((الأدب)) (٦١٥٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢٩١)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٢٧٣٤)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٢٦/١)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٥٢/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٠٩/٢)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٤٨٦١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٣/٦ و٤٢٣ و٤٢٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٣٩/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٣/ ٤١٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٣٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١١٨٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٨/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣١٣١ و٦٧٨٥)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٧٥٩ و٧٦٠ و٧٦١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة التستّر عند الاغتسال. ٢ - (ومنها): جواز اغتسال الرجل بحضرة امرأة من محارمه، إذا حال بينهما ساتر، من ثوب، أو نحوه. ٣ - (ومنها): جواز السلام على من يغتسل؛ لأن أم هانئ سلّمت عليه وله . ٤ - (ومنها): جواز كلام المغتسل؛ لأنه وسلم قال لها: ((من هذه؟ إلخ)). ٥ - (ومنها): أن من سُئل عن اسمه يُجيب بصريح اسمه، كما فعلت أم هانئ، ولا يقول: أنا، فقد ورد الإنكار على من قال ذلك، فقد أخرج الشيخان ١٨٥ (١٥) - بَابُ مَشْرُوعِيَّةِ تَسَتُرِ الْمُغْتَسِلِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ - حديث رقم (٧٧١) عن جابر بن عبد الله عنه قال: أتيت النبيّ وَّر، فدعوت، فقال النبيّ وَل: ((من هذا؟»، قلت: أنا، قال: فخرج وهو يقول: ((أنا أنا)). ٦ - (ومنها): استحباب الصلاة عقب الاغتسال. ٧ - (ومنها): التحاف المصلّي بثوبه إذا كان واحداً، وقد عرفت معنى الالتحاف قريباً، ولا يجوز أن يشتمل به اشتمال الصمّاء، فقد أخرج المصنّف عن جابر ربه: ((أن رسول الله وَ ◌ّ نَهَى عن اشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مُسْتَلْقٍ على ظهره)» . ٨ - (ومنها): استحباب صلاة الضّحى، وقد اختلف العلماء في صلاته وَل يوم الفتح، هل هي الشكر للفتح، أم هي صلاة الضحى؟. فمنهم من قال: إنها صلاة الفتح، ومنهم من قال: إنها صلاة الضحى، والصحيح أنها صلاة الضحى؛ لقول أم هانئ عها في هذه الرواية: ((سُبحةً الضحى))، وأصرح منها ما في رواية أبي داود بلفظ: ((أن رسول الله وسل ◌ّ صلّى يوم الفتح سُبحة الضحى ثماني ركعات))، لكن في سنده ضعف؛ لأن في سنده عياض بن عبد الله ليّن الحديث. وروى ابن عبد البرّ: في ((التمهيد)) - كما في ((الفتح))(١) - من طريق عكرمة بن خالد، عن أم هانئ ها قالت: قدم النبيّ وَّ مكة، فصلى ثماني ركعات، فقلت: ما هذه؟ قال: ((صلاة الضحى))، فهذه أصرح في أن تلك الصلاة كانت صلاة الضحى. ٩ - (ومنها): أن صلاة الضحى تكون ثماني ركعات، والمستحبّ فيها أن يسلّم من كلّ ركعتين، لما أخرجه أبو داود في ((سننه)) في هذا الحديث من طريق كريب مولى ابن عباس، عن أم هانئ بنت أبي طالب ((أن رسول الله يوم الفتح صلى سُبحة الضحى، ثماني ركعات، يُسَلّم من كل ركعتين))، لكن في إسناده عياض بن عبد الله وقد عرفتَ حاله، كما مرّ آنفاً . لكن يؤيّده حديث: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى))، وهو وإن اختلف (١) راجع: ((الفتح)) ٦٥/٣. ١٨٦ البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض فيه إلا أن الأرجح أنه صحيح، كما سيأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الروايات في حديث أم هانئ فيها هذا : (اعلم): أنه وقع اختلاف في محلّ اغتساله ◌َّة، وصلاته، وفيمن ستره، وفي عدد صلاته، هل هي ثمان، أم ركعتان. ففي رواية: اغتسل في بيتها))، وهي رواية صحيحة، أخرجها أبو داود، وفي رواية: ((أنها ذهبت إلى بيت النبيّ ◌َ﴿، وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل))، وهي رواية المصنّف هنا، ومالك في ((الموطأ))، وفي رواية: أن فاطمة سترته))، وهي رواية الشيخين، وغيرهما، وفي رواية أن أبا ذرّ ◌َُّه هو الذي ستره، وهي رواية عند ابن خزيمة، والجواب عن هذه الاختلافات أن يقال: أما الاختلاف في المحلّ فَيُحمل على أنه نزل في بيت أم هانئ بأعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر، فجاءت فوجدته يغتسل، أو يُحمَل على أن ذلك تكرّر منه وَ﴿، ويؤيّده ما رواه ابن خزيمة عنها أن أبا ذرّ ستره لَمّا اغتسل، أفاده في ((المنهل العذب))(١). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني فيه بُعدٌ لا يخفى، وأما قوله: يؤيّده ما رواه ابن خزيمة، ففيه أن هذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها المطّلب بن عبد الله بن حنطب كثير التدليس، وقد عنعنه، فلا يصلح للتقوية، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وأما الاختلاف فيمن ستره، فيجاب بأن أحدهما ستره في ابتداء الغسل، والآخر ستره في أثنائه، أفاده في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن حديث ستر أبي ذرّ ◌َظُه لا يصحّ، فلا يعارض ما في ((الصحيح)) من أن فاطمة هنا هي التي سترته، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وأما الاختلاف في عدد الصلاة، ففي رواية أم هانئ أنه صلى ثماني (١) راجع: ((المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود)) ١٩٥/٧. ١٨٧ (١٥) - بَابُ مَشْرُوعِيَّةٍ تَسَتُّرِ الْمُغْتَسِلِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ - حديث رقم (٧٧٢) ركعات، وفي حديث ابن أبي أوفى أنه صلى ركعتين، فقد أخرج الطبرانيّ من حديثه ((أنه صلّى الضحى ركعتين، فسألته امرأته؟ فقال: إن النبيّ وَّه صلى يوم الفتح رکعتین)). والجواب عن هذا أن يُحمل على أن ابن أبي أوفى رأى من صلاته وَيهل ركعتين، ورأت أم هانئ الثمانية كلّها، فأخبر كلّ بما رآه، أفاده في ((المنهل)) أيضاً. قال الجامع عفا الله عنه: رواية الطبرانيّ هذه ضعيفة؛ لأن في سندها الشعثاء بنت عبد الله الأسديّة، وهي مجهولة، وقد أجاد الكلام في هذا الشيخ الألبانيّ تَخُّْهُ في ((تمام المنّة))(١) فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الکتاب قال: [٧٧٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي مِنْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَسَتَرَتْهُ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا اغْتَسَلَ أَخَذَهُ، فَالْتَحَفَ بِهِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ (٢) سَجَدَاتٍ، وَذَلِكَ ضُحَّى). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، ثقة ثبتٌ، مشهور بكنيته، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورُمي برأي الخوارج [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤. وقوله: (أَخَذَهُ) أي أخذ الثوب الذي سترته به فاطمة ◌ُها . وقوله: (فَالْتَحَفَ بِهِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ سَجَدَاتٍ) هكذا (ثماني)) في (١) ((تمام المنّة)) ٢٥٩/١. (٢) وفي نسخة: ((ثمان)) بحذف الياء. ١٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض بعض النسخ، وهو الصواب، ووقع في معظم النسخ: ((ثمان سجدات))، وقد عرفت ما فيه، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله. وقوله: (سجدات) المراد بها الركعات، وسُمّيت الركعة سجدةً؛ لاشتمالها عليها، وهذا من باب تسمية الشيء بجزئه، قاله النوويّ تَخْذّتُهُ(١). وقوله: (وَذَلِكَ ضُحَّى)، أي هذه الذي ذكرناه من اغتساله وَّةٍ، وقد سترته فاطمة ثا، ثم التحافه بثوبه، وصلاته ثمان ركعات كان وقت الضُّحى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الکتاب قال: [٧٧٣] (٣٣٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا مُوسَى الْقَارِئُ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: وَضَعْتُ لِلنَّبِّ وَِّ مَاءً، وَسَتَرْتُهُ(٢)، فَاغْتَسَلَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٢ - (مُوسَى الْقَارِئُ) هو: موسى بن عيسى الليثيّ القارئ الكوفيّ الخيّاط، صدوقٌ [٩]. رَوَى عن زائدة بن قدامة، ومُفَضَّل بن يونس. ورَوَى عنه إسحاق بن راهويه، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، وعبد الله بن براد الأشعريّ، ومحمد بن أبان الْبَلْخيّ، وسفيان بن وكيع بن الجراح. وثّقه مُطَيَّن، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال مُطَيَّن: مات سنة ثلاث وثمانين ومائة. تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٩/٤. (٢) وفي نسخة: ((فسترته)). ٠ ١٨٩ (١٥) - بَابُ مَشْرُوحِيَّةِ تَسَتُرِ الْمُغْتَسِلِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ - حديث رقم (٧٧٣) ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنيّ [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ إمام يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧. ٥ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) واسم أبيه رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ يُرسل كثيراً [٣] (ت٧ أو ٩٨)، أو غير ذلك (ع) تقدم في «الحیض)) ٧٢٨/٨. ٦ - (كُرَيْبٌ) بن أبي مسلم الهاشميّ، مولى ابن عبّاس، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٨٨/٢. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو عبد الله البحر الحبر ﴿ه، مات سنة (٦٨) (ع)، تقدّم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. ٨ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليّة، أم المؤمنين، ماتت ٥١) (ع)، تقدّمت في ((الحيض)) ١/ ٦٨٧. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف ◌َذَثُهُ، فهو سند نازل، وأنزل أسانيده التساعيّات. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ما جه، وموسی القارئ، فتفرّد به هو. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سالم، سوى شيخه، فمروزيّ، والباقون مدنيّون. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، وسالم، وكريبٌ، ورواية الأخيرين من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الثالثة، وماتا في سنة واحدة على بعض الأقوال. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، هي خالته، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه في ((الحيض)) [٧٢٨/٨] (٣١٧) ١٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض حيث ساقه المصنّف بأطول مما هنا إلا أنه ليس فيه ذكر سترها له، ولفظه: عن ابن عباس قال: حدثتني خالتي ميمونة، قالت: ((أدنيت لرسول الله وَلَه غُسْله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ به على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدَلَكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حَفَنات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فرده)). وقد أخرجه البخاريّ أيضاً مطوّلاً، وذكر فيه سترها له، ولفظه: عن ابن عباس، قال: قالت ميمونة: ((وضعت للنبيّ وَّهَ غُسْلاً، فسترته بثوب، وصَبَّ على يديه فغسلهما، ثم صبّ بيمينه على شماله، فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صبَّ على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى، فغسل قدميه، فناولته ثوباً، فلم يأخذه، فانطلق، وهو ينفض يديه))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَثُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾. (١٦) - (بَابُ تَحْرِيم النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَظّْثهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٧٤] (٣٣٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنِ الضَّخَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدٍ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل بابين. ١٩١ (١٦) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ - حديث رقم (٧٧٤) ٢ - (زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ)(١) أبو الحسين العُكْليّ الكوفيّ، خُرَاسانيّ الأصل، صدوقٌ [٩] (ت٢٠٣) (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦/ ٥٦٠. ٣ - (الضَّخَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ القرشيّ، صدوقٌ يَهِم [٧]. رَوَى عن نافع مولى ابن عمر، وسالم أبي النضر، وإبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وأيوب بن موسى، وبُكير بن عبد الله بن الأشج، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عثمان، وابن ابنه الضحاك بن عثمان، وابن عمه عيسى بن المغيرة بن الضحاك، والثوريّ، ووكيع، وأبو بكر الحنفيّ، وابن أبي فُديك، وزيد بن الحباب، وابن وهب، وابن المبارك، ويحيى القطان، وأبو ضمرة أنس بن عياض. قال أحمد، وابن معين، ومصعب الزبيريّ: ثقة، وقال أبو داود: ثقة، وابنه عثمان ضعيف، وقال أبو زرعة: ليس بقويّ، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو صدوق، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال محمد بن سعد: كان ثبتاً، وكان ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة، وقال ابن بكير: ثقة مدنيّ، وقال ابن نُمير: لا بأس به، جائز الحديث، وقال علي ابن المدينيّ: الضحاك بن عثمان ثقةٌ، وقال ابن عبد البر: کان کثیر الخطأ، ليس بحجة. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثاً. ٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ، مولى عمر بن الخطّاب، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقة فقيهٌ يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦/ ٢٥٠. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) أبو حفص، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو جعفر الأنصاري الخزرجيّ المدنيّ، ثقة [٣]. روى عن أبيه، وعمارة بن حارثة الضمري، وأبي حميد الساعدي. ورَوَى عنه ابناه: رُبيح، وسعيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو من (١) بضم الحاء المهملة، وبالباء الموحدة المكررة المخففة. ١٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض أقرانه، وسهيل بن أبي صالح، وصفوان بن سُليم، وشريك بن أبي نَمِر، وزيد بن أسلم، وعمرو بن سليم الزُّرَقي، وسعيد المقبري، وعُمارة بن غزية، وعمران بن أبي أنس، وسليط بن أيوب، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وقال العجلي: تابعي مدني ثقة. وذكره ابن حبان في (الثقات))، وقال: مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وهو ابن سبع وسبعين، وفيها أَرّخه ابنُ نمير، وعمرو بن علي. وقال ابن سعد مثل ما قال ابن حبان، وزاد: كان كثير الحديث، وليس هو بِثَبْتٍ، ويستضعفون روايته، ولا يحتجون به. أخرج ه البخاري في التعاليق، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثاً . ٦ - (أَبُوهُ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ُّ، مات سنة (٣٦) وقيل غير ذلك (ع)، تقدّم في ((المقدّمة)) ٧١/٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّهُ، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والعنعنة، والإخبار. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فكوفیّان. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، وهو من رواية الأقران، فكلاهما من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه رَّ ◌ُله أحد المكثرين السبعة من الصحابة روى (١١٧٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن مالك بن سنان ضِّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((لَا) الظاهر أنها نافيةٌ، والفعل بعدها مرفوع؛ لأن ((لا)) النافية لا تعمل في الفعل، ويكون المراد من النفي النهي على وجه المبالغة؛ لأن فيه ادّعاء أن المنهيّ عنه قد امتُثِلَ، وأصبح يُخبّرُ عنه بعدم الوقوع. ١٩٣ (١٦) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ - حديث رقم (٧٧٤) ويحتمل أن تكون ناهيةً، فيجزم الفعل بعدها بسكون مقدّر، منع من ظهوره اشتغال المحلّ بكسرة التخلّص من التقاء الساكنين، والله تعالى أعلم. (يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ). قال المجد ◌َّتُ: «العَوْرة)»: الْخَلَلُ في («الثَّغْر وغيره، وكلُّ مَكْمَنٍ للسَّتْرِ، وَالسَّوْأَةُ. انتهى(١). وقال الفيّوميّ كَُّهُ: كلُّ شيء يستره الإنسان أَنَفَةً وحَيَاءً فهو عورةٌ، والنساءُ عورةٌ، قال: وقيل: للسوءة عورةٌ؛ لقبح النظر إليها، قال: والْعَورةُ في الثَّغْر والحربِ: خللٌ يُخاف منه، والجمع عَوْرَاتٌ بالسكون؛ للتخفيف، والقياس الفتح؛ لأنه اسم، وهو لغة هُذَيل. انتهى بتصرّف(٢). وقال ابن الأثير تََّقُ: ((الْعَوْرة)): كلُّ ما يُستحيا منه إذا ظَهَر، قال: ومنه الحديث: ((المرأة عورة)»(٣) جعَلَها نفسَها عورةً؛ لأنها إذا ظهرت يُستحيا منها، كما يُستحيا من العورة إذا ظهرت. قال: والعورة من الرجل ما بين السرة والركبة، ومن المرأة الْحُرّةِ جميعُ جسدها، إلا الوجه واليدين إلى الكوعين، وفي أخمصها خلاف، ومن الأمة مثلُ الرجل، وما يبدو منها في حال الخدمة، كالرأس، والرقبة، والساعد، فليس بعورة، وسترُ العورة في الصلاة وغيرها واجب، وفيه عند الخلوة خلاف. (٤) انتهى (٤). وقال القرطبيّ نَّثُهُ: ((العورة)) في أصل الوضع: هي ما يُستحيا من الاطلاع عليه، ويلزم منه عار. انتهى(٥) . وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حدّ العورة في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَلَا) تنظر (الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ)، وعورتها بالنسبة لنظر المرأة هو ما بين سرّتها وركبتها، كما سيأتي (وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ) بضمّ حرف (١) ((القاموس المحيط)) ٢/ ٩٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٣٧/٢. (٣) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ، (١٠٩٣) عن عبد الله - بن مسعود ظ له - عن النبيّ وَّه قال: ((المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان)). (٤) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣١٩/١. (٥) ((المفهم)) ٥٩٨/١. ١٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض المضارعة، من الإفضاء، وهو الوصول، يقال: أفضيت إلى الشيء: إذا وصلت إليه(١). و ((لا)) هنا نافيةٌ؛ لكون الفعل بعدها مرفوعاً، حيث ثبتت فيه الياء التي حقّها أن تُحذف للجازم، كما قال في ((الخلاصة)): أَوْ وَاوْ اوْ يَاءٌ فَمُعْتَلاً عُرِفْ وَأَيُّ فِعْلِ آخِرٌ مِنْهُ أَلِفْ وَأَبْدِ نَصْبَ مَا كَـايَدْعُو)) ((يَرْمِي)) فَالأَلِفَ انْوِ فِيهِ غَيْرَ الْجَزْمِ ثَلَاثَهُنَّ تَقْضِ حُكْماً لَازِمَا وَالرَّفْعَ فِيهِمَا انْوِ وَاحْذِفْ جَازِمَا لكن حكى السيوطيّ تَظُّهُ في ((همع الهوامع)) أن عدم حذف حرف العلّة للجازم لغة، وخرّج عليها قراءة قُنبل ((إنه من يتقي ويصبر)) بالياء، وجزم ((يصبر)) (٢)، وعلى هذه اللغة يحتمل أن يكون ((يُفضي)) هنا مجزوماً بـ(لا))، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) المراد به أن لا يكون بينهما حائل، يمنع من وصول جسد أحدهما إلى جسد الآخر. قال ابن الملك تَّتُهُ: أي لا يصل بشرة أحدهما إلى بشرة الآخر في ثوب واحد في الْمُضطَجَع؛ لخوف ظهور الفاحشة بينهما، قال المظهر تَخَذْتُهُ: ومن فعل ذلك يُعزّر، ولا يُحدّ، قاله في ((المرقاة))(٣). وحاصل المعنى: أنه لا يجوز للرجل أن يَصِل بجسده إلى جسد الرجل بلا حائل بينهما، والمراد من جسده هنا الموضع الذي لا يجوز إليه النظر منه، وهو ما بين السرة والركبة، أو السوأتان على الخلاف الذي يأتي، وأما ما عدا ذلك مما يحلّ للرجل النظر إليه، فلا يحرم الإفضاء إليه بجسده، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((لا يُفضي الرجل إلى الرجل إلخ)): أي لا يخلوان كذلك ليباشر أحدهما عورة الآخر، ويلمسها، ولمسها محرَّمٌ كالنظر (١) ((المصباح المنير)) ٤٧٦/٢. (٢) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل)) ١/ ٦٧. (٣) ((مرقاة)) المفاتيح ٢٧٧/٦. ١٩٥ (١٦) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ - حديث رقم (٧٧٤) إليها، وأما إذا كانا مستوري العورة بحائل بينهما، فذلك من النساء محرَّم على القول بأن جسد المرأة على المرأة كلّه عورة، وحكمها على القول الآخر، وحكم الرجل الكراهة، وهذا لعموم النهي عنه، وصلاحيةُ إطلاق لفظ العورة على ما ذُكر مما اختلف فيه. انتهى (١) . قال الجامع عفا الله عنه: القول بالتحريم، أو الكراهة فيما إذا كانا مستوري العورة، مما لا وجه له؛ لأنه وَ ل قال: ((في ثوب واحد))؛ إذ مفهومه أنهما إذا كانا في ثوبين، فلا نهي في الإفضاء المذكور، لا بين الرجلين، ولا بين المرأتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ)))، أي دون حائل بين جسديهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه هذا من أفراد المصنّف نَحْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٧٧٤/١٦ و٧٧٥] (٣٣٨)، و(أبو داود) في ((الحمّام)) (٤٠١٨)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٩٣)، و(النسائيّ) في ((عشرة النساء)) (٣٤٧)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٦٦١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٠٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٣/٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٥٦٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح مشكل الآثار)) (٢٦٨/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٨/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٥٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨٠٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٦٣ و٧٦٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) ((المفهم)) ٥٩٨/١. ١٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض ١ - (منها): بيان تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة، قال النوويّ كَّتُهُ: وهذا لا خلاف فيه، وكذلك نظر الرجل إلى عورة المرأة، والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع، ونبّه ◌َّ بنظر الرجل إلى عورة الرجل على نظره إلى عورة المرأة، وذلك بالتحريم أولى، وهذا التحريم في حق غير الأزواج والسادة، أما الزوجان فلكل واحد منهما النظر إلى عورة صاحبه جميعها، إلا الفرج نفسه، ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها أنه مكروه لكل واحد منهما النظر إلى فرج صاحبه من غير حاجة، وليس بحرام. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الصحيح أنه يجوز أن ينظر أحد الزوجين إلى فرج الآخر من غير كراهة؛ لثبوت ذلك عنه وَّير في حديث عائشة يا، ولا دليل على الكراهة، فتبصّر. قال: والثاني: أنه حرام عليهما، والثالث أنه حرام على الرجل مكروه للمرأة، والنظر إلى باطن فرجها أشد كراهةً وتحريماً. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن هذين القولين مما لا دليل عليهما، فتبصّر. قال: وأما السيد مع أمته، فإن كان يملك وطأها، فهما كالزوجين، وإن كانت محرَّمة عليه بنسب، كأخته وعمته وخالته أو برضاع أو مصاهرة، كأم الزوجة وبنتها وزوجة ابنه، فهي كما إذا كانت حُرّة، وإن كانت الأمة مجوسية أو مرتدةً، أو وثنيةً، أو معتدّة، أو مكاتبةً، فهي كالأمة الأجنبية. وأما نظر الرجل إلى محارمه، ونظرهن إليه، فالصحيح أنه يباح فيما فوق السرّة وتحت الركبة، وقيل: لا يحل إلا ما يظهر في حال الخدمة والتصرف، والله تعالى أعلم. انتهى(١). ٢ - (ومنها): بيان تحريم إفضاء الرجل إلى عورة الرجل، كأن يناما في لحاف واحد، وليس بينهما حائل يمنع من وصول عورة أحدهما إلى الآخر، وكذلك المرأة مع المرأة ليس بين عورتيهما حائل كذلك. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخّْتُهُ: فيه دليل على تحريم لمس عورة غيره (١) (شرح النوويّ)) ٣٠/٤ - ٣١. ١٩٧ (١٦) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ - حديث رقم (٧٧٤) بأيّ موضع من بدنه كان، وهذا مُتَّفقٌ عليه، وهذا مما تعُمّ به البلوى، ويتساهل فيه كثير من الناس باجتماع الناس في الحمّام، فيجب على الحاضر فيه أن يصون بصره ويده وغيرها عن عورة غيره، وأن يصون عورته عن بصر غيره ويد غيره، من قَيِّم وغيره، ويجب عليه إذا رأى من يُخِلّ بشيء من هذا أن يُنكر عليه، قال العلماء: ولا يسقط عنه الإنكار بكونه يَظُنّ أن لا يُقْبَل منه، بل يجب عليه الإنكار إلا أن يخاف على نفسه أوغيره فتنة. قال: وأما كشف الرجل عورته في حال الخلوة، بحيث لا يراه آدميّ، فإن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة، ففيه خلاف بين العلماء في كراهته وتحريمه، والأصح عندنا أنه حرام. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي حكم كشف العورة في الخلوة مستوفّى في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): عناية الشارع بإبعاد الناس عن الأسباب التي تؤدّي إلى وقوع الفاحشة؛ إذ إفضاء الرجل إلى الرجل، وكذا المرأة مع المرأة، كأن يناما في لحاف واحد بلا حائل بينهما من أخطر ما يؤدي إلى وقوع ذلك، فنهى عنه؛ سدّاً للذريعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حدّ عورة الرجل والمرأة: قال النوويّ تَخُّْ: أما ضبط العورة في حقّ الأجانب، فعورة الرجل مع الرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك المرأة مع المرأة، وفي السرة والركبة ثلاثة أوجه لأصحابنا : [أصحها]: ليستا بعورة. [والثاني]: هما عورة. [والثالث]: السرة عورة دون الركبة. وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها، فكذلك يحرم عليها النظر إلى كل شيء من بدنه، سواء كان نظره ونظرها بشهوة أم بغيرها . وقال بعض أصحابنا: لا يحرم نظرها إلى وجه الرجل بغير شهوة، وليس هذا القول بشىء. ١٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض قال الجامع عفا الله عنه: بل هذا القول هو الراجح؛ لأنه لا دليل على تحريم نظرها إليه، بل الأدلّة على الجواز كثيرة: (فمن أقوى الأدلّة) على جواز نظرها إلى وجهه أن الأمة مجمعة على جواز خروج الرجال إلى أعمالهم بثياب المهنة، كالسراويل، والقميص، والإزار، وكانت النساء ينظرن إليهم، بلا نكير، ولا جاء أمر من الشارع بتستر الرجال لئلا يراهم النساء. (ومنها): ما في ((الصحيحين)) عن عائشة ﴿يا قالت: ((رأيت النبيّ يسترني، وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون في المسجد ... )). صَلى الله وَسَِّ (ومنها): ما أخرجاه أيضاً من حديث ابن عباس ها في قصّة الخثعميّة: وفيه: فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، وجعل النبيّ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ... الحديث. والشاهد أنه سليم ما منعها أن تنظر إلى وجوه الرجال الحاضرين لديه، وإنما صرف وجه الفضل؛ خشية الفتنة، وغير ذلك من الأدلة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: ولا فرق أيضاً بين الأمة والحرة إذا كانتا أجنبيتين، وكذلك يحرم على الرجل النظر إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة، سواء كان نظره بشهوة أم لا، سواء أمن الفتنة أم خافها، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين، نَصّ عليه الشافعيّ، وحذاق أصحابه رحمهم الله تعالى، ودليله أنه في معنى المرأة، فإنه يُشْتَهَى كما تُشتَهى، وصورته في الجمال كصورة المرأة، بل ربما كان كثير منهم أحسن صورة من كثير من النساء، بل هم في التحريم أولى لمعنى آخر، وهو أنه يتمكن في حقهم من طُرُق الشرّ ما لا يتمكن من مثله في حق المرأة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر النووي مسألة النظر إلى الأمرد على هذا الوجه الغريب، فهل هذا نصّ كتاب الله تعالى، أو جاء شيء من حديث رسول الله ﴿ أنه نهى عن النظر إلى الأمرد، مع كثرة الْمُرْد في حضرته وَل وفي عهده؟، هذا شيء عجيب !!. قال: وهذا الذي ذكرناه في جميع هذه المسائل، من تحريم النظر هو ١٩٩ (١٦) - بَابُ تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ - حديث رقم (٧٧٤) فيما إذا لم تكن حاجة، أما إذا كانت حاجة شرعية، فيجوز النظر، كما في حالة البيع، والشراء، والتطبب، والشهادة، ونحو ذلك، ولكن يحرم النظر في هذه الحال بشهوة، فإن الحاجة تبيح النظر للحاجة إليه، وأما الشهوة فلا حاجة إليها، قال أصحابنا: النظر بالشهوة حرام على كل أحد غير الزوج والسيد، حتى يحرم على الإنسان النظر إلى أمه وبنته بالشهوة. انتهى كلام النوويّ تَذَّهُ(١). وقال القرطبيّ تَّتُهُ: لا خلاف في تحريم النظر إلى العورة من الناس بعضهم إلى بعض، ووجوب سترها عنهم إلا الرجل مع زوجته أو أمته، واختلف في كشفها في الانفراد، وحيث لا يراه أحدٌ، ولا خلاف أن السوأتين من الرجل والمرأة عورةٌ، واختُلف فيما عدا ذلك من الركبة إلى السرّة من الرجل، هل هو عورةٌ أم لا؟ ولا خلاف أن إبداءه لغير ضرورة قصداً ليس من مكارم الأخلاق. ولا خلاف أن ذلك من المرأة عورة على النساء والرجال، وأن الحرّة عورة ما عدا وجهها وكفّيها على غير ذوي المحارم من الرجال، وسائر جسدها على المحارم، ما عدا شعرَها ورأسها وذراعيها، وما فوق نحرها . واختُلف في حكمها مع النساء، فقيل: جسدها كلّه عورةٌ، فلا يَرى النساء منها إلا ما يراه ذو المحرم، وقيل: حكم النساء مع النساء حكم الرجال مع الرجال، إلا مع نساء أهل الذمّة، فقيل: حكمهنّ في النظر إلى أجساد المسلمات حكم الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَآءِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] على خلاف بين المفسّرين في معناه. وحكم المرأة فيما تراه من الرجل حكم الرجل فيما يراه من ذوي محارمه من النساء، وقد قيل: حكم المرأة فيما تراه من الرجل كحكم الرجل فيما يراه من المرأة، والأول أصحّ. وأما الأمة فالعورة منها ما تحت ثدييها، ولها أن تُبدي رأسها ومِعْصمها، وقيل: حكمها حكم الرجال، وقيل: يُكره لها كشف معصمها ورأسها (١) ((شرح النوويّ)) ٣١/٤. ٢٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض وصدرها، وكان عمر رَُّّه يضرب الإماء على تغطية رؤوسهنّ، ويقول: لا تتشبّهن بالحرائر. وحكم الحرائر في الصلاة ستر جميع أجسادهنّ إلا الوجه والكفّين، وهذا قول مالك، والشافعيّ، والأوزاعيّ، وأبي ثور، وكافّة السلف، وأهل العلم. وقال أحمد بن حنبل: لا يُرى منها شيء، ولا ظفرها، ونحوه قول أبي بكر بن عبد الرحمن. وأجمعوا أنها إن صلّت مكشوفة الرأس كلّه أن عليها إعادة الصلاة، واختلفوا في بعضه، فقال الشافعيّ، وأبو ثَوْر: تُعيد، وقال أبو حنيفة: إن انكشف أقلّ من ثلثه لم تُعِدْ، وكذلك أقلّ من ربع بطنها، أو فخذها، وقال أبو يوسف: لا تُعيد في أقلّ من النصف، وقال مالك: تُعيد في القليل والكثير من ذلك في الوقت. واختُلف عندنا - أي المالكيّة - في الأمة تصلّ مكشوفة البطن، هل يُجزئها، أو لا بدّ من سترها جسدها؟. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: كلُّ شيء من الأمة عورة حتى ظفرها. انتهى كلام القرطبيّ تَظّفُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: أرجح المذاهب عندي مذهب من قال: إن الفخذ من العورة؛ الأحاديث الواردة في ذلك: (منها): حديث عليّ رَظُه، قال: قال لي النبيّ وَله: ((ولا تُبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت))، رواه أبو داود، وابن ماجه، وهو حديث حسن لشواهده. (ومنها): حديث جَرْهَدِ الأسلميّ، قال: مرّ رسول الله بَّه وعليّ بُردة، وقد انكشف فخذي، فقال: ((غَطّ فخذك، فإن الفخذ عورة))، رواه مالك، وأحمد، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ، وصححه ابن حبّان، وعلّقه البخاريّ في (صحيحه))، وضعّفه في ((تاريخه)) للاضطراب في إسناده(٢). (١) ((المفهم)) ٥٩٦/١ - ٥٩٨. (٢) راجع: بيان الاضطراب في: ((التاريخ الكبير)) ٢٤٨/٢ - ٢٤٩، و((نصب الراية)) ٤/ ٢٤٣ - ٢٤٤.