النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ (٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِيْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣) وفيه قول ثالث، قاله مالك، قال: لا يَرَى أهلُ العلم أبوال ما أُكِل لحمه، وشُرِب لبنه من الأنعام نَجَساً، وكذلك أبعارها، وهم يستحسنون مع ذلك غسلها، ولا يرون بالاستشفاء بشرب أبوالها بأساً، ويكرهون أبوال ما لا يؤكل لحمه من الدواب، وأروائها الرَّظْبة ويرون أن يعيد ما كان في الوقت، ويكرهون شرب أبوالها وألبانها، هذه حكاية ابن وهب عنه. وحَكَى ابنُ القاسم أن مالكاً كان لا يَرَى بأساً بأبوال ما أُكل لحمه، مما لا يأكل الْجِيَف، وأروائها إن وقع في الثوب، وقال في الطير التي تأكل الجيف والأذى: يعيد من كان في ثوبه منه شيء صلاته في الوقت، قال: فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه. ووَقَفَ أحمد عن الجواب في أبوال ما يؤكل لحمه مرةً، وقال مرة: يُنَزَّه عن بول الدواب كلها أحبّ إليّ، ولكن البغل والحمار أشدّ، وقال إسحاق كذلك، وقد اختلف قول أحمد في هذا الباب. وقالت طائفة: الأبوال كلها سوى بول بني آدم طاهرٌ لا يجب غسله، ولا نضحه إلا أن يوجَب ذلك مما يجب التسليم له، قال: وليس بين بول ما أُكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه فرق؛ لأن الفرائض لا تجب إلا بحجة. وقد ذَكَر مغيرة بن أبي معشر أنه قال: بال بَغْلٌ قريبٌ مني، فتنحيت، فقال لي إبراهيم: ما عليك لو أصابك، وقد رَوَينا عن عطاء، والزهريّ أنهما أمرا بالرشّ على بول الإبل، وقال النعمان في روث الفرس، وروث الحمار، والروثِ كلِّهِ: سواءٌ إذا أصاب الثوبَ منه أكثر من الدرهم لم تجز الصلاة فيه، وكذلك إذا أصاب الخفّ والنعل. وقال يعقوب ومحمد: يجزيه إلا أن يكون كثيراً فاحشاً، وقال النعمان في بول الفرس: لا يُفسِد إلا أن يكون كثيراً فاحشاً، وبول الحمار يُفسد إذا كان أكثر من الدرهم، وهو قول النعمان ويعقوب، وقال محمد: لا يُفسد بول الفرس، وإن كان كثيراً فاحشاً؛ لأنه بول ما يؤكل لحمه. وقال النعمان في أَخْثاء البقر، وخُرء الدجاج، مثلُ السِّرْقين: يُفسد منه أكثر من قدر الدرهم، وكذلك قال يعقوب ومحمد في خُرء الدجاج خاصةً، وقال محمد: الكثير الفاحش الربعُ فصاعداً. ٣٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة قال ابن المنذر: احتَجّ مَن جَعَلَ الأبوال كلها نجسة بأن أبوال بني آدم لَمّا كانت نجسةً، فأبوال البهائم أولى بذلك؛ لأن مأكول الآدميين، ومشروبهم يدخل حلالاً، ثم يتغير في الجوف، حتى يخرج نجساً، فكان ما كان تَعْتَلِف البهائم، وتأكل السباع أولى بهذا؛ لأنها لا تتوقا(١) ما تأكل. قال ابن المنذر: ويلزم مَن جعل أبوال البهائم قياساً على أبوال بني آدم، أن يجعل شعر بني آدم قياساً على أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار الأنعام، هذا إذا جاز أن يجعل أحد الصنفين قياساً على الآخر، فإذا فَرَّقَ مُفَرِّق في غير هذا الباب بين بني آدم، والأنعام بفروق كثيرة، ومَنَعَ أن يُجعَل أحدهما قياساً على الآخر، وَجَبَ كذلك في هذا الباب، أن لا يُجعَل أحد الصنفين قياساً على الآخر، والأخبار الثابتة عن رسول الله وسلّ دالةٌ على طهارة أبوال الإبل، ولا فرق بين أبوال الإبل، وبين أبوال البقر والغنم. ثم أخرح بسنده عن أنس به أن أُناساً من عُرَينة، قَدِموا المدينة، فأرسلهم النبيّ وَّ في إبل الصدقة، وقال لهم: ((اشرَبُوا من ألبانها وأبوالها))، متفقٌ عليه. قال ابن المنذر: وهذا يدل على طهارة أبوال الإبل، ولا فرق بين أبوالها وأبوال سائر الأنعام، مع أن الأشياء على الطهارة حتى تَثْبُت نجاسة شيء منها بکتاب، أو سنة، أو إجماع. فإن قال قائل بأن ذلك للعرنيين خاصّةً، قيل له: لو جاز أن يقال في شيء من الأشياء خاصّةٌ بغير حجة لجاز لكل من أراد فيما لا يوافق من السنن مذاهب أصحابه، أن يقول: ذلك خاصّ، وظاهر خبر رسول الله صل﴿ل في هذا الباب، مُسْتَغْنَى به عن كل قول. واستعمالُ الخاصة والعامة أبوال الإبل في الأدوية، وبيعُ الناسِ ذلك في أسواقهم، وكذلك الأَبْعَار تُباع في الأسواق، ومَرابضُ الغنم يُصَلَّى فيها، والسنن الثابتة دليل على طهارة ذلك، ولو كان بيع ذلك مُحَرَّماً لأنكَرَ ذلك أهل (١) هكذا نسخة ((الأوسط))، ولعل الصواب: ((لا تتوقى))، فليُحرّر. ٣٢٣ (٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣) العلم، وفي ترك أهل العلم إنكار بيع ذلك في القديم والحديث، واستعمال ذلك، معتمدين فيها على السنة الثابتة بيان لما ذكرناه. انتهى كلام ابن المنذر تَّثُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّق الإمام ابن المنذر تَُّهُ بحثٌ نفيسٌ، خلاصته أن الأرجح كون الأبوال والأبعار، والأخثاء طاهرة مطلقاً، من جميع الحيوانات، مأكولة اللحم، وغير مأكولته، إلا بول الآدميّ؛ لقوّة حجته، والله تعالى أعلم. وسئل شيخ الإسلام ابن تيميّة: عن بول ما يؤكل لحمه، هل هو نَجَسٌ؟. فأجاب: أما بول ما يؤكل لحمه وروثه، فإن أكثر السلف على أن ذلك ليس بنجس، وهو مذهب مالك، وأحمد، وغيرهما، ويقال: إنه لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجيس ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَثٌ، لا سلف له من الصحابة، والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليلٌ شرعيّ على نجاسته أصلاً، فإن غاية ما اعتَمَدوا عليه قوله بَّه: ((تنزّهوا من البول))، وظنّوا أن هذا عامّ في جميع الأحوال، وليس كذلك، فإن اللام لتعريف العهد، والبول المعهود هو بول الآدميّ، ودليله قوله: ((تنزّهوا من البول، فإن عامّة عذاب القبر منه))، ومعلوم أن عامّة عذاب القبر إنما هو من بول الآدميّ نفسِهِ الذي يصيبه كثيراً، لا من بول البهائم الذي لا يُصيبه إلا نادراً. وقد ثبت في (الصحيحين)) عن النبيّ وَّرَ أنه أمر العُرَنيين الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام أن يَلْحَقُوا بإبل الصدقة، وأمر أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يأمرهم مع ذلك بغسل ما يُصيب أفواههم وأيديهم، ولا بغسل الأوعية التي فيها الأبوال، مع حِدْثان عهدهم بالإسلام، ولو كان بول الأنعام كبول الإنسان لكان بيان ذلك واجباً، ولم يجز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيّما مع أنه قرنها بالألبان التي هي حلالٌ ظاهرة، مع أن التداوي بالخبائث قد ثبت فيه النهي عن النبيّ وَطلقة من وجوه كثيرة. (١) ((الأوسط)) ١٩٥/٢ - ١٩٩. ٣٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة وأيضاً فقد ثبت في ((الصحيح)) أن النبيّ وَّ﴿ كان يُصلّي في مَرابض الغنم، وأنه أَذِن في الصلاة في مرابض الغنم من غير اشتراط حائل، ولو كانت أبعارها نَجِسةً لكانت مرابضها كحُشُوش بني آدم، وكان ينهى عن الصلاة فيها مطلقاً، أو لا يصلى فيها إلا مع الحائل المانع، فلما جاءت السنّة بالرخصة في ذلك، كان مَن سَوَّى بين أبوال الآدميين، وأبوال الغنم مخالفاً للسنّة. وأيضاً فقد طاف النبيّ وَّ بالبيت على بعيره مع إمكان أن يبول البعير. وأيضاً فما زال المسلمون يدُوسون حُبوبهم بالبقر مع كثرة ما يقع في الحبّ من البول وأخباث البقر. وأيضاً فإن الأصل في الأعيان الطهارة، فلا يجوز التنجيس إلا بدليل، ولا دليل على النجاسة؛ إذ ليس في ذلك نصّ، ولا إجماع، ولا قياس صحيح. انتهى كلام شيخ الإسلام(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، وقد ذكر في رسالة أخرى لترجيح هذا المذهب بضعة عشر دليلاً(٢)، فأجاد، وأفاد. وقال العلامة الشوكانيّ بعد ذكر الأقوال المتقدّمة: والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان، يؤكل لحمه؛ تمسكاً بالأصل، واستصحاباً للبراءة الأصلية، والنجاسة حكم شرعيّ، ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يُقْبَل قول مُدَّعِيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلاً كذلك، وغاية ما جاؤوا به حديث صاحب القبر، وهو مع كونه مُراداً به الخصوص كما سلف عمومٌ ظنيُّ الدلالة، لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف. [فإن قلت]: إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبله لما تقدم حتى يَرِدَ دليلٌ، فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول، وزِبْله على العموم؟. [قلت]: قد تمسكوا بحديث: ((إنها رِكْسٌ))، قاله ◌َّ في الروثة، أخرجه (١) ((مجموع الفتاوى)) ٦١٣/٢١ - ٦١٤. (٢) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٥٤٢/٢١ - ٥٨٧. ٣٢٥ (٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣) البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ، وبما تقدم في بول الآدميّ، وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل، وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الأكل، وهو منتَقِضٌ بالقول بنجاسة زِبْل الجلالة، والدفعُ بأن العلة في زِبل(١) الجلالة هو الاستقذار، منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر، كالطاهر إذا صار منتناً، إلا أن يقال: إن زبل الجلّالة هو محكوم بنجاسته، لا للاستقذار، بل لكونه عين النجاسة الأصلية التي جلتها الدابة؛ لعدم الاستحالة التامة. وأما الاستدلال بمفهوم حديث: ((لا بأس ببول ما يؤكل لحمه))، فغير صالح لضعفه الذي لا يصلح معه للاستدلال به، حتى قال ابن حزم: إنه خبر باطل موضوع، قال: لأن في رجاله سَوّار بن مُصْعب، وهو متروك عند جميع أهل النقل، مُتَّفَقٌ على ترك الرواية عنه، يَرْوِي الموضوعات. قال: فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي، وزِبْله، والروثة. وقد نقل التيميّ أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير، ولكنه زاد ابن خزيمة في روايته: ((إنها رِكْسٌ، إنها روثة حمار)). وأما سائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، فإن وَجَدتَ في بول بعضها أو زِبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارةً أو نجاسةً ألحقته، وإن لم تَجِد فالمتوجه البقاء على الأصل والبراءة، كما عرفت. انتهى كلام الشوكانيّ كَذَتُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما أسلفته من بيان هذه الأقوال، والنظر في أدلّتها، أن أرجح المذاهب هو القول بأن الأبوال والأزبال طاهرةٌ مطلقاً، من مأكول اللحم وغيره، إلا الآدميّ، وكذلك الروثة؛ لحديث: ((إنها ركسٌ))، وذلك للأدلة التي سبقت، وتمسّكاً بالبراءة الأصليّة؛ إذ لم يَرْدْ نصّ قاطعٌ يَنْقُل عنها، فالبقاء عليها هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((الزِّبْل)) بالكسر، والزبيل كأمير: السِّرْقين. اهـ. ((ق)) ص٩٠٨. (٢) راجع: ((نيل الأوطار)) ٨٣/١ - ٨٦. ٣٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٨٤] (.) - (حَدَّثَنِيهِ(١) أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: (وَكَانَ الْآخَرُ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ - أَوْ - مِنَ الْبَوْلِ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٦٤) وله (٨٠) سنة (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٠. ٢ - (مُعَلَّى(٢) بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ(٣)، أبو الهيثم البصري، أخو بهز، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠]. رَوَى عن وهيب بن خالد، وعبد الواحد بن زياد، وعبد العزيز بن المختار، ويزيد بن زُريع، وعبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس، ومحمد بن حُمْران، وجماعة. ورَوَى عنه البخاريّ، وروى الباقون له بواسطة أحمد بن يوسف السلميّ، وحجاج بن الشاعر، وأحمد بن عبد الله بن عليّ بن مَنْجُوف، وأبو داود سليمان بن مَعْبد السِّنْجيّ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وعمرو بن منصور النسائيّ، ومحمد بن داود المصيصيّ، وهلال بن العلاء، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وأبو حاتم الرازيّ، وغيرهم. قال العجليّ: شيخ بصريّ ثقةٌ كَيِّس، وكان مُعَلِّماً، وأخوه بهز أسنّ منه، وهو ثبتٌ في الحديث، رجلٌ صالحٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ ما أعلم أني عثرت له على خطأ غير حديث واحد، وقال مسلمة بن قاسم: ثقةٌ، وقال مسعود بن الحكم: ثقةٌ مأمونٌ. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات في رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين، وفيها أَرَّخَه ابن قانع، والقرّاب، وقال خليفة: مات سنة تسع عشرة. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنيه)). (٢) بضم الميم، وفتح العين المهملة، وتشديد اللام مقصوراً. (٣) بفتح المهملة، وتشديد الميم: نسبة إلى بطن. (٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِبْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٤) ٣٢٧ روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((القدر))، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجَهْ، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٢٩٢) و(٣٣٦) و(٧٢١) و(١٢٤٨) (١٤٣٥) و(٢٢٢٣) و(٢٣٤١). ٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدٍ) بن زياد الْعَبْديّ مولاهم، البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، يسي مصرتهما. عن ابن عبّاس وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ إلخ) الضمير لعبد الواحد، يعني أن عبد الواحد قال في روايته: ((وكان الآخر لا يستنزه من البول))، بنون ساكنة، بعدها زاي، ثم هاء، من الاستنزاه، قال ابن الأثير تَغُّْهُ: أي لا يستبرئ، ولا يتطهّر، ولا يستبعد من البول(١)، وقال في ((الفتح)): ((لا يستنزه)) من التنزّه، وهو الإبعاد. انتهى (٢). وفي ((المصباح)): التنزّه: التباعد عن المياه والأَرْياف، ومنه فلانٌ يَتَنَزّه عن الأقذار: أي يتباعد عنها. انتهى(٣). وقوله: (أَوْ مِنَ الْبَوْلِ) ((أو)) للشكّ من الراوي. [تنبيه]: رواية عبد الواحد هذه أخرجها الإمام الدارميّ في ((سننه)) (٢٠٥/١) فقال: (٧٣٩) أخبرنا الْمُعَلَّى بن أسد، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: مَرّ رسول الله وَّه بقبرين، فقال: ((إنهما ليعذبان في قبورهما، وما يعذبان في كبير، كان أحدهما يمشي بالنميمة، وكان الآخر لا يستنزه عن البول - أو - من البول))، قال: ثم أخذ جريدة رطبةً، فكسرها، فغرَزَ عند رأس كل قبر منهما قطعةً، ثم قال: ((عسى أن يُخَفَّفَ عنهما حتى يَيْبَسَا)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ . (١) (النهاية)) ٤٣١/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٠١/٢. (٢) ((الفتح)) ٣٨١/١. ٣٢٨ ٣ - كتاب الحيض (٣) - (كِتَابُ الْخَيْضِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على بيان أحكام الحيض، وفيه مسائل : (المسألة الأولى): في تعريفه لغةً، وشرعاً: قال أهل اللغة: يقال: حاضت المرأة تحيض حَيْضاً ومَحِيضاً، فهي حائض بغير هاء؛ لأن هذه صفة لا تكون للمذكر، فلم يُحتج إلى إلحاق الهاء فيه للفرق، بخلاف مسلمة، وقائمة، وحَكَى الجوهريّ عن الفرّاء أنه يقال أيضاً: حائضةٌ بالهاء، وأنشد: كَحَائِضَةٍ يُزْنَى بِهَا غَيْرَ طَاهِرٍ (١) وقال أهل اللغة: عَرَكَت - بفتح العين والراء - تَعْرُك عُرُوكاً، كقَعَدَتْ تقعُد قُعُوداً: أي حاضت، قال الهرويّ في ((الغريبين)): يقال: حاضت المرأةُ وتحيَّضَت، ودَرَسَت، وعَرَكَت، وطَمَثَت تَحِيض حيضاً ومَحِيضاً ومَحَاضاً: إذا سال دمها في أوانه، فإذا سال في غير أوقاته المعلومة، فهي مستحاضة. وقال أهل اللغة: يقال: نساءٌ حُيَّصٌ، وحوائض، والْخَيْضَةُ - بفتح الحاء - المرّة الواحدة من الحيض، والْحِيضة - بكسر الحاء - اسم للحالة والهيئة. وقال أبو منصور الأزهريّ في ((شرح ألفاظ مختصر المزنيّ)): الحيض دمٌ يُرخيه رَحِم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة، وأصله من حاض السيل، وفاض: إذا سال، سُمّي حيضاً لسيلان الدم في الأوقات المعتادة، قال: والاستحاضة أن يسيل الدم في غير أوقاته المعتادة، قال: ودم الحيض يخرج من قعر الرحم، ويكون أسود مُحتدِماً، أي حارّاً كأنه محترق، وأما دم (١) عجز بيت، صدره - كما في: ((لسان العرب)): رَأَيْتُ حُيُونَ الْعَامِ وَالْعَامِ قَبْلَهُ ٣٢٩ ٣ - كتاب الحيض الاستحاضة، فيسيل من العاذل، وهو عرقٌ فمُهُ الذي يسيل منه في أدنى الرحم دون قعره، قال: وذُكر ذلك عن ابن عبّاس ﴿هما. انتهى ملخّصاً من «تهذيب الأسماء واللغات)) للنوويّ كَُّ(١) . وقال في ((شرح مسلم)): وأما الحيض فأصله في اللغة السيلان، وحاض الوادي: إذا سال، قال الأزهريّ، والهرويّ، وغيرهما من الأئمة: الحيض جَرَيَان دم المرأة في أوقات معلومة، يُرْخيه رَحِمُ المرأة بعد بلوغها، والاستحاضةُ: جريان الدم في غير أوانه، قالوا: ودم الحيض يَخرُج من قَعْر الرحم، ودم الاستحاضة يسيل من العاذل ـ بالعين المهملة، وكسر الذال المعجمة - وهو عِرْقٌ فَمُهُ الذي يَسيل منه في أدنى الرحم دون قعره، قال أهل اللغة: يقال: حاضت المرأة تحيض حَيْضاً، ومَحِيضاً ومَحَاضاً، فهي حائض بلا هاء، هذه اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى الجوهريّ عن الفراء حائضةٌ بالهاء، ويقال: حاضت، وتَحَيَّضت، ودَرَسَت، وَمَثت(٢)، وعَرَكَت(٣)، وضَحِكَت، ونُفِسَت، كله بمعنى واحد، وزاد بعضهم: أكبرت، وأعصرت بمعنى حاضت. انتهى (٤). وقال ابن قدامة تَخْتُ: الحيض: دمٌّ يُرخيه الرحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة؛ لحكمة تربية الولد، فإذا حَمَلت انصرف ذلك الدم بإذن الله إلى تغذيته، ولذلك لا تحيض الحامل، فإذا وضَعت الولدَ قلبه الله تعالى بحكمته لبناً يتغذى به الطفل، ولذلك قلما تحيض المرضع، فإذا خلت المرأة من حمل ورضاع، بقي ذلك الدم لا مَصْرِف له، فيستقرّ في مكان، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك ويقلّ، ويطول شهر المرأة ويقصر على حسب ما ركبه الله تعالى في الطباع. وسُمِّي حيضاً من قولهم: حاض السيل: إذا فاض، قال عمارة بن عقيل: أَجَالَتْ حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ (١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنوويّ ٧٦/٣ - ٧٧. (٢) من بابي ضَرَب وسَمِعَ. (٤) ((شرح النوويّ)) ٢٠٤/٣. (٣) من باب قعد. ٣٣٠ ٣ - كتاب الحيض وقوله: حَيَّضَت: أي سَيَّلَت، والذَّوَارِي، والذاريات: الرياح. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): فيما جاء في ابتداء الحيض: قال الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)): ((باب كيف كان بدءُ الحيض))، وقول النبيّ وَّر: ((هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم)) (٢)، وقال بعضهم: كان أوّلُ ما أُرسل الحيض على بني إسرائيل، وحديث النبيّ ◌َّ أكثر. انتهى. قوله: وقال بعضهم: ((كان أول إلخ)) قال في ((الفتح: وكأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن مسعود رَُّّه بإسناد صحيح، قال: ((كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعاً، فكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض، ومنعهن المساجد)). وقوله: وحديث النبيّ وَّ أكثر، قيل: معناه: أشمل؛ لأنه عامّ في جميع بنات آدم، فيتناول الإسرائيليات، ومَن قبلهنّ، أو المراد: أكثر شواهد، أو أكثر قوّةً، وقال الداوديّ: ليس بينهما مخالفةٌ، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا فقوله: ((بنات آدم)) عامّ أُريد به الخصوص. قال الحافظ: ويمكن أن يُجمَع بينهما مع القول بالتعميم، بأن الذي أُرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبةً لهنّ، لا ابتداء وجوده. وقد رَوَى الطبريّ وغيره عن ابن عباس وغيره، أن قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَأَمْرَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] أي حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب. (١) راجع: ((المغني)) لابن قدامة ٣١٣/١ - ٣١٩، و((لسان العرب)) ١٤٢/٧ - ١٤٣. (٢) أشار به إلى حديث عائشة رضيّا الآتي للمصنّف في: ((كتاب الحجّ)»، وللبخاريّ في: (كتاب الحيض)) وغيره: ((قالت: خرجنا مع النبيّ ◌َّ، ولا نرى إلا الحج، حتى إذا كنا بِسَرِف، أو قريباً منها، حِضْتُ، فدخل علي النبيّ وَّ، وأنا أبكي، فقال: ((أَنُفِستِ؟)) يعني الحيضة، قالت: قلت: نعم، قال: ((إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاجّ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي)). قالت: وضَخَّى رسول الله وَلَ عن نسائه بالبقر. ٣٣١ ٣ - كتاب الحيض ورَوَى الحاكم، وابن المنذر بإسناد صحيح، عن ابن عباس ظًّا أن ابتداء الحيض كان على حواء، بعد أن أُهبطت من الجنة، وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها. انتهى(١). وقال ابن المنذر تَّتُهُ في ((الأوسط)) (٢٠١/٢): (٧٧٩) حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا أبو الربيع، ثنا عباد بن العوام، ثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((لَمّا أكل آدم من الشجرة التي نُهِي عنها، قال آدم: رَبِّ زينته لي حواء، قال: فإني قد أَعْقبتها أن لا تَحْمِل إلا كرهاً، ولا تضع إلا كرهاً، ودَمَّيتها في الشهر مرتين، فَرَنَّت حواء عند ذلك، فقيل لها: الرنة عليك، وعلى بناتك)). انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أقلّ الحيض، وأكثره: قال الإمام أبو بكر بن المنذر كثّتُهُ: اختَلَف أهل العلم في أقل الحيض وأكثره، فقالت طائفة: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، هذا قول عطاء بن أبي رَبَاح، والشافعيّ، وأحمد، وأبي ثور. وقالت طائفة: أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، كذلك قال سفيان الثوريّ، والنعمان، ويعقوب، ومحمد. ورَوَينا عن سعيد بن جبير قولاً ثالثاً، أنه قال: الحيض إلى ثلاثة عشر يوماً، فما سوى ذلك فهي مستحاضة. وقد بلغني من نساء آل الماجشون أنهن كنّ يحضن سبعة عشر، قيل لأحمد: الحيض عشرين(٣) يوماً؟ قال: لا، فإن أكثر ما سمعناه سبعة عشر يوماً. وحَكَى عبد الرحمن بن مهديّ عن رجل يثق به، ويثني عليه خيراً أنه (١) ((الفتح)) ٤٧٦/١ - ٤٧٧. (٢) هذا إسناد صحيح، إلا أنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليّات. (٣) هكذا النسخة ((عشرين))، والظاهر أنه خبر لـ((يكون)) محذوفة، أي: أيكون الحيض عشرين يوماً؟، والله أعلم. ٣٣٢ ٣ - كتاب الحيض يَعْرِف أن امرأة تحيض سبعة عشر، قال الأوزاعيّ: عندنا امرأة تحيض وتطهر عشيةً، قال الأوزاعيّ: يرون أنه حيضٌ تَدَعُ له الصلاة. وحَكَى محمد بن كثير، عن الأوزاعيّ أنه قال: كانت امرأة تحيض يوماً، وتنفس ثلاثاً، وحَكَى الحسن الحلوانيّ، عن يزيد بن هارون أنه قال: كانت عندي امرأة تحیض یومین یومین. وقالت فرقة: ليس لأقل الحيض بالأيام حدّ، ولا لأكثره وقتٌ، والحيض إقبال الدم المنفصل من دم الاستحاضة، والطهر إدباره. قال ابن المنذر: أما أصحاب الرأي فإن حجتهم فيما وَقّتوه، وقالوا به حديث رواه الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قُرّة، عن أنس(١)، وقد دَفَعَ هذا الحديث جماعة من أهل العلم، ذَكَر الميمونيّ أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: أيصح عن رسول الله وَ﴿ شيء في أقل الحيض وأكثره؟ قال: لا، قلت: أفيصح عن أحد من أصحاب رسول الله وَ ﴾؟ قال: لا، قلت: فحديث أنس؟ قال: ليس بشيء، أو قال: ليس يصحّ، قلت: فأعلى شيء في هذا الباب؟ فذكر حديث مَعْقِل، عن عطاء: الحيض يومٌ وليلةٌ. وكان ابن عيينة يقول: حديث محدث لا أصل له، وقال ابن المبارك: الجلد لا يُعْرَف بالحديث، ووَهَّنَ حديثه، وقال حماد بن زيد: ما كان الجلد بن أيوب يَسْوَى في الحديث شيئاً(٢). واحتج آخر بالحديث الذي رُوي عن النبيّ وَّرِ أنه قال لامرأة: ((دَعِي الصلاة أيام أَقْرائكِ))(٣)، وإن أقل الأيام ثلاثة. (١) هو ما أخرجه الدارقطنيّ في: ((سننه))، (٢٠٩/١) قال: (٢٢) حدثنا محمد بن مخلد، نا الحسانيّ، ثنا وكيع، ثنا سفيان (ح) وحدثنا الحسين بن إسماعيل، نا عباس بن محمد، نا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس، قال: ((أدنى الحيض ثلاثة، وأقصاه عشرة))، وقال وكيع: ((الحيض ثلاث إلى عشر، فما زاد فهي مستحاضة)). انتهى. (٢) جلد بن أيوب ضعفه ابن المبارك، وابن راهويه، وأحمد، وقال الدارقطنيّ: متروك. راجع: ((ميزان الاعتدال)) ٤٢٠/١ - ٤٢١. (٣) أخرجه أحمد فى: ((مسنده))، فقال: = ٣ - كتاب الحيض ٣٣٣ قال ابن المنذر: وهو حديث لا تقوم به الحجة، ولو ثبت لم يكن لقائل هذا القول فيه حجة، وذلك أنه قال: ((أيام أقرائك))، فأضاف الأيام إلى الأقراء، والأقراء جمع قُرْء، وقد يقع اسم أيام على يومين، فإذا جمعت أيام من عدة أقراء، فهي أكثر من ثلاثة، وقد يقال لرجلين: رجال، وليومين: أيام، قال الله رَى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُوَ إِخْوَةٌ﴾ الآية [النساء: ١١]، وأكثر أهل العلم يحجبون الأم عن الثلث بأخوين. انتهى كلام ابن المنذر تَقَّتُهُ(١). سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة تَخّثهُ: عما يروى عن النبيّ وَلّ أنه قال: ((الحيض للجارية البكر ثلاثة أيام ولياليهنّ، وأكثره خمسة عشر يوماً))، هل هو صحيح؟، وما تأويله على مذهب الشافعيّ، وأحمد؟. فأجاب: أما نقلُ هذا الخبر عن النبيّ وَّ فهو باطلٌ، بل هو مكذوب موضوع باتّفاق علماء الحديث، ولكن هو مشهور عن أبي الخلد(٢)، عن أنس، وقد تُكُلّم في أبي الخلد، وأما الذين يقولون: أكثر الحيض خمسة عشر كما يقوله الشافعي وأحمد، ويقولون: أقلّه يوم، كما يقوله الشافعيّ وأحمد، أو لا حدّ له، كما يقوله مالك، فهم يقولون: لم يثبت عن النبيّ وَّل، ولا عن أصحابه في هذا شيء، والمرجع في ذلك إلى العادة كما قلنا، والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى كلامه تَغْذَهُ(٣) . وقال أبو محمد بن حزم كثّتُهُ في كتابه ((المحلى)) (١٩١/٢): أقل الحيض دَفْعَة، فإذا رأت المرأة الدم الأسود من فرجها أمسكت عن (٢٣٠١٦) حدثنا عليّ بن هاشم، حدثنا الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن = عائشة، قالت: أتت فاطمة بنت أبي حبيش النبيّ و98َّ، فقالت: إني استحضت، فقال: ((دعي الصلاة أيام حيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي عند كل صلاة، وإن قَطَرَ على الحصير))، وهو حديث ضعيف بزيادة: ((وإن قطر على الحصير))؛ لأن فيه حبيب بن أبي ثابت مدلّسٌ، وقد عنعنه، وخالف فيه غيره بهذه الزيادة. (١) ((الأوسط)) ٢٢٧/٢ - ٢٣٠. (٢) هكذا النسخة، ولعله مصحّف من الجلد بن أيوب، فليُحرّر، والله أعلم. (٣) ((الفتاوى الكبرى)) ٦٧/١. ٣٣٤ ٣ - كتاب الحيض الصلاة والصوم، وحَرُم وطؤها على بعلها وسيدها، فإن رأت أثر الدم الأحمر، أو كغُسالة اللحم، أو الصفرة، أو الكدرة، أو البياض، أو الجفوف التامّ، فقد طهرت، وتغتسل، أو تتيمم إن كانت من أهل التيمم، وتصلي وتصوم، ويأتيها بعلها أو سيدها، وهكذا أبداً متى رأت الدم الأسود فهو حيض، ومتى رأت غيره فهو طهر، وتعتد بذلك من الطلاق، فإن تمادى الأسود فهو حيض إلى تمام سبعة عشر يوماً، فإن زاد ما قل أو كثر فليس حيضاً. قال: برهان ذلك ما ذكرناه من ورود النصّ بأن دم الحيض أسود يُعرَف، وما عداه ليس حيضاً، ولم يخُصّ النبيّ ◌َلي لذلك عدد أوقات من عدد، بل أوجب برؤيته أن لا تصلي ولا تصوم، وحَرَّم الله تعالى نكاحهن فيه، وأمر ظلَّلا بالصلاة عند إدباره والصوم، وأباح تعالى الوطء عند الطهر منه، فلا يجوز تخصيص وقت دون وقت بذلك، وما دام يوجد الحيض فله حكمه الذي جعله الله تعالى له، حتى يأتي نصّ أو إجماع على أنه ليس حيضاً، ولا نص ولا إجماع في أقل من سبعة عشر يوماً، فما صحّ الإجماع فيه أنه ليس حيضاً وُقِف عنده، وانتقلت عن حكم الحائض، وما اختُلِف فيه فمردود إلى النبيّ وَّه وهو ظلِّلا جعل للدم الأسود حكم الحيض، فهو حيض مانع مما ذكرنا، ولم يأت نصّ ولا إجماع على أن بعض الطهر المبيح للصلاة والصوم، لا يكون قرءاً في العدّة، فالمفرق بين ذلك مخطئ، متيقن الخطأ، قائلٌ ما لا قرآنٌ جاء به، ولا سنةٌ لا صحيحة ولا سقيمةٌ، ولا قياسٌ، ولا إجماع، بل القرآن والسنة كلاهما يوجب ما قلنا من امتناع الصلاة والصوم بالحيض، ووجودهما بعدم الحيض، ووجود الطهر، وكون الطهر بين الحيضتين قرءاً يحتسب به في العدّة، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فمن حدّ في أيام القرء حدّاً فهو مبطل، وقافٍ ما لا علم له به، وما لم يأت به نصّ، ولا إجماع. ثم ذكر ابن حزم اختلاف العلماء في ذلك، وأدلّتها، وناقشها بما لا تراه في كتابه، فراجعه، تستفد علماً جمّاً (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأقوال، وأدلتها أنّ مرجع (١) ((المحلّى)) ١٩١/٢ - ١٩٢. ٣٣٥ ٣ - كتاب الحيض أقل الحيض، وأكثره هو العرف، فلا حدّ لأقلّه، ولا لأكثره؛ لعدم ورود نصّ قاطع، ولا إجماع على ذلك، فما حصل من المرأة بصفة الحيض في أوقاته المعلومة، فهو حيض قلّ أو كثُر إلى أن تطهر، فإن تمادى بها فلا يتجاوز سبعة عشر يوماً؛ لأن ذلك أقصى ما نُقل عن أهل العلم، ووقع عليه الإجماع، كما أشار إليه ابن حزم تَّتُهُ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الرابعة): (اعلم): أنه قد علّق الشرع على الحيض أحكاماً: (فمنها): أنه يَحرُم وطء الحائض في الفرج؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَنَّى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِّ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَّى يَطْهُرْنٌّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. (ومنها): أنه يمنع فعل الصلاة والصوم، بدليل قول النبيّ وَلقول: ((أليست إحداكُنّ إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي؟))، رواه البخاريّ، وقالت حمنة ر للنبيّ وَّ: ((إني أُستحاض حيضةً شديدةً منكرةً، وقد منعتني الصوم والصلاة ... )) الحديث، وقال النبيّ ◌َّ﴾ لفاطمة بنت أبي حبيش ضعيها: ((إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ... ))، الحديث. (ومنها): أنه يُسقِط وجوب الصلاة دون الصيام؛ لِمَا رُوي أن معاذة قالت: سألت عائشة رضيؤنا، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ فقلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، فقالت: (كنا نحيض على عهد رسول الله ولار، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة))، متفق عليه، إنما قالت لها عائشة ذلك؛ لأن الخوارج يرون على الحائض قضاء الصلاة. (ومنها): أنه يمنع قراءة القرآن؛ لقوله وَله: ((لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئاً من القرآن)). قال الجامع عفا الله عنه: لكن هذا الحديث ضعيف، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، وترجيح القول بجواز قراءتها القرآن - إن شاء الله تعالى -. (ومنها): أنه يمنع اللبث في المسجد، والطواف بالبيت، لأنه في معنى الجنابة . (ومنها): أنه يُحَرِّم الطلاق؛ لقول الله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ ٣٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض لِعِدَّتِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]، ولَمّا طَلَّق ابن عمر ◌َّ امرأته، وهي حائض، أمره النبيّ وَّه برجعتها، وإمساكها حتى تطهر، متّفقٌ عليه. (ومنها): أنه يمنع صحة الطهارة؛ لأن حدثها مقيم. (ومنها): أنه يوجب الغسل عند انقطاعه؛ لقوله تظلّله: ((امكُّثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلّي))، متفق عليه. (ومنها): أنه عَلَمٌ على البلوغ؛ لقوله بَله: ((لا يَقْبَل الله صلاة حائض إلا بخمار)). (ومنها): أنه لا تنقضي العدة في حقّ المطلقة وأشباهها إلا به؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، وأكثر هذه الأحكام مجمع عليها بين علماء الأمة، وإذا ثبت هذا فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض لِيُعْلَم ما يتعلق به من الأحكام. قال أحمد تَخْتُ: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة رضي الله عنهنّ، وفي رواية: حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة(١)، والله تعالى أعلم بالصواب. [فائدتان]: (الأولى): ذكر الجاحظ في ((كتاب الحيوان)) أن الذي يحيض من الحيوانات أربعة: الآدميات، والأرنب، والضبع، والخفّاش، وزاد غيره أربعة أخرى، وهي الناقة، والكلبة، والوزغة، والْحِجْرُ، أي الأنثى من الخيل، وجعلها بعضهم عشرةً، ونظمها، بقوله [من الكامل]: وَهِيَ النِّيَاقُ وَضَبْعُهَا وَالأَرْنَبُ الْحَيْضُ يَأْتِي للنِّسَاءِ وَتِسْعَةٍ وَالْعِرْسُ وَالْحَيَّاتُ مِنْهَا تُحْسَبُ وَالْوَزْغُ وَالْخُفَّاشُ حِجْرٌ (٢) كَلْبَةٌ فَاحْفَظْ فَفِي حِفْظِ النَّظَائِرِ يُرْغَبُ وَالْبَعْضُ زَادَ سُمَيْكَةً رَغَّاشَةً وزاد بعضهم على ذلك بنات وردان، والقردة، وزاد المناويّ الحدأة. (١) راجع لهذه الفوائد: ((المغني)) لابن قدامة ٣١٣/١ - ٣١٩. (٢) بكسر الحاء، وسكون الجيم وراء، ولا تلحقها التاء: الأنثى من الخيل. انتهى. ((تحفة الحبيب)) ٣٤٠/١. ٣٣٧ (١) - بَابُ مُبَاشَرَةِ الْخَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ - حديث رقم (٦٨٥) والحيض المنسوب إلى هذه الحيوانات بمعنى السيلان(١). (الثانية): قيل: للحيض عشرة أسماء: حيضٌ، وطَمْتٌ - بالمثلّثة - وضَحِك، وإكبارٌ، وإعصارٌ، ودِرَاسٌ، وعِرَاكٌ - بالعين المهملة - وفِرَاك - بالفاء - وطَمْس - بالسين المهملة - ونفاس، وأوصلها بعضهم إلى خمسة عشر اسماً، ونظمها بقوله [من البسيط]: حَيْضٌ مَحِيضٌ مَحَاضٌ طَمْثُ إِكْبَارُ لِلْحَيْضِ عَشْرَةُ أَسْمَاءٍ وَخَمْسَتُهَا دَرْسٌ دِرَاسٌ نِفَاسٌ قُرْءٌ اعْصَارُ(٢) طَمْسٌ عِرَاكٌ فِرَاٌ مَعْ أَذِّى ضَحِكٌ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ مُبَاشَرَةِ الْخَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٨٥] (٢٩٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((كَانَ(٣) إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضاً، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ، فَتَأْتَزِرُ بِإِزَارٍ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الحافظ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) الْحَرَشيّ أبو معاوية النسائيّ، ثم البغداديّ الحافظ تقدّم قبل بابين. (١) راجع: ((حاشية الطحطاويّ على مراقي الفلاح)) ص١٣٩، مع ((تحفة الحبيب)) ١/ ٣٤٠. (٢) راجع: ((تحفة الحبيب حاشية إقناع الخطيب)) ٣٤٠/١ - ٣٤١. (٣) وفي نسخة: ((كانت)). ٣٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهوية الإمام الحافظ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، ثم الرازيّ، تقدّم قبل بابین. ٥ - (مَنْصُور) بن المعتمر الكوفي الحافظ، تقدّم قبل باب. ٦ - (إِبْرَاهِيم) بن يزيد النخعيّ الكوفي الفقيه، تقدّم قبل باب. ٧ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ تقدّم قبل باب أيضاً. ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت قبل باب أيضاً. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف تَخُّْهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بینھم. ٢ - (ومنها): فيه قوله: ((قال إسحاق أخبرنا إلخ))، ومعنى ذلك أن شيوخه اختلفوا في كيفيّة التحمّل، فأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير رويا الحديث عن جرير سماعاً من لفظه، ولذا قالا: حدّثنا جرير، وأما إسحاق فسمع قراءة قارئ يقرأ على جرير، ولذا قال: أخبرنا جرير، فقوله: ((جرير)) مرفوع على الفاعليّة، تنازعه كلّ من ((أخبرنا))، و((حدّثنا))، كما مرّ نظيره غير مرّة، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه الثلاثة، فأبو بكر، وزهير ما أخرج لهما الترمذيّ، وإسحاق ما أخرج له ابن ماجه. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير زهير، فنسائيّ، نزيل بغداد، وإسحاق مروزيّ، وعائشة پا مدنيّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، على قول من عدّ منصوراً من صغار التابعين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِيَّنَا أنها (قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَا)، أي إحدى أزواج النبيّ ◌َّ، قال النوويّ تَخَّلهُ: هكذا وقع في الأصول في الرواية في الكتاب: ((عن عائشة: ٣٣٩ (١) - بَابُ مُبَاشَرَةِ الْخَائِضِ فَوْقَ الإِزَارِ - حديث رقم (٦٨٥) كان إحدانا)) من غير تاء في ((كان))، وهو صحيحٌ، فقد حَكَى سيبويه في كتابه في «باب ما جَرَى من الأسماء التي هي من الأفعال، وما أشبهها من الصفات مَجْرَى الفعل))، قال: وقال بعض العرب: قال امرأةٌ، فقد نَقَلَ إمام هذه الصنعة أنه يجوز حذف التاء من فِعْلِ ما له فرج من غير فصل، وقد نَقَلَه أيضاً الإمام أبو الحسين بن خَرُوف في ((شرح الْجُمَل))، وذكره آخرون، ويجوز أن تكون ((كان)) هنا التي للشأن والقصة، أي كان الأمر، أو الحال، ثم ابتَدَأَت، فقالت: إحدانا إذا كانت حائضاً أَمَرَها، والله أعلم. انتهى (١) . وإلى هذه اللغة أشار ابن مالك: في ((الخلاصة)) حيث قال: وَالْحَذْفُ قَدْ يَأْتِي بِلَا فَضْلٍ وَمَعْ ضَمِيرٍ ذِي الْمَجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ (إِذَا كَانَتْ حَائِضاً) تقدّم أن ((حائضاً)) بلا تاء هو اللغة الفصحى؛ وذلك لكونه وصفاً خاصّاً بالنساء، فلا حاجة إلى إدخال التاء، وجاء أيضاً ((حائضة)) بتاء بناءً له على حاضت، وجمع الحائض: حُيَّص، مثل راكع ورُگَع، وجمع الحائضة: حائضات، مثلُ قائمة وقائمات(٢). (أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ وَلَِّ) حذف مفعوله، أي بالائتزار، ولفظ البخاريّ: ((أمرها أن تتّزر)) (فَتَأْتَزِرُ) بهمزة ساكنة، مضارع انتزر، قال القرطبيّ تَخَّهُ: الائتزار: شدّ الإزار على الوسط إلى الركبة، وقال ابن القصّار: من السرّة إلى الركبة، وهذا منه وَّ مبالغة في التحرّز من النجاسة، وإلا فالحماية تحصُل بخرقة تحتشي بها. انتهى(٣). [تنبيه]: قوله: ((فتَأُتَزر)) بالهمزة هكذا رواية المصنّف، وهي اللغة الفصحى، وفي رواية البخاريّ: ((فتّزر))، بتشديد التاء الثانية، وأصله تأتزر، بوزن تفتعل، وأنكر أكثر النحاة الإدغام فيه، حتى قال صاحب ((المفصّل)): إنه خطأ، لكن نقل غيره أنه مذهب الكوفيين(٤)، وحكاه الصغانيّ في ((مجمع البحرين))، وقال ابن مالك(٥): إنه مقصور على السماع، ومنه قراءة ابن (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٣/٣. (٢) ((المصباح المنير)) ١٥٩/١. (٣) ((المفهم)) ٥٥٥/١. (٤) وعزاه الخضريّ في: ((حاشيته)) إلى النحاة البغداديين، راجعه ٣٢١/٢. (٥) راجع: ((شواهد التوضيح)) ص ١٨٢ - ١٨٣. ٣٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحيض محيصن: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَوْتُمِنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣] بالتشديد، قاله في ((الفتح))(١). وقال العينيّ تَخْلُ عند شرح قولها ((فأتَّزِر)) ما نصّه: بفتح الهمزة، وتشديد التاء المثناة من فوقُ وأصله ائتزر بالهمزتين، أولاهما مفتوحة، والثانية ساكنة؛ لأن أصله من أَزَرَ، فَنُقل إلى باب افتعل، فصار ائتزر يَأْتَزِرُ، وكذا استُعمِل من غير إدغام في حديث آخر، وهو: ((كان النبيّ وَلِّ يباشر بعض نسائه، وهي مؤتزرة في حالة الحيض))، وقال ابن الأثير: وقد جاء في بعض الروايات: وهي مُتَّزِرة، وهو خطأ؛ لأن الهمزة لا تُدْغَم في التاء. قال العينيّ: فعلى هذا ينبغي أن يقرأ فآتَزِرِ بالمد؛ لأن الهمزتين إذا اجتمعتا، وكانت الأولى متحركة، والثانية ساكنة، أُبدلت الثانية حرف علة من جنس حركة الأولى، فتبدل ألفاً بعد الفتحة، فكذلك ها هنا؛ لأن أصله أَأْتَزِر، بهمزتين الأولى متحركة، والثانية ساكنة، فأُبدلت الثانية ألفاً، فصار آتزر بالمد. وقال ابن هشام: وعوامّ المحدثين يُحَرِّفونه، فيقرؤونه بألف وتاء مشددة، ولا وجه له؛ لأنه افتَعَل من الإزار، ففاؤه همزة ساكنة، بعد همزة المضارعة المفتوحة، وكذا الزمخشري أنكر الإدغام. وقال الكرمانيّ: فإن قلت: لا يجوز الإدغام فيه عند التصريف، قال صاحب ((المفصل)): قول من قال: ((اتَّزر)) خطأ. قلت: قول عائشة، وهي من فصحاء العرب حجة في جوازه، فالْمُخَطِّئ مخطىءٌ. قال العينيّ: إنما يصح ما ادعاه إذا ثبت عن عائشة أنها قالت بالإدغام، فلم لا يجوز أن يكون هذا خطأً مثل ما قال معظم أئمة هذا الشأن، ويكون الخطأ من بعض الرواة، أو من عوامّ المحدثين، لا من عائشة رضي الله تعالى عنها؟. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: أشار ابن مالك ◌َّتُهُ إلى أن الإدغام المذكور شاذّ في ((الخلاصة)) بقوله : وَشَذَّ فِي ذِي الْهَمْزِ نَحْوُ (اقْتَكَلَا)) ذُو اللِّينِ فَاتَا فِي افْتِعَالٍ أُبْدِلَا (١) ((الفتح)) ١ /٤٨١. (٢) ((عمدة القاري)) ٣٩٤/٣.