النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
(٣٤) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣)
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، وفيه الإخبار، والسماع، والعنعنة
من صيغ الأداء.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير إسحاق، فما أخرج له ابن
ما جه .
٤ - (ومنها): أن شيخيه الأول والثاني من المشايخ التسعة الذين يروي
عنهم الأئمة الستة أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى الأعمش، غير إسحاق،
فمروزيّ، ثم نيسابوريّ.
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض:
الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، ورواية الأخيرين من رواية الأقران، فإن
كلّاً منهما من الطبقة الثالثة.
٧ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﴿مَا حبر الأمة، وبحرها، وترجمان
القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثاً، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(قَالَ) الأعمش: (سَمِعْتُ مُجَاهِداً) أي ابن جبر، قال في ((الفتح)): هو
صاحب ابن عباس، وقد سمع الكثير منه، واشتَهَرَ بالأخذ عنه، لكن رَوَى هذا
الحديث الأعمش عن مجاهد، فأدخل بينه وبين ابن عباس طاوساً، كما هو
عند المصنّف هنا، ورواه أيضاً عن مجاهد، عن ابن عبّاس بلا واسطة، أخرجه
البخاريّ على الوجهين، وهو يقتضي صحتهما عنده، فيُحْمَل على أن مجاهداً
سمعه من طاوس، عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة، أو
العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن
عباس، وقد صَرَّح ابن حبان بصحة الطريقين معاً، وقال الترمذيّ: رواية
الأعمش أصح، أفاده في ((الفتح)) (١).
(١) ((الفتح)) ٣٧٩/١.

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(يُحَدِّثُ) جملة حاليّة من الفاعل، أو مفعول ثان على رأي بعض النحاة
من أن ((سمع)) من أخوات ((ظنّ))، (عَنْ طَاؤُس) بن كيسان، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
أنه (قَالَ: مَرَّ) أي اجتاز، يقال: مررتُ بزيد، وعليه، فيتعدّى بالباء، وبـ ((على))
مَرّاً ومُرُوراً ومَمَرّاً: اجتزتُ، ومرّ الدهر مرّاً ومُروراً أيضاً: ذَهَبَ(١).
(رَسُولُ اللهِ نََّ) مرفوع على الفاعليّة (عَلَى قَبْرَيْنِ) تثنية قبر، وهو موضع دَفْن
الموتى، وأقلّه حُفْرةٌ تُواري الميت، وأكمله اللحد (٢)، وقال الفيّوميّ كَذْتُهُ:
القبر: معروف، والجمع قُبُور، والْمَقْبرة بضمّ الثالث وفتحه: موضع القبور،
والجمع مقابر، وقَبَرتُ الميت قَبْراً، من باب قتل، وضرب: دفنته، وأقبرته
بالألف: أمرتُ أن يُقْبَرَ، أو جعلتُ له قبراً. انتهى(٣).
وقال المجد تَّتُهُ: القبر: مَدْفَنُ الإنسان، جمعه قُبُور، والْمَقْبرة مثلّثة
الباء، وكمِكْنَسَة: موضعها. انتهى(٤).
[تنبيه]: قال ابن الملقّن ◌َخُّْ: للقبر أسماء:
أحدها: الرَّمْسُ بالراء، وثانيها: الْجَدَثُ، ثالثها: الْجَدَف، رابعها:
البيت، خامسها: الضريح، سادسها: الرَّيْمُ، سابعها: الرجم، ثامنها: البلد،
قال الشاعر:
كُلُّ امْرِىءٍ تَارِكٌ أَحِبَّتَهُ وَمُسْلِمٌ نَفْسَهُ إلَى الْبَلَدِ
ذكرهنّ صاحب ((المخصّص)).
التاسع: الْخِتَانُ، ذكره ابن السّكِّيت والعسكريّ، والعاشر: الجامور،
ذكره الهنائيّ في ((المنتخب))، الحادي عشر: الدمس بالدال، الثاني عشر:
المِنْهَال، ذكرهما ابن السكّيت والعسكريّ. انتهى(٥).
ونظمت ذلك بقولي :
وَالرَّجْمُ وَالرَّمْسُ وَبَيْتٌ يُعْرَفُ
لِلْقَبْرِ أَسْمَاءٌ ضَرِيحٌ جَدَفُ
وَالْجَدَثُ الْخِتَانُ وَالْمِنْهَالُ مَعْ
بَلَدِ الدَّمْسِ وَجَامُورٌ تَبَعْ
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٦٨/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٨٧/٢.
(٢) ((المنهل العذب المورود)) ٧٩/١.
(٤) ((القاموس المحيط)) ص٤١٣.
(٥) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٥١٠/١ - ٥١١.

٣٠٣
(٣٤) - بَابُ الدَِّيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِبْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣)
وفي رواية ابن ماجه: ((بقبرین جدیدین)).
وفي رواية البخاريّ من طريق منصور، عن مجاهد: ((مَرَ النبيّ ◌َّ بحائط
من حِيطان المدينة، أو مكة))، أي بستان، وله في ((كتاب الأدب)): ((خَرَجَ
النبيّ ◌َليه من بعض حيطان المدينة)).
قال في ((الفتح)): فيحمل على أن الحائط الذي خَرَج منه غير الحائط
الذي مَرَّ به، وفي الأفراد للدارقطنيّ من حديث جابر ظُه أن الحائط كان لأمّ
مبشر الأنصارية، وهو يُقَوِّي رواية ((الأدب))؛ لجزمها بالمدينة، من غير شكّ،
والشك في قوله: ((أو مكة)) من جرير(١). انتهى (٢).
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ: ((فسمع صوت إنسانين يُعَذَّبان في
قبورهما))، قال ابن مالك في قوله: ((صوت إنسانين)) شاهد على جواز إفراد
المضاف المثنى مَعْنَّى، إذا كان جزء ما أضيف إليه من دليل اثنين، نحو: أكلتُ
رأس شاتين، وجمعه أجود، نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، والتثنية
مع أصالتها قليلة الاستعمال، وقد اجتمع التثنية والجمع في قول الراجز:
ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ(٣)
وَمَهْمَهَيْنٍ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْن
فإن لم يكن المضاف جزء ما أضيف إليه فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية، نحو
سَلَّ الزيدان سيفيهما، فإن أُمِن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، وفي
(يُعذّبان في قبورهما)) شاهد على ذلك. انتهى كلام ابن مالك تَخْذّهُ(٤).
(فَقَالَ) وَ لَمّا سمع صوتاً من داخلهما ((أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كـ ((ألا))
(إِنَّهُمَا) أي من فيهما من المقبور (لَيُعَذَّبَانِ) أي يعاقبان، يقال: عَذّبته تعذيباً:
إذا عاقبته، والاسم العذاب، وأصله في كلام العرب: الضرب، ثم استُعمل في
كلّ عقوبة مؤلمة، واستُعير للأمور الشاقّة، فقيل: السفرُ قطعةٌ من العذاب(٥).
(١) هو جرير بن عبد الحميد الراوي عن منصور.
(٢) ((الفتح)) ٣٧٩/١.
(٣) وصف فلاتين لا نبت فيهما، ولا شخص يُستدلّ به، فشبّههما بالترسين.
و((المهمه)): القفر، و((الْقَذَف)): البعيد، و((الْمَرْتُط: التي لا تُنْبِت.
(٤) ((شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) ص١٩٩ - ٢٠٠.
(٥) (المصباح المنير)) ٣٩٨/٢.

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وأسند التعذيب إلى القبرين مجازاً، من إطلاق المحلّ على الحالّ؛ لأن
المعذّب في الحقيقة مَن فيهما، كما قدّرته آنفاً .
وقال ابن الملقّن نَّتُهُ: هو من الضمير الذي يُفسّره سياق الكلام؛ إذ
ليس في اللفظ ما يعود إليه، فهو من باب قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾
[ص: ٣٢]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنَزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وأشباه ذلك، وورد
مصرّحاً به عند ابن أبي شيبة، لكن من حديث يعلى بن سيابة: ((مرّ ظَلا بقبر
يُعذّب صاحبه في غير كبيرة)).
قال: ((وإنّ)) يجوز أن تكون مبتدأ (١)، ويجوز أن تكون جواباً لقسم
محذوف: أي والله إنهما ليُعذّبان. انتهى(٢).
(وَمَا) (يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) زاد في رواية البخاريّ من طريق منصور، عن
مجاهد: ((ثم قال: بلى))، أي إنه لكبير، وصَرّح بذلك في ((كتاب الأدب)) من
طريق عبد بن حُميد، عن منصور: ((فقال: وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير))،
قال في ((الفتح)): وهذا من زيادات رواية منصور على الأعمش، ولم يخرجها
مسلم.
[تنبيه]: قد تبيّن بهذه الزيادة أن فعل هذين المقبورين من الكبائر، فلا بدّ
من تأويل قوله: ((وما يعذبان في كبير))، وقد ذكر العلماء فيه تأويلات كثيرة:
فقال أبو عبد الملك الْبُونيّ: يَحْتَمِل أنه لنََّ ظَنّ أن ذلك غير كبير،
فأُوحِي إليه في الحال بأنه كبير، فاستَدرَك.
وتُعُقّب بأنه يستلزم أن يكون نسخاً، والنسخ لا يدخل الخبر.
وأُجيب بأن الحكم بالخبر يجوز نسخه، فقوله: ((وما يعذبان في كبير)»
إخبار بالحكم، فإذا أُوحي إليه أنه كبير، فأخبر به كان نسخاً لذلك الحكم.
وقيل: يَحْتَمِل أن الضمير في قوله: ((وإنه)) يعود على العذاب؛ لما ورد
في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة ظه: ((يعذبان عذاباً شديداً في ذنب
مَیِّن)).
(١) أي: ابتداء كلام مستأنف.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٥١٥/١ - ٥١٦.

٣٠٥
(٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِيْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣)
وقيل: الضمير يعود على أحد الذنبين، وهو النميمة؛ لأنها من الكبائر،
بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم؛ لأن الاستتار المنفيّ ليس
المراد به كشف العورة فقط، كما سيأتي.
وقال الداوديّ، وابن العربيّ: ((كبير)) المنفىّ بمعنى ((أكبر))، والمثبت
واحد الكبائر: أي ليس ذلك بأكبر الكبائر، كالقتل مثلاً، وإن كان كبيراً في
الجملة.
وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة؛ لأن تعاطي ذلك يدلّ على الدناءة
والحقارة، وهو كبير في الذنب.
وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما، أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله
كبير، كقوله تعالى: ﴿ وَتَحْسَبُوْنَهُ هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز، أي كان لا يشق عليهما الاحتراز
من ذلك، وهذا الأخير جزم به البغويّ، وغيره ورجحه ابن دقيق العيد،
وجماعة.
وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيراً بالمواظبة عليه، ويرشد إلى
ذلك السياق، فإنه وَصَفَ كلّاً منهما بما يدل على تجدد ذلك منه، واستمراره
عليه؛ للإتيان بصيغة المضارعة بعد لفظة ((كان))، قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله عنه: جملة هذه الأقوال ثمانية، وأقواها عندي ما
جزم به البغويّ وغيره، ورجحه ابن دقيق العيد وغيره، وحاصله أنه ليس بكبير
عليهما في مشقّة الاحتراز، أي كان لا يشقّ الاحتراز منه، وهو عند الله كبير،
والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه آخر]: قال ابن مالك تَّثُهُ: في قوله: ((في كبير)) شاهد على ورود
((في)) للتعليل، قال: وخفي ذلك على أكثر النحويين، مع وروده في القرآن،
وفي الحديث، كما تقدم، وفي الشعر القديم، فمن الوارد في القرآن العظيم
قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿لَنَّكُمْ فِى
مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]، ومن الوارد في الحديث قوله وَّر في هذا
الحديث: ((وما يعذّبان في كبير))، وقوله وَّ: ((عُذُّبت امرأة في هرّة))، متّفق
عليه، ومن الوارد في الشعر القديم قول جميل [من الطويل]:

٣٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنَ لَقُونِي
فَلَيْتَ رِجَالاً فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي
ومنه قول أبي خِرَاش [من الطويل]:
أَغَانِيجُ خُودٍ كَانَ فِینَا یَزُورُهَا
لَوَى رَأْسَهُ عَنِّي وَمَالَ بِوُدِّهِ
ومنه قول الآخر [من الطويل]:
أَبُو جَهْضَم تَغْلِي عَلَيَّ مَرَاجِلُهْ
أَفِي قَمَلِيٍّ (١) مِنْ كُلَيْبٍ هَجَوْتَهُ
انتهى كلام ابن مالك تَّتُهُ(٢).
(أَمَّا) حرف تفصيل، نائب عن حرف الشرط وفعله، تقول لمن قال: زيد
عالمٌ كريمٌ مثلاً: أما زيد فعالم، أي مهما يكن من شيء، فزيد عالم، فنابت
((أما)) مناب حرف الشرط، وهو ((مهما))، والمجزوم، وهو ((يكن))، وما تضمّنه
من الفاعل، فلذلك ظهر بعده الجواب دون الشرط؛ لقيامه مقامه، وأُجيب
بالفاء كما يُجاب به الشرط، وجوابه هنا قوله: (أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)،
أي يسعى بالإفساد بين القوم، بأن ينقل لكلّ واحد منهم ما يقوله الآخر من
الشتم والأذى.
والنميمة: فَعِيلةٌ، من نمّ الرجلُ الحديث نَمّاً، من باب قَتَلَ وضَرَبَ:
سَعَى به ليوقع فتنةً أو وَحْشةً، فالجل نَمٌّ، تسميةً بالمصدر، ونَمّامٌ مبالغةٌ،
والاسم النَّمِيمة، والنَّمِيم أيضاً، أفاده الفيّوميّ(٣).
وقال ابن الأثير تَخْذَتُ: النميمة: نَقْلُ الحديث من قوم إلى قوم على جهة
الإفساد والشرّ. انتهى (٤).
وقال المجد تَُّهُ: النَّمُّ: التوريش، والإغراء، ورفع الحديث إِشَاعةً له
وإفساداً، وتزيين الكلام بالكذب، ونَمّ الحديثَ يَنْمُّهُ بالكسر، ويَنُمّه بالضمّ نَمّاً،
فهو نَمُومٌ، ونَمّاٌ، ومِنَمٌّ، كمِجَنّ، ونَمٌّ. انتهى(٥).
(١) ((الْقَمَلِيّ)) من الرجال: الحقير الشأن)). انتهى. ((اللسان)) ١١/ ٥٦٨.
(٢) ((شواهد التوضيح)) ص ٦٧ - ٦٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ٦٢٦/٢.
(٥) ((القاموس المحيط)) ص ١٠٥٠.
(٤) ((النهاية)) ١٢٠/٥.

٣٠٧
(٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِبْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣)
وقال ابن دقيق العيد نَّثُهُ: هي نقل كلام الناس، والمراد منه هنا ما كان
بقصد الإضرار، فأما ما اقتضى فِعْلَ مصلحة، أو ترك مفسدة، فهو مطلوب.
انتھی .
قال في ((الفتح)): وهو تفسير للنميمة بالمعنى الأعم، وكلام غيره يخالفه،
وقال النوويّ: وهي نقل كلام الغير بقصد الإضرار، وهي من أقبح القبائح.
وتعقبه الكرمانيّ، فقال: هذا لا يصحّ على قاعدة الفقهاء، فإنهم يقولون:
الكبيرة هي الموجبة للحدّ، ولا حدّ على المشي بالنميمة إلا أن يقال:
الاستمرارُ هو المستفاد منه جعلَهُ كبيرةً؛ لأن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم
الكبيرة، أو أنّ المراد بالكبيرة معنى غير المعنى الاصطلاحيّ. انتهى.
قال الحافظ: وما نقله عن الفقهاء ليس هو قولَ جميعهم، لكن كلام
الرافعيّ يُشعر بترجيحه، حيث حَكَى في تعريف الكبيرة وجهين: أحدهما هذا،
والثاني ما فيه وعيد شديدٌ، قال: وهم إلى الأول أميل، والثاني أوفق لما
ذكروه عند تفصيل الكبائر. انتهى.
ولا بُدّ من حمل القول الأول على أن المراد به غير ما نُصّ عليه في
الأحاديث الصحيحة، وإلا لَزِم أن لا يُعَدّ عقوق الوالدين، وشهادة الزور من
الكبائر، مع أن النبيّ وَّرِ عَدَّهما من أكبر الكبائر، وتمام البحث في هذا سيأتي
في محلّه من كتاب الحدود - إن شاء الله تعالى -.
(وَأَمَّا الْآخَرُ) أي الرجل المعذّب الآخر (فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ))، أي
لا يجعل بينه وبين بوله سُتْرةً، حتى يتحفّظ منه، كما قال في رواية الأعمش
الآتية: ((لا يستنزه عن البول))، أي لا يتباعد منه، قاله القرطبيّ تَخَذّتُهُ(١).
وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: (لَا يَسْتَتِرُ)) رُوي ثلاث روايات: (يَسْتَتِّرُ)) بتاءين
مثناتين، و((يَسْتَنْزِهُ)) بالزاي والهاء، و(يستبرئ)) بالباء الموحدة والهمزة، وهذه
الثالثة في البخاريّ وغيره، وكلها صحيحة، ومعناها: لا يتجنبه، ويتحرز منه.
انتھی
(٢) .
٠
(١) ((المفهم)) ١/ ٥٥٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/٣.

٣٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقال في ((الفتح)): قوله: ((لا يستتر)) كذا في أكثر الروايات بمثناتين من
فوقُ، الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة، وفي رواية ابن عساكر: (يستبرئ))
بموحدة ساكنة، من الاستبراء، ولمسلم، وأبي داود في حديث الأعمش: ((لا
يستنزه)) بنون ساكنة، بعدها زايٌ، ثم هاء، فعلى رواية الأكثر معنى الاستتار:
أنه لا يجعل بينه وبين بوله سُتْرَةً، يعني أنه لا يتحفظ منه، فتوافق رواية ((لا
يستنزه))؛ لأنها من التنزه، وهو الإبعاد، وقد وقع عند أبي نعيم في ((المستخرج))
من طريق وكيع، عن الأعمش: ((كان لا يَتَوَقَّى))، وهي مفسرة للمراد.
وأجراه بعضهم على ظاهره، فقال: معناه: لا يستر عورته، وضُعِّفَ بأن
التعذيب لو وقع على كشف العورة لاستقلّ الكشف بالسببية، واظُرِح اعتبار
البول، فيترتب العذاب على الكشف، سواء وُجِد البول أم لا، ولا يَخفَى ما فيه.
وأما رواية الاستبراء، فهي أبلغ في التوقي.
وقال ابن دقيق العيد: لو حُمِل الاستتار على حقيقته، للزم أن مُجَرَّد
كشف العورة كان سبب العذاب المذكور، وسياق الحديث يدلّ على أن للبول
بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، يُشير إلى ما صححه ابن خزيمة، من حديث
أبي هريرة ◌ُه مرفوعاً: ((أكثرُ عذاب القبر من البول))، أي بسبب ترك التحرز
منه، قال: ويؤيده أن لفظ ((من)) في هذا الحديث لَمّا أضيف إلى البول، اقتَضَى
نسبة الاستتار الذي عدمُهُ سبب العذاب إلى البول، بمعنى أن ابتداء سبب
العذاب من البول، فلو حُمِل على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى، فتعيّن
الحمل على المجاز؛ لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد؛ لأن مخرجه
واحد، ويؤيده أن في حديث أبي بكرة رضيبه عند أحمد، وابن ماجه: ((أما
أحدهما، فيعذّب في البول))، ومثله للطبرانيّ، عن أنس نص به(١).
(قَالَ) ابن عبّاس ﴿ه (فَدَعَا)، أي طلب النبيّ وََّ، يقال: دعا الناس:
إذا طلبهم، أفاده الفيّوميّ (٢).
ولعلّ الباء في المفعول زائدة، أو على تضمين (دعا)) معنى فعلٍ يتعدّى
بالباء، أي أمر بعسيب، ونحوه.
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٨٠/١ - ٣٨١.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٩٥/١.

(٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣)
٣٠٩
وقال المجد ◌َخُّْهُ: دَعَيتُ - بالياء - لغةٌ فِي دَعَوت بالواو(١).
(بِعَسِيبٍ) - بفتح العين، وكسر السين المهملتين، بوزن كريم -: الْجَريدة
التي لم يَنْبُت فيها خُوص، وإن نبت فهي السَّعَفَةُ، كَقَصَبَة، وفي ((القاموس)):
((الْعَسِيب)): جريدة من النخل مستقيمة دقيقةٌ، يُكشَط خُوصُها، والذي لم يَنْبُت
عليه الْخُوص من السَّعَفِ. انتهى(٢).
وقال في ((المصباح)): السَّعَفُ)) كقَصَب: جمعُ سَعَفَة، كقَصَبة: أغصان
النخل ما دامت بالخُوص، فإن زال الْخُوص عنها قيل: جَرِيدة (٣).
وقال أيضاً: ((الْخُوصُ)) بالضمّ: وَرَقُ النخل، الواحدةُ خُوصة. انتهى(٤).
وقال النوويّ ◌َّتُهُ: ((العَسِيب)): الجريد، والغصن من النخل، ويقال له:
الْعِثْكَال(٥). انتهى(٦).
وقال الطيبيّ تَخْتُ: الجريدة: السّعَفَةُ التي جَرَّدَتَّ عنها الْخُوصَ، أي
قشرته، وكلُّ شي قشرته عن شيء فقد جَرَدته. انتهى (٧) .
(رَطْبٍ) - بفتح، فسكون -: خلاف اليابس، قيل: خَصَّ الجريد بذلك؛
لأنه بطيء الجفاف، وسيأتي ذكر الخلاف فيمن أتى بالجريد في المسائل - إن
شاء الله تعالى -.
(فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنٍ) أي فأُتي به، فكسره، وجعله اثنين، فالباء زائدة للتوكيد،
و((اثنين)) مفعول مطلقٌ، أي شقّه شقّين اثنين، أي نصفين، أو منصوب على
الحال، وزيادة الباء في الحال جائز في الكلام، كما في قول الشاعر [من
الطويل]:
فَمَا رَجَعَتْ بِخَائِبَةٍ رِكَابٌ حَكِيمُ بْنُ الْمُسَيِّبِ مُنْتَهَاهَا
وفي رواية للبخاريّ: ((فكسرها كِسْرتین)».
(١) ((القاموس المحيط)) ص١١٥٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٧٧/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٠٦.
(٤) ((المصباح المنير)) ١٨٣/١.
(٥) الْعِثكال بالكسر، كقِرطاس: الْعِذق، أو الشِّمْراخ. ((ق)).
(٦) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/٣.
(٧) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٦٩/٣.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(ثُمَّ غَرَسَ) أي غَرَزَ بالزاي، كما في رواية للبخاريّ، وفي رواية له:
((فَوَضَعَ))، والأول أخصّ (عَلَى هَذَا) القبر (وَاحِداً) من الشقّين (وَعَلَى هَذَا) القبر
الثاني (وَاحِداً) منهما، وموضع الْغَرْس كان بإزاء الرأس؛ لما وقع في ((مسند
عبد بن حُميد)) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش: ((ثم غرز عند
رأس كلّ منهما قِطْعَةً))، قاله في (الفتح)) (١) .
(ثُمَّ قَالَ) بَل بعد غرسه لَمّا قيل له: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ كما في
رواية للبخاريّ ((لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ) بضم أوله، وفتح ثالثه، مبنيّاً للمفعول، ونائب
فاعله ضمير العذاب (عَنْهُمَا) أي عن المقبورين.
قال ابن مالك كَخَّهُ(٢): يجوز كون الهاء من ((لعلّه)) ضمير الشأن، وجاز
تفسير ضمير الشأن بـ ((أَنْ وصِلَتها)) مع أنها في تقدير مصدر؛ لأنها في حكم
جملةٍ؛ لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ولذلك سدّت مسدّ مطلوبي ((حسب))،
و((عسى)) في نحو ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وفي ﴿وَعَسَىّ
أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦].
ويجوز في قول الأخفش أن تكون ((أن)) زائدةً مع كونها ناصبةً، ونظيرها
زيادة الباء، و((من)) مع كونهما جارّتين، ومن تفسير ضمير الشأن بـ ((أن وصلتها))
قول عمر رَظُه: ((والله ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكر تلاها، فَعُقِرتُ حتى ما
تُقلّني رجلاي))، متّفقٌ عليه. انتهى كلام ابن مالك تَظّهُ(٣).
(١) ٢٨٢/١.
(٢) نقل الطيبيّ، ثم منه العينيّ كلام ابن مالك هذا بما نصّه: الرواية ((يُخفّف عنها))
على التوحيد، والتأنيث، وهو ضمير النفس، فيجوز إعادة الضمير في: ((لعله))
و((عنها)) إلى الميت باعتبار كونه إنساناً، وكونه نفساً، ويجوز كون الهاء في: ((لعله))
ضمير الشأن، وفي: ((عنها)) للنفس، وجاز تفسير الشأن إلى آخر كلام ابن مالك
الذي ذكرته، وفي هذا نظر من وجهين:
أحدهما: أن هذا النصّ لا وجود له في كتاب ابن مالك ((شواهد التوضيح)) وإنما
الموجود فيه ما نقلته هنا .
الثاني: أن الرواية بإفراد ضمير ((عنها)) لا وجود له في نسخ ((صحيح البخاري))، ولا
أشار إليه أحد من شرّاحه، فالظاهر أنه لا صحّة له نقلاً، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٣) ((شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) ص١٤٩ - ١٥٠.

(٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِيْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣)
٣١١
وقال الكرمانيّ: شَبَّه ((لعلّ)) بـ ((عَسَى))، فأتى بـ ((أن)) في خبره.
وقال الطيبيّ تَخُّْهُ: لعلّ الظاهر أن يكون الضمير مبهماً يفسّره ما بعده،
كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩] قال صاحب
((الكشّاف)): هذا ضمير لا يُعلم ما يُعنى به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله إن
الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وُضع ((هي)) موضع ((الحياة))؛ لأن الخبر يدلّ
عليها، ويُبيّنها، ومنه: هي النفس تتحمّل ما حُمّلت، والرواية بتثنية الضمير في
((عنهما)) لا تستدعي إلا هذا التأويل. انتهى(١).
(مَا لَمْ يَيْبَسَا))) ((ما)) مصدريّة ظرفيّةٌ، و((ييبسا))، أي يجفّ الشِّقّان، قال
النوويّ: ((يَيْبَسَا)) مفتوح الباء الموحدة، قبل السين، ويجوز كسرها لغتان، وقال
الفيّوميّ: يَبِسَ بَيْبَسُ، من باب تَعِبَ، وفي لغة بالكسر فيهما: إذا جفّ بعد
رُطوبة، فهو يابسٌ، وشيء يَبْسٌ ساكن الباء بمعنى يابسِ أيضاً(٢).
والمعنى: يُخفّف عنهما مدّة عدم يبس الشقّين.
وفي رواية للبخاريّ: ((ما لم تيبسا)) قال في ((الفتح)): كذا في أكثر
الروايات بالمثناة الفوقانية: أي الكِسْرَتان، وللكشميهنيّ: إلا أن تيبسا)) بحرف
الاستثناء، وللمستملي: ((إلى أن ييبسا)) بـ ((إلى)) التي للغاية، والياء التحتانية:
أي العودان. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٦٨٣/٣٤ و٦٨٤] (٢٩٢)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (٢١٦ و٢١٨ و١٣٦١)، و((الجنائز)) (١٣٦١
و ١٣٧٨)، و((الأدب)) (٦٠٥٥)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٢٠ و٢١)،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٦٩/٣ - ٧٧٠.
(٢) راجع: ((المصباح)) ٦٧٩/٢.
(٣) ((الفتح)) ٣٨٢/١.

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٧٠)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٢٨/١ و٣٠)،
و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٣٤٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٦٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٧٥/٣ و٣٧٦ و٣٧٧)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٢٥/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٨/١ و١٨٩)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٣١٢٨ و٣١٢٩)، و(الآجرّيّ) في ((الشريعة)) (ص٣٦١ و٣٦٢)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤١٢/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٣)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٩٥ و٤٩٦)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٦٧٤
و٦٧٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه يدلّ على نجاسة بول الإنسان؛ لقوله: ((مِنْ بَوْلِهِ))
بالإضافة، وروايةُ: ((من البول)) ((أل)) فيها عِوَضٌ عن المضاف إليه، وقد استَدَلّ
به البخاريّ على أن نجاسة البول مقصورة على بول الناس، ولا يَعُمّ بول سائر
الحيوانات، فقال: وقال النبيّ ◌َل﴿ لصاحب القبر: ((كان لا يستتر من بوله))،
ولم يذكُر سوى بول الناس. انتهى. قال ابن بطال: أراد البخاريّ أن المراد
بقوله : ((كان لا يستتر من البول)» بول الناس، لا بول سائر الحيوان، فلا
يكون فيه حجةٌ لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الردّ
على الخطّابيّ حيث قال: فيه دليلٌ على نجاسة الأبوال كلها، ومحصّل الردّ أن
العموم في رواية ((من البول)) أريد به الخصوص؛ لقوله: ((من بوله))، والألف
واللام بدل من الضمير، لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من الناس؛
لعدم الفارق، قال: وكذا غير المأكول، وأما المأكول فلا حجة في هذا
الحديث لمن قال بنجاسة بوله، ولمن قال بطهارته حُجج أخرى(١).
وقال القرطبيّ تَخْذَتُهُ: قوله: ((من البول)) اسم مفرد لا يقتضي العموم، ولو
سُلِّمَ فهو مخصوص بالأدلّة المقتضية لطهارة بول ما يؤكل لحمه. انتهى(٢)،
وسيأتي في هذا قريباً - إن شاء الله تعالى -.
(١) ((الفتح)) ٣٨٤/١.
(٢) ((المفهم)) ٥٥٢/١.

(٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣)
٣١٣
٢ - (ومنها): وجوب التنزّه من البول، وعقوبة من تساهل في ذلك.
٣ - (ومنها): أن التساهل في أمر البول من الكبائر، كما صرّح به
النبيّ ◌َله .
٤ - (ومنها): وجوب إزالة النجاسة، خلافاً لمن خص الوجوب بوقت
إرادة الصلاة .
٥ - (ومنها): كون النميمة من الكبائر أيضاً، وهي محرّمة بالنصوص،
والإجماع، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلّ هُمَزَةٍ ثُمَّزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقال تعالى:
﴿هَّارٍ مَّشَكِ بِنَِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، وقال النبي ◌َّ: ((لا يدخل الجنّة نمّام))، وفي
لفظ: ((قّات))، وهو النمّام، متّفق عليه.
٦ - (ومنها): أنه استَدَلّ ابن بطال بهذه الرواية على أن التعذيب، لا
يختص بالكبائر، بل قد يقع على الصغائر، قال: لأن الاحتراز من البول لم يَرِدْ
فيه وعيد، يعني قبل هذه القصة.
وتُعُقِّب بالزيادة التي في ((صحيح البخاريّ)) وغيره، من قوله وَالَى: ((بل إنه
كبير))، وقد ورد مثلها من حديث أبي بكرة ظُله عند أحمد، والطبرانيّ،
ولفظه: ((وما يعذبان في كبير، بلى))، أفاده في ((الفتح))(١)، فهذا نصّ صريح في
الوعيد، يردّ ما قاله ابن بطال، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنّة والجماعة،
خلافاً لمن نفاه مطلقاً من الخوارج، وبعض المعتزلة، كضرار بن عمرو، وبِشْر
المريسيّ، ومن وافقهما، وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة، وجميع أهل السنّة،
وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة، كالجبّائيّ إلى أنه
يقع على الكفّار دون المؤمنين، وتردّه الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك(٢).
وقد تواترت الأخبار عن رسول الله وَ ه في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن
كان أهلاً لذلك، وكذا سؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به،
ولا نتكلّم في كيفيّته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيّته؛ لكونه لا عهد له به في
(١) ((الفتح)) ٣٨٠/١.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٢٧٥/٣ ((كتاب الجنائز)).

٣١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تُحيله العقول، ولكن قد يأتي بما تَحار فيه
العقول، قاله شارح ((العقيدة الطحاويّة))(١).
وقد ذكرت بحثاً طويلاً في هذا في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد، وبالله
تعالى التوفيق.
٧ - (ومنها): شدّة رأفة النبيّ وَ﴿ بأمته، فإنه لَمّا سمع صاحبي القبرين
بادر إلى الشفاعة لهما .
٨ - (ومنها): إثبات الشفاعة للنبيّ وَّل، وقد تقدّم البحث فيه مستوفَى في
((كتاب الإيمان))، فلا تنس نصيبك، وبالله تعالى التوفيق.
٩ - (ومنها): إثبات المعجزة له ( حيث أطلعه تعالى على تعذيب
المقبورين، مع أن الذين كانوا معه لم يسمعوا، ولم يعلموا شيئاً من ذلك،
قال الله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ، أَحَدًا (٨) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ الآية
[الجنّ: ٢٦ - ٢٧].
١٠ - (ومنها): وجوب الاستنجاء؛ إذ هو المراد بعدم الاستتار من
البول، فلا يجعل بينه وبين البول حجاباً من ماء، أو حجارة، ويبعد أن يكون
المراد الاستتار عن الأعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الروايات فيمن أتى بالعسيب إلى
النبيّ ◌َل :
قال في ((الفتح)): رَوَى النسائي من حديث أبي رافع، بسند ضعيف، أن
الذي أتاه بالجريدة بلال رضيه، ولفظه: كُنّا مع النبيّ ◌َّ في جنازة، إذ سمع
شيئاً في قبر، فقال لبلال: ((ائتني بجريدة خضراء ... )) الحديث.
وفي حديث أبي بكرة ظُبه عند أحمد، والطبرانيّ أنه الذي أتى بها إلى
النبيّ ێ .
(١) ص٣٩٩.

٣١٥
(٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِبْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣)
وأما ما رواه مسلم في حديث جابر الطويل المذكور في أواخر الكتاب
أنه الذي قَطَع الغصنين، فهو في قصة أخرى غير هذه، فالمغايرة بينهما من
أوجه :
(منها): أن هذه كانت في المدينة، وكان معه وَّل جماعة، وقصة جابر
كانت في السفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابر وحده.
(ومنها): أن في هذه القصة أنه وَّ غَرَس الجريدة بعد أن شَقّها نصفين،
وفي حديث جابر أنه ول# أمر جابراً بقطع غصنين من شجرتين، كان النبيّ وَ ل
استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابراً، فألقى الغصنين عن يمينه وعن
يساره، حيث كان النبيّ ◌َ ﴿ جالساً، وأن جابراً سأله عن ذلك؟ فقال: ((إني
مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يُرْفَع عنهما ما دام الغصنان
رطبين))، ولم يذكر في قصة جابر أيضاً السبب الذي كانا يعذبان به، ولا
الترجي الذي في قوله هنا: ((لعله))، فبان تغاير حديث ابن عباس وحديث
جابر ه، وأنهما كانا في قصتين مختلفتين، ولا يبعد تعدد ذلك.
وقد رَوَى ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة ◌َظُه أنه قدَّ مَرّ
بقبر، فوقف عليه، فقال: ((ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه،
والأخرى عند رجليه))، فيحتمل أن تكون هذه قصة ثالثة، ويؤيده أن في حديث
أبي رافع: فسمع شيئاً في قبر، وفيه: فكسرها باثنين، ترك نصفها عند رأسه،
ونصفها عند رجليه، وفي قصة الواحد: جعل نصفها عند رأسه، ونصفها عند
رجليه، وفي قصة الاثنين: جعل على كل قبر جريدةً. انتهى ما في ((الفتح))،
وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في معنى قوله وَّ: ((لعله أن
يُخفّف عنهما)»:
قال المازريّ تَّتُهُ: يَحْتَمِل أن يكون أوحي إليه وَلّ أن العذاب يخفف
عنهما هذه المدة. انتهى.
وعلى هذا فـ (لعلّ)) هنا للتعليل، قال: ولا يظهر له وجه غير هذا.
وتعقبه القرطبي بأنه لو حصل الوحي لما أتى بحرف الترجي، كذا قال،
ولا يَرِد عليه ذلك إذا حملناها على التعليل.

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال القرطبيّ: وقيل: إنه شفع لهما هذه المدة كما صرح به في حديث
جابر؛ لأن الظاهر أن القصة واحدةٌ، وكذا رجح النوويّ كون القصة واحدةً.
قال الحافظ: وفيه نظرٌ لما أوضحناه من المغايرة بينهما.
وقال الخطابيّ تَخّْتُهُ: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء
النداوة، لا أن في الجريدة معنى يخصه، ولا أن في الرطب معنى ليس في
اليابس، قال: وقد قيل: إن المعنى فيه أنه يسبِّح ما دام رطباً، فيحصل
التخفيف ببركة التسبيح، وعلى هذا فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الأشجار
وغيرها، وكذلك فيما فيه بركة، كالذكر، وتلاوة القرآن، من باب أولى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وكذلك فيما فيه بركة إلخ، سيأتي الردّ
عليه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
وقال الطيبيّ نَظْتُهُ: الحكمة في كونهما ما دامتا رطبتين تمنعان العذاب،
يَحتَمِل أن تكون غير معلومة لنا، كعدد الزبانية، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قد استنكر الخطابي، ومن تبعه وَضْعَ الناس الجريد
ونحوه في القبر؛ عملاً بهذا الحديث، وقال الطرطوشيّ: لأن ذلك خاص ببركة
يده وَّ، وقال القاضي عياض: لأنه عَّلَ غرزهما على القبر بأمر مغيب، وهو
قوله: (لَيُعَذَّبان)).
وتعقّب هذا صاحب ((الفتح)) بأنه لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا؟
أن لا نتسبب له في أمر يُخفف عنه العذاب أَنْ لو عُذِّب، كما لا يمنع كوننا لا
ندري أَرُحم أم لا؟ أن لا ندعو له بالرحمة، وليس في السياق ما يقطع على أنه
باشر الوضع بيده الكريمة، بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسى بريدة بن
الحصيب الصحابي بذلك، فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان كما ذكره
البخاريّ عنه في ((صحيحه))، وهو أولى أن يُتَّبَعَ من غيره. انتهى (١).
وقد تعقّب العينيّ في ((عمدته)) قوله: ((وليس في السياق ما يقطع على أنه
(١) ((الفتح)) ٣٨٣/١.

٣١٧
(٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِيْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣)
باشر إلخ)) بأنه قد صرّح في الحديث بأنه دعا بجريدة، فكسرها، فوضع على
كلّ قبر منهما كِسرةً، فهذا صريحٌ في أنه ◌َلِّ وضعه بيديه الكريمتين، ودعوى
احتمال الأمر لغيره به بعيدة، وهي كدعوى احتمال مجيء غلام زيد في قولك:
جاء زيد، ومثل هذا الاحتمال لا يُعتدّ به. انتهى كلام العينيّ تَخْذّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي قاله الخطابيّ، ومن تبعه من استنكار
وضع الجريدة ونحوها على القبر هو الذي يترجح عندي؛ لأنه أمر يختصّ به
النبيّ ◌َّ من حيث كونه مغيّباً، لا يمكن الاطلاع عليه إلا بالوحي، ومن حيث
بركة يده ◌َل﴿ كما علّله الخطابيّ، والقاضي عياض.
وأما قول الحافظ: لا يلزم من كوننا إلخ ففيه نظر لا يخفى؛ إذ الدعاء
أمرنا به اطّلعنا على التعذيب أم لا، فليس معلّلاً بالتعذيب بخلاف وضع
الجريدة، ولأنه مَّ* دعا لكلّ ميت، وأمر به بخلاف وضعها، فإنه ما فعله إلا
لأشخاص مُعَيَّنِينَ، معلِّلاً ذلك بما ذكر، ولأن الصحابة ومن بعدهم أجمعوا
على الاقتداء به فيه بخلاف الوضع، فلم يُنقل إلا عن بُريدة رَظُه، فهو قياس
مع الفارق.
والحاصل أن خصوصيّة وضع الجريد أوضح من كونه محلّ أسوة، فتأمل
بالإنصاف.
قال صاحب ((المرعاة)) رَّتُهُ - بعد ذكر نحو ما تقدّم -: والظاهر عندي أنه
مخصوص بالنبيّ وَّ﴿ ليس بأعمّ، وأما ما يفعله القبريّون من وضع الرياحين
على القبور، وغرس الأشجار عليها، وسترها بالثياب، وإجمارها، وتبخيرها
بالعود، واتّخاذ السرج عليها، فلا شكّ في كونه بدعة وضلالةً، ومن زعم أن
هذا الحديث أصل لهذه الأمور المحدثة، فقد جهل، وافترى على الرسول وَله .
(٢)
انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله صاحب المرعاة تَخْتُهُ تحقيق
نفيسٌ جدّاً، ومثل ذلك من استدلّ بهذا الحديث على مشروعيّة قراءة القرآن في
القبر، فقد ابتدع في الدين، وأتى بما لم يشرعه الله تعالى، فإن النبيّ وَّ مع
(١) ((عمدة القاري)) ٢/ ٤٣٧.
(٢) ((المرعاة)) ٥٢/٢.

٣١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
كثرة من يموت في عهده، لم يأمر أحداً أن يقرأ القرآن للميت، ولا فعله
الخلفاء الراشدون بعده، ولا القرون المفضّلة.
وأما ما أورده العينيّ محتجّاً على مشروعيّة ذلك من الأحاديث(١) فمما
يُتعجّب منه، فإنها كلها أحاديث واهية، لا يثبت منها شيء، فلا تغترّ بها، وكن
من الْيَقِظِينِ الْحَذِرين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في ذكر ما جاء من الاختلاف في اسم المقبورين:
(اعلم): أنه لم يُعرف اسم المقبورين، ولا أحدهما، والظاهر أن ذلك
كان عمداً من الرواة قصداً للستر، وأنه لا ينبغي الفحص عن مثل هذا.
قال الحافظ: وما حكاه القرطبيّ في ((التذكرة)) وضعّفه عن بعضهم أن
أحدهما سعد بن معاذ، فهو قول باطلٌ لا ينبغي ذكره إلا مقروناً ببيانه، ومما
يدلّ على بطلانه الحكاية المذكورة أن النبيّ وَّ حضر دفن سعد بن معاذ، كما
ثبت في الحديث الصحيح، وأما قصّة المقبورين ففي حديث أبي أمامة عند
أحمد أنه وَ ﴿ قال لهم: ((من دفنتم اليوم ها هنا؟))، فدلّ على أنه لم
يحضرهما .
قال: وإنما ذكرت هذا ذَبّاً عن هذا السيد الذي سماه النبيّ وَّه سيّداً،
وقال لأصحابه: ((قوموا إلى سيدكم))، وقال: ((إن حكمه قد وافق حكم الله))،
وقال: ((إن عرش الرحمن اهتَزَّ لموته)) إلى غير ذلك من مناقبه الجليلة؛ خشيةً
أن يَغْتَرّ ناقص العلم بما ذكره القرطبيّ، فيعتقد صحة ذلك، وهو باطل.
وقد اختُلِفَ في المقبورين، فقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى
المدينيّ، واحتجّ بما رواه من حديث جابر، بسند فيه ابن لَهِيعة: ((أن النبيّ وَّل
مَرّ على قبرين من بني النجار، هَلَكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول
والنميمة))، قال أبو موسى: هذا وإن كان ليس بقويّ، لكن معناه صحيح؛
لأنهما لو كانا مسلمين لَمَا كان لشفاعته إلى أن تيبس الجريدتان معنًى، ولكنه
لَمّا رآهما يعذبان لم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه، فشفع لهما إلى
المدة المذكورة.
(١) راجع: ((عمدة القاري) ١٧٦/٣.

٣١٩
(٣٤) - بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، وَوُجُوبِ الاسْتِيْرَاءِ مِنْهُ - حديث رقم (٦٨٣)
وجزم ابن العطار في ((شرح العمدة)) بأنهما كانا مسلمين، وقال: لا يجوز
أن يقال: إنهما كانا كافرين؛ لأنهما لو كانا كافرين لم يَدْعُ لهما بتخفيف
العذاب، ولا ترجّاه لهما، ولو كان ذلك من خصائصه لبيّنه - يعني كما في قصة
أبي طالب -.
قال الحافظ: وما قاله أخيراً هو الجواب، وما طالب به من البيان قد
حَصَلَ، ولا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية، لكن الحديث الذي احتجَّ به
أبو موسى ضعيف، كما اعتَرَف به، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح، على شرط
مسلم، وليس فيه سبب التعذيب، فهو من تخليط ابن لهيعة، وهو مطابق
لحديث جابر الطويل الذي قدمنا أن مسلماً أخرجه، واحتمال كونهما كافرين
فيه ظاهرٌ.
وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين، ففي
رواية ابن ماجه: ((مَرّ بقبرين جديدين))، فانتفى كونهما في الجاهلية، وفي
حديث أبي أمامة عند أحمد: ((أنه وَّهِ مَرّ بالبقيع، فقال: من دفنتم اليوم ها
هنا؟))، فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين؛ لأن البقيع مقبرة المسلمين،
والخطاب للمسلمين، مع جريان العادة بأن كل فريق يتولاه من هو منهم.
ويُقَوِّي كونهما كانا مسلمين روايةُ أبي بكرة، عند أحمد، والطبرانيّ،
بإسناد صحيح: ((يعذبان، وما يُعَذَّبان في كبير، بلى، وما يعذبان إلا في الغيبة
والبول)).
فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين؛ لأن الكافر، وإن عُذِّب على ترك
أحكام الإسلام، فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف. انتهى كلام
الحافظ ◌َّتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في ذكر اختلاف أهل العلم في الأبوال، والأرواث،
الطاهر منها والنجس :
(١) ((الفتح)) ٣٨٤/١.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَخُّ: دلت الأخبار عن رسول الله وَّل على
أن أبوال بني آدم نَجِسَة، يجب غسلها من البدن، ومن الثوب الذي يُصلي فيه،
إلا ما روي عنه في بول الغلام الذي لم يَطْعَم الطعام.
واختلفوا في بول ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل، فقالت طائفة: بول ما
يؤكل لحمه طاهرٌ، وليس كذلك عندها أبوال ما لا يؤكل لحمه، فممن قال: ما
يؤكل لحمه فلا بأس ببوله: عطاء، والنخعيّ، والثوريّ، ورَخَّص في أبوال
الإبل والغنم الزهريّ، وقال يحيى الأنصاريّ في الأبوال: لا يكره ذلك من
الإبل والبقر والغنم، ورَخَّص الشعبيّ في بول التيس، وقال الحسن، وقتادة
فيمن وَطِئ على الروث الرَّظْب: يمسح قدميه، ويُصلي، ورَخَّص الحكم في
أبوال الشياه، قال: لا تغسله، وروي عن أبي موسى رَُّه أنه صَلّى على
التراب والسرقين(١).
ورخص في ذَرْقِ(٢) الطير أبو جعفر، والحكم، وحماد، وقال حماد في
خرء الدجاج: إذا يبس فافرُكه، وكان الحسن لا يَرَى على من صلى وفي ثوبه
خرء الدجاج إعادةً.
وقالت طائفة: الأرواث، والأبوال كلها نَجِسة، ما أُكل لحمه، أو لم
يؤكل، وكذلك ذَرْقُ الطير كلها نجس، هذا قول الشافعيّ، وقد حُكِي عنه أنه
استثنى من ذلك بول الغلام الذي لم يَطعَم، وأَمَرَ بالرشّ عليه، وكان الشافعيّ
يقول: لا يجوز بيع الْعَذِرة، ولا الروث، ولا البول، كان ذلك من الناس، أو
من الدواب، وقال أبو ثور كقول الشافعيّ في الأبوال والأرواث: إنها كلها
نجسة، رطباً كان أو يابساً، وقال الحسن: البول كله يُغْسَل، وكان يَكْرَه أبوال
البهائم كلّها، يقول: اغسل ما أصابك منها، وقال حماد في بول الشاة:
اغسله .
(١) صحيح، علّقه البخاريّ في: ((الصحيح))، ووصله أبو نعيم شيخ البخاريّ في:
«کتاب الصلاة)) له.
(٢) ذرق الطائر، من باب ضرب، وقتل، هو منه كالتغوّط من الإنسان. اهـ. ((المصباح))
٢٠٨/١.