النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ، ثَلَاثاً - حديث رقم (٧٤٦) ويَحْتَمل أن تكون هذه الغرفات الثلاث للتكرار، ويَحْتَمِل أن يكون لكلّ جهة من الرأس، كما جاء ذلك في حديث القاسم بن محمد، عن عائشة وحديثا، يعني الحديث السابق: ((فبدأ بشقّ رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه))(١). ومعنى الحديث: فإني أُفيض على رأسي ثلاث حَفَنات، كلُّ حَفْنة منهنّ بملء الكفّين جميعاً، كما بيّته رواية أحمد في ((مسنده)) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صُرَد، عن جُبَير بن مُطْعِم، قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند النبيّ وَّه، فقال رسول الله وَله: ((أما أنا، فآخُذُ ملء كفي ثلاثاً، فَأَصُبُّ على رأسي، ثم أُفيض بعدُ على سائر جسدي)). ويدلّ على كون المراد ملء الكفّين ما في رواية البخاريّ، قال: ((أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثاً، وأشار بيديه كلتيهما))، أي أشار النبيّ بَّ بيديه على كيفيّة أخذه الماء. ودلّ هذا على أنه وَّ كان لا يُفيض على رأسه أكثر من ثلاث، ودلّ أيضاً على أن غسل سائر الجسد ليس فيه التثليث؛ لأنه قال: ((ثم أفيض إلخ))، ولم يذكر الثلاث، فالمطلوب فيه التعميم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جُبير بن مطعم ◌َّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٧٤٦/١٠ و٧٤٧] (٣٢٧)، و(البخاريّ) في ((الغسل)) (٢٥٤)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٢٣٩)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٣٥/١)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٥٧٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨٥٥ و٨٥٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٣١، ٧٣٢)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٤٣٩/١. ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز المناظرة، والمباحثة في العلم. ٢ - (ومنها): جواز مناظرة الفاضل بحضرة المفضول، ومناظرة الأصحاب بحضرة إمامهم وكبيرهم. ٣ - (ومنها): جواز التنازع عند النبيّ وَّل من غير رفع صوت، وأما ما أخرجه الشيخان من حديث ابن عبّاس ها قال: لَمّا اشتد بالنبيّ ◌ِنَّهِ وَجَعُه قال: ((ائتوني بكتاب، أكتبْ لكم كتاباً لا تضلوا بعده))، قال عمر: إن النبيّ وَالـ غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، فقال: ((قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع ... )) الحديث. فهذا محمولٌ على التنازع الذي يؤدّي إلى الخصام، ورفع الصوت، كما يدّل عليه سياق الحديث، فإنه صريحٌ في كون تنازعهم أدّى إلى رفع الصوت، والإخلال بالتعظيم الذي أوجبه الله رَ على الأمة بقوله: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ الآية [الحجرات: ٢]. ٤ - (ومنها): كون الإفاضة على الرأس ثلاث غرفات، وهو القدر الكافي فيه، فلا ينبغي تجاوزه؛ لأن خير الهدي هدي محمد وَّ الذي قال الله رَ في حقّه: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْذَلُهُ: في هذا الحديث استحباب إفاضة الماء على الرأس ثلاثاً، وهو مُتَّفقٌ عليه، وأَلْحَق به أصحابنا سائر البدن قياساً على الرأس، وعلى أعضاء الوضوء، وهو أولى بالثلاث من الوضوء، فإن الوضوء مبنيّ على التخفيف، ويتكرر، فإذا استُحِبّ فيه الثلاث، ففي الغسل أولى، ولا نعلم في هذا خلافاً إلا ما انفرد به الإمام أقضى القضاة، أبو الحسن الماورديّ صاحب ((الحاوي)) من أصحابنا، فإنه قال: ((لا يستحب التكرار في الغسل))، وهذا شاذّ متروكٌ. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد الماورديّ بقوله: ((لا يستحبّ التكرار في الغسل)) غسلَ الرأس، فقوله باطلٌ مردودٌ بهذه الأحاديث الصحيحة، كما (١) ((شرح النوويّ)) ٩/٤. ٦٣ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ، ثَلَاثاً - حديث رقم (٧٤٧) أشار النوويّ تَخْلُ، وإن أراد بذلك سائر الجسد - ولا أظنّه يريد إلا هذا - فالظاهر أن ما قاله هو الصواب؛ لأنه لم يُذكر في هذه الأحاديث الصحيحة التثليث إلا في الرأس، وأما سائر الجسد، ففيها الإفاضة فقط، فبأيّ دليل يقال: إن قوله شاذّ متروك؟، فتأملّ بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٦ - (ومنها): التلطّف في التعليم، حيث إنه وَّ لم يقل لهم: هذا حرامٌ، أو نحو ذلك، بل أرشدهم إلى ما هو عليه من الهدي؛ ليهتدوا به، فما أكرمه بلير من معلّم، وأحسنه من مرشد ◌َّد. ٧ - (ومنها): أنه قد يستفاد منه أن الوضوء قبل الغسل غير واجب، حيث لم يذكره وَ ﴿ هنا، لكن يُجاب عنه بأنه إنما ذَكَرَ محلّ التنازع، حيث قال بعضهم: إني أغسل رأسي كذا وكذا مرّةً، وقد تقدّم ترجيح القول بعدم وجوب هذا الوضوء، وإنما هو مستحبّ، بدليله، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الکتاب قال: [٧٤٧] (.) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: ((أَمَّا أَنَا فَأُفْرِغُ عَلَىَّ رَأْسِي ثلاثا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بن عثمان الْعَبديّ، أبو بكر البصريّ المعروف بُنْدَار، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغُنْدر، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. والباقون تقدّموا قبله، وكذا شرح الحديث، ومسائله. وقوله: (أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْغُسْلُ) ببناء الفعل للمفعول، و((الغسل)) نائب ٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض فاعله، والضميران للنبيّ وَّه، ويَحْتَمِل أن يكون الأول ضمير الشأن، والجملة تفسير له، والثاني للنبيّ وَله . وقوله: (فَأَفْرِغُ) بضم الهمزة، من الإفراغ، مبنيّاً للفاعل، وهو بمعنى ((أُفيض))، أي أصبّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ◌َّثهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٤٨] (٣٢٨) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، قَالَا: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،َ أَنَّ وَقْدَ ثَقِيفٍ سَأَلُوا النَّبِّ وََّ، فَقَالُوا: إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضٌ بَارِدَةٌ، فَكَيْفَ بِالْغُسْلِ؟ فَقَالَ: (أَمَّا أَنَا فَأَفْرِغُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثاً)، قَالَ ابْنُ سَالِم فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، وَقَالَ: إِنَّ وَقْدَ ثَقِيفٍ قَالُوا: يَا رَسُولُ اللهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام المذكور أول الباب. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم) الصائغ البغداديّ، نزيل مكة، والد محمد، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن ابن علية، وهشيم، وعباد بن عباد، ويزيد بن هارون، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، والبخاريّ في غير ((الجامع))، وابن أبي عاصم، وابنه محمد بن إسماعيل، ويعقوب بن سفيان. قال الصَّدَفيّ: سألت أبا صالح بن عبيد الله، عن محمد بن إسماعيل الصائغ، فقال: ثقة مأمونٌ، وأبوه ثقة، وذَكَره ابن حبان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث فقط. [تنبيه]: قال أبو بكر الخطيب البغداديّ كَّهُ: إسماعيل بن سالم اثنان: أحدهما يروي عن هشيم، وهو الصائغ، والآخر يَروِي عنه هُشيم، وهو (١) وفي نسخة: ((وحدثني)). ٦٥ (١٠) - بَابُ اسْتِخْبَابِ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ، ثَلَاثاً - حديث رقم (٧٤٨) الأسديّ. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: إسماعيل بن سالم الأسديّ له عند المصنّف حديث واحد سيأتي في ((كتاب القسامة، والمحاربين)) برقم (١٦٨٠) حديث: ((القاتل والمقتول في النار ... )) الحديث. ٣ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٤ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وَحْشيّة، واسمه: جعفر بن إياس، ثقةٌ، من أثبت الناس في سعيد بن جُبير [٥] (ت٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٧٨/٩. ٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) هو: طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ صلّ، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َُّ، وله فيه شيخان قرن بینھما . ٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو بشر، عن أبي سفيان، وكلاهما ممن اشتهر بكنيته. ٣ - (ومنها): أن فيه قولَهُ في آخر الحديث: ((قَالَ ابْنُ سَالِم فِي رِوَايَتِهِ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ))، قال النوويّ كَّتُهُ: فيه فائدةٌ عظيمةٌ من دقائق هذا العلم ولطائفه، وهي مُصَرِّحة بغَزَارة علم مسلم تََّثُ، ودقيق نظره، وهي أن هشيماً: مُدَلِّسٌ، وقد قال في الرواية المتقدمة: ((عن أبي بِشْر))، والمدلِّس إذا قال: ((عن)) لا يُحتَجّ به إلا اذا أثبت سماعَهُ ذلك الحديثَ من ذلك الشخص الذي عنعن عنه، فَبَيَّن مسلم أنه ثبت سماعه من جهة أُخرى، وهي رواية ابن (١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ١٥٣/١ - ١٥٤. ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض سالم، فإنه قال فيها: ((أخبرنا أبو بشر))، وقد قَدّمنا مَرّاتٍ بيانَ مثلِ هذه الدقيقة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ تَذَُّهُ(١). ٤ - (ومنها): أن جابراً بهبه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) طََّا (أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ) ((الْوَفْد)) بفتح الواو، وسكون الفاء: جمع وافد، وهم القوم يجتمعون، ويَرِدون البلاد، وكذلك الذين يَقصِدون الأمراء لزيارةٍ، واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك، قاله ابن الأثير(٢). وقال في ((القاموس)): وَفَدَ إليه، وعليه يَفِدُ وَفْداً، وَوُفُوداً، ووِفَادً، وإِفَادةً: قَدِمَ، وورَدَ، وأوفده عليه، وإليه، وهم: وُفُودٌ، ووَفْدٌ، وأوفادٌ، ووُقَّدٌ. انتهى (٣). وقد تقدّم البحث بأتمّ من هذا في ((كتاب الإيمان)) عند شرح حديث قصّة وفد عبد القيس، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. و((ثَقِيف)) - بفتح الثاء المثلّثة، وكسر القاف، آخره فاء بوزن أَمِير -: أبو قبيلة من هَوَازن، واسمه قَسِيّ بن مُنَبِّه بن بكر بن هَوَازن، قاله في (القاموس))(٤). وقال في ((اللباب)): هو: ثَقِيف بن منبِّه بن بكر بن هَوَازن بن منصور بن عِكرمة بن خَصَفَة بن قيس عَيْلان بن مُضَر، وقيل: إن اسم ثَقِيف قسيّ. انتھی(٥) . (سَأَلُوا النَّبِيَّ ◌َِّ، فَقَالُوا) تفسير لمعنى ((سألوا)) (إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضٌ بَارِدَةٌ)، أي في الشتاء، وكانت ثقيف تسكن الطائف، وهي مصيف أهل الحجاز؛ لأن جوّها باردٌ شتاءً، معتدلٌ صيفاً(٦). (فَكَيْفَ بِالْغُسْلِ؟) الفاء فصيحيّة وقعت في جواب شرط مقدّر، أي إذا كانت أرضنا باردةً، وغسل الجنابة واجب علينا، فعلى أيّ حالة؟ وبكم حَفْنة (١) ((شرح النوويّ)) ١٠/٤. (٢) ((النهاية)) ٢٠٩/٥. (٣) ((القاموس المحيط)» ص٢٩٥. (٤) ((القاموس المحيط)) ص٧١٥. (٥) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٤٠/١ - ٢٤١. (٦) ((فتح المنعم)) ٣٣٣/٢. ٦٧ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ، ثَلَاثاً - حديث رقم (٧٤٨) نغتسل؟، و(كيف)) خبر مقدّمٌ، والباء زائدة، و((الغسل)) مبتدأ مؤخّرٌ، (فَقَالَ) النبيّ وَّرِ ((أَمَّا أَنَا فَأَفْرِغُ) بضمّ الهمزة، وتخفيف الراء المكسورة، مبنيّاً للفاعل، من الإفراغ، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: وأفرغت الشيء: صببته إذا كان يَسيل، أو من جوهر ذائب. انتهى(١). ويَحْتَمل أن يكون بتشديد الراء، من التفريغ، وقد أثبته في ((القاموس))، ونصّه: وأفرغه: صبّه، كفرَّغه. انتهى(٢). ومعناه هنا: أصبّ على رأسي، فهو بمعنى قوله الماضي: «فأُفيض على رأسي)) (عَلَى رَأْسِي ثَلَاثً))، أي إفراغات ثلاثاً، فهو نعتٌ لمصدر محذوف. وقوله: (قَالَ ابْنُ سَالِم)، أي شيخه الثاني، إسماعيل بن سالم الصائغ (فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ)، تقدّم آنفاً أن فائدته إزالة خوف تدليس هُشيم؛ لأنه كثير التدليس، وقد رواه في رواية يحيى بـ(عن))، فأزال المصنّف ذلك برواية ابن سالم (وَقَالَ) ابن سالم أيضاً (إِنَّ وَقْدَ ثَقِيفٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) يعني بدل قول يحيى: ((أن وفد ثقيف قالوا للنبيّ وَّ﴾ إلخ))، وهذا أيضاً من ورع المصنّف، واحتياطاته، وتشدّده في التزام ألفاظ المشايخ، وإن لم يختلف به المعنى؛ إذ ليس بين العبارتين اختلاف من حيث المعنى المراد هنا، وهو نسبة القول إلى قائله، وإن اختلف العلماء في النبيّ والرسول، هل هما مترادفان، أم بينهما عموم وخصوص؟ وقد استوفينا بحثه في أوائل ((شرح المقدّمة))، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في جواز إبدال الرسول بالنبيّ، وعكسه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظنها هذا من أفراد المصنّف تَخْدَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((المصباح)) ٢ / ٤٧٠. (٢) ((القاموس)) ص٧٠٧. ٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٧٤٨/١٠] (٣٢٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٤/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٨٥٨)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٧٣٣)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، وستأتي أيضاً بعده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز إبدال النبيّ بالرسول، وعكسه : قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح كثّتُهُ: الظاهر أنه لا يجوز تغيير: ((قال النبيّ وَّه)) إلى ((قال رسول الله وَ له))، ولا عكسه، وإن جازت الرواية بالمعنى، وكان أحمد إذا كان في الكتاب ((عن النبيّ وَّ))، وقال المحدث: (رسول الله (وَ﴿)، ضَرَبَ، وكتب: ((رسول الله))، وعَلّل ابن الصلاح ذلك، فقال: لاختلاف معنى النبيّ والرسول؛ لأن الرسول مَن أوحي إليه للتبليغ، والنبيّ مَن أوحي إليه للعمل فقط(١). وتعقّبه النووي، فقال: والصواب جوازه؛ لأنه وإن اختلف معناه في الأصل، لا يختلف به هنا معنى؛ إذ المقصود نسبة القول لقائله، وذلك حاصل بكلِّ من الموضعين، وهو مذهب أحمد بن حنبل، فقد سأله ابنه صالح عنه، فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، وما تقدّم عنه محمول على استحباب اتّباع اللفظ دون اللزوم، وهو مذهب حماد بن سلمة، والخطيب البغداديّ أيضاً. وقد استَدَلّ بعضهم للمنع بحديث البراء بن عازب ظًّا في الدعاء عند النوم، وفيه: ((ونبيّك الذي أَرْسَلْتَ))، فأعاده على النبيّ وَّرَ، فقال: ورسولك الذي أَرْسلتَ، فقال: ((لا، ونبيّك الذي أرسلتَ)). (١) هذا التعريف غير صحيح، بل الصواب أن الرسول من جاء بشرع جديد، والنبيّ من أوحي إليه بتجديد شريعة من قبله، فهو مأمور بالتبليغ، أي: بتبليغ شرع الرسول الذي قبل، وأما أن لا يؤمر بالتبليغ فتعريف باطلٌ، كيف لا يؤمر بالتبليغ، وهو نبيّ، وآحاد المؤمنين مأمور بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتبيلغ أحكام الشريعة؟ فتفطّن لهذه الدقيقة، فإنها من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٦٩ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ، ثَلَاثاً - حديث رقم (٧٤٩) وتعقّبه الحافظ العراقيّ تَخُّْ فقال: ولا دليل فيه؛ لأن ألفاظ الأذكار توقيفيّةٌ، وربما كان في اللفظ سرٍّ لا يحصل بغيره، ولعله أراد أن يجمع بين اللفظين في موضع واحد، قال: والصواب ما قاله النوويّ، وكذا قال الْبُلْقِينيّ، وقال البدر ابن جماعة: لو قيل يجوز تغيير النبيّ إلى الرسول، ولا يجوز عكسه لَمَا بَعُد؛ لأن في الرسول معنى زائداً على النبيّ. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن جماعة لا معنى له فيما نحن فيه، كما سبق في الردّ على ابن الصلاح، فزيادة معنى الرسول، لا يختلف بها نسبة القول إلى قائله؛ لأن النظر إلى ذات الشخص، لا إلى صفاته، فنسبة القول إليه، بأن نقول: قال فلان هذا القول، أو لم يقله متّحدة، لا تختلف باختلاف أوصافه، فتأملّ بالإنصاف. والحاصل أن إبدال الرسول بالنبيّ، وعكسه جائزان، وإن كان التقيّدُ بالرواية، والأداءُ كما سمع أولى وأحسن، كما أسلفنا قريباً من الاحتجاج له بالحديث الصحيح: ((نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً، فبلّغه كما سمعه ... )) الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٤٩] (٣٢٩) - (وَحَدَّثَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي الثَّقَفِيَّ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ، صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِنْ مَاءٍ»، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِنَّ شَعْرِي كَثِيرٌ، قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرِكَ وَأَطْيَبَ). (١) راجع: ((تدريب الراوي على تقريب النواويّ)) ١٢١/٢ - ١٢٢. (٢) وفي نسخة: ((وحدثني)). ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧ / ١٧٣. ٣ - (جَعْفَرُ) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلويّ، أبو عبد الله المدني الصادق، وأمه أم فَرْوة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فلذلك كان يقول: وَلَدَني أبو بكر مرتين، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، ومحمد بن المنكدر، وعبيد الله بن أبي رافع، وعطاء، وعروة، وجدّه لأمه القاسم بن محمد، ونافع، والزهري، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والسفيانان، ومالك، وابن جريج، وأبو حنيفة، وابنه موسى، ووُهيبٌ، والقطان، وأبو عاصم، وخلق كثير. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو من أقرانه، ويزيد بن الهاد، ومات قبله. قال الدَّرَاوَرْدِيُّ: لم يرو مالك عن جعفر حتى ظهر أمر بني العباس. وقال مصعب الزبيري: كان مالك لا يروي عنه حتى يضمه إلى آخر. وقال ابن المديني: سئل يحيى بن سعيد عنه، فقال: في نفسي منه شيء، ومجالد أحب إلي منه، قال: وأملَى عليّ جعفر الحديث الطويل - يعني في الحج -. وقال إسحاق بن حَكِيم عن يحيى بن سعيد: ما كان كذوباً. وقال سعيد بن أبي مريم: قيل لأبي بكر بن عياش: ما لك لم تسمع من جعفر، وقد أدركته؟ قال: سألناه عما يتحدث به من الأحاديث: أشيء سمعته؟ قال: لا، ولكنها رواية رويناها عن آبائنا. وقال إسحاق ابن راهويه: قلت للشافعيّ: كيف جعفر بن محمد عندك؟ فقال: ثقة - في مناظرة جرت بينهما -. وقال الدُّوريّ عن يحيى بن معين: ثقة مأمون. وقال ابن أبي خيثمة وغيره عنه: ثقة. وقال أحمد بن سعد بن أبي مريم عن يحيى: كنتُ لا أسأل يحيى بن سعيد عن حديثه، فقال لي: لِمَ لا تسألني عن حديث جعفر بن محمد؟ قلت: لا أريده، فقال لي: إنه كان يحفظ. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة لا يُسأل عن مثله. وقال ابن عَدِيّ: ولجعفر ٧١ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ، ثَلَاثاً - حديث رقم (٧٤٩) أحاديث ونُسَخٌ، وهو من ثقات الناس، كما قال يحيى بن معين. وقال عمرو بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد، علمت أنه من سُلالة النبيين. وقال علي بن الجعد عن زهير بن معاوية: قال أبي لجعفر بن محمد: إن لي جاراً يزعُم أنّك تَبْرأُ من أبي بكر وعمر، فقال جعفر: برئ الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر. وقال حفص بن غياث: سمعت جعفر بن محمد يقول: ما أرجو من شفاعة علي شيئاً إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ولا يُحتَجّ به، ويُستَضعف، سئل مرة: سمعتَ هذه الأحاديث من أبيك؟ فقال: نعم، وسئل مرة، فقال: إنما وجدتها في کتبه. قال الحافظ: يحتمل أن يكون السؤالان وقعا عن أحاديث مختلفة، فذكر فيما سمعه أنه سمعه، وفيما لم يسمعه أنه وجده، وهذا يدل على تثبته. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً، يُحتجّ بحديثه من غير رواية أولاده عنه، وقد اعتبرتُ حديث الثقات عنه، فرأيت أحاديث مستقيمة، ليس فيها شيء يخالف حديث الأثبات، ومن المحال أن يُلصَق به ما جناه غيره. وقال الساجيّ: كان صدوقاً مأموناً إذا حَدّث عنه الثقات، فحديثه مستقيم. وقال أبو موسى: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن سفيان عنه، وكان يحيى بن سعيد يحدث عنه. وقال النسائي في ((الجرح والتعديل)): ثقة. وقال مالك: اختلفت إليه زماناً، فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مُصَلِّ، وإما صائمٌ، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث إلا على طهارة. قال الجعابيّ وغيره: وُلِد سنة ثمانين. وقال خليفة وغير واحد: مات سنة (١٤٨). أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثاً . ٤ - (أَبُوهُ) هو: محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر الهاشمي، أمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، ثقة فاضل [٤]، مات سنة بضع (١١٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦١/٦. ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض والصحابيّ تقدّم في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَظْلَتُهُ، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى جعفر، فأخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)). ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فبصريّان . ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ◌ِّ أنه (قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا اغْتَسَلَ)، أي أراد الاغتسال (مِنْ جَنَابَةٍ)، أي بسببها (صَبَّ) بالبناء للفاعل (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ) - بفتحات -: جمع حَفْنة - بفتح، فسكون - وهي ملء الكفّين، يقال: حَفَنَ له حَفْناً، من باب ضرب، وحَفْنَةً، والجمع حَفَنات، مثلُ سَجْدةٍ وسَجَدَات، وقوله: (مِنْ مَاءٍ))) بيان لـ((حَفَنات)) (فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو: الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، وأبوه يُعْرَف بابن الحنفية، ثقةٌ فقيهٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وغيرهم. ورَوَى عنه عمرو بن دينار، وعاصم بن عمر بن قتادة، والزهريّ، وأبان بن صالح، وقيس بن مسلم، وعبد الواحد بن أيمن، وجماعة. قال مصعب الزبيريّ، ومغيرة بن مِقْسم، وعثمان بن إبراهيم الحاطبيّ: هو أول مَن تَكَلَّم في الإرجاء، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وليس له عَقِبٌ، وقال ابن سعد: كان من ظُرَفاء بني هاشم، وأهل الفضل منهم، وكان يُقَدَّم على أخيه أبي هاشم في الفضل والهيئة، وهو أول مَن تكلم في الإرجاء، ٧٣ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ، ثَلَاثاً - حديث رقم (٧٤٩) وقال الزهريّ: ثنا الحسن، وعبد الله، ابنا محمد، وكان الحسن أرضاهما في أنفسنا، وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما، وقال محمد بن إسماعيل الجعفريّ: حدثنا عبد الله بن سلمة بن أسلم، عن أبيه، عن حسن بن محمد، قال: وكان من أوثق الناس عند الناس، وقال سفيان، عن عمرو بن دينار: ما كان الزهريّ إلا من غلمان الحسن بن محمد، وقال ابن حبان: كان من علماء الناس بالاختلاف، وقال سلام بن أبي مطيع، عن أيوب: أنا أتبرأ من الإرجاء، إن أول من تكلم فيه رجل من أهل المدينة، يقال له: الحسن بن محمد، وقال عطاء بن السائب، عن زاذان وميسرة: إنهما دخلا على الحسن بن محمد، فلاماه على الكتاب الذي وَضَعَ في الإرجاء، فقال لزاذان: يا أبا عمرو، لوددت أني كنت مُتّ، ولم أكتبه. قال الحافظ تَّتُهُ: المراد بالإرجاء الذي تَكَلَّم الحسن بن محمد فيه، غير الإرجاء الذي يَعِيبه أهل السنة المتعَلِّق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور، أخرجه ابن أبي عمر العَدَنيّ في كتاب الإيمان له في آخره، قال: حدثنا إبراهيم بن عيينة، عن عبد الواحد بن أيمن، قال: كان الحسن بن محمد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس: أما بعدُ فإنا نوصيكم بتقوى الله، فذكر كلاماً كثيراً في الموعظة، والوصية لكتاب الله، واتّباع ما فيه، وذكر اعتقاده، ثم قال في آخره: ونوالي أبا بكر وعمر ﴿هًا، ونجاهد فيهما؛ لأنهما لم تَقْتَتِل عليهما الأمة، ولم تشك في أمرهما، ونُرْجِىء مَن بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنَكِل أمرهم إلى الله، إلى آخر الكلام، فمعنى الذي تكلم فيه الحسن أنه كان يَرَى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئاً أو مصيباً، وكان يرى أنه يُرجىء الأمر فيهما، وأما الإرجاء الذي تَعَلَّق بالإيمان، فلم يُعَرِّج عليه، فلا يلحقه بذلك عاب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ تَُّهُ . قال الجامع عفا الله عنه: لو كان ما قاله الحافظ في إرجاء الحسن بن محمد صحيحاً لكان الأمر هيّناً، ولكن ما سبق عن أيوب، ومن قصّته مع زاذان في وضع الكتاب، يدلّ على غير هذا، فتأمّل، والله تعالى أعلم. ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض وقال خليفة: مات سنة (٩٩) أو مائة، وقيل غير ذلك في وفاته. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٤٠٥) حديث جابر، وسلمة بن الأكوع طّ في جواز متعة النساء، وأعاده بعده، و(١٤٠٧) حديث عليّ رَظُّه في النهي عن متعة النساء، وكرره ستّ مرّات. (إِنَّ شَعْرِي) بفتح الشين، وسكون العين المهملة، وفتحها، قال الفيّوميّ ◌َخْتُهُ: الشَّعْر بسكون العين، يُجمع على شُعور، مثلُ فلس وفلُوس، وبفتحها، يُجمع على أَشْعار، مثلُ سبب وأسباب، وهو من الإنسان وغيره، وهو مذكّرٌ، والواحدة شَعْرَةٌ، وإنما جُمِع الشعر تشبيهاً لاسم الجنس بالمفرد، كما قيل: إبلٌ وآبالٌ. انتهى(١). (كَثِيرٌ)، وفي رواية البخاريّ: ((إني رجلٌ كثير الشعر))، أي فأحتاج إلى أكثر من الحفنات الثلاث التي كان رسول الله وَّه يصُبّها على رأسه، (قَالَ جَابِرٌ) رَبه، (فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي) أراد به أخوّة الإسلام، لا أخوّة النسب؛ لأنه ليس بينهما قرابة؛ لأن جابراً ظله أنصاريّ، والحسن بن محمد قرشيّ، هاشميّ، قيل: ويحتمل أن يكون أراد بالأخوّة المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار، ولا يخفى بُعده، والله تعالى أعلم. (كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللهِ وَه أَكْثَرَ مِنْ شَعْرَِكَ وَأَطْيَبَ)، أي وكان يكفيه ثلاث حفنات، فاقتضى ذلك أن الإنقاء يحصل بها، وفي رواية البخاريّ: ((كان يكفي من هو أوفى منك شعراً، وخيرٌ منك))، والمراد من الكثرة الطول والغزارة، وقال في ((الفتح)): وناسب ذكر الخيريّة؛ لأن طلب الازدياد من الماء يُلحَظ فيه التحرّي في إيصال الماء إلى جميع الجسد، وكان ﴿ سيّد الورعين، وأتقى الناس لله تعالى، وأعلمهم به، وقد اكتفى بذلك، فأشار جابر رضيبه إلى أن الزيادة على ما اكتفى به النبيّ يَّو تنظّع، قد يكون مثاره الوسوسة، فلا ينبغي أن يُلتفت إليه. انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ضيها هذا متّفقٌ عليه. (١) ((المصباح المنير)) ٣١٤/١ - ٣١٥. (٢) ((الفتح)) ٤٣٩/١. ٧٥ (١٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ، ثَلَاثاً - حديث رقم (٧٤٩) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٧٤٩/١٠] (٣٢٩)، و(البخاريّ) في (الغسل)) (٢٥٢ و٢٥٥ و٢٥٦)، وفي ((الأدب المفرد)) (٩٥٩)، و(النسائيّ) في (الطهارة)) (١٢٧/١ و٢٠٧) وفي ((الكبرى)) (٢٢٦)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٥٧٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٦٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٨/٣ و٣١٩ و٣٧٠ و٣٧٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٤٣)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (٨٥٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب إفاضة الماء على الرأس ثلاثاً. ٢ - (ومنها): الاقتصاد في استعمال الماء في الطهارة، وكراهية التنطّع والإسراف فيه. ٣ - (ومنها): ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النبيّ وَلَّه والانقياد إلى ذلك، كما يحتجّون بأقواله، فإن جابراً نظّه لَمّا سئل عن الغسل عن الجنابة، بيّن هدي النبيّ ◌َّ في ذلك، واحتجّ بفعله. ٤ - (ومنها): الردّ بعُنف على من يُماري بغير علم، إذا قصد الرادّ إيضاح المسألة، فإن الحسن بن محمد لَمّا سمع مقدار ما كان النبيّ وَّ يغتسل به من الماء، قال: لا يكفيني هذا، فردّ عليه جابر رُله، فقال: ((قد كان يكفي من كان خيراً منك، وأكثر شعراً)) يعني النبيّ وَّ، أي فعليك باتّباع فعله، فأفحمه بذلك. ٥ - (منها): جواز المباحثة في العلم، والسؤال عنه، وإن كان السائل أشرف نسباً، فإن العلم يزيد الشريف شرفاً، كما أن الجهل يضع من قدره، ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من البسيط]: الْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتاً لَا عِمَادَ لَهُ وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ ٦ - (ومنها): الوقوف عند الحقّ إذا ظهر للإنسان، من غير ممانعة، ولا جدال . ٧ - (ومنها): ردّ الإنسان على نفسه الوسوسة، وحملها على التأسّي بأفعال النبيّ ◌َل، والاهتداء بهديه. ٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض ٨ - (ومنها): أن فيه بيانَ أن خير الهدي هديُ محمد بَّهِ، فقد ضَمِن الله تعالى الفلاح والسعادة الأبدية في اتّباعه، فقال الله وَت: ﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ اٌلْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ . (١١) - (بَابُ حُكْم ضَفَائِرِ الْمَرْأَةِ الْمُغْتَسِلَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٠] (٣٣٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنٍ عُبَيْنَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمُّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَغْرَّ رَأْسِي، فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: ((لَا، إِنَّمَا يَكْفِيِكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَاتٍ (١)، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ، فَتَطْهُرِينَ))). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل باب. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ المذكور قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ الإمام المذكور قبل باب. ٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً) الكوفيّ، ثم المكيّ الإمام المذكور قبل باب. (١) وفي نسخة: ((ثلاث حفنات)). ٧٧ (١١) - بَابُ حُكْمِ ضَفَائِرِ الْمَرْأَةِ الْمُغْتَسِلَةِ - حديث رقم (٧٥٠) ٦ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، أبو موسى المكيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن نافع، ومكحول، وحميد بن نافع، وسعيد المقبريّ، والزهريّ، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، وأبيه موسى، وجدّه سعيد بن العاص، ولم يدركه، وجماعة. ورَوَى عنه يحيى بن سعيد، وهو من أقرانه، وشعبة، والسفيانان، والليث، وابن جريج، وعمرو بن الحارث، ومالك، وابن إسحاق، وهشام بن حسان، وغيرهم. قال البخاريّ، عن ابن المدينيّ: له نحو أربعين حديثاً، وقال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ، وابن سعد: ثقة، زاد أحمد: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الدارقطنيّ: أيوب هو ابن عم إسماعيل بن أمية ثقتان، وقال ابن عيينة: كان أيوب أفقههما، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، وذكره ابن المدينيّ في الطبقة الثالثة من أصحاب نافع، وشَذّ الأزديّ، فقال: لا يقوم إسناد حديثه، ولا عبرة بقول الأزديّ، وقال ابن عبد البر: كان ثقةً حافظاً . قال خليفة: مات سنة (١٣٢)، وقيل غير ذلك، وقال ابن حبان في (الثقات)): مات في حبس داود بن عليّ مع إسماعيل بن أمية. أخرج له السّة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثاً. ٧ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) أبو سَعْد المدنيّ، واسم أبيه كيسان، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)» ٢٥٠/٣٦. ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ) المخزوميّ، أبو رافع المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عنها، وعن حجاج بن عمرو بن غَزِيّة الأنصاريّ، وأبي هريرة، وغيرهم. وروى عنه أفلح بن سعيد القُبَائيّ، وأيوب بن خالد بن صفوان، وبكير بن الأشج، وأبو صَخْر حميد بن زياد، وسعيد بن أبي سعيد المقبريّ، والقاسم بن عباس الهاشميّ، وموسى بن عُبيدة الرَّبَذِيّ، وعكرمة، وهو من أقرانه، وغيرهم. ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض قال العجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). روى له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٣٣٠) و(٢٢٩٥) و(٢٧٨٩) و(٢٨٥٧) وأعاده بعده. ٩ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر المخزوميّة، أم المؤمنين غيرنا، ماتت سنة (٦٢) وقيل: غير ذلك (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بینھم . ٢ - (ومنها): أن قوله: ((قال إسحاق إلخ)) فيه إشارة إلى أنه وقع اختلاف بين شيوخه، فالثلاثة أخذوا الحديث عن ابن عيينة سماعاً من لفظه، وإسحاق أخذه سماعاً لقراءة غيره عليه، ولذا قال: ((أخبرنا سفيان))، وأيضاً صرّح باسمه. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فأبو بكر ما أخرج له الترمذيّ، وعمرو الناقد ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وإسحاق ما أخرج له ابن ماجه، ومحمد بن يحيى ما أخرج له أبو داود، وكذا عبد الله بن رافع ما أخرج له البخاريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سعيد، عن عبد الله بن رافع، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ أُمّ سَلَمَةَ) هند، وقيل غير ذلك، زوج النبيّ بََّ رِضْنا، أنها (قَالَتْ) هكذا في رواية المصنّف صرّح بأن السائلة هي أم سلمة ﴿ثنا، وكذا هو عند أبي داود، والنسائيّ، ووقع في رواية لأبي داود: ((أن امرأة من المسلمين))، بالإبهام، (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، مضارع شدّ، من بابي نصر، وضرب، أي أُحْكِمُ (ضَفْرَ رَأْسِي)، أي نَسْجَ شعر رأسي، وإدخالَ بعضه في بعض، قال النوويّ كَُّهُ: هو بفتح الضاد، وإسكان الفاء، هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث، والمستفيض عند المحدثين ٧٩ (١١) - بَابُ حُكْمٍ ضَفَائِرِ الْمَرْأَةِ الْمُغْتَسِلَةِ - حديث رقم (٧٥٠) والفقهاء، وغيرهم، ومعناه: أُحْكِم فَتْلَ شَعْري، وقال الإمام ابن بَرِّيّ في الجزء الذي صنَّفه في لحن الفقهاء: من ذلك قولهم في حديث أم سلمة: ((أَشُدُّ ضَفْرَ رأسي)) يقولونه بفتح الضاد، وإسكان الفاء، وصوابه ضم الضاد، والفاء جمع ضَفِيرة، كسَفِينة وسُفُن، وهذا الذي أنكره تَخْتُهُ ليس كما زعمه، بل الصواب جواز الأمرين، ولكل منهما مَعْنًى صحيحٌ، ولكن يترجح ما قدمناه؛ لكونه المرويّ المسموع في الروايات الثابتة المتصلة. انتهى (١). وقال المجد تَّتُهُ: ضَفَرَ الشعرَ يَضفِره: نسج بعضه على بعض، والحبلَ فَتَلُهُ، وعَدَا، وسَعَى. انتهى(٢) . وقال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: ((الضَّفِيرة))، من الشعر: الْخُصْلة من الشعر والجمع ضَفائر، وضُفُرٌ بضمّتين، وضَفَرتُ الشعرَ ضَفْراً، من باب ضرب: إذا جعلته ضفائر، كلُّ ضَفِيرة على حِدَةٍ بثلاث طاقات فما فوقها، والضَّفِيرة: الذَّؤابةُ. انتهى (٣). (فَأَنْقُضُهُ؟) بتقدير همزة الاستفهام، ووقع في بعض النسخ: ((أفأنقضه؟)) بذكرها، فتكون داخلة على محذوف، أي: ألا يَجزيني غسل الشعر مضفوراً، فأنقضه؟، أو هي مقدّمة من تأخير، كما سبق البحث في ذلك مستوفَّى. وقال القرطبيّ تَخْذّتُهُ: قولها: ((أفأنقضه)) صحيح الرواية بالقاف، وقد وقع لبعض مشايخنا بالفاء، ولا بُعد فيه من جهة المعنى. انتهى (٤). (لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟)، أي لأجل الاغتسال من الجنابة، أو عند إرادة الاغتسال منها، وقد تقدّم بيان معنى الجنابة، وهي إنما سألت عن الوجوب، أي: هل يجب عليّ نقضه أم لا؟ بدليل قوله في الجواب: ((لا، إنما يكفيك إلخ)). (قَالَ) ◌ِِّ (لَا)، أي لا يجب عليك ذلك (إِنَّمَا يَكْفِيك)، أي يَجزيك، والكاف مكسورةٌ؛ لأن الخطاب للمؤنّث (أَنْ تَحْثِي) بكسر الثاء المثلّثة، وسكون الياء، أصله تحثيين بياءين، كتضرِبين، أو تحْتُوين، كتنصُرِين، فعلى الأول حُذفت كسرة الياء؛ للاستثقال، ثم الياء لالتقاء الساكنين، وأما على الثاني، فنُقلت كسرة الواو إلى الثاء المثلّثة بعد سلب حركتها، ثم قُلبت الواو ياءً؛ (١) ((شرح النوويّ)) ١١/٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٦٣/٢. (٢) ((القاموس المحيط)) ص ٣٨٧. (٤) ((المفهم)) ١/ ٥٨٥. ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض للمناسبة، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ثم في الحالتين حُذفت النون للناصب، قال القاري: ولا يجوز فتح الياء من ((تَحْثِي)) لأجل الناصب؛ لأن هذه الياء ليست جزء الكلمة التي تُفتح إذا دخل الناصب على الفعل، وإنما هي ضمير المؤنثة. و((أن تحثي)) في تأويل المصدر فاعل ((يكفيك))، ووقع في بعض نسخ النسائيّ: ((أن تحثين)) بإثبات النون، ويؤوّل على إهمال ((أن)) حملاً لها على ((ما)) المصدريّة، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ ((أَنْ)) حَمْلاً عَلَى ((مَا)) أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلَا وهو لغةٌ لا ضرورة، قال الشاعر [من البسيط]: أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا مِنِّي السَّلَامَ وَأَنْ لَا تُشْعِرًا أَحَدَا والْحْيُ: الرَّمْيُ، والمراد به هنا الصبّ، يقال: ((حَثَا الرجل التراب يحثوه حَثْواً، من باب غزا، ويَحْثِيه حَثْياً، من باب رَمَى: هاله، أي صبّه بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده، ثم رماه، ومنه: ((فاحثُوا التراب في وجهه))، ولا يكون إلا بالقبض والرمي، أفاده الفيّوميّ. وقال النوويّ كَُّ في ((شرحه)): قوله وَل: ((تحثي على رأسك ثلاث حثيات)) هي بمعنى الْحَفَنات في الرواية الأخرى، و((الْحَفْنة)): ملء الكفّين من أيّ شيء كان، ويقال: حثَيتُ، وحثوتُ بالياء والواو، لغتان مشهورتان. .(١) انتھی(١). (عَلَى رَأْسِكِ) متعلّق بـ(تحثي)) (ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) مفعول مطلق على النيابة، وأصله: حَثَياتٍ ثلاثاً (ثُمَّ تُفِيضِينَ) بضمّ حرف المضارعة، من الإفاضة، وهو الصبّ، وثبتت النون؛ لأنه مرفوعٌ على الاستئناف، وأشار في هامش النسخة الهنديّة إلى أنه وقع في بعض النسخ بحذف النون، وهو القياس، على أن يكون منصوباً عطفاً على (تَحْثِي)) (عَلَيْك)، أي بقيّة بدنك، وفي رواية النسائيّ: ((على جسدك)) (الْمَاءَ) منصوب على المفعوليّة لـ «تُفيضين)) (فَتَطْهُرِينَ))) فيه دلالة على أن هذا الفعل، من الحثيات الثلاث على الرأس، وإفاضة الماء على سائر (١) ((شرح النوويّ)) ١١/٤.