النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦٠)
(الثالث): يحيى بن سُليم، فقد رواه السرّاج من طريق يحيى بن سُليم،
عن هشام بن عروة، قاله الحافظ أيضاً(١).
(الرابع): أبو حمزة السُّكّريّ، عن هشام، فقد رواه ابن حبّان من طريقه،
في ((صحيحه)) (٢/ ٣٢٠) وفيه: ((فاغتسلي، وتوضّئي لكلّ صلاة)).
والحاصل أن زيادة أمر المستحاضة بالوضوء في حديث فاطمة من طريق
هشام ثابتٌ عن حماد بن زيد، عند النسائيّ، وأشار إليه المصنّف هنا، وأبي
معاوية عند البخاريّ، والترمذيّ، وحماد بن سلمة عند الدارميّ، ويحيى بن
سُليم عند السّرّاج، وأبي حمزة السّكّري عند ابن حبّان.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن المستحاضة يجب عليها الوضوء لكلّ
صلاة؛ لصحّة الأمر به في هذا الحديث، وأما الغسل فلا يجب عليها إلا مرّة
عند انقضاء حيضها، وأما في كلّ وقت فمن باب الاستحباب، كما أسلفنا
تحقيقه، فتنبه لهذه الفوائد المهمّة، والله تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه آخر]: أما رواية أبي معاوية التي أحالها المصنّف على رواية
وكيع، فقد أخرجها البخاريّ: في ((صحيحه))، فقال:
(٢٢٨) حدثنا محمد - هو ابن سلام - قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش
إلى النبيّ ◌َّ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أُستحاض، فلا أطهر، أفأدع
الصلاة؟ فقال رسول الله وَله: ((لا، إنما ذلكِ عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت
حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي))، قال: وقال
أبي: ((ثم توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت)). انتهى.
وأما رواية حماد بن زيد، فقد أخرجها النسائيّ: في ((سننه))، فقال:
(٢١٧) أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربيّ، قال: حدثنا حماد - وهو ابن
زيد - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضيثنا قالت: استُحِيضت فاطمة
بنت أبي حبيش، فسألت النبيّ وَّه، فقالت: يا رسول الله، إني أُستحاض، فلا
أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله وَله: ((إنما ذلكِ عرق، وليست بالحيضة،
(١) ((الفتح)) ٤١٨/١.

١٤٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك أثر الدم،
وتوضئي، فإنما ذلك عرق، وليست بالحيضة))، قيل له: فالغسل؟ قال: ((ذلك
لا يشك فيه أحد)). انتهى.
وأما رواية عبد العزيز الدراورديّ، وجرير بن عبد الحميد، فلم أجد من
أخرجهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٧٦١] (٣٣٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح)، وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا
قَالَتِ: اسْتَفْتَتَّ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ (١)، رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ،
فَقَالَ: ((إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ صَلِّي))، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قَالَ
اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لَمْ يَذْكُرٍ (٢) ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ
جَحْشٍ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ، وقَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِي
رِوَايَتِهِ: ابْنَةُ جَحْشٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أُمَّ حَبِيبَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، فقيهٌ، إمام [٧] (ت١٧٥) (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٣ - (ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب
الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، الإمام الحجة الثبت الفقيه، من رؤوس [٤]
(ت١٢٥)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
والباقون تقدّموا قبله.
(١) وفي نسخة: (ابنة جحش)).
(٢) وفي نسخة: ((ولم يذكر)) بالواو.

١٤٣
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦١)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظُّْهُ، وله فيه شيخان، فرّق
بينهما بالتحويل؛ لاختلاف صيغ أدائهما، فالأول قال: ((حدّثنا ليث))، لأنه
سمعه من لفظه مع غيره، والثاني قال: ((أخبرنا الليث))؛ لكونه سمع قراءة من
يقرأ عليه، وأيضاً اختلفا في إدخال ((أل)) على ((ليث))، وهو جائز؛ للمح
الأصل، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به
هو، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من ابن شهاب، والباقون مصريّون،
وقتيبة وإن كان بَغْلانيّاً، إلا أنه سكن مصر أيضاً.
٤ - (ومنها): مسلسلٌ بالفقهاء.
٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة،
عن خالته عائشة
٦ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة فيها من المكثرين
السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ضَّا (أَنَّهَا قَالَتِ: اسْتَفْتَتْ)، أي طلبت الْفَتْوى، ويقال:
الْفُتْيا، وهو اسم مِن أفتى العالم: إذا بَيَّن الحكم (١). (أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ)،
وفي نسخة: ((ابنة جحش))، وهي أخت زينب أم المؤمنين، وهي مشهورة
بكنيتها، وقد قيل: اسمها حبيبة، وكنيتها أم حبيب، بغير هاء، قاله الواقديّ،
وتبعه الحربيّ، ورجحه الدارقطنيّ، والمشهور في الروايات الصحيحة: ((أم
حبيبة)) بإثبات الهاء، وكانت زوج عبد الرحمن بن عوف، كما ثبت عند
المصنّف من رواية عمرو بن الحارث الآتية.
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٦٢.

١٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
ووقع في ((الموطأ)) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي
سلمة: ((أن زينب بنت جحش، التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، كانت
تُستحاض ... )) الحديث، فقيل: هو وَهَمٌّ، وقيل: بل صوابٌ، وأن اسمها
زينب، وكنيتها أم حبيبة، وأما كون اسم أختها، أم المؤمنين زينب، فإنه لم
يكن اسمها الأصليّ، وإنما كان اسمها بَرَّة، فَغَيَّرَه النبيّ ◌َّ .
وفي أسباب النزول للواحديّ أن تغيير اسمها كان بعد أن تزوجها
النبيّ مَ﴾، فلعله ◌َّ سماها باسم أختها؛ لكون أختها غلبت عليها الكنية،
فأُمِن اللبس.
ولهما أخت أخرى، اسمها حَمْنة - بفتح المهملة، وسكون الميم، بعدها
نون - وهي أيضاً إحدى المستحاضات، كما تقدم.
قال الحافظ تَّتُهُ: وتَعَسَّف بعض المالكية، فزعم أن اسم كلٍّ من بنات
جحش زينب، قال: فأما أم المؤمنين، فاشتهرت باسمها، وأما أم حبيبة،
فاشتهرت بكنيتها، وأما حمنة، فاشتهرت بلقبها، ولم يأتِ بدليل على دعواه
بأن حمنة لقبٌ.
ولم ينفرد ((الموطأ)) بتسمية أم حبيبة زينب، فقد روى أبو داود الطيالسيّ
في ((مسنده)) عن ابن أبي ذئب حديث الباب، فقال: إن زينب بنت جحش.
انتھی(١).
وقال النوويّ ◌َّتُهُ: وأما قوله: ((أم حبيبة))، فقد قال الدارقطنيّ: قال
إبراهيم الحربيّ: الصحيح أنها أم حبيب، بلا هاء، واسمها حبيبة، قال
الدار قطنيّ: قول الحربيّ صحيح، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن، قال
غيره: وقد رُوي عن عمرة، عن عائشة أن أم حبيب. وقال أبو عليّ الغسانيّ:
الصحيح أن اسمها حبيبة، قال: وكذلك قاله الحميديّ، عن سفيان(٢).
وقال ابن الاثير: يقال لها: أم حبيبة، وقيل: أم حبيب، قال: والأول
أكثر، وكانت مستحاضة، قال: وأهل السير يقولون: المستحاضة أختها حَمْنة
(١) ((الفتح)) ٥٠٨/١ - ٥٠٩.
(٢) راجع: ((تقييد المهمل)) ٧٩٤/٣ - ٧٩٦.

١٤٥
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦١)
بنت جحش، قال ابن عبد البر: الصحيح أنهما كانتا تستحاضان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي الجمع بين هذه الراويات،
فأم حبيبة كنيتها، كما صحّ في مسلم، وتقدّم عن الحافظ أنه المشهور في
الروايات، ويقال لها أيضاً: أم حبيب بلا هاء، واسمها زينب، كما صحّ عن
مالك، وابن أبي ذئب، ويقال لها أيضاً حبيبة، كما صحّ في رواية الحميديّ
عن سفيان.
وأما تغليط مالك في تسميتها بزينب، فلا وجه له؛ لأنه إمام متقن، على
أنه لم ينفرد بذلك، بل تابعه عليه ابن أبي ذئب، كما تقدّم آنفاً، وكذلك تغليط
تكنيتها بأم حبيبة، لا وجه له؛ لصحّته في رواية مسلم، بل هو المشهور في
الروايات، كما تقدّم، فتصحيح الدارقطنيّ، تبعاً لإبراهيم الحربيّ كون كنيتها أم
حبيب بلا هاء، محلّ نظر، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)) عند شرح حديث عائشة خيرًا: ((أن بعض أمهات
المؤمنين اعتكفت، وهي مستحاضة)).
قوله: ((بعض نسائه)). قال ابن الجوزيّ ما عرفنا من أزواج النبيّ بَطِّ مَن
كانت مستحاضةً، قال: والظاهر أن عائشة أشارت بقولها: ((من نسائه))، أي
النساء المتعلقات به، وهي أم حبيبة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش.
قال الحافظ: يرد هذا التأويل قوله في الرواية الثانية: ((امرأة من
أزواجه))، وقد ذكرها الحميديّ عقب الرواية الأولى، فما أدري كيف غَفَل عنها
ابن الجوزيّ؟، وفي الرواية الثالثة: ((بعض أمهات المؤمنين))، ومن المستبعد أن
تعتكف معه * امرأة غير زوجاته، وإن كان لها به تعلق.
وقد حَكَى ابن عبد البر أن بنات جحش الثلاث، كُنّ مستحاضات: زينب
أم المؤمنين، وحمنة زوج طلحة، وأم حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف، وهي
المشهورة منهنّ بذلك.
وذكر أبو داود من طريق سليمان بن كثير، عن الزهريّ، عن عروة، عن
عائشة: ((استحيضت زينب بنت جحش، فقال لها النبيّ وَّل: اغتسلي لكل
صلاة))، وكذا وقع في ((الموطأ)) أن زينب بنت جحش استحيضت، وجزم ابن

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
عبد البر بأنه خطأ؛ لأنه ذكر أنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، والتي
كانت تحت عبد الرحمن بن عوف إنما هي أم حبيبة أختها .
وقال شيخنا الإمام البلقينيّ: يُحْمَل على أن زينب بنت جحش استحيضت
وقتاً، بخلاف أختها، فإن استحاضتها دامت.
قال الحافظ: وكذا يُحْمَل على ما سأذكره في حقّ سودة وأم سلمة، والله
أعلم.
قال: وقرأت بخط مغلطاي في عَدّ المستحاضات في زمن النبيّ وَلِّ قال:
وسودة بنت زمعة، ذكرها العلاء بن المسيب، عن الحكم، عن أبي جعفر،
محمد بن علي بن الحسين، فلعلها هي المذكورة.
قال الحافظ: وهو حديث ذكره أبو داود، من هذا الوجه تعليقاً، وذكر
البيهقيّ أن ابن خزيمة أخرجه موصولاً، قال الحافظ: لكنه مرسلٌ؛ لأن أبا
جعفر تابعيّ، ولم یذکر من حدثه به.
قال: وقرأت في ((السنن)) لسعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم،
حدثنا خالد هو الحذاء، عن عكرمة، أن امرأة من أزواج النبيّ وَل# كانت
معتكفةً، وهي مستحاضةٌ، قال: وحدثنا به خالد مرةً أخرى، عن عكرمة، أن
أم سلمة، كانت عاكفةً، وهي مستحاضةٌ، وربما جَعَلت الطست تحتها، قال
الحافظ: وهذا أولى ما فُسِّرت به هذه المرأة؛ لاتحاد المخرج.
وقد أرسله إسماعيل ابن علية، عن عكرمة، ووصله خالد الطحان،
ويزيد بن زريع، وغيرهما، بذكر عائشة فيه، ورجح البخاريّ الموصول،
فأخرجه، وقد أخرج ابن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية هذا الحديث، كما
أخرجه سعيد بن منصور بدون تسمية أم سلمة، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
وقوله: (رَسُولَ اللهِ وَ لَهَ) بالنصب على المفعوليّة لـ((استفتت)) (فَقَالَتْ) هذا
تفسير لمعنى ((استفتت)) (إِنِّي أَسْتَحَاضُ) بضمّ الهمزة، مضارع استُحيضت المرأة
بالبناء للمفعول: إذا استمرّ بها الدم في غير أيام الحيض، (فَقَالَ) وَلِّ ((إِنَّمَا
ذَلِكِ عِرْقٌ)، أي دم ◌ِرْق انفجر، بسسب ركضة الشيطان، (فَاغْتَسِلِي)، وفي
(١) ((الفتح)) ٤٩٠/١ - ٤٩١.

١٤٧
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦١)
رواية عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب الآتية: ((إن هذه ليست بالحيضة،
ولكنّ هذا عرق، فاغتسلي، وصلّي))، وفي رواية عراك، عن عروة الآتية:
((امكُني قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلّي))، (ثُمَّ صَلِّي))) فيه
وجوب الصلاة على المستحاضة، وهو مُجْمَعٌ عليه، كما تقدّم بيانه، (فَكَانَتْ)
أم حبيبة (تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)، أي عند إرادة أداء كلّ صلاة (قَالَ اللَّيْثُ بْنُ
سَعْدٍ: لَمْ يَذْكُرٍ)، وفي نسخة: ((ولم يذكر)) بالواو (ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَله
أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ) معنى
كلامه: أن ابن شهاب في رواية الليث بن سعد عنه لم يذكر أمر النبيّ وَّ لها
بالاغتسال، بل إنما كانت تغتسل من عند نفسها، وقد اختلف في هذا
الاغتسال، هل هو من عندها، أو بأمر النبيّ وَل﴾؟ وسيأتي تحقيقه قريباً - إن
شاء الله تعالى -.
(وَقَالَ ابْنُ رُمْحِ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنَةُ جَحْشٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أُمَّ حَبِيبَةَ) معنى
كلامه أن في رواية شَّيخه محمد بن رُمح وقع قوله: ((استفتت ابنة جحش))،
بدل قول قتيبة: ((استفتت أم حبيبة))، وهذا من احتياطات المصنّف ◌َظُّهُ،
وشدّة تحرّيه في أداء ما سمع كما سمع، وإن لم يختلف المعنى؛ إذ لا اختلاف بين
ابنة جحش، وأم حبيبة، وقد تقدّم له نظير هذا غير مرّة، ونبّهت عليه مرَاراً، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌ِّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [١٣ / ٧٦١ و٧٦٢ و٧٦٣ و٧٦٤
و ٧٦٥ و٧٦٦] (٣٣٤)، و(البخاريّ) في ((الحيض)) (٣٢٧)، و(أبو داود) في
(الطهارة)) (٢٩٠)، و(النسائيّ) فيها (١١٧/١ و١١٩)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٨٣/٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٩٦/١ و١٩٩)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (١٣٥٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٣١/١ و٣٤٩)، و(الطحاويّ)
في ((شرح معاني الآثار)) (٩٩/١)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (١٧٣/١ - ١٧٤)،

١٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٣٠ و٩٣١ و٩٣٢ و٩٣٣ و٩٣٥ و٩٣٦)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٤٩ و٧٥٠ و٧٥١ و٧٥٢ و٧٥٣ و٧٥٤ و٧٥٥)، والله
تعالى أعلم.
وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله
تعالى وليّ التوفيق.
(المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في أمر النبيّ وَلّر أم حبيبة.
بالاغتسال لكلّ صلاة:
(اعلم): انهم اختلفوا فيه، فقد ذكر المصنّف عن الليث بن سعد أنه شيء
فعلته هي، وقال النووي في ((شرح المهذّب)): لم يصحّ عن النبيّ يَّ أنه أمرها
بالغسل إلا مرّة واحدة عند انقطاع الحيض. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لم يصحّ إلخ فيه نظر، بل صحّ وثبت من
حديث الزهريّ، من رواية سليمان بن كثير، وابن إسحاق، عنه، ومن رواية ابن
أبي كثير، عن أبي سلمة، ومن رواية يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد،
عن عمرة، كما سيأتي بيانه قريباً، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى
أعلم.
ثم ذكر النوويّ عن الشافعيّ أنه قال: إنما أمرها رسول الله وَ لا أن
تغتسل، وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، قال: ولا أشكّ
أن غسلها كان تطوّعاً غير ما أُمرت به، وذلك واسع لها. انتهى (١).
وممن تصدّى لتضعيف رواية الأمر بالغسل لكل صلاة البيهقيّ في ((سننه))،
لكن ردّ عليه العلّامة المحقّق ابن التركمانيّ، فأجاد، وأفاد، ودونك حوارهما:
أخرج البيهقيّ تَخْلُ بسنده عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي بكر بن
محمد، عن عمرة، عن عائشة، أن أم حبيبة استُحيضت، فذكرت للنبيّ وَ ن
ذلك، فقال: ((إنها ليست بحيضة، ولكنها رَكْضة من الرحم، فلتنظر قدر أقرائها
التي كانت تحيض، فتترك الصلاة، ثم تغتسل عند كل صلاة، وتصلي)).
قال البيهقيّ: قال بعض مشايخنا: خبر ابن الهاد غير محفوظ.
(١) نقله النووي في: ((المجموع)) ٤٣٦/٢.

١٤٩
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦١)
فردّ ذلك ابن التركمانيّ كَّتُهُ بقوله: إن أراد غير محفوظ عنه، فليس
كذلك، فإن البيهقيّ أخرجه من طريق ابن أبي حازم عنه، وأخرجه النسائيّ من
طريق بكر بن مضر عنه، وأخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) من طريق عبد العزيز
الدّراورديّ عنه، فهؤلاء ثلاثة رووه عنه.
وإن أراد أنه غير محفوظ منه، فليس كذلك أيضاً؛ لأن ابن الهاد من
الثقات المحتجّ بهم في ((الصحيح)).
ثم أسند البيهقيّ من طريق أبي داود بسنده عن ابن إسحاق، عن الزهريّ،
عن عروة، عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش: ((استحيضت في عهد
رسول الله (، فأمرها بالغسل لكل صلاة))، ثم قال البيهقيّ: رواية ابن إسحاق
عن الزهريّ غلط؛ لمخالفتها سائر الرواة عن الزهريّ.
فردّه ابن التركمانيّ بقوله: المخالفة على وجهين: مخالفة ترك، ومخالفة
تعارض وتناقض، فإن أراد مخالفة الترك والتناقض، فلا تناقض في ذلك، وإن
أراد مخالفة التعارض فليس كذلك؛ إذ الأكثر فيه السكوت عن أمر النبيّ وَلـ
لها بالغسل عند كلّ صلاة، وفي بعضها أنها فعلته هي، وقد تابع ابن إسحاق
سليمانُ بن كثير، كما ذكره البيهقيّ قريباً، وخبر ابن الهاد المتقدّم شاهد لذلك.
ثم قال البيهقيّ: وكيف يكون الأمر بالغسل عند كلّ صلاة ثابتاً من
حديث عروة؟ وقد أخبرنا أبو أحمد، فذكر بسنده عن عروة قال: ليس على
المستحاضة إلا أن تغتسل غُسلاً واحداً، ثم تتوضّأ بعد ذلك للصلاة، وأسند
عن عائشة نحوه.
قال ابن التركمانيّ: كأنه ضعّف الأمر بالغسل لكلّ صلاة بمخالفة فتوى
عروة وعائشة له، وقد عُرف من مذهب المحدّثين أن العبرة لما رَوَى الراوي،
لا لرأيه.
ثم ذكر البيهقيّ من طريق الحسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن
أبي مسلم، أخبرتني زينب بنت أبي سلمة أن امرأةً كانت تُهراق الدم، وكانت
تحت عبد الرحمن بن عوف، فأمرها النبيّ وَّر أن تغتسل عند كل صلاة، ثم
قال: خالفه هشام الدستوائيّ، فأرسله، ثم ذكر من جهة هشام، عن يحيى، عن
أبي سلمة، أن أم حبيبة سألت ... إلخ.

١٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
قال ابن التركمانيّ: في تسمية هذا مرسلاً نظرٌ، وعلى تقدير تسليمه قد
عُرف ما في الإرسال مع زيادة الثقة للإسناد ... إلى آخر كلامهما رحمهما الله
تعالی.
قال الجامع عفا الله عنه: الإرسال الذي ذكره البيهقيّ في روايته فقط،
وسيأتي في رواية ابن حزم أنه قال: ((عن أم حبيبة))، فرواه بـ(عن))، فثبت
اتّصاله، فظهر بهذا أن حديث الأمر بالغسل صحيح، وأن العلل التي ذكروها
غير مقبولة على قواعد المحدّثين، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
ولقد أجاد الإمام الناقد أبو محمد بن حزم في سوق الأحاديث في كتابه
((الْمُحَلَّى)) حيث قال: حدثنا حُمَام بن أحمد، ثنا عباس بن أصبغ، ثنا محمد بن
عبد الملك بن أيمن، ثنا علان، ثنا محمد بن بشار، ثنا وهب بن جرير بن
حازم، ثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، هو ابن
عبد الرحمن بن عوف، عن أم حبيبة بنت جحش، أنها كانت تُهَراق الدم،
وأنها سألت رسول الله وَ ير، فأمرها أن تغتسل لكل صلاة.
وبه إلى ابن أيمن: ثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي، ثنا أبو معمر، ثنا
عبد الوارث بن سعيد التّنُّوريّ، عن الحسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير،
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة
المخزوميّ: ((أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف،
وأن رسول الله ولي أمرها أن تغتسل عند كل صلاة، وتصلي)).
قال: زينب هذه ربيبة رسول الله وَ﴿ نشأت في حجره علّلا، ولها
صحبة(١).
وبه إلى ابن أيمن: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي،
حدثني محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة بن
الزبير، عن أم حبيبة بنت جحش، ((أنها استُحيضت، فأمرها رسول الله وَله
بالغسل عند كل صلاة».
حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا ابن السليم، ثنا ابن الأعرابي، ثنا أبو داود،
(١) لكن لم يثبت لها رواية، فتنبّه.

١٥١
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦١)
ثنا هناد بن السريّ، عن عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن
الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: ((أن أم حبيبة بنت جحش استُحيضت في عهد
رسول الله وَيّ، فأمرها بالغسل لكل صلاة)).
حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا عمر بن عبد الملك الخولانيّ، ثنا محمد بن
بكر، ثنا أبو داود، ثنا وهب بن بقية، ثنا خالد بن إسماعيل، عن سهيل بن أبي
صالح، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عُميس، قالت: يا
رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استُحيضت، فقال رسول الله وَّه: ((لتغتسل
للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل
للفجر غسلاً، وتتوضأ فيما بين ذلك)).
قال ابن حزم: فهذه آثار في غاية الصحة، رواها عن رسول الله وَلّ أربع
صواحب: عائشة أم المؤمنين، وزينب بنت أم سلمة(١)، وأسماء بنت عُميس،
وأم حبيبة بنت جحش، ورواها عن كلّ واحدة، من عائشة، وأم حبيبة عروة،
وأبو سلمة، ورواه أبو سلمة عن زينب بنت أم سلمة، ورواه عروة عن أسماء.
انتهى كلام ابن حزم باختصار(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في رواية البيهقيّ أنه ثابت أيضاً من
رواية ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عمرة، عن عائشة رضيّا، وقد
أجاد البحث في هذا الشيخ الألباني كَّتُهُ في ((صحيح أبي داود))، فراجعه(٣).
والحاصل أن الحديث في أمر النبيّ وَّ بغسل المستحاضة لكلّ صلاة
ثابت، فوجب القول به، وأما تغليط الحفّاظ كما ادّعاه البيهقيّ، وغيره، أو
دعوى النسخ كما ادّعاه الطحاويّ، فغير صحيح، بل الأولى والأحسن الجمع
بين الأحاديث بحمل الأمر على الندب كما هو رأي الجمهور، والصارف له
عن الوجوب صحة أمره وَ لّ لها بالوضوء لكلّ صلاة، وقد أشبعت البحث في
المستحاضة في ((شرح النسائيّ))(٤)، فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى
(١) فيه نظر؛ إذ لم يثبت أنها سمعت منه وَله، فتنبه.
(٢) راجع: ((المحلّى)) ٢١١/٢ - ٢١٣.
(٣) ٧٠/١ - ٨٦.
(٤) راجع: ((المجتبى)) ١٦٣/٤ - ١٦٧ و١٧٨ - ١٨٤.

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٧٦٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ بَّهِ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، خَتَنَةً
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ (١)، اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ،
فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ نَّهِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ
بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنَّ (٢) هَذَا عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي، وَصَلِّي))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ
فِي مِرْكَنٍ، فِي حُجْرَةٍ أُخْتِهَا، زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّم الْمَاءَ، قَالَ
ابْنُ شِهَابٍ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ،
فَقَالَ: يَرْحَمُ اللهُ هِنْدَاً، لَوْ سَمِعَتْ بِهَذِهِ الْفُتْيَا، وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَتَبْكِي؛ لِأَنَّهَا كَانَتَّ
لَا تُصَلِّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١١] (ت٢٤٨) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ
الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في (الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٤ - (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ) بن سعد بن زرارة الأنصاريّة المدنيّ، ثقةٌ
[٣] ماتت قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدمت في ((المقدمة)) جـ٢ ص٤١٧.
والباقون تقدّموا قبله.
(١) وفي نسخة: ((وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف)).
(٢) وفي نسخة: ((وَلَكِنْ)) بتخفيف النون.

١٥٣
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦٢)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له
البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ) قال النوويّ تَذْتُ: هكذا
وقع في هذه الرواية، عن عروة بن الزبير، وعمرة، وهو الصواب، وكذلك
رواه ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، عن عروة، وعمرة، وكذلك رواه يحيى بن
سعيد الأنصاريّ، عن عروة، وعمرة، كما رواه الزهريّ، وخالفهما الأوزاعيّ،
فرواه عن الزهريّ، عن عروة، عن عمرة بـ((عن))، جَعَلَ عروة راوياً عن عمرة.
انتهى كلام النوويّ كَّهُ(١).
وقال الجامع عفا الله عنه: وهكذا وقع عند البخاريّ في (صحيحه)) من
طريق ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، ولفظه: ((عن عروة، وعن عمرة)) بإعادة
الجارّ، قال في ((الفتح)): يعني كلاهما عن عائشة، كذا للأكثر، وفي رواية أبي
الوقت وابن عساكر بحذف الواو، فصار من رواية عروة عن عمرة، وكذا ذكر
الإسماعيليّ أن أحمد بن الحسن الصوفي حدثهم به، عن خَلَف بن سالم، عن
مَعْن، والمحفوظ إثبات الواو، وأن الزهريّ رواه عن شيخين: عروة وعمرة،
كلاهما عن عائشة، وكذا أخرجه الإسماعيليّ وغيره من طُرُق، عن ابن أبي
ذئب، وكذا أخرجه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، وأبو داود من طريق
الأوزاعيّ، كلاهما عن الزهريّ عنهما، وأخرجه مسلم أيضاً من طريق الليث،
عن الزهريّ، عن عروة وحده - يعني الرواية الماضية - ومسلم أيضاً من طريق
إبراهيم بن سعد، وأبو داود من طريق يونس، كلاهما عن الزهريّ عن عمرة
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٤/٤.

١٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وحدها - يعني الرواية التالية - قال الدارقطنيّ: هو صحيح من رواية الزهريّ،
عن عروة وعمرة جميعاً. انتهى(١).
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ظُنَا، وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِّ) مجرورٌ على
البدليّة، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير مبتدأ، أي هي، أو النصب، بتقدير
فعل، أي أعني (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) تقدّم الخلاف في اسمها، وكنيتها في شرح
الحديث الماضي (بِنْتَ جَحْشٍ) بفتح الجيم، وسكون الحاء المهملة، آخره شين
معجمة (خَتَنَةَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ﴾ بنصب ((خَتَنَة)) على البدليّة، وهو: بفتح الخاء
المعجمة، والتاء المثنّاة من فوقُ - ومعناه: قريبة زوج النبيّ ◌َّ؛ لأنها أخت
.
زينب بنت جحش أم المؤمنين
قال الفيّوميّ كَّلُهُ: ((الْخَتَنُ)) بفتحتين عند العرب كلُّ من كان من قِبَل
المرأة، كالأب، والأخ، والجمع أَخْتان، وخَتَنُ الرجل عند العامّة: زوج ابنته،
وقال الأزهريّ: الْخَتَنُ: أبو المرأة، والْخَتَنَة: أمها، فالأَخْتان من قِبَل المرأة،
والأَحْماءُ من قِبَل الرجل، والأصهارُ يعمّهما، ويقال: المخاتنة: المصاهرة،
يقال: خاتنهم: إذا صاهرهم. انتهى (٢).
(وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ)، وفي نسخة: ((وكانت تحت
عبد الرحمن بن عوف))، والمراد أنها زوجته، قال النوويّ تَخْلُهُ: عَرَّفها بشيئين:
أحدهما: كونها أخت أم المؤمنين، زينب بنت جَحْش، زوج النبيّ ◌َّ،
والثاني: كونها زوجة عبد الرحمن. انتهى.
(اسْتُحِيضَتْ) بالبناء للمفعول (سَبْعَ سِنِينَ) قال في ((الفتح)): قيل: فيه
حجة لابن القاسم في إسقاطه عن المستحاضة قضاء الصلاة إذا تركتها ظانّةً أن
ذلك حيضٌ؛ لأنه وَلّ لم يأمرها بالإعادة، مع طول المدّة، ويحتمل أن يكون
المراد بقولها: ((سبع سنين)) بيان مدّة استحاضتها، مع قطع النظر، هل كانت
المدّة كلها قبل السؤال، أو لا؟ فلا يكون فيه حجة لما ذُكِر. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن القاسم في هذا عندي هو الحقّ، وهو
(١) ((الفتح)) ١/ ٥٠٨.
(٢) ((المصباح المنير) ١/ ١٦٤.

١٥٥
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦٢)
الذي مشى عليه شيخ الإسلام ابن تيميّة رَخْتُهُ، وقد ذكرت تحقيقه في ((التحفة
المرضيّة))، و((شرحها))، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم.
(فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ وَ لَّ فِي ذَلِك)، أي في شأن الاستحاضة، فقالت:
إني أُستحاض، أفأدع الصلاة؟، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ هَذِهِ)، أي الحالة
التي أصابتك من استمرار الدم في غير أيام العادة (لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ) تقدّم ضبطه
بالفتح، والكسر (وَلَكِنَّ) بتشديد النون، وفي نسخة بتخفيفها (هَذَا) إنما ذكّره
هنا، مع أنه أنّثه في السابق؛ نظراً للخبر، وهو قوله: (عِرْقٌ)، أي دم عرق
انفجر (فَاغْتَسِلِي وَصَلَّي)))، أي إذا مضى قدر أيام الحيض، فاغتسلي، وصلّ
الصلاة، وفي الرواية الآتية من طريق عراك، عن عروة تخّتُهُ: ((امكثي قدر ما
كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلّي))، قال النوويّ كَُّهُ: في هذين
اللفظين دليلٌ على وجوب الغسل على المستحاضة إذا انقضى زمن الحيض،
وإن كان الدم جارياً، وهذا مُجمع عليه، وقد قدّمنا بيانه. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((ولكن هذا عِرْقٌ، فاغتسلي)) قد يَتمسّك به من
يوجب الغسل على المستحاضة من حيث أمرها بالغسل، وعلّله بكونه دمَ عِرْق،
وهذا لا حجة فيه؛ لما بُيِّن في الرواية الأخرى أن هذا الغسل إنما هو
للحيضة، فإنه قال فيها: ((امكُثي قدر ما كانت تحبسُك حيضتُك، ثم اغتسلي)).
(٢) .
انتھی
.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِّ: (فَكَانَتْ)، أي أم حبيبة (تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ) بكسر
الميم، وفتح الكاف، وهو الإجّانة التي تُغسل فيها الثياب، قاله النوويّ، وفي
((القاموس)): ((الْمِرْكن)): بكسر الميم، كمِنْبَر: إناء معروف. انتهى. و((الإِجّانة)):
بكسر الهمزة، وتشديد الجيم: إناء تُغسل فيه الثياب، والجمع أَجَاجين،
والإِنْجانة لغةٌ تمتنع الفُصحاء من استعمالها، أفاده الفيّوميّ(٣).
(فِي حُجْرَةٍ أُخْتِهَا) متعلّق بـ((تغتسل))، و((الْحُجْرة) بضمّ، فسكون، وزانُ
غُرْفة: البيت، والجمع حُجَر، وحُجُرَات، كغُرَفٍ وغُرُفَات (زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ)
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٥/٤.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٦/١.
(٢) ((المفهم)) ٥٩٣/١.

١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
بجرّ ((زينب)) بالفتحة؛ لكونه غير منصرف؛ للعلميّة والتأنيث، بدل من ((أُختها))
(حَتَّى تَعْلُوَ)، أي تغلب (حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ) المراد أنها كانت تجلس في
الْمِركن، ثم تصُبّ عليها الماء من غيرها، فيستنقع الماء فيها، فتعلو حمرة الدم
السائل منها الماء؛ لكثرتها، ثم تخرج منها، فتغسل ما أصاب رجليها من ذلك
الماء المتغيّر بالدم، أفاده القرطبيّ تَذْهُ(١).
وزاد في رواية النسائيّ من طريق النعمان بن المنذر، والأوزاعيّ،
وحفص بن غَيْلان، كلهم عن الزهريّ: ((وتخرُج، فتصلي مع رسول الله وَّل،
فما يمنعها ذلك من الصلاة)).
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) تَُّ (فَحَدَّثْتُ بِذَلِك)، أي بهذا الحديث الذي حدّثه به
عروة، عن عائشة ◌َّا (أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ) بن
المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: اسمه
أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقة، فقيهٌ، عابدٌ من [٣]
(ت ٩٤) وقيل غير ذلك، وتقدّم في ((الإيمان)) ٢١٠/٢٦.
(فَقَالَ) أبو بكر لَمّا سمع هذا (يَرْحَمُ اللهُ هِنْداً) كتب في هامش نسخة
محمد ذهني تَخَُّ(٢) وهو من المحققين ما نصّه: لقوله: ((يرحم الله هنداً)) لم
يَذكُر من هي؟، فلم يُدْرَ أقريبته، أم حليلته؟ وفي آخر ((الإصابة)) لابن حجر:
((هند)) غير منسوبة وقع ذكرها في حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام، عند مسلم إلى آخر ما هنا بعينه، ولم يزد عليه شيئاً. انتهى(٣). (لَوْ
سَمِعَتْ بِهَذِهِ الْقُتْبَا) بضمّ الفاء، وسكون التاء الفوقيّة، مقصوراً، ويقال له:
الفُتْوَى، ويُجمع على الفتاوي - بكسر الواو - على الأصل، وقيل: يجوز الفتح
للتخفيف، قاله في ((المصباح))، وفي ((القاموس)): ((الْفُتْيَا، والْفُتْوَى - يعني بضم
الفاء - وتُفتح - يعني الأخيرةَ -: ما أفتى به الفقيه. انتهى(٤).
(وَاللهِ إِنْ) مخفّفة من الثقيلة، ولذا وقعت اللام الفارقة بعدها، أي إنها
(كَانَتْ لَتَبْكِي؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تُصَلِّي)، أي لاستمرار الدم بها، وظنّها أنه
(١) ((المفهم)) ٥٩٣/١.
(٣) راجع: ((الإصابة)) ٨/ ٣٥٠.
(٢) راجع: نسخته ١٨١/١.
(٤) ((القاموس المحيط)) ٣٧٣/٤.

١٥٧
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦٣)
كالحيض يمنع الصلاة، مع أن حكمه مخالف له، كما بيّنه النبيّ وَّ لأم حبيبة،
وغيرها من النساء، حين قالت: ((أفأدع الصلاة؟ قال: لا ... )) الحديث.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه،
وبقيّة مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَظْلُّ المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٧٦٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا (١)
إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ، إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَكَانَتِ
اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، إِلَى قَوْلِهِ: تَعْلُوَ حُمْرَةُ
الدَّمِ الْمَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ) الوَرَكَانيّ - بفتحتين - الخراسانيّ،
نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٥/٣٨.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنَ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو
إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان))
٩/ ١٤١.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ إلخ) يعني أن حديث إبراهيم بن
سعد مثل حديث عمرو بن الحارث، إلا أنه انتهى إلى قوله: (تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ
الْمَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
وقولها: (تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ) معناه: أنها كانت تغتسل في الْمِرْكَن،
فتجلس فيه، وتصُبّ عليها الماء، فيختلط الماء المتساقط عنها بالدم، فَيَحْمرّ
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
الماء، ثم إنه لا بدّ أنها كانت تتنظّف بعد ذلك عن تلك الغسالة المتغيّرة، قاله
النوويّ تَخْذَتْهُ(١).
[تنبيه]: رواية إبراهيم بن سعد هذه أخرجها الحافظ أبو نعيم تَظْلَتُهُ في
((المسند المستخرج على صحيح مسلم)) (٣٨١/١)، فقال:
(٧٥١) حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا
محمد بن جعفر الْوَرَكَانيّ، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عمرة
بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: جاءت أم حبيبة بنت جحش إلى
رسول الله صَلّ، وكانت استُحِيضت سبع سنين، فاشتكت ذلك إليه، واستفتته
فيه، فقال رسول الله وَله: ((إن هذا ليس بحيضة، ولكنه عِرْق، فاغتسلي، ثم
صلي))، قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة، فكانت تجلس في الْمِرْكن(٢)،
فيعلو الدم الماء، ثم تصلي. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور
الكتاب قال:
أول
[٧٦٤] (.) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ(٣)، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ ابْنَةَ جَحْشٍ، كَانَتْ تُسْتَحَاضُ سَبْعَ سِنِينَ،
بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، تقدّم في الباب
الماضي .
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٥/٤.
(٢) وقع في النسخة: ((في المركز)) بالواو بعد الميم، آخره زاي، والظاهر أنه
تصحيف، فأصلحته بما عند أبي عوانة فقد أخرجه في: ((مسنده)) (٢٦٧/١) رقم
(٩٣٠) من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، وفيه: ((وتجلس في مركز)) على
الصواب، كما وقع في مسلم، فتنبّه.
(٣) وفي نسخة: ((عن عروة)).

١٥٩
(١٣) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَغُسْلِهَا، وَصَلَاتِهَا - حديث رقم (٧٦٤)
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة المشهور، تقدّم في الباب الماضي
أيضاً .
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (عَنْ عَمْرَةَ(١)، عَنْ عَائِشَةَ). قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو في
الأصول، وكذا نقله القاضي عياض تَُّ عن جميع رُواة مسلم، إلا
السمرقنديّ، فإنه جَعَل عروة مكان عمرة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن رواية السمر قنديّ خطأ، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (أَنَّ ابْنَةَ جَحْشٍ، كَانَتْ تُسْتَحَاضُ سَبْعَ سِنِينَ). قال القاضي
عياض تَظْتُ في الرواية: إنه وقع في نسخة أبي العباس الرازيّ: ((أن زينب بنت
جحش))، قال القاضي: اختَلَف أصحاب ((الموطأ)) في هذا عن مالك، وأكثرهم
يقولون: ((زينب بنت جحش))، وكثير من الرواة يقولون: ((عن ابنة جحش))،
وهذا هو الصواب، ويُبَيِّنُ الوهمَ فيه قولُهُ: ((وكانت تحت عبد الرحمن بن
عوف))، وزينب هي أم المؤمنين، ولم يتزوجها عبد الرحمن بن عوف قطّ، إنما
تزوجها أوّلاً زيد بن حارثة، ثم تزوجها رسول الله وقدر، والتي كانت تحت
عبد الرحمن بن عوف هي أمُّ حبيبة أختها، وقد جاء مُفَسَّراً على الصواب في
قوله: (خَتَنَة رسول الله وَّل، وتحت عبد الرحمن بن عوف))، وفي قوله: ((كانت
تغتسل في بيت أختها زينب)).
قال أبو عمر بن عبد البر تَخُّْهُ: قيل: إن بنات جحش الثلاث: زينب،
وأم حبيبة، وحَمْنة، زوج طلحة بن عبيد الله، كُنّ يُسْتَحَضْنَ كلَّهنّ، وقيل: إنه
لم يستحض منهنّ إلا أم حبيبة.
وذكر القاضي يونس بن مغيث في كتابه ((الْمُوعِب)) في شرح ((الموطأ)) مثل
هذا، وذكر أن كل واحدة منهنّ اسْمُها زينب، ولُقِّبَت إحداهنّ حَمْنة، وكُنِيت
الأخرى أم حبيبة، وإذا كان هذا هكذا، فقد سَلِمَ مالك من الخطأ في تسمية أم
حبيبة زينب.
(١) وفي نسخة: ((عن عروة)).

١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقد ذكر البخاريّ من حديث عائشة فيها أن امرأة من أزواجه وَلّ، وفي
رواية: ((إن بعض أمهات المؤمنين))، وفي أخرى: ((إن النبيّ وَّ اعتَكَفَت معه
بعضُ نسائه، وهي مستحاضة)). انتهى كلام القاضي عياض ◌َّهُ(١).
وقال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ تَظُّهُ: هكذا رُوي ((أن ابنة جحش))، وفي
بعض النسخ عن أبي العبّاس الرازيّ: ((أن زينب بنت جحش كانت تُستحاض))،
وهو وَهَمٌ، والمستحاضة ليست زينب، وإنما هي أم حبيبة بنت جحش، وزعم
قوم أن اسمها حبيبة، وتُكنى أم حبيبة، ثم أخرج بسنده عن محمد بن المثنّى،
عن سفيان، عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت جحش، كانت
تُستحاض، وكذلك قال الْحُميديّ، عن سفيان، وهو الصحيح.
ثم أخرج بسنده، عن الحميديّ، عن سفيان، عن الزهريّ، عن عمرة،
عن عائشة، أن حبيبة بنت جحش استُحيضت سبع سنين، فسألت
رسول الله له ... الحديث.
قال: وحَكَى أبو الحسن الدارقطنيّ، عن أبي إسحاق الحربي، أنه قال:
الصحيح قول من قال في الحديث: ((أن أم حبيب)) بلا هاء، واسمها حبيبة.
قال أبو الحسن الدار قطنيّ: قول إبراهيم صحيحٌ، وكان من أعلم الناس
بهذا الشأن. انتهى كلام الجيّانيّ ◌َُّ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من كلام هؤلاء الأئمة -
رحمهم الله تعالى - أن رواية من روى ((زينب بنت جحش)) غلطٌ، والصواب ما
وقع في أكثر الأصول ((ابنة جحش))، وهي حبيبة أخت زينب أم المؤمنين ظًّا،
وتُكنى أم حبيب بلا هاء، كما قاله الحربيّ، وصححه الدارقطنيّ، فتفطّن، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) يعني أن سفيان بن عيينة حدث عن الزهريّ نحو
حديث الثلاثة المتقدّمين، وهم: الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث،
وإبراهيم بن سعد عن الزهريّ.
(١) ((إكمال المعلم)) ٢/ ١٨٠ - ١٨١.
(٢) ((تقييد المهمل)) ٧٩٤/٣ - ٧٩٦.