النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
(٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٣)
سَرْجِس ربه، قال: تتوضأ المرأة وتغتسل بفضل طهور الرجل، ولا يتوضأ
الرجل بفضل طهور المرأة وغسلها .
وكَرِه الحسن، وابن المسيِّب أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وذكر أبو
العالية ذلك عن رجل من أصحاب النبيّ وَّر.
وفيه قول ثالث: وهو أن لا بأس بفضل طهور المرأة ما لم تخلُ به،
رُوي هذا القول عن الحسن، وغُنيم بن قيس، ورُوي أن جويرية بنت الحارث
توضأت، فأراد كلثوم بن عامر أن يتوضأ بفضلها، فنهته عن ذلك، وكان ابن
عمر يقول: لا بأس بالوضوء من فضل شراب المرأة، وفضل وضوئها ما لم
تكن جنباً، أو حائضاً، فإذا خَلَت به فلا يقربه.
وبهذا قال أحمد بن حنبل، قال: إذا خلت به، فلا يتوضأ به، وحُكِي
ذلك عن إسحاق.
وفيه قول رابع: وهو أن لا بأس أن يتطهر كل واحد منهما بفضل طهور
صاحبه شرعًا فيها جميعاً، أو خلا كلُّ واحد منهما بالماء، ما لم يكن الرجل
جنباً، أو المرأة جنباً، أو حائضاً، رَوَينا عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا بأس
أن يغتسل بفضل المرأة، إلا أن تكون جنباً أو حائضاً.
ورُوي عن الشعبيّ أنه كان يكره فضل طهور الجنب والحائض، وهذا
قول الأوزاعيّ، وقال مالك، والأوزاعيّ: يتوضأ به إذا لم يجد غيره، ولا
یتیمم .
وفيه قول خامس: وهو إباحة اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، ثبت
عن ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله وَل في
الإناء الواحد، ورُوي عن أم الحجاج أنها قالت: ربما نازعت عبد الله
الوضوء.
ورَوَينا عن أم سعد، امرأة زيد بن ثابت، أنها قالت: كنت أغتسل أنا
وزيد بن ثابت من إناء واحد من الجنابة، وقال أبو هريرة، وابن عمر: لا بأس
أن يغتسل الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وهذا قول مالك بن أنس، وسفيان
الثوريّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
قال ابن المنذر تَخّْتُهُ: والذي نقول به الرخصة في أن يغتسل كل واحد

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
منهما، ويتوضأ بفضل طهور صاحبه، وإن كانا جنبين، أو أحدهما، أو كانت
المرأة حائضاً، وسواء ذلك خَلَت به، أو لم تخل به؛ لثبوت الأخبار عن
رسول الله ﴿ الدالة على صحة ذلك. انتهى كلامه كَّتُهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ
جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): ونقل الطحاويّ، ثم القرطبيّ، والنوويّ الاتفاق على
جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر؛ لما حكاه ابن المنذر
عن أبي هريرة أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم، وهذا
الحديث(٢) حجة عليهم، ونقل النوويّ أيضاً الاتفاق على جواز وضوء المرأة
بفضل الرجل دون العكس، وفيه نظر أيضاً، فقد أثبت الخلافَ فيه الطحاويّ،
وثَبَت عن ابن عمر، والشعبيّ، والأوزاعيّ المنع، لكن مقيداً بما إذا كانت
حائضاً، وأما عكسه فصح عن عبد الله بن سَرْجِس الصحابيّ، وسعيد بن
المسيِّب، والحسن البصريّ، أنهم منعوا التطهر بفضل المرأة، وبه قال أحمد،
وإسحاق، لكن قيَّداه بما إذا خَلَت به؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة في الجواز
إذا اجتمعا، ونَقَل الميمونيّ عن أحمد أن الأحاديث الواردة في منع التطهر
بفضل المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة، قال: لكن صَحّ عن عدّة من الصحابة
المنع فيما إذا خَلَت به، وعورض بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة، منهم
ابن عباس، والله تعالى أعلم.
وأشهر الأحاديث في ذلك من الجهتين حديثُ الْحَكَم بن عمرو الغفاريّ
في المنع(٣)، وحديث ميمونة في الجواز.
أما حديث الحكم بن عمرو، فأخرجه أصحاب السنن، وحسّنه الترمذيّ،
وصححه ابن حبان، وأغرب النوويّ، فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه.
(١) («الأوسط)) ٢٩١/١ - ٢٩٦.
(٢) يعني حديث ابن عمر ◌ًا: ((كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله وله
جميعاً))، رواه البخاريّ.
(٣) هو ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، عن الحكم بن عمرو: ((أن النبيّ وَّ نهى
أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة)).

٢٣
(٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٣)
وأما حديث ميمونة، فأخرجه مسلم(١)، لكن أعله قوم؛ لترددٍ وَقَع في
رواية عمرو بن دينار، حيث قال: علمي، والذي يَخطُر على بالي أن أبا
الشعثاء أخبرني، فذكر الحديث، وقد ورد من طريق أخرى بلا تردُّد، لكن
راويها غير ضابط، وقد خولف، والمحفوظ ما أخرجه الشيخان، بلفظ: ((أن
النبيّ ◌َّر، وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد)).
وفي المنع أيضاً ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ، من طريق حُميد بن
عبد الرحمن الْحِمْيَريّ، قال: لقيت رجلاً صَحِبَ النبيّ وَّ أربع سنين، فقال:
(نَهَى رسول الله ◌َّر أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل
المرأة، وليغترفا جميعاً))، رجاله ثقات.
قال الحافظ تَّتُهُ: ولم أقف لمن أعلّه على حجة قويّة، ودعوى البيهقيّ
أنه في معنى المرسل مردودةٌ؛ لأن إبهام الصحابيّ لا يضرّ، وقد صَرّح التابعي
بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حُميد بن عبد الرحمن، هو ابن
يزيد الأوديّ، وهو ضعيفٌ مردودٌ، فإنه ابن عبد الله الأوديّ، وهو ثقةٌ، وقد
صرَّح باسم أبيه أبو داود وغيره.
ومن أحاديث الجواز ما أخرجه أصحاب السنن، والدارقطنيّ، وصححه
الترمذيّ، وابن خزيمة، وغيرهما، من حديث ابن عباس، عن ميمونة، قالت:
أجنبت، فاغتسلت من جَفْنة، فَفَضَلت فيها فضلةٌ، فجاء النبيّ ◌َّ يغتسل منه،
فقلت له، فقال كَظّته: ((الماء ليس عليه جنابة، واغتسل منه))، لفظ
الدارقطنيّ، وقد أعلّه قوم بسماك بن حرب، راويه عن عكرمة؛ لأنه كان يَقْبَل
التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يَحْمِل عن مشايخه إلا صحيح
حدیثهم .
وقول أحمد: إن الأحاديث من الطريقين مضطربة، إنما يصار إليه عند
تعذر الجمع، وهو ممكن بأن تُحْمَل أحاديث النهي على ما تساقط من
الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابيّ، أو يُحْمَل
(١) هو الحديث الآتي في الباب بعد سنّة أحاديث، بلفظ: ((أن رسول الله وَلو كان
يغتسل بفضل ميمونة)).

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
النهي على التنزيه؛ جمعاً بين الأدلة، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الجمع الثاني هو الأولى؛ وأما الأول،
ففيه نظرٌ، لأنا قد سبق لنا أن الأرجح أن الماء المستعمل طاهرٌ مطهّر، فتنبّه.
والحاصل أن الأرجح في مسألة تطهر الرجل بفضل المرأة، وعكسه
الجواز، كما هو مذهب الجمهور؛ لوضوح أدلّته، وأن أحاديث النهي تُحْمل
على التنزيه؛ جمعاً بينها وبين أحاديث الجواز التي هي أقوى وأكثر منها، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٧٣٤] (٣٢٠) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي،
قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَقْصٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ،
قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَا وَأَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَسَأَلَهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ (٢) ◌َّ
مِنَ الْجَنَابَةِ؟ فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ، قَدْرِ الصَّاعِ، فَاغْتَسَلَتْ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا سِتْرٌ، وَأَفْرَغَتْ(٣)
عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاناً، قَالَ: وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ وَهِ يَأْخُذْنَ مِنْ رُءُوسِهِنَّ، حَتَّى تَكُونَ
كَالْوَفْرَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ البصريّ، تقدّم قبل بابين أيضاً.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم قبل بابين أيضاً.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ) هو: عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن
أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، وجدته، وابن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأنس،
(١) ((الفتح)) ٣٠٠/١.
(٢) وفي نسخة: ((عن غسل رسول الله وَلات)).
(٣) وفي نسخة: ((فأفرغت)).

٢٥
(٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٤)
وعبد الله بن حُنَين، وعبد الله بن مُحَيريز، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن
عبد الرحمن، وسلمان الأَغَرّ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وحسن بن حسن بن
عليّ، والزهريّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن جريج، وزيد بن أبي أُنيسة، وأبان بن عبد الله الْبَجَليّ،
وبلال بن يحيى الْعَبْسيّ، وسعيد بن أبي بردة، وشعبة، ومحمد بن سُوقة،
ومِسْعَر، وجماعة.
قال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن عبد البرّ: قيل: كان
اسمه كنيته، وكان من أهل العلم والثقة، أجمعوا على ذلك، وذكره ابن حبان
في ((الثقات))، وقال: كان راوياً لعروة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٣٢٠)
و(٤٨١) و(٥١٢) و(٢٠٦٨).
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
[٣] (ت٩٤) (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
وعائشة فيها تقدّمت في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخُّْ، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو بكر، عن أبي سلمة،
وأبو بكر شارك شيخه أبا سلمة في كونه زُهْريّاً مدنياً مشهوراً بالكنية، وقد قيل:
إن اسم كلِّ منهما عبد الله، قاله في ((الفتح)) (١).
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن خالته من الرضاعة، فأبو سلمة بن
(١) ((الفتح)) ٤٣٤/١.

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
عبد الرحمن ابن أخت عائشة ينا، أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر
الصدّيق ظه، فعائشة خالته.
[تنبيه]: كون أبي سلمة ابنَ أخت عائشة يؤثّ رضاعاً هو الصواب، وأما
ما ذكره القرطبيّ في ((المفهم)) (١) من أنه ابن أخيها نسباً، فغلط صريح؛ لأن
أباه هو عبد الرحمن بن عوف، وليس عبد الرحمن بن أبي بكر، فتفطّن لهذا
الغلط، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٦ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ) بن عوف أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةً
أَنَا وَأَخُوهَا) أتى بـ((أنا)) ليحسُن عطف ((أخوها)) على الضمير المرفوع المتّصل،
كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٤]، وفي رواية
النسائيّ: ((دخلت على عائشة ﴿ّا وأخوها)) بدون لفظة ((أنا))؛ لوجود الفصل
بالجارّ والمجرور، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله:
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ
فِي النَّظْمِ فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ
وعند البخاريّ: ((دخلتُ أنا وأخو عائشة)) (مِنَ الرَّضَاعَةِ) بفتح الواو،
وكسرها، والفتح أجود، حال من ((أخوها))، وكذا وقع عند النسائيّ التصريح
بأنه أخوها من الرضاعة، وهو يردّ قول الداوديّ: إنه أخوها عبد الرحمن بن
أبي بكر الصدّيق، وقول غيره: إنه أخوها لأمها الظُّفَيل بن عبد الله.
قال الحافظ تَخْتُ: زَعَم الداوديّ أنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق،
وقال غيره: هو أخوها لأمها، وهو الطفيل بن عبد الله، ولا يصح واحد
منهما؛ لما رَوَى مسلم من طريق معاذ، والنسائيّ من طريق خالد بن الحارث،
وأبو عوانة من طريق يزيد بن هارون، كلهم عن شعبة، في هذا الحديث أنه
(١) ١/ ٥٨٢.

٢٩
(٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٤)
في الحفظ ما لا يَتْبُت بالقول. انتهى(١).
وقال الحافظ تَّتُهُ: ولَمّا كان السؤال محتملاً للكيفية والكمية، فأتت
لهما بما يَدُلُّ على الأمرين معاً، أما الكيفية فبالاقتصار على إفاضة الماء، وأما
الكمية فبالاكتفاء بالصاع. انتهى(٢).
واعترضه العينيّ بما فيه نظرٌ، ولذا تركت ذكره(٣).
(قَالَ) أبو سلمة: (وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ◌َهِ يَأْخُذْنَ مِنْ رُءُوسِهِنَّ) ((من))
تبعيضيّة، أي بعض شعور رءوسهنّ (حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَةٍ) بفتح الواو، وسكون
الفاء: شعرُ الرأس إذا وصل الأذنين، قاله ابن الأثير تَظْذّتُهُ(٤).
وقال الفيّوميّ تَذْتُ: ((الوَفْرةُ)): الشعرُ إلى الأذنين؛ لأنه وَفَرَ على الأذن:
أي تَمّ عليها، واجتَمَعَ. انتهى (٥).
وقال القاضي عياضٌ تَخُّْ: في هذا دليلٌ على ما قلناه من رؤيتهما ذلك
منها، ولا بأس لذي المحرَم أن يرى شعر ذات المحرَم منه، وما فوقَ جبينها
عند العلماء، إلا ما وقع لابن عبّاس ◌ًِّا من كراهة ذلكَ، قال: وفيه دليلٌ على
جواز تحذيف النساء لشعورهنّ، وجواز اتّخاذهنّ الْجُمَمَ، وقد كان للنبيّ وَّلـ
جُمّةٌ.
و((الْوَفْرَةُ)): أشبع من الْجُمَّة، و((اللِّمَّةُ)): ما أَلَمَّ بالمنكبين من شعر الرأس
دون ذلك، قاله الأصمعيّ، وقال غيره: الوَفْرة: أقلّها، وهي التي لا تُجاوز
الأذنين، والْجُمّة: أكبر منها، واللِّمَّةُ: ما طال من الشعر، وقال أبو حاتم:
الوَفْرة: ما غَطَّى الأذنين من الشعر، والمعروف أن نساء العرب إنما كُنّ يتّخذن
القرون والذوائب، ولعلّ أزواج النبيّ وَّ﴿ فَعَلْنَ هذا بعد موته؛ لتركهنّ التزيّن،
واستغنائهنّ عن تطويل الشعور لذلك، وتخفيفاً لمؤونة رؤوسهنّ. انتهى (٦).
وقال النوويّ بعد نقل كلام عياض تَّتُ هذا ما نصّه: وهذا الذي قاله
القاضي عياض من كونهنّ فعلنه بعد وفاته وَّر، لا في حياته، كذا قاله أيضاً
(١) (شرح النوويّ)) ٤/٤.
(٣) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٩٤/٣.
(٥) ((المصباح المنير)) ٦٦٧/٢.
(٢) ((الفتح)) ٤٣٤/١.
(٤) ٢١٠/٥.
(٦) ((إكمال المعلم)) ١٦٣/٢ - ١٦٤.

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
غيره، وهو متعيّنٌ، ولا يُظَنّ بهنّ فعلُهُ في حياتِهِ وَلَّ، وفيه دليلٌ على جواز
تخفيف الشعور للنساء. انتهى (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم
تخريجه، وبقيّة المسائل المتعلّقة به في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٧٣٥] (٣٢١) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، قَالَ: قَالَتْ
عَائِشَةُ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا اغْتَسَلَ بَدَأَ بِيَمِينِهِ، فَصَبَّ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ،
فَغَسَلَهَا، ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْأَذَى الَّذِي بِهِ بِيَمِينِهِ، وَغَسَلَ عَنْهُ بِشِمَالِهِ، حَتَّى إِذَا
فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ وَاهـ
مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَنَحْنُ جُنُبَانٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) - بالفتح - السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل
مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م د س ق) تقدم في
((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ
الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ حافظً عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ) بن عبد الله، أبو الْمِسْور المدنيّ، صدوقٌ [٧]
(ت١٥٩) (بخ م د س) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٤/٤.
٤ - (أَبُوه) بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو
أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: تقدّم انتقاد الحفّاظ لهذا السند بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادةٌ
(١) ((شرح النوويّ)) ٤/٤ - ٥.

٢٧
(٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٤)
أخوها من الرضاعة، وقال النوويّ، وجماعة: إنه عبد الله بن يزيد، معتمدين
على ما وقع في ((صحيح مسلم) في ((الجنائز)) عن أبي قلابة، عن عبد الله بن
يزيد، رَضِيع عائشة عنها، فذكر حديثاً غير هذا، ولم يتعين عندي أنه المراد
هنا؛ لأن لها أخاً آخر من الرضاعة، وهو كثير بن عُبيد، رَضِيع عائشة، رَوَى
عنها أيضاً، وحديثه في ((الأدب المفرد)) للبخاري، و((سنن أبي داود)) من طريق
ابنه سعيد بن كثير، عنه، وعبد الله بن يزيد بصريّ، وكثير بن عبيد كوفيّ،
فَيَحْتَمِل أن يكون المبهم هنا أحدَهُما، ويَحْتَمِل أن يكون غيرهما، والله تعالى
أعلم. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر أن أخا عائشة هنا لم يتعيّن؛ إذ لم
تأت رواية تعيّنه، ولكن مثل هذه الحالة لا تضرّ؛ لأنه ليس من رجال الإسناد،
وإنما وقع ذكره في المتن، والجهالة الواقعة فيه لا تضرّ، فتنبه، والله تعالى
أعلم.
(فَسَأَلَهَا) أي أخوها المذكور (عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ وَّ)، وفي نسخة: ((عن
غسل رسول الله (َي))، و((الغُسْل)) بضمّ الغين المعجمة: اسم مصدر من اغتسل،
وبفتحها: مصدر ((غَسَلَ))، ويجوز فيه الضمّ أيضاً، قاله أهل اللغة، والمشهور
في استعماله عند الفقهاء فتح الغين إذا أُضيف إلى المغسول، كغَسْل الثوب،
وضمّ الغين إذا أُضيف إلى غيره، كغُسل الجنابة.
والمراد به هنا معناه المصدريّ، أي عن كيفيّة اغتساله وَّر، وعن قدر
الماء الذي يغتسل منه.
(مِنَ الْجَنَابَةِ؟)، أي بسبب حصول الجنابة له، فـ((من)) سببيّة.
و((الغسل)) لغةً: الإسالة، وشرعاً: إيصال الماء إلى جميع ظاهر الجسد
بنيّة رفع الجنابة .
و(الجنابة)) في الأصل: البعد، وسُمّي من اتّصف بها جُنُباً؛ لأنه منهيّ
عن قربان مواضع الصلاة حتى يتطهّر، وشرعاً: أمرٌ معنويّ يقوم بالبدن، فيمنع
من صحّة الصلاة ونحوها، حيث لا مرخّص(١).
(١) راجع: ((فتح المنعم)) ٣١١/٢ - ٣١٢.

٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
(فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ) أي طلبت ماءً في إناءٍ (قَدْرِ الصَّاعِ) بالجرّ بدلاً من ((إناء))،
وفي رواية البخاريّ: ((فدعت بإناء، نحواً من صاع)).
وأشار بقوله: ((قدر صاع)) إلى أنها دعت ماءً في إناءٍ مقدار الصاع تقريباً
لا تحديداً، والله تعالى أعلم.
(فَاغْتَسَلَتْ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا سِتْرٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل
((اغتسلت))، وفي رواية النسائيّ: ((فَسَتَرَت سِتْراً))، أي جعَلَت بيننا وبينها ساتراً،
و((السِّتْرُ)) بالكسر: ما يُستَرُ به، جمعه سُتُور، و((السَّتْرُ)) بالفتح: مصدر سَتَرَ،
يقال: سَتَرتُ الشيءَ سَتْراً، من باب نصر، ويقال لما يَنصِبه المصلّي قُدّامه
علامةً لمصلّاه، من عصاً، وتسنيم تُرَاب وغيره: سُتْرَةٌ بالضمّ؛ لأنه يستُّر المارّ
من المرور، أي يَحجُبُه، أفاده الفيّوميّ(١).
والمناسب هنا الكسر، والله تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ: ((وأفاضت على رأسها، وبيننا وبينها حجاب))
(وَأَفْرَغَتْ) وفي نسخة: ((فأفرغت)) بالفاء، أي صبّت الماء، وهو تفسير لقوله:
((فاغتسلت))، وفي رواية البخاريّ: ((وأفاضت)) (عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثاً) قال القاضي
عياض تَخَّتُهُ: ظاهره أنهما رأيا عملها في رأسها، وأعالي جسدها، مما يَحِلّ
نظره للمَحْرَم إلى ذات محرمه؛ لأنها خالة أبي سلمة من الرضاع، أرضعته
أختها أمُّ كلثوم، وإنما سَتَرت أسافل بدنها مما لا يَحِلّ للمَحْرَم النظر إليه،
ولولا أنهما شاهدا ذلك، ورأياه لم يكن لاستدعائها الماء، وطهارتها
بحضرتهما معنًى؛ إذ لو فعلت ذلك كلّه في ستر عنهما، لكان عَنَاءً، ورجع
الحال إلى وصفها له، ويكون الستر الذي بينها وبينهما عن سائر جسدها، وما
لا يحلّ لهما رؤيته، كما شُوهد غسل النبيّ وَّه من وراء الثوب، وطأطأ عن
رأسه حتى ظهر لمن أراد رؤيته. انتهى(٢).
وقال النوويّ تَخّْتُهُ: ((وفي هذا الذي فعلته عائشة ◌َّا دلالةٌ على
استحباب التعليم بالوصف بالفعل؛ فإنه أوقع في النفس من القول، ويَثبُت به
(١) ((المصباح المنير)) ٢٦٦/١.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١٦٣/٢.

٣١
(٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٥)
من كتابه، كما قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، لكن الجواب عن المصنّف
أنه إنما أورده متابعةً، لا استقلالاً، فإنه قد ساق حديث عائشة ◌َّا في هذا
الباب بأسانيد متعدّدة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ) بن عوف: أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) رِّ
((كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا اغْتَسَلَ)، أي أراد الاغتسال، قيل: هذا الأسلوب يدلّ
على العادة والغالب والشأن الكثير(١). (بَدَأَ بِيَمِينِهِ)، أي بغسل يده اليُمنَى،
واليمين مؤنثة، وجمعها أَيْمُنُ، وأَيمانٌ (فَصَبَّ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ) ((من)) تبعيضيّة،
ويحتمل أن تكون ابتدائيّة (فَغَسَلَهَا)، أي يده اليمين (ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى
الْأَذَى)، أي على موضع الأذى، والأذى أعمّ من النجاسة، كالبول ونحوه،
وغيرها، كالمنيّ، وما أصابه من رطوبة الفرج، وقد تقدّم طهارتهما على
الأصحّ (الَّذِي بِهِ)، أي بجسده الشريف وَ ل ◌َ (بِيَمِينِهِ) متعلّق بـ «صبّ)) (وَغَسَلَ
عَنْهُ) كان الظاهر ((وغسله))، لكنه ضُمِّنَ ((غَسَلَ)) معنى «أزال))، وحذف مفعوله:
أي أزال عنه الأذى (بِشِمَالِهِ) بكسر الشين: خلاف اليمين، وهي أيضاً مؤنّئةٌ،
وجمعها أَشْمُل، مثلُ ذِراعٍ وأَذْرُع، وشَمَائلٌ(٢)، أي غسل الأذى بيده اليسرى
(حَتَّى إِذَا فَرَغَ) غاية للغسلَ (مِنْ ذَلِكَ)، أي من غسل الأذى (صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ))،
قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌ِّنَا (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ)، وقد تقدّم
أنه يسمّى الْفَرَق، وهو ثلاثة آصُع (وَنَحْنُ جُنُبَانٍ) جملة في محلّ نصب على
الحال من الفاعل، قال النوويّ كَُّهُ: هذا جارٍ على إحدى اللغتين في الْجُنُب
أنه يُثَنَّى ويُجمَعُ، فيقال: جُنُبٌ، وجُنُبان، وجُنُبُون، وأَجْنَابٌ، واللغة الأخرى:
رجلٌ جُنُبٌّ، ورجلان جُنُبٌّ، ورجالٌ جُنُبٌ، ونساءٌ جُنُبُّ بلفظ واحد، قال الله
تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّ عَابِى
سَبِيلٍ﴾ الآية [النساء: ٤٣]، وهذه اللغة أفصح وأشهر.
(١) راجع: ((فتح المنعم)) ٣١١/٢ - ٣١٢.
(٢) ((المصباح)) ٣٢٣/١.

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
ويقال في الفعل: أجنب الرجلُ، وجُنِبَ - بضمّ الجيم، وكسر النون،
والأولى أفصح وأشهر، وأصل الجنابة في اللغة البعد، وتُطلق على الذي وجب
عليه غسلٌ بجماع، أو خروج منيّ؛ لأنه يجتنب الصلاة والقراءة والمسجد،
ويتباعد عنها. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تخريج الحديث، وسائر مسائله قريباً،
فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل .
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٧٣٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ
يَزِيدَ، عَنْ عِرَاكِ، عَنْ حَقْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ
الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهَا، أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ، وَالنَّبِيُّ وَّهِ فِي إِنَاءٍ
وَاحِدٍ ، يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ، أَوْ قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) بن أبي زيد القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الثقة
العابد الزاهد [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (شَبَابَةُ) بن سَوّار المدائنيّ، خُرَاسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان
الفزاريّ مولاهم، ثقة حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٣ - (لَيْث) بن سعد الإمام المصريّ المذكور قبل حديثين.
٤ - (يَزِيدُ) بن أبي حبيب - واسمه سُويد - أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيه،
يُرسل [٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٦٨.
٥ - (عِرَاك) - بكسر العين المهملة، وتخفيف الراء - ابن مالك الغِفَاريّ
الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت بعد ١٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
(١) ((شرح النوويّ)) ٤/٤ - ٥.

٣٣
(٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٦)
٦ - (حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، زوجة المنذر بن
الزبير، ثقةٌ [٣].
رَوَت عن أبيها، وعمتها عائشة، وأم سلمة، وعنها عِرَاك بن مالك،
وعبد الرحمن بن سابط، ويوسف بن ماهك، وعون بن عباس.
قال العجليّ: تابعيةٌ ثقةٌ، وذكرها ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج لها المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، ولها في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط.
وقولها: (فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ، أَوْ قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ) قد ذكر
القاضي عياض تَظْلَلهُ في تفسير هذه الجملة وجهين:
[أحدهما]: أن كلَّ واحد منهما ينفرد في اغتساله بثلاثة أمداد.
[والثاني]: أن يكون المراد بالمدّ هنا الصاع، ويكون موافقاً لحديث
الْفَرَق، ويكون ذلك مفسّراً له، إن لم تكن لفظة ((أمداد)» هنا وَهَماً، على ما
ذهب إليه بعضهم، وعلى الوجه الأول لا تأويل، ولا إشكال فيه (١).
قال النوويّ ◌َُّهُ: ويجوز أن يكون هذا وقع في بعض الأحوال،
واغتسلا من إناء يسع ثلاثة أمداد، وزاداه لَمّا فرغ. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قولها: ((يسع ثلاثة أمداد)) تعني مفترقِينَ، أو سَمَّت
الصاعَ مُدّاً، كما قالت في الْفَرَق الذي كان يسع ثلاثة آصُع، وكأنها قصدت
بذلك التقريب، ولذلك قالت فيه: ((أو قريباً من ذلك))، وإنما احتجنا إلى هذا
التأويل؛ لأنه لا يتأتّى أن يغتسل اثنان من ثلاثة أمداد؛ لقلّتها، والله تعالى
أعلم.
وهذا يدلّ على استحباب التقليل مع الإسباغ، وهو مذهب كافّة أهل
العلم والسنّة؛ خلافاً للإباضيّة والخوارج، واتّفق العلماء على جواز اغتسال
الرجل وحليلته، ووضوئهما معاً من إناء واحد، إلا شيئاً رُوي في كراهية ذلك
عن أبي هريرة ◌َ﴿به، وحديثُ ابن عمر، وعائشة، وغيرهما يردّه.
وإنما الاختلاف في وضوئه، أو غسله من فضلها، فجمهور السلف،
(١) (إكمال المعلم)) ١٦٤/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦/٤.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وأئمة الفتوى على جوازه، ورُوي عن ابن المسيّب، والحسن كراهة فضل
وضوئها، وكَرِهَ أحمد فضل وضوئها وغسلها، وشَرَطَ ابنُ عمر إذا كانت حائضاً
أو جُنُباً .
وذهب الأوزاعيّ إلى جواز تطهّر كلّ واحد منهما بفضل صاحبه ما لم
يكن أحدهما جنباً، أو المرأة خاصّةً حائضاً.
وسبب هذا الاختلاف اختلافُهُم في تصحيح أحاديث النهي الواردة في
ذلك، ومن صحّحها اختلفوا أيضاً في الأرجح منها، ومما يعارضها، كحديث
ميمونة أنه وسلم: ((كان يغتسل بفضلها))، رواه مسلم، وكحديث ابن عبّاس الذي
أخرجه الترمذيّ، وصحّحه، قال فيه: اغتسل بعض أزواج النبيّ وَلَّ في جَفْنة،
فأراد النبي ◌َّر أن يتوضّأ منه، فقالت: إني كنت جنباً، فقال وَالثّ: ((إن الماء لا
◌ُجْنِب)).
ولا شكّ في أن هذه الأحاديث أصحّ وأشهر عند المحدّثين، فيكون
العمل بها أولى، وأيضاً فقد اتّفقوا على جواز غسلهما معاً، مع أن كلَّ واحد
منهما يغتسل بما يُفضِله صاحبه عن غَرْفِهِ. انتهى كلام القرطبيّ كَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم البحث في هذه المسألة قريباً، وأن
الأرجح هو الجمع بين الأحاديث بحمل النهي على التنزيه، فهذا أقرب للعمل
بها كلّها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٧٣٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ
حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنٍ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ وَهُ
مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ، مِنَ الْجَنَابَةِ).
(١) ((المفهم)) ٥٨٢/١ - ٥٨٤.

٣٥
(٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٧)
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن
البصريّ، مدنيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت في أول ٢٢١) بمكة (خ
م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٢ - (أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نافع الأنصاريّ النجاريّ مولاهم، أبو
عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفَيراء، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبي بكر بن حزم، وسليمان بن
عبد الرحمن بن جندب، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن وهب، وأبو عامر الْعَقَديّ، ووكيع، وأبو نعيم، وحماد بن
زيد، والثوريّ، وحاتم بن إسماعيل، والمعافى بن عِمْران، والقعنبيّ، وهو آخر
مَن حَدّث عنه، وغيرهم.
قال أحمد: صالحٌ، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ لا بأس
به، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن صاعد: كان أحمد يُنكر على أفلح
قوله: ((ولأهل العراق ذات عرق))، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث،
وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لم يُحَدِّث عنه يحيى، قال: ورَوَى أفلح
حديثين منكرين: ((أن النبيّ وَ ◌ّ أشعر))، وحديث: ((وَقَّتَ لأهل العراق ذاتَ
عِرْق))، وكناه عبد الغني أبا محمد، والمعروف أن كنيته أبو عبد الرحمن، وقال
ابن عديّ: ولم يُنكِر أحمد - يعني سوى هذه اللفظة - وقد تفرد بها عن أفلح
مُعَافَى، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمةً.
قال الواقديّ: مات سنة (١٥٨)، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان
مكفوفاً، مات سنة (١٦٥)، قال: وقيل سنة (١٥٨).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجهْ، وله
في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٣٢١) و(٦٤٩) و(١١٨٩) و(١٢١١)
وكرره مرة، و(١٢٩٠) و(١٣٢١).
والقاسم تقدّم قبل باب، وعائشة رضيّا في الحديث الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وهو
(٣٣) من رباعيّات الكتاب.

٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقولها: (تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ) ببناء الفعل للفاعل، و((أيدينا)) مرفوع على
الفاعليّة، بضمة مقدّرة؛ للاستثقال، والاختلاف ضدّ الاتّفاق، والمراد اختلاف
أيديهما عند الغرف من الإناء بالرفع والوضع، بأن يرفع يده أحدهما من الإناء،
ويضعها الآخر فيها .
وقولها: (مِنَ الْجَنَابَةِ) تقدّم أن المعنى بسبب الجنابة، وتمام شرح
الحديث، ومسائله تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٧٣٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ عَاصِم
الْأَحْوَلِ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ وَّةِ مِنَّ
إِنَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاحِدٍ، فَيُبَادِرُنِي، حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي، دَعْ لِي، قَالَتْ: وَهُمَا
جُنْبَانٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ المذكور أول الباب.
٢ - (أَبُو خَيْئَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع)، تقدّم في ((المقدّمة)) ٦/ ٦٢.
٣ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) هو: عاصم بن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ،
ثقةٌ [٤] (ت بعد سنة ١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٤ - (مُعَاذَةُ) بنت عبد الله الْعَدَويّة، أم الصَّهْباء البصريّة، امرأة صِلَةَ بن
أشيم، ثقة [٣].
رَوَت عن عائشة، وعليّ، وهشام بن عامر، وأم عمرو بنت عبد الله بن
الزبير .
ورَوَى عنها أبو قلابة، وقتادة، ويزيد الرِّشْك، وأيوب، وعاصم الأحول،
وسليمان بن عبد الله البصريّ، وإسحاق بن سعيد، وأم الحسن، جدَّة أبي بكر
العدويّ، وغیرهم.

٣٧
(٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبِّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٨)
قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وذكرها ابن حبان في
((الثقات))، وقال: كانت من العابدات، يقال: إنها لم تتوسد فراشاً بعد أبي
الصهباء حتى ماتت، قال الحافظ: رَوَينا في ((فوائد عبد العزيز المشرقيّ)) بسند
له، عن أبي بِشْر، شيخ من أهل البصرة، قال: أتيت معاذة، فقالت: إني
اشتكيت بطني، فوُصِف لي نبيذ الجرّ، فأتيتها منه بقدَح فوضعته، فقالت: اللهم
إن كنت تعلم أن عائشة حدّثتني أن النبيّ وَ لَّ نَهَى عن نبيذ الجرّ، فاكفنيه بما
شئت، قال: فانكفأ القَدَح، وأُهريق ما فيه، وأذهب الله تعالى ما كان بها.
(١)
انتھی
.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، برقم
(٣٢١) و(٣٣٥) وكرّره ثلاث مرّات، و(٧١٩) وكرّره مرّتين، و(١١٦٠)
و(١٤٧٦) و(١٩٩٥).
وقولها: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ﴾﴾ تقدّم قريباً سبب الإتيان
بالضمير المنفصل، فلا تغفل.
وقولها: (مِنْ إِنَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) الظرف متعلّق بمحذوف، صفة لـ((إناء))، أي
موضوع بيني وبينه گلله.
وقولها: (وَاحِدٍ) بالجرّ صفة لـ((إناء)) بعد وصفه بالجارّ والمجرور.
وقولها: (فَيُبَادِرُني) أي يسابقني النبيّ ◌َّ إلى الاغتراف من ذلك الإناء.
وقولها: (حَتَّى أَقُولَ) بالنصب بـ(أن)) مضمرة بعد ((حتّى)) وجوباً؛ لكون
الفعل مستقبلاً، كما قال في ((الخلاصة)):
حَتْمٌ كَاجُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ»
وَبَعْدَ ((حَتَّى)) هَكَذَا إِضْمَارُ (أَنْ))
بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
وَتِلْوَ ((حَتَّى)) حَالاً اوْ مُؤَوَّلَا
ووقع في بعض النسخ مضبوطاً بالقلم ((حَتَّى أَقُولُ)) بالرفع، فعليه
يكون الفعل حالاً، فيُفع عطفاً على ((يبادرني))، أي فأقولُ إلخ، والله تعالى
أعلم.
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٤٧٩/١٢.

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
وقولها: (دَعْ لِي، دَعْ لِي) كرّرته للتأكيد، و((دع)) بفتح، فسكون أمر وَدَعه
يَدَعه: إذا تركه، وقد تقدّم أن بعض النحاة زعم أن العرب أماتت ماضيه،
ومصدره، واسم فاعله، لكن الصحيح، خلاف ذلك، وقد قُرئ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾
[الضحى: ٣] بتخفيف الدال، وفي الحديث: ((ليَنتهينّ أقوام عن وَدْعهم
الجمعات ... )) الحديث رواه مسلم، أي تركهم.
وقولها: (قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانٍ) الظاهر أن فاعل ((قالت)) ضمير عائشة رضَّا،
فيكون فيه التفات؛ إذ الظاهر أن تقول: ((ونحن جنبان))، كما تقدّم، من رواية
أبي سلمة، عنها، ويَحْتَمِل أن يكون ضمير معاذة، لكنها حكته آخذة عنها،
فتأمّل، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٧٣٩] (٣٢٢) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعاً
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الشَّعْنَاءِ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ، أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ، وَالنَّبِيُّ وََّ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١/ ١٨٤.
٢ - (أَبُو الشَّعْثَاءِ) هو: جابر بن زيد الأزديّ الْيُحمِديّ، ثم الْجَوْفيّ -
بفتح الجيم، وسكون الواو، بعدها فاء - البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ فقيهٌ [٣].
رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، والْحَكَم بن عَمْرو
الغفاريّ، ومعاوية بن أبي سفيان، وعكرمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه قتادة، وعمرو بن دينار، ويعلى بن مسلم، وأيوب السختيانيّ،
وعمرو بن هَرِم، وجماعة.
قال عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: لو أن أهل البصرة نَزَلوا
عند قول جابر بن زيد، لأوسعهم علماً من كتاب الله، وقال تميم بن حُدَير،

٣٩
(٩) - بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمُسْتَحَبُّ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٣٩)
عن الرَّبَاب: سألت ابن عباس عن شيء، فقال: تسألوني، وفيكم جابر بن
زيد؟ وقال داود بن أبي هند، عن عَزْرَة: دخلت على جابر بن زيد، فقلت: إن
هؤلاء القوم ينتحلونك - يعني الإباضية (١) - قال: أبرأ إلى الله من ذلك، وقال
ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وفي ((تاريخ البخاريّ))
عن جابر بن زيد، قال: لقيني ابن عمر، فقال: يا جابرُ إنك من فقهاء أهل
البصرة، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان فقيهاً، ودُفِن هو وأنس بن مالك
في جمعة واحدة، وكان من أعلم الناس بكتاب الله، وفي ((كتاب الزهد))
لأحمد: لَمّا مات جابر بن زيد، قال قتادة: اليوم مات أعلم أهل العراق،
وقال إياس بن معاوية: أدركت الناس، وما لهم مُفْتٍ غير جابر بن زيد، وفي
((تاريخ ابن أبي خيثمة)): كان الحسن البصريّ، إذا غزا أفتى الناس جابرُ بن
زيد، وفي ((الضعفاء)) للساجيّ، عن يحيى بن معين: كان جابر إباضيّاً، وعكرمةُ
صُفْرِيّاً (٢)، وأغرب الأصيليّ، فقال: هو رجل من أهل البصرة لا يُعْرَف، انفرد
عن ابن عباس بحديث: ((مَن لم يجد إزاراً، فليلبس السراويل))، ولا يعرف هذا
الحديث بالمدينة. انتهى (٣).
قال البخاريّ وغيره: مات سنة (٩٣)، وقال ابن سعد: سنة (١٠٣)،
وقال الهيثم بن عديّ: سنة (١٠٤).
(١) ((الإباضيّة)) بكسر الهمزة: نسبة إلى جماعة من الخوارج، يقال لهم: الإباضية، وهم
أصحاب الحارث الإباضي، وهم جماعة من الفِرَق المختلفة العقائد، يكفّر بعضهم
بعضاً، قاله في: ((الأنساب)) ١/ ٧٠، و((اللباب)) ٢٣/١.
وقال في: ((القاموس)) (ص٥٧٢): الإباضيّة قوم من الخوارج، نُسبوا إلى عبد الله بن
إياض التميميّ. انتهى.
(٢) ((الصُّفْريّة)) - بضم الصاد المهملة، وسكون الفاء -: نسبة إلى طائفة من الخوارج،
يُنسبون إلى زياد بن الأصفر، قاله في: ((اللباب)) ٧٣/٢.
وقال في: ((القاموس)) (ص٣٨٣): الصُّفْريّة بالضمّ، ويُكسر: قوم من الْحَروريّة،
نُسبوا إلى عبد الله بن صَفّار، كَكَتَّان، أو إلى زياد بن الأصفر، أو إلى صُفْرة
ألوانهم، أو لخلوّهم من الدين. انتهى.
(٣) ((تهذيب التهذيب)) ٢٧٩/١ - ٢٨٠.

٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، برقم (٣٢٢)
و(٣٢٣) و(٧٠٥) وأعاده بعده، و(١١٧٨) و(١٤١٠) وأعاده بعده، و(١٤٤٧).
٣ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر ﴿ُّ، تقدّم في الباب
الماضي.
٤ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث أم المؤمنين ظُنا، تقدّمت في الباب الماضي
أيضاً.
والباقون تقدّموا في هذا الباب، وشرح الحديث واضح، يُعلم مما سبق.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرٍو) بن دينار، وفي مسند الْحُميديّ: ((أخبرنا عمرو، أخبرنا أبو
الشعثاء)) (عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ) جابر بن زيد (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌ِّ، أنه (قَالَ:
أَخْبَرَتْنِ مَيْمُونَةُ) بنت الحارث ﴿ّ، هكذا صرّح في رواية المصنّف، والنسائيّ
بأنها أخبرته، ورواه البخاريّ عن أبي نعيم، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن
جابر بن زيد، عن ابن عبّاس ﴿ه: ((أن النبيّ وَلُّ وميمونة كانا يغتسلان من إناء
واحد)»، ثم قال البخاريّ بعده: كان ابن عيينة يقول أخيراً: ((عن ابن عبّاس،
عن ميمونة))، والصحيح ما روى أبو نعيم، يعني الرواية التي أخرجها .
قال الحافظ تَخُّْهُ: قوله: ((كان ابن عيينة إلخ))، كذا رواه عنه أكثر
الرواة، وإنما رواه عنه كما قال أبو نعيم مَن سمع منه قديماً، وإنما رَجَّح
البخاريّ رواية أبي نعيم جرياً على قاعدة المحدثين؛ لأن مِن جملة المرجحات
عندهم قِدَم السماع؛ لأنه مظنة قُوَّة حفظ الشيخ، ولرواية الآخرين جهةٌ أخرى
من وجوه الترجيح، وهي كونهم أكثر عدداً، وملازمةً لسفيان، ورَجَّحها
الإسماعيلي من جهة أخرى، من حيث المعنى، وهو كون ابن عباس لا يَطَّلِع
على النبيّ ◌َ ﴿ في حالة اغتساله مع ميمونة، فيدُلّ على أنه أخذه عنها .
وقد أخرج الرواية المذكورة الشافعيّ، والحميديّ، وابن أبي عمر، وابن
أبي شيبة، وغيرهم في مسانيدهم، عن سفيان، ومسلم، والنسائيّ، وغيرهما،
من طريقه .
ويُستفاد من هذا البحث أن البخاريّ لا يرى التسوية بين ((عن فلان))،