النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ (٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٦٩٩) أيضاً: توكّأ على عصاه: اعتمد عليها، واتّكأ: جلس متمكّناً، وفي التنزيل: ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤]، أي يجلسون، وقال: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُثَّكَا﴾ [يوسف: ٣١]، أي مجلساً يَجلس عليه، قال ابن الأثير: والعامّة لا تعرف الاتّكاء إلا الميل في القعود معتمداً على أحد الشِّقّين، وهو يُستعمل في المعنيين جميعاً، يقال: اتّكأ: إذا أسند ظهره، أو جنبه إلى شيء يعتمد عليه، وكلُّ من اعتمد على شيء، فقد اتّكأ عليه، وقال السَّرَقُسْطِيُّ أيضاً: اتّكأتُهُ: أعطيته ما يتّكئ عليه، أي ما يجلس عليه، والتاء مبدلة من واو، والاسمُ التُّكَأَةُ، مثالُ رُطَبَة. انتهى(١). وفي رواية البخاريّ في ((التوحيد)): كان يقرأ القرآن، ورأسه في حجري، وأنا حائض))، فعلى هذا يكون المراد بالاتّكاء وضع رأسه في حجرها(٢). (فِي حِجْرِي) قال القاضي عياض رَّتُهُ: كذا لعامّة شيوخنا، وكافّة الرواة، وكذا عند البخاريّ، ووقع للعذريّ: ((في حُجْرتي)) - أي بضمّ الجيم، وبالتاء المثنّاة من فوقُ - وهو وَهَمٌ، والمعروف الأول. انتهى (٣). و((الْحِجْر)): بفتح الحاء المهملة، وقد تُكْسَر، وسكون الجيم: الْحِضْنُ، وهو ما بين الإبط إلى الْكَشْح، وفسّره في ((النهاية)) بأنه طرَفُ الثوب المقدّم، وقد تقدم تمام البحث فيه قريباً. (وَأَنَا حَائِضٌ) قال القاضي عياض تَظَُّهُ: وقع في هذا الحديث عند بعض الرواة: ((وأنا حائضة))، وكذا كان عند شيخنا الصدفيّ، والْخُشنيّ، والوجهان جائزان، قال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرّيَحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١]، وقال تعالى: ﴿جَمَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢]. وقال الأعشى [من الطويل]: أَيَا جَارَتَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ وَمَوْمُوقَةٌ مَا دُمْتِ فِينَا وَوَامِقَهْ (١) ((المصباح المنير)) ٧٦/١ و٦٧١/٢. (٣) ((إكمال المعلم)) ٢/ ١٣٢. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٨٩/٣. ٤٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض فأما إثبات الهاء فيها على إجرائها على فعل المؤنّث، حاضت فهي حائضة، وأما قولهم: حائضُ، فللنحاة فيها وجهان: أحدهما: أن حائض، وطالق، ومُرضِع مما لا يشترك فيه المذكَّر، فاستُغني فيه عن علامة التأنيث. والثاني : - وهو الصحيح - أن ذلك على طريق النسب، أي ذات حيض، ورضاع، وطلاق، كما قال تعالى: ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بٍِّّ،﴾ [المزمل: ١٨]. انتهى كلام القاضي عياض ◌َّهُ(١). [تنبيه]: جملة ((وأنا حائض)) في محلّ نصب حال، قال الكرمانيّ: إما من فاعل ((يتّكى))، وإما من المضاف إليه، وهي ياء المتكلّم في قوله: ((في حجري)). قال الجامع عفا الله عنه: تعقّبه العينيّ في قوله: من فاعل ((يتكئ)). وعندي أن ما قاله الكرمانيّ صحيح، كما لا يخفى، فهو كقولك: جاء زيد، وأنا جالسٌ، وجواز مثل هذا لا خفاء فيه. وجاز مجيء الحال من المضاف إليه، أعني ياء المتكلّم في ((حجري))؛ لكون المضاف جزءاً، أو كجزء(٢) من المضاف إليه، كما في قوله تعالى: ﴿أنِ أَتَبِعْ مِلَّةَ إِثْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) حيث قال: إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ وَلَا تُجِزْ حَالاً مِنَ الْمُضَافِ لَهْ أَوْ كَانَ جُزْءَ مَا لَهُ أُضِيفًا أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلَا تَحِيفَا قال في ((العمدة)): وكلمة ((في)) في قولها: ((في حجري)) بمعنى ((على))، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأُّصَلِيَتَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على جذوع النخل، قال: وفائدة العدول عنه بيان التمكّن فيه، كتمكّن المظروف في الظرف. انتهى(٣). (١) ((إكمال المعلم)) ١٣٤/٢ - ١٣٥، بزيادة من «المفهم)) ١/ ٥٦٠. (٢) أي: على اختلاف معنى الحجر، هل هو الحِضن، أو الثوب المقدّم أمامه؟ كما سبق . (٣) ((عمدة القاري)) ٣٨٩/٣. ٤٠٣ (٣) - بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٦٩٩) (فَيَقْرَأُ) بالبناء للفاعل، أي يقرأ النبيّ نََّ (الْقُرْآنَ) قيل: فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قولها: فيقرأ القرآن إنما يَحسُنُ التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه، ولو كانت القراءة لها جائزةً لكان هذا التوهّم منتفياً، كذا قال ابن دقيق العيد. وعكس القاضي عياض نَّتُهُ، فقال: وقد استدلّ به بعض مشايخنا على قراءة الحائض القرآن، وإليه نحا البخاريّ في ((كتابه))، وكذلك في حملها المصحف. انتهى(١) . وقال ابن الملقّن تَّتُ: وجه استدلاله أنها لو كانت ممتنعةً من القراءة لامتنع النبيّ ◌َ﴿ من قراءته في محلّ حامل للحيض؛ تشريفاً للقرآن؛ لأن قراءتها له في تلك الحالة حالة استقذار، وقراءته في حجرها قراءة في مكان حامل لمستقذر، ولا فرق بين حالة الاستقذار، ومكان الاستقذار في تنزيه القرآن، كما مُنِعت قراءته في الحمام والسوق، ونحوهما(٢). انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة الرابعة تحرير الخلاف في هذه المسألة، وترجيح القول بجواز قراءة الحائض والجنب القرآن - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٦٩٩/٣] (٣٠١)، و(البخاريّ) في ((الحيض)) (٢٩٧)، و((التوحيد)) (٧٥٤٩)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٢٦٠)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١/ ١٤٧)، و((الحيض)) (١٩١/١)، و(ابن ماجه) في (١) ((إكمال المعلم)) ١٣٢/٢. (٢) القول بكراهة قراءة القرآن في السوق ونحوه فيه نظرٌ لا يخفى، فتنبّه. (٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٠١/٢ - ٢٠٢. ٤٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض ((الطهارة)) (٦٣٤)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (١٢٥٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٦٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٨/٦ و٦٩ و٧٢ و١١٧ و١٣٥ و١٤٨ و١٥٨ و١٩٠ و٢٠٤ و٢٥٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٩٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١٢/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣١٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٠٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٩٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها، وثيابها على الطهارة ما لم يَلحَق شيئاً منها نجاسةُ الحيض. ٢ - (ومنها): جواز القراءة مضطجعاً، ومتكئاً على الحائض، وبقرب محلّ النجاسة، قاله النوويّ تَخْذَتُهُ(١). ٣٠ - (ومنها): جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت أثوابها طاهرةً، وهو أحد القولين عند المالكية، قاله القرطبيّ كَّتُهُ(٢). ٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَظُّ: هذه الأحاديث متّفقةٌ على الدلالة على أن الحائض لا يَنجُسُ منها شيء، ولا يُجتَنَب منها إلا موضع الأذى فحسب. انتھی(٣). ٥ - (ومنها): استحباب تبليغ العلم للناس، والإخبارِ بأحواله وَل ◌َه ليُتَأْسَى به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في قراءة القرآن للحائض، والجنب: قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَظُّ: اختَلَف أهل العلم في قراءة الجنب والحائض القرآن، فكَرِهت طائفة أن يقرأ الجنب شيئاً من القرآن، وممن رُوِيَ عنه أنه كره ذلك عمر، وعليّ، والحسن، وإبراهيم، والزهريّ، وقتادة. (١) ((شرح النوويّ)) ٢١١/٣. (٣) ((المفهم)) ٥٥٩/١. (٢) («المفهم)) ١ /٥٦٠. ٤٠٥ (٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٦٩٩) ورُوي عن جابر بن عبد الله بأنه سئل عن المرأة الحائض والنفساء: هل تقرأ شيئاً من القرآن؟ قال: لا . وقال عَبِيدة: الجنب مثل الحائض، وقال عطاء: الحائض لا تقرأ شيئاً، والجنب الآية يُنفِذها، وقال أبو العالية، وإبراهيم، والزهريّ، وابن جبير: الحائض لا تقرأ من القرآن، وقال جابر بن زيد: الحائض لا تُتِمّ الآية. واختُلِف في قراءة الحائض عن الشافعيّ، فحَكَى أبو ثور عنه أنه قال: لا بأس أن تقرأ، وحَكَى الربيع عنه أنه قال: لا يقرأ الجنب ولا الحائض، ولا يَحمِلان المصحف. وحَكَى إسحاق بن منصور عن أحمد أنه قال: يقرأ الجنب طرف الآية والشيءَ، وكذلك قال إسحاق. وحَكَى أبو ثور عن الكوفي أنه قال: لا تقرأ الحائض، وقال أبو ثور: لا تقرأ الحائض، ولا الجنب القرآن. ورَخَّصت طائفة للجنب في القرآن، رَوَينا عن ابن عباس أنه كان يقرأ وِرْده، وهو جنب، فقيل له؟ فقال: ما في جوفي أكثر من ذلك، وعنه قال: لا بأس أن يقرأ الجنب الآية ونحوها، وعن أبي مِجْلَز قال: دخلت على ابن عباس، فقلت له: أيقرأ الجنب القرآن؟ قال: دخلتَ عليَّ، وقد قرأت سُبُع القرآن وأنا جنب. وكان عكرمة لا يرى بأساً للجنب أن يقرأ القرآن، وقيل لسعيد بن المسيب: أيقرأ الجنب القرآن؟ قال: نعم، أليس في جوفه؟. وقال مالك: لا يقرأ الجنب القرآن إلا أن يتعوذ بالآية والآيتين عند منامه، ولا يدخل المسجد إلا عابر سبيل، وكذلك الحائض؟. وقال الأوزاعيّ: لا يقرأ الجنب شيئاً من القرآن إلا آية الركوب، إذا ركب قال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، وآية النزول: ﴿رَّتِّ أَنْزِلْنِ مُنَزَّلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩]. ٤٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض وفيه قول ثالثٌ، قاله محمد بن مسلمة، كَرِه للجنب أن يقرأ القرآن حتى يغتسل، قال: وقد أُرخِص في الشيء الخفيف مثل الآية والآيتين يتعوذ بهما، وأما الحائض ومن سواها فلا يُكرَه لها أن تقرأ القرآن؛ لأن أمرها يطول، فلا تَدَع القرآن، والجنب ليس كحالها . قال ابن المنذر: احتج الذين كَرِهوا للجنب قراءة القرآن بحديث عبد الله بن سَلِمة، قال: دخلت على عليّ، فقال: كان النبيّ وَله يقضي الحاجة، ثم يقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يَحْجُبُه عن القرآن شيء، ما خلا الجنابة(١). واحتَجَّ مَن سَهَّل للجنب أن يقرأ القرآن بحديث عن عائشة رضيّا قالت: كان النبيّ وَّه يذكر الله على كل أحيانه(٢). قال ابن المنذر: فقال بعضهم: الذكر قد يكون بقراءة القرآن وغيره، فكلُّ ما وقع عليه اسم ذكر الله فغير جائز أن يُمْنَع منه أحدٌ، إذا كان النبيّ سَلَى اللّه وَعَلـ لا يمتنع من ذكر الله على كل أحيانه، وحديث عليّ ◌َظُبه لا يثبت إسناده؛ لأن عبد الله بن سَلِمَة تفرد به، وقد تَكَلَّم فيه عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سَلِمة وإنا لنعرف وننكر، فإذا كان هو الناقل بخبره، فجرحه بطل الاحتجاج به، ولو ثَبَتَ خبر عليّ رَظُّه لم يجب الامتناع من القراءة من أجله؛ لأنه لم يَنْهَهُ عن القراءة، فيكونَ الجنب ممنوعاً منه. انتهى كلام ابن المنذر وَذُهُ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه ابن المنذر تَخَّتُهُ هو الحقّ الذي لا محِید عنه. والحاصل أنه لم يثبت في منع الجنب عن القرآن شيء يُعتدّ به، كما أوضحه العلماء، ومنهم البيهقيّ، والنوويّ في ((المجموع))، فإنه ضعّف الأحاديث التي احتجّ بها المانعون. (١) حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود في: ((سننه)) ٥٩/١. (٢) سيأتي للمصنف برقم (٣٧٣). (٣) ((الأوسط)) ٩٦/٢ - ١٠٠. ٤٠٧ (٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٦٩٩) وخلاصة القول أن الراجح قول من قال بجواز قراءة القرآن للحائض والجنب، وهو - كما قال في ((الفتح)) - مذهب البخاريّ، والطبريّ، وابن المنذر، واحتجّوا بحديث عائشة ◌َّا المذكور. لكنه مع ذلك يُكره؛ لحديث: ((إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهر))، قاله في ردّ السلام، فالقرآن أولى من السلام، لكنه لا يُنافي الجواز، وقد أشبعت البحث في ((شرح النسائيّ)) (١)، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: حديث ابن عمر ◌ًا مرفوعاً: ((لا يقرأ الجنب، ولا الحائض شيئاً من القرآن))، رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، ضعيفٌ؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عيّاش، وروايته عن غير أهل بلده ضعيفة، وهذا رواه عن موسى بن عقبة، وهو حجازيّ. وكذا حديث جابر ظه، مرفوعاً: ((لا تقرأ الحائض، ولا النفساء من القرآن شيئاً))، رواه الدارقطنيّ، ففيه محمد بن الفضل، وهو متروك، أو منسوب إلى الوضع، وقد رُوي موقوفاً، وفيه يحيى بن أبي أُنيسة، كذّاب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مسّ الجنب والحائض المصحف : قال الإمام ابن المنذر رَّتُهُ: اختَلَف أهل العلم في مَسّ الحائض والجنب المصحف، فكَرِه كثير منهم ذلك، منهم ابن عمر، قال: لا يمس المصحف إلا متوضئ، وكره الحسن للجنب مس المصحف، إلا أن يكون له علاقة، ورُوِي ذلك عن الشعبيّ، وطاوس، والقاسم، وعطاء، وقال الحكم، وحماد في الرجل يَمَسّ المصحف، وليس بطاهر قالا: إذا كان في علاقة فلا بأس، وكره عطاء، والزهريّ، والقاسم، والنخعيّ، مس الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى على غير وضوء. وكره مالك أن يَحْمِل المصحف بعلاقته، أو على وسادة أحد إلا وهو طاهر، قال: ولا بأس أن يَحمله في الْخُرْج، والتابوت، والغِرَارة، ونحو ذلك (١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٣٩١/٤ - ٣٩٣. ٤٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض مَن على غير وضوء، ويَحْمِل النصرانيّ، واليهوديّ المصحف في الغِرَارة والتابوت، في مذهبه. وقال الأوزاعيّ، والشافعيّ: لا يَحمل المصحف الجنب والحائض، وقال أحمد، وإسحاق: لا يقرأ في المصحف إلا متوضىءٌ، قال إسحاق: لِمَا صَحّ قول النبيّ ◌َّهِ: ((لا يمس القرآن إلا طاهر))، وكذلك كان فعل أصحاب النبيّ ◌َل، وكره أحمد أن يمس المصحف أحد على غير طهارة، إلا أن يتصفحه بعُود أو بشيء. وقال أبو ثور: لا يمس المصحفَ جنبٌ، ولا حائض، ولا غير متوضئ، قال: وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَمَسُّهُ: إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، قال: وهذا قول مالك، وأبي عبد الله. وحَكَى يعقوب عن النعمان أنه قال في الرجل الجنب: يأخذ الصُّرّة فيها دراهم، فيها السورة من القرآن، أو المصحف بعلاقته قال: لا بأس، وقال: لا يأخذ الدراهم إذا كان جنباً، وفيها السورة من القرآن في غير صُرّة، وكذلك المصحف في غیر عِلاقته. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يأخذ ذلك، وهو على غير وضوء إلا في صُرّة، أو في عِلاقة. قال ابن المنذر: أعلى ما احتَجّ به مَن كَرِه أن يمس المصحف غير طاهر قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَشُّهُمْ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وحديث عمرو بن حزم، قال: في كتاب النبيّ رَِّ لعمرو: ((لا تَمَسّ القرآن إلا على طُهُور)). ورَخَّص بعض مَن كان في عصرنا للجنب والحائض في مس المصحف، ولبس التعويذ، ومس الدراهم والدنانير التي فيها ذكر الله تعالى على غير طهارة، وقال: معنى قوله: ﴿لَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الملائكة، كذلك قال أنس، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية، وقال: وقوله: يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ خبر بضم السين، ولو كان نهياً لقال: لا يَمَسَّنّه. واحتَجّ بحديث أبي هريرة، وحذيفة ◌ًّا، عن النبيّ ◌َّ أنه قال: ((المؤمن لا يَنْجُس))، متّفقٌ عليه. (٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٦٩٩) ٤٠٩ والأكثر من أهل العلم على القول الأول. انتهى كلام ابن المنذر ◌َّثه(١). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي قول أكثر أهل العلم من أنه لا يجوز للمحدث أن يمسّ القرآن؛ لصحّة حديث عمرو بن حزم المذكور: ((لا يمسّ القرآن إلا طاهر))، وقد أشبعت الكلام في صحته، وفي بيان أدلّة المانعين، والمجوّزين في ((شرح النسائيّ))، فارجع إليه(٢) تجد ما يشفيك - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في المرأة تُجنب، ثم تحيض قبل الاغتسال: قال ابن المنذر كَُّ: اختلفوا في المرأة تُجنب، فلا تغتسل حتى تَحيض، فقالت طائفة: تغتسل، فإن لم تفعل فغسلان عند طهرها، هذا قول الحسن، والنخعيّ، وعطاء، وجابر بن زید. وقال أبو ثور في الجنب: عليه أن ينوي بغسله الطهارة والجنابة، فإن اغتسل للجنابة ولم يتوضأ، ولم ينو به الوضوء أجزأه للجنابة، وتوضأ وضوءه للصلاة، وليس له أن يصلي إلا بوضوء. وقالت طائفة: يجزيها غسل واحد إذا طهرت من الحيض، وروي هذا القول عن عطاء، وبه قال ربيعة، وأبو الزناد، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وقد اختلف فيه عن الأوزاعي: فحكى الوليد بن مسلم عنه أنه قال: تغتسل من الجنابة وتقيم على الحيضة، وحكى الوليد بن يزيد عنه أنه قال: إن تركت الغسل فلا حرج، وإن اغتسلت فحسن وأستحب الاغتسال. وقد احتجّ بعض من أوجب عليها للجنابة غسلاً، وللحيض غسلاً بأن الله تعالى أوجب الاغتسال من الجنابة، وأوجب الاغتسال من الحيض، وكل واحد منهما غير الآخر، فلا يجوز إسقاط أحد الغسلين عنها إلا بحجة من كتاب، أو سنة، أو اتفاق، ومعنى كل واحد منهما غير الآخر. (١) راجع: ((الأوسط)) ١٠١/٢ - ١٠٤. (٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٣٩٣/٤ - ٣٩٩. ٤١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض واحتَجّ بعض من خالف هذا القول بأن النبيّ وَّ ر كان يطوف على نسائه بغسل واحد، فدَلّ فعله هذا على أن المرأةَ إذا حاضت بعد جنابتها يجزئها غسل واحد، نظير ما فعل النبيّ وَالر؛ لأن المجامع عليه الاغتسال إذا جامع، فإذا عاوده أجزأه الاغتسال بالأول والآخر، وكذلك المرأة إذا أجنبت وجب عليها الغسل، فلما حاضت قبل أن تغتسل للجنابة أجزأها غسل واحد، كما أجزأ من جامع ثم عاد، فجامع غسل واحد. ومن ذلك أن لا خلاف بينهم نعلم أن من بال فلم يُحدث وضوءاً حتى أتى الغائط، أو خرج منه ريح، أو كان ذلك كله منه في مقام واحد أن وضوءاً واحداً يجزي عنه لذلك كله، وكذلك المرأة الجنب التي لم تغتسل حتى حاضت يجزيها غسل واحد. انتهى كلام ابن المنذر تَخَذَتُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول بإجزاء الغسل الواحد للجنابة والحيض، هو الأرجح؛ لظهور حجته، ومن أقوى الحجج إجماعهم على أن من تعددت منه أسباب الحدث، من البول والغائط وغيرهما يجزيه وضوء واحد، فهذا مثله من دون فرق، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٧٠٠] (٣٠٢) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ، لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ (٢) فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ وَّهِ النَّبِيَّ وََّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُواْ اٌلِسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [البقرة: ٢٢٢]، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ النِّكَاحَ))، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئاً إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ خُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، فَقَالًا: يَا (١) ((الأوسط)) ١٠٤/٢ - ١٠٦. (٢) وفي نسخة: ((ولم يجامعوها)). ٤١١ (٣) - بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٠٠) رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟(١) فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ وَّهُ حَتَّى ظَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا، فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنِ إِلَى النَّبِّ ◌َِّ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا (٢)، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا). رجال هذا الإسناد: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذکور قبل حدیثین. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ ناقدٌ بصير [٩] (ت١٩٨) (ع)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٥ - (أَنَس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الْخَزرجي، خادم رسول الله وَّ، مات نظر ته سنة (٢ أو٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. لطائف هذا الإسناد: خمسة: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وأما حماد بن سلمة فقد أخرج ه البخاريّ حديثاً واحداً في ((كتاب الأدب) من ((صحیحه)). ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وقد دخل البصرة. ٥ - (ومنها): أن أنساً نظّ ◌ُله قد تشرّف بخدمة رسول الله مَ ل عشر سنين، (١) وفي نسخة: ((أفلا نجامعهنّ)) بهمزة الاستفهام. (٢) وفي نسخة: ((في أثَرِهما)). ٤١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض وهو من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) بن مالك ظُهُ (أَنَّ الْيَهُودَ) بالدال المهملة: اسم للقبيلة، وقيل: إنما اسم هذه القبيلة يهوذا بالذال المعجمة، فعُرّب بقلب الذال دالاً، قال ابن سيده: وليس هذا بقويّ، قاله في ((اللسان))(١). وقال في ((المصباح)): ويقال: هم يهودُ غير منصرف للعلميّة ووزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا يمتنع التنوين؛ لأنه نُقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، والنسبة إليه يهوديّ، وقيل: اليهوديّ نسبة إلى يهودا بن يعقوب عليه، هكذا أورده الصغاني ((يهودا)) في باب المهملة. انتهى(٢). (كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ)، والنسائيّ: ((منهم)) (لَمْ يُؤَاكِلُوهَا) بالهمز، ويُبدل واواً، وقيل: إنه لغة(٣)، أي لم يأكلوا معها؛ استقذاراً لها (وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ)، أي لم يساكنوهنّ، ولم يُخالطوهنّ، وفي نسخة: ((ولم يجامعوها))، وفي رواية أبي داود: ((لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها)) بضمير المفردة في المواضع الثلاثة، وفي رواية النسائيّ بضمير جماعة الإناث في المواضع الثلاثة، وکلّه صحیح. وقال في ((المرقاة): وإنما جمع الضمير - أي في ((يجامعوهنّ)) -؛ لأن المراد بالمرأة الجنس، فعبّر أوّلاً بالمفرد، ثم بالجمع؛ رعايةً للّفظ والمعنى على طريق التفنّن. انتهى (٤). (فِي الْبُيُوتِ) متعلّق بـ ((يجامعوهنّ))، ومعناه: لم يُخالطوهنّ، ولم يُساكنوهنّ في المحلّ الواحد، وليس المراد مجامعتهنّ في الفرج. (فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ نَّهِ النَّبِيَّ ◌َّهِ) ظاهر هذه الرواية أن السائلين جماعة (١) ((لسان العرب)) ٤٣٩/٣. (٣) ((المرقاة)) ٢٤٣/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٤٢/٢. (٤) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٤٣/٢ - ٢٤٤. ٤١٣ (٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٠٠) من الصحابة ﴿ه، وذكر الطبريّ ◌َُّ أن السائل هو ثابت بن الدَّحْدَاح، وقيل: السائل عبّاد بن بشر، وأُسيد بن حُضير، وعزاه القرطبيّ للأكثرين، ولا تعارض؛ لاحتمال أن يكونوا كلهم سألوا، كما يقتضيه ظاهر رواية المصنّف نَّتُهُ. و((متعلّق ((سأل)) محذوف، أي عن ذلك، والمعنى أن الصحابة ثم سألوا عن حكم ما تفعله اليهود من إبعاد النساء عنهم كلَّ الإبعاد (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) جواباً عن هذا السؤال: (﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾) أي الحيض، فالمحيض مصدر ميميّ، أي عن حكم الاستمتاع بالنساء زمنَ الحيض. وقال النوويّ دَّثُهُ: المحيض الأول المراد به الدم، والثاني اختُلِف فيه، فمذهبنا أنه الحيض، ونفس الدم، وقال بعض العلماء: هو الفرج، وقال آخرون: هو زمن الحيض. انتهى(١). (قُلْ هُوَ)، أي المحيض بمعنى الدم السائل، لا بمعنى السيلان، ففيه الاستخدام (أَذَّى)، أي قَذَرٌ، وأصل الأذى ما يتأذّى به الإنسان، وكان دم الحيض أذّى؛ لقبح لونه، ورائحته، ونجاسته، وإضراره، والتنكير فيه للقلّة، كما قال البغويّ، أي أذَّى يسيرٌ لا يتجاوز الفرج، وما قاربه، فلا يتأذّى به إلا من جامعها، زوج، أو سيّد، دون من آكلها، أو ساكنها(٢). وقال القرطبيّ المفسّر ◌َُّهُ: ﴿قُلَّ هُوَ أَذَّى﴾، أي هو شيء تتأذى به المرأة وغيرها، أي برائحة دم الحيض، والأذى كناية عن القذر على الجملة، ويُطلق على القول المكروه، كقوله تعالى: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، أي بما تسمعه من المكروه. انتهى(٣). (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ) أي ابتعدوا عنهنّ (فِي الْمَحِيضِ) أي في زمن الحيض، إن حُمل المحيض على المصدر، أو في محلّ الحيض، إن حُمل على الاسم، ومقصود هذا النهي ترك المجامعة لهنّ، قاله القرطبيّ(٤). وقال القاري: يعني أن الحيض أذى يَتأذّى معه الزوج من مجامعتها فقط، (١) ((شرح النووي)) ٢١١/٣. (٣) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٨٥/٣. (٢) ((المنهل العذب المورود)) ٣٦/٣. (٤) المصدر السابق ٨٦/٣. ٤١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض دون المؤاكلة، والمجالسة، والافتراش، أي فابعُدوا عنهنّ في المحيض، أي في مكان الحيض، وهو الفرج، أو حوله مما بين السرّة والركبة احتياطاً. انتھی(١). وقوله: (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) متعلّق بـ ((أنزل الله)). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ) مبيّناً للاعتزال المذكور في الآية بكونه مقصوراً على بعض أفراده ((اصْنَعُوا)، أي افعلوا (كُلَّ شَيْءٍ) من أنواع الاستمتاع، كالمباشرة، والقُبْلة، والمعانقة، واللمس، وغير ذلك، وفي رواية النسائيّ: ((فأمرهم رسول الله وَ﴿ أن يؤاكلوهنّ، ويشاربوهنّ، ويجامعوهنّ في البيوت)) (إِلَّ النَّكَاحَ)))، أي الجماع في الفرج، وفي رواية النسائيّ: ((ما خلا الجماع)»، و((النكاح)) في اللغة يُطلق على الوطء، وعلى العقد، يقال: نكحتها: إذا وطئتها، أو تزوّجتها (٢)، فرواية النسائيّ مبيّنة للمراد من رواية المصنّف. وقال القاري كَخَذَتُهُ: قوله: ((إلا النكاح)) أي الجماع، وهو حقيقةٌ في الوطء، وقيل: في العقد، فيكون إطلاقاً لاسم السبب على المسبّب. انتهى (٣). وقال الطيبيّ تَخْتُ: قوله: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) تفسير للآية، وبيان لقوله تعالى: ﴿فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فإن الاعتزال شاملٌ للمجانبة عن المؤاكلة، والمضاجعة، والمجامعة، لكنّه قُيّدَ بقوله تعالى: ﴿فَأَتُوُهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فعلم أن المراد منه المجامعة، فقال ◌َ: ((اصنعوا كلّ شيء إلا النكاح))، أي الجماع؛ إطلاقاً لاسم السبب على المسبّب؛ لأن عقد النكاح سبب للجماع. انتهى (٤). (فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ)، أي وصل إليهم خبر ما قاله النبيّ بَّهُ من أمر ـى بأن يصنعوا في النساء كلّ شيء إلا الجماع في الفرج، (فَقَالُوا: الصحابة مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ) يعنون النبيّ وَ﴿، وفي رواية النسائيّ: (ما يدَعُ رسول الله وَل ... ))، وهو من الرواية بالمعنى؛ لأن اليهود لا تعترف (٢) ((المصباح)) ٦٢٤/٢. (١) ((المرقاة)) ٢٤٤/٢. (٣) ((المرقاة)) ٢٤٤/٢. (٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨٥٥/٣. ٤١٥ (٣) - بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٠٠) برسالته ◌َّ﴿ ﴿أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئاً) من الأشياء في حال من الأحوال (إِلَّا خَالَفَنَا) بفتح الفاء، والفاعل ضمير ((هذا الرجل)) (فِيهِ) أي إلا في حال مخالفته إيانا في ذلك الشيء، يعنون بذلك أن ما جاء به النبيّ وَلّ مخالف لدينهم . [تنبيه]: هذا الذي قاله اليهود من مخالفة النبيّ وَّر لدينهم صحيحٌ فيما بدّلوا وغيّروا، واختلفوا فيه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ الآية [النحل: ٦٤]، وأما ما لم يُبدّل من شرع موسى لعلّل، فإنه وَلّر ما أتى مخالفاً لأصوله، بل جاء موافقاً له، ومحيياً لما درس منه؛ لأن أصل دين الأنبياء واحد، وإن اختلفت الفروع، كما قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣]، وأما الفروع فمنها ما يوافق، ومنها ما يخالف؛ لكونه منسوخاً بشرعنا، كما قال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨]. قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية ما ملخّصه: هي إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بَعَث الله به رسلَهُ الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام، المتفقة في التوحيد، كما ثبت في (الصحيحين)) عن أبي هريرة د ◌ُه أن رسول الله وَ لجر قال: ((نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد)) - يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضَمّنه كلَّ كتاب أنزله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُنٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦]. وأما الشرائع فمختلفة، في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراماً، ثم يَحِلّ في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفاً فيزاد في الشدّة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ يقول: سبيلاً وسنةً، والسنن مختلفة هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يُحِلّ الله فيها ما يشاء، ويُحَرِّم ما يشاء؛ لِيَعْلَم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره التوحيد، ٤١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام. انتھی(١). والحاصل أن زعم اليهود في مخالفة النبيّ وَ﴿ إنما هو فيما بدّلوا وغيّروا، وأما ما عدا ذلك فإنه ما جاء إلا مبيّناً وموضّحاً لأصوله، وكاشفاً ما كتموه، وأخفوه من الحقّ، كما قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّدُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ﴾ الآية [المائدة: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، والله تعالى أعلم. (فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ خُضَيْرٍ) - بتصغير الاسمين - ابن سِمَاك بن عَتِيك الأنصاريّ الأشهليّ، أبو يحيى، وقيل في كنيته غير ذلك، كان أحد النقباء ليلة العقبة، واختُلِف في شهوده بدراً، رَوَى عن النبيّ بَّه، وروى عنه أبو سعيد الخدريّ، وأنس، وأبو ليلى الأنصاريّ، وكعب بن مالك، وعائشة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وحُصين بن عبد الرحمن، ولم يدركاه. قال ابن إسحاق: لا عَقِب له، وقال ابن سعد: كان شريفاً في قومه كاملاً، وذكره موسى بن عقبة فيمن شَهِد العقبة الثانية، وقالت عائشة: كان من أفاضل الناس. وقال عروة: مات أُسيد بن حُضير، وعليه دين أربعة آلاف درهم، فبيعت أرضه، فقال عمر: لا أترك بني أخي عالَةً، فَرَدَّ الأرض، وباع ثمرها من الغرماء أربع سنين بأربعة آلاف، كلَّ سنة ألف درهم. وذكره ابن إسحاق في البدريين، ورَوَى الواقديّ ما يخالفه، أنه تلقى رسول الله ﴿ ﴿ مرجعه من بدر، واعتَذَر عن تخلفه، وأرَّخ البغويّ، وابن السكن، وغيرهما وفاته سنة (٢٠)، وعن المدائنيّ أنه توفي سنة (٢١)، وقال البخاريّ: مات أُسيد بن حُضير في عهد عمر، قاله عبد الله بن عمر، عن نافع، (٢) عن ابن عمر . (١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) (٦٧/٢). (٢) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ١٧٦/١. ٤١٧ (٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْخَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٠٠) أخرج له الجماعة، وله عند المصنّف حديث واحد برقم (١٨٤٥) في ((كتاب الإمارة)) حديث: ((إنكم ستلقون بعدي أَثَرةً، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)). (وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ) بن وَقْش، ويقال: زُغْبة بن زَعُوراء بن عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ، أبو بشر، وأبو الربيع الأشهليّ، قال ابن عبد البر: لا يختلفون أنه أسلم بالمدينة على يدي مصعب بن عمير، وذلك قبل إسلام سعد بن معاذ، وشَهِد بدراً، والمشاهد كلها، وكان ممن قَتَل كعبَ بن الأشرف، وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: وممن شهد بدراً عبادُ بن بشر، وقُتِل يوم اليمامة شهيداً وكان له بَلاءٌ وغَنَاءٌ، وهو ابن (٤٥) سنة. وقال أبو نعيم في ((المعرفة)): رَوَى عنه أنس بن مالك، وقال ابن سعد: آخى النبيّ وَّهِ بينه، وبين أبي حُذيفة بن عُتبة ◌َّا. ليست له رواية في الكتب السّة، وإنما رَوَى له أبو داود في كتابه ((مناقب الأنصار)) حديثاً واحداً، من رواية حُصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن ثابت، عنه، بقوله للأنصار: ((أنتم الشعار، والناس الدثار)). (فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا)، أي ما تقدّم من كلامهم البذئ (أَفَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟)، وفي بعض النسخ بحذف همزة الاستفهام، وفي رواية النسائيّ: ((أنجامعهنّ في المحيض))، والمعنى: أتأمرنا بمخالفة اليهود فيهنّ المخالفة التامّة، فنجامعهنّ في حالة الحيض، وإنما حملهما على ما قالا؛ شدّةُ بغضهما لليهود، فأرادا إدخال الغيظ عليهم بذلك، (فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ و ◌َ﴿)، وفي رواية النسائيّ: ((فتمعّر وجه رسول الله وَلّه تمعّراً شديداً))، وهو بمعنى تغيّر، وأصل التمعّر قلّة النَّضَارة، وعدم إشراق اللون، ومنه المكان الأمعر، وهو الْجَدْبُ الذي ليس فيه خِصْبٌ. وإنما تغيّر وجه رسول الله وَله من قولهما هذا؛ لمخالفته نصّ كتاب الله، حيث قال: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. (حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ)، أي أنّهِ وَيِّ (قَدْ وَجَدَ)، أي غَضِب، يقال: وَجَد عليه يَجِد وَجْداً، من باب وَعَد، ومَوْجِدَةً: غَضِبَ عليه، وفي رواية النسائيّ: ((حتى ظنّنا أنه قد غَضِب)) (عَلَيْهِمَا) أي على أُسيد، وعبّاد ٤١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض [تنبيه]: ((أَنْ)) في قوله: ((أن قد وجد)) بفتح الهمزة، وسكون النون، هي المخفّفة من الثقيلة، واختلف في اسمها، فقيل: ضمير شأن محذوف، وقيل: ضمير النبيّ ◌َلّ، وخبرها الجملة بعدها، وإلى هذا أشار ابن مالك: في (الخلاصة)) حيث قال: وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ ((أَنْ)) وَإِنْ تُخَفَّفْ ((أَنَّ)) فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعًا وَإِنْ يَكُنْ فِعْلاً وَلَمْ يَكُنْ دُعَا تَنْفِيسِ اوْ ((لَوْ)) وَقَلِيلٌ ذِكْرُ (لَوْ)) فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِ («قَدْ)) أَوْ نَفْي اوْ و((أن)) وما دخلت عليه في تأويل المصدر سدّت مسدّ مفعولي ((ظنّ)). (فَخَرَجَا)، وفي رواية النسائيّ: ((فقاما))، أي خرج أُسيدٌ وعبّادٌ ضَّ من عند رسول الله وَطور، وانطلقا إلى حاجتهما، ويحتمل أن يكون خروجهما؛ خوفاً من زيادة تغيّرِهِ وََّ عليهما (فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ) ذكّر الفعل؛ لكون الفاعل، وهو ((هديّة)) مجازيَّ التأنيث، أي فاستقبل الرجلين شخص معه هديّة يُهديها إلى رسول الله وَله، والإسناد مجازيّ، قاله الطيبيّ(١). (مِنْ لَبَنِ) ((من)) بيانيّة، والجارّ والمجرور صفة لـ ((هديّة))، وقوله: (إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ) متعلّق بصفة لـ ((هديّة)) أيضاً، أي ((يُهديها)) إليه وََّ (فَأَرْسَلَ) بالبناء للفاعل، أي أرسل النبيّ وَّ من يردّهما إليه (فِي آثَارِهِمَا) بالمدّ جمع أَثَر، كسبب وأسباب، وفي نسخة: أثرهما)) بالإفراد، وهو بفتحتين، وقيل: بكسر، ففتح، والمراد آثار أقدامهما، وهو كناية عن سرعة الإرسال وراءهما؛ لأن أثر المشي لا يبقى طويلاً، وفي رواية النسائيّ: ((فبعث في آثارهما، فردّهما)) (فَسَقَاهُمَا) معطوف على محذوف، أي فحضرا، فسقاهما ذلك اللبن، وإنما خصّهما به؛ تطييباً لخاطرهما، حيث ظنّا أنه غضب عليهما (فَعَرَفَا) بالبناء للفاعل، والألف ضمير أسيد، وعبّاد ێًا، وفي رواية النسائيّ: ((فُعُرف)) بالبناء للمفعول، أي عرف الناس (أَنْ) تقدّم أنها مخفّفة من الثقيلة، أي أنه بَِّ (لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا)، وفي رواية النسائيّ: ((أنه لم يغضب عليهما))، أي لم يغضب على الرجلين، أو لم يستمرّ على الغضب، بل زال عنه، وذهب، وهذا من مكارم أخلاقه وَله . (١) ((الكاشف)) ٨٥٦/٣. ٤١٩ (٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا، وَتَرْجِيلِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٧٠٠) وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: وتغيّر وجه رسول الله وَ له من قول أسيد بن حضير، وعبّاد بن بشر مثًّا إنما كان ليُبيّن أن الحامل على مشروعيّة الأحكام إنما هو أمر الله تعالى، ونهيه، لا مخالفة أحد، ولا موافقته كما ظَنّا، ثم لَمّا خرجا من عنده، وتركاه على تلك الحالة خاف عليهما أن يَحزنا، وأن يتكدّر حالهما، فاستدرك ذلك، واستمالهما، وأزال عنهما ما أصابهما، بأن أرسل إليهما اللبن، فسقاهما؛ رأفةً ورحمةً منه وَّ لهما، على مقتضى خُلُقه الكريم وَ ﴿، كما قال الله ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ظبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الحيض)) [٣/ ٧٠٠] (٣٠٢)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٢٥٨)، وفي ((النكاح)) (٢١٦٥)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٩٧٧)، و(النسائيّ) في ((الحيض)) (١٥٢/١ و١٨٧)، و(ابن ماجه) في (الطهارة)) (٦٤٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٥٢)، و(أحمد) في (مسنده)) (١٣١/٣ و٢٤٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٤٥/١)، و(أبو عوانة) في (مسنده)) (٩٠٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٩١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٣٦٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١٣/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم وطء الحائض، وهو مجمع عليه، فمن فعله عالِماً عصى، ومن استحلّه كفر؛ لأنه محرّم بنصّ كتاب الله، ولا يرتفع التحريم إلا بانقطاع الدم والاغتسال عند أكثر أهل العلم، كما تقدّم بيانه. (١) ((المفهم)) ١ / ٥٦١. ٤٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض ٢ - (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة. ٣ - (ومنها): جواز الاستمتاع بالحائض بكلّ أنواع الاستمتاع ما عدا الوطء في الفرج. ٤ - (ومنها): سماحة دين الإسلام، حيث أحلّ الاستمتاع المذكور. ٥ - (ومنها): ما قاله القاضي عياضٌ تَخْذُّ: فعلُهُ وَّ مع الصحابيين في تطييب نفوسهما، وزوال الوحشة من قلوبهما بسقيهما اللبن إِثْرَ ما أظهر من الإنكار لسؤالهما في وطء الحائض مخالفةً لليهود، وتغيّر وجه النبيّ وَّ لذلك حتى ◌ُنّ أن قد وجَدَ عليهما فيه من حسن العشرة، والرفق، والرأفة بالمؤمنين، والرحمة التي جعلها الله من صفات نبيّهِ وَّهِ، لا سيّما ما كان يَلحقهما من ظنهما غضب النبيّ وَّ عليهما، ولا سيّما فيما هو من باب الدين والشريعة. (١) انتھی ٦ - (ومنها): عدم مقابلة المسلم بما يسوؤه وإن أساء، فإنه وَلّل ما کلّمهما، بل سكت عنهما. ٧ - (ومنها): مشروعيّة الغضب على من ارتكب ما لا يليق به. ٨ - (ومنها): أنه لا يجوز إغاظة العدوّ بما فيه مخالفة الشريعة. ٩ - (ومنها): مشروعيّة قبول الهديّة، وتفريقها على غير الْمُهْدَى إليه. ١٠ - (ومنها): أنه لا ينبغي استمرار الغضب على المسلم إذا لم يوجد ما يقتضي ذلك. ١١٠ - (ومنها): استحباب سكوت التابع عند غضب المتبوع تأدّباً معه. ١٢: (ومنها): استحباب الملاطفة، والمؤانسة بعد الغضب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (١) ((إكمال المعلم)) ١٣٥/٢.