النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٤)
وأما الوجه المتأخّر فمتأخّر؛ لما بيّنّا أنا لو خصّصناه ببعض أحواله لكان
الخارج عن تلك الأحوال مخصوصاً عن العموم مع دلالة العموم على تناوله،
ووجوب المحافظة عليها. انتهى كلام ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى _(١)
وهو بحثٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): نهيه وَ ل عن إضاعة المال خاصّ بالمال عامّ بالنسبة
إلى ما يَلَغ فيه الكلب، وما لم يَلَغ فيه، وأمره ◌َّهِ بإراقة ما ولغ فيه الكلب
خاصّ بالنسبة إلى ما لم يَلَغ فيه، عامّ بالنسبة إلى المال وغير المال، فكلّ
واحد منهما عامّ من وجه، خاصّ من وجه.
فلئن قال أحد الخصمين: أَخُصّ عموم الأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب
بالماء؛ عملاً بنهيه و لو عن إضاعة المال، قال خصمه: أَخُصّ نهيه وَلِ عن
إضاعة المال بما لم يلغ فيه الكلب؛ عملاً بقوله: ((إذا ولغ الكلب في إناء
أحدكم فليُرقه))، فإذا تقابلا فلا بدّ من الترجيح، وقد يُرجّح العمل بهذا
الحديث؛ لوجهين:
أحدهما: أن يقال: النهي عن إضاعة المال عامّ مخصوص بالاتّفاق، فإنه
يُخرج عنه المائعات التي تغلو قيمتها، وتكثر بعد وقوع قطرة من البول فيها،
والعموم في هذا الحديث غير مخصوص بالإجماع - أي حيث لم يُجْمَع على
تخصيصه - فإن القائل بالنجاسة يعمّ به كلّ ما يُولَّغُ فيهِ، والعمل بالعموم الذي
لم يُجمَع على تخصيصه أولى من العمل بالعموم الذي أُجمع على تخصيصه.
فإن قال: لا أسلِّم أن المائع الذي وقعت فيه قطرة البول مالٌ بعد وقوعها
فيه، قال خصمه: لا أسلِّم أن الطعام مال بعد ولوغ الكلب فيه.
الوجه الثاني: أن يقال: مقصود ذلك الحديث النهي عن التبذير، وإضاعة
المال من غير غرض صحيح، والمقصود من هذا الحديث إما الإبعاد، وإما
التنزّه عما لحقه سؤر الكلب؛ لنجاسته، أو لقذره، وهذا المقصود أخصّ
بالنسبة إلى ما يقع فيه الولوغ من ذلك المقصود - أي النهي عن إضاعة المال -
(١) ((شرح الإلمام)) ٢٢٥/٢ - ٢٢٧.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقد ظهر اعتباره في بعض ما يقع فيه الولوغ، فالعموم بالنسبة إلى هذا المقصود
أمسّ من العموم بالنسبة إلى ذلك المقصود إذا اعتبرنا المقاصد. انتهى كلام ابن
دقيق العيد - رحمه الله تعالى _(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد - رحمه الله
تعالى - بحثٌ نفیسٌ.
وحاصله ترجيح القول بعموم الإناء إناء الماء والطعام؛ لقوة مُدرَكه، كما
حقّقه آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): لفظ الإناء لَمّا كان عامّاً دخل تحته إناء الفَخَّار(٢) غير
المزجَّج مما يتشرّب الماء وغيره، ويغوص فيه، وقد حُكم بطهارته بالغسل،
فقد يُجعل أصلاً لمسألة اختُلِف فيها، وهي أن الفَخّار إذا اتّصَل به نجسٌ
غَوّاصٌ، كالبول، هل يطهر بالغسل؟ وكذلك ما يناسبه مثل الزيتون يُمَلَّح بماء
نجس، والقَمْحِ يُنقَع بماء نجس، وهذا البحث بناء على نجاسة الماء، فيستمرّ
من غير اعتراض؛ لأنه حينئذ لا فرق بين أن يَلَغَ في الماء الذي في الإناء، أو
يؤخذ الماء الذي في الإناء بعد وُلُوغه، ويُجعَل في إناء فَخّار.
قال الطحاويّ - رحمه الله تعالى - لَمّا تكلّم في مسألة نزح ماء البئر: فإن
قال قائل: فأنتم قد جعلتم ماء البئر نجساً بوقوع النجاسة فيها، فكان يقتضي
ذلك أن لا تَطهُر البئر أبداً؛ لأن حيطانها قد تشرّبت ذلك الماء النجس،
واستكنّ فيها، فكان ينبغي أن تُطمّ.
قيل له: ألم تر العادات جرت على هذا؟ وقد فَعَل عبد الله بن الزبير ما
ذكرنا في ماء زمزم(٣)، ورآه أصحاب رسول الله وَّل، فلم يُنكروا ذلك عليه،
(١) ((شرح الإلمام)) ٢٢٧/٢ - ٢٢٩.
(٢) ((الْفَخّار)) بفتح الفاء، وتشديد الخاء: الطين المشويّ، وقبل الطبخ هو خَزَفٌ،
وصَلْصَال. قاله في: ((المصباح)) ٤٦٤/٢.
(٣) هو ما رواه الطحاويّ في: ((شرح معاني الآثار)) (١٧/١) بسند حسن، عن عطاء بن
أبي رَبَاح أن حَبَشِيّاً وقع في زمزم فمات، فأمر ابن الزبير، فَنُزِح ماؤها، فجَعَل
الماء لا ينقطع، فَتَظَر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود، فقال ابن الزبير:
حسبکم. انتھی.

١٨٣
(٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٥)
ولا أنكره من بعدهما، ولا رأى أحد منهم طَمّها، وقد أمر رسول الله وَّ في
الإناء الذي قد نَجِسَ من ولوغ الكلب فيه(١) أن يُغسل، ولم يأمر أن يُكْسَر،
وقد تشرّب من الماء النجس، فكما لم يأمر بكسر الإناء في ذلك، فكذلك لا
يُؤمر بِطَمّ تلك البئر، فهذه فائدة استنتجها الطحاويّ من هذا الحديث، ذكره ابن
دقيق العيد تَذَتُهُ(٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة هذا البحث أن الإناء الذي أُمر بغسله
من وُلُوغ الكلب عامّ، فيتناول ما يتشرّب الماء، كالفخّار، وما لا يتشرّبه
كأواني الزجاج، فلا فرق بين النوعين في وجوب غسله فقط، ولا يلزم كسر
النوع الأول، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): قال الحافظ العراقيّ - رحمه الله تعالى -: هل تتعدّد
الغسلات في ولوغ الكلب بتعدّد الولغات من كلب واحد، أو كلبين، فأكثر؟
خلاف بين أصحابنا - يعني الشافعيّة - والأصحّ أنه يكفي للجميع سبع، وقيل:
يجب لكلّ وَلْغة سبعٌ، وقيل: يكفي السبع في وَلَغَات الكلب الواحد، وتتعدّد
بتعدّد الكلاب، وكذلك لو تنجّس بنجاسة أجنبيّة غير الكلب لم تجب الزيادة
على السبع، بل يندرج الأصغر في الأكبر، كالحدث على الصحيح، واذَّعَى
النوويّ، وابن الرفعة نفي الخلاف فيه، وليس بجيّد، ففيه وجه حكاه الرافعيّ
في الشرح الصغير أنه يجب غسله للنجاسة الأجنبيّة أيضاً. انتهى كلام العراقيّ
- رحمه الله تعالى _(٣)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٦٥٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ،
عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ(٤): ((فَلْيُرِقْهُ))).
(١) قد عرفت فيما سلف أن نجاسة الكلب محلّ نظر، فلا تنس، والله تعالى أعلم.
(٣) ((طرح التثريب)) ١٢٥/٢ - ١٢٦.
(٢) (شرح الإلمام)) ٢٢٩/٢ - ٢٣٠.
(٤) وفي نسخة: ((ولم يذكر)).

١٨٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابِيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٤.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقَاني - بضمّ المعجمة، وسكون
اللام، بعدها قافٌ - أبو زياد الأسديّ الكوفيّ، لقبه شَقُوصًا - بفتح المعجمة،
وضمّ القاف الخفيفة، وبالمهملة - صدوقٌ يُخطئ قليلاً [٨] (ت٣ أو ١٧٤)
(ع)، تقدّم في ((المقدّمة)) ٢٧/٥.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ)، أي بإسناد عليّ بن مُسهر، عن الأعمش
المذكور قبله، حال كون متنه مثل متنه.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن زكريّاء التي أحالها المصنّف هنا على رواية
عليّ بن مسهر لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٦٥٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ
فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام
[١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله
الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع)،
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
والباقون تقدّموا في ثاني أحاديث هذا الباب.
وقوله: (إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ) قال في ((الفتح)): كذا هو في ((الموطأ))،

١٨٥
(٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٧)
والمشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه عنه: ((إذا وَلَغَ))، وهو
المعروف في اللغة، يقال: وَلَغْ يَلَغ - بالفتح فيهما -: إذا شَرِبَ بطرف لسانه،
أو أدخل لسانه فيه فحرَّكه، وقال ثعلب: هو أن يُدخِل لسانه في الماء وغيره
من كل مائع، فيحرِّكه، زاد ابن دُرُسْتُوَيْهِ: شَرِب أو لم يشرَب، وقال ابن مكيّ:
فإن غير مائع يقال: لَعِقَه، وقال المطرزيّ: فإن كان فارغاً يقال: لَحَسَه.
وادَّعَى ابنُ عبد البر أن لفظ ((شَرِبَ)) لم يروه إلا مالك، وأن غيره رواه بلفظ
((وَلَغَ))، وليس كما ادَّعَى، فقد رواه ابنُ خزيمة، وابن المنذر، من طريقين عن
هشام بن حسّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، بلفظ: ((إذا شَرِب))، لكن المشهور
عن هشام بن حسان بلفظ: ((إذا وَلَغ))، كذا أخرجه مسلم وغيره من طُرُق عنه.
وقد رواه عن أبي الزناد شيخ مالك بلفظ: ((إذا شرب)) ورقاءُ بن عمر،
أخرجه الْجَوْزَقِيّ، وكذا المغيرة بن عبد الرحمن، أخرجه أبو يعلى، نعم،
ورُوِيَ عن مالك بلفظ: ((إذا ولغ))، أخرجه أبو عبيد في ((كتاب الطهور)) له، عن
إسماعيل بن عمر عنه، ومن طريقه أورده الإسماعيليّ، وكذا أخرجه الدارقطنيّ
في ((الموطآت)) له، من طريق أبي عليّ الحنفيّ، عن مالك، وهو في نسخة
صحيحة من ((سنن ابن ماجه))، من رواية رَوْح بن عُبادة، عن مالك أيضاً، وكأنّ
أبا الزناد حدَّث به باللفظين؛ لتقاربهما في المعنى، لكن الشرب كما بينا أخصّ
من الوُلُوغ، فلا يقوم مقامهُ. انتهى(١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى أولَ
الكتاب قال:
[٦٥٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّه :
((طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَزَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ))).
(١) ((الفتح)) ٣٣٠/١.

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ المذكور قريباً.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن عُليّة، أبو بشر الأسديّ
مولاهم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وهشام بن حسّان هو: القُرْدوسيّ.
وقوله: (أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) قال النوويّ تَُّهُ: معنى الغسل بالتراب هو أن
يُخلَط التراب في الماء حتى يتكدّر، ولا فرق بين أن يُطرح الماء على التراب،
أو التراب على الماء، أو يأخذ الماء الكدِرَ من موضع، فيغسل به، فأما مسح
موضع النجاسة بالتراب، فلا يُجزئ، ولا يجب إدخال اليد في الإناء، بل
يكفي أن يُلقيه في الإناء، ويُحرّكه، ويُستحبّ أن يكون التراب في غير الغسلة
الأخيرة؛ ليأتي عليه ما يُنظّفه، والأفضل أن يكون في الأولى. انتهى كلام
النوويّ(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) هكذا رواية ابن سيرين فيها التتريب، قال في
((الفتح)): ولم يقع في رواية مالك التتريب، ولم يثبت في شيء من الروايات
عن أبي هريرة إلا عن ابن سيرين، على أن بعض أصحابه لم يذكره، ورُوي
أيضاً عن الحسن، وأبي رافع، عند الدارقطنيّ، وعبد الرحمن والد السُّدّيّ،
عند البزار.
واختلف الرواة عن ابن سيرين في محل غسلة التتريب، فلمسلم وغيره
من طريق هشام بن حسّان عنه: ((أُولاهنّ))، وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين،
وكذا في رواية أبي رافع المذكورة، واختُلِف عن قتادة، عن ابن سيرين، فقال
سعيد بن بَشِير عنه: (أُولاهنّ)) أيضاً، أخرجه الدارقطنيّ، وقال أبان، عن
قتادة: ((السابعة))، أخرجه أبو داود، وللشافعيّ عن سفيان، عن أيوب، عن ابن
سيرين: ((أولاهن، أو إحداهنّ))، وفي رواية السّيّ، عند البزار: ((إحداهنّ))،
وكذا في رواية هشام بن عروة، عن أبي الزناد عنه.
فطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال: ((إحداهنّ)) مُبْهَمَةٌ، و((أولاهنّ))،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/٣.

١٨٧
(٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٧)
و((السابعة)) مُعَيَّنَةٌ، و((أو)) إن كانت في نفس الخبر فهي للتخيير، فمقتضى حمل
المطلق على المقيد أن يُحْمَل على أحدهما؛ لأن فيه زيادة على الرواية المعينة،
وهو الذي نَصَّ عليه الشافعيّ في ((الأُمّ))، و((البُوَيطيّ))، وصرح به المرعشيّ،
وغيره من الأصحاب، وذكره ابن دقيق العيد، والسبكيّ بحثاً، وهو منصوص
كما ذكرنا، وإن كانت ((أو)) شَكّاً من الراوي، فرواية من عَيَّن ولم يَشُكَّ أولى
من رواية من أبهم أو شك، فيبقى النظر في الترجيح بين رواية ((أولاهنّ)) ورواية
((السابعة))، وروايةُ ((أولاهن)) أرجح من حيث الأكثرية، والأحفظية، ومن حيث
المعنى أيضاً؛ لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه،
وقد نَصَّ الشافعي في حرملة على أن الأُولى أَوْلى، والله تعالى أعلم.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله في ((الفتح)) تحقيقٌ نفيسٌ،
خلاصته ترجيح رواية ((أُولاهنّ)) روايةً ودرايةً على غيرها، فيكون التتريب في
الغسلة الأولى، حتى يتحقّق التنظيف المطلوب على الوجه الأحسن والأليق،
والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قوله وَل:
((أولاهنّ))، وفي رواية: ((أُخراهنّ)) الذي يُفهَم منه أن المراد بالأولى المبتدأ
بها، وبالأخرى المختتم بها، وفيه نزاع، وهو أن الأخرى تأنيث آخر - بفتح
الخاء - وأن ذلك لا يدلّ إلا على المغايرة، لا على الانتهاء. قال ابن مالك
- رحمه الله تعالى -: الفرق بين آخرة وأخرى أن التي هي أنثى آخر لا تدلّ
على الانتهاء، كما لا يدلّ عليه مذكّرها، فلذلك تعطف عليهما مثلهما من
صنف واحد، كقولك: عندي رجل، وآخر، وآخر، وعندي امرأةٌ، وأُخرى،
وأُخرى، وليس كذلك آخرة تدلّ على الانتهاء، كما يدلّ عليه مذكّرها، ولذلك
لا يُعطَف عليهما مثلهما من صنف واحد، فلا يقال: جاء زيدٌ أول، وعمرو
آخر، ورجلٌ آخر.
(١) ((الفتح)) ٣٣١/١.

١٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقال الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب - رحمه الله تعالى -: لا يقال: العشر
الأُخَر؛ لأن الأُخَرَ جمع أُخرى، وأُخرى تأنيث آخر، ومدلوله وصفٌ مغاير
بمتقدّم ذِكرُهُ، وإن كان متقدّماً في الوجود، وكذلك مؤنّثه ومجموعه، وليست
دلالته على المتأخّر في الوجود حتى صارت نسياً منسيّاً، فتقول: مررت بزيد،
ورجلٍ آخر، فلا يُفهم من ذلك إلا وصفه لمغاير متقدّم ذكره، وهو زيد، حتى
صار معناه أحد الشيئين، ولا يُفهم من ذلك كونه متأخّراً وجوداً، ومن ثمّ لم
يقولوا: ربيع الآخَر، ولا جمادى الأُخرى؛ لعلمهم بانتفاء دلالة ذلك على
مقصودهم؛ لأن المقصود التأخّر الوجوديّ، فعدلوا إلى ربيع الآخِرِ - بكسر
الخاء - وإلى جمادى الآخرة، حتى تَحْصُل الدلالة على مقصودهم في التأخّر
الوجوديّ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال ابن دقيق العيد تَذَتُ أيضاً: قوله: ((فاغسلوه سبعاً،
أولاهنّ، أو أخراهنّ بالتراب))، قد يدلّ لما قاله بعض أصحاب الشافعيّ: إنه
لا يكفي ذرّ التراب على المحلّ، بل لا بُدّ أن يجعله في الماء، ويوصله إلى
المحلّ.
ووجه الاستدلال أنه جعل مرّة التتريب داخلةً في قسم مسمَّى الغسلات،
وذَرّ التراب لا يُسمّى غسلاً، قال: وهذا ممكنٌ، وفيه احتمالُ أنه إذا ذَرّ التراب
على المحلّ، وأتبعه بالماء يصحّ أن يقال: غَسَلَ بالتراب، ولا بُدّ من مثل هذا
في أمره وسر في غسل الميت بماء وسِذْر عند من يرى أن الماء المتغيّر بالطاهر
غير طَهُور، إن جرى على ظاهر الحديث في الاكتفاء بغسلة واحدة؛ إذ بها
يحصل مسمَّى الغسل، وهذا جيّد.
إلا أن قوله: ((وعفّروه)) قد يُشعر بالاكتفاء بالتتريب بطريق ذَرّ التراب على
المحلّ، فإن كان خلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيراً لغةً، فقد ثبت ما قالوه (٢)،
لكن لفظة التعفير حينئذ تُطلق على ذرّ التراب على المحلّ، وعلى إيصاله بالماء
(١) ((شرح الإلمام)) ٢١٤/٢ - ٢١٨.
(٢) أي: بعض أصحاب الشافعيّ الذين قالوا: لا يكفي ذَرّ التراب على المحلّ.

١٨٩
(٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٨ - ٦٥٩)
إليه، والحديث الذي دلّ على اعتبار مسمّى الغسلة إذا دلّ على خلطه بالماء،
وإيصاله إلى المحلّ به، فذلك أمر زائد على مطلق التعفير على التقدير الذي
ذكرناه من شُمول اسم التعفير للصورتين معاً، أي ذرِّ التراب، وإيصاله بالماء.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٦٥٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ،
عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبٍِّ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِوََّ،
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ(٢): ((طُهُورُ (٣) إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ
الْكَلْبُ فِيهِ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ))).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد بعينه تقدّم في الباب الماضي.
وقوله: (طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) الأشهر فيه ضمّ الطاء، ويقال بفتحها،
لغتان، تقدّمتا في أول كتاب الطهارة(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٦٥٩] (٢٨٠) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
أَبِي النَّيَّاحِ، سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ
رَسُولُ اللهِوَهَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟))، ثُمَّ رَخَّصَ فِي
كَلْبِ الصَّيْدِ، وَكَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: ((إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ
مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي الْتُّرَابِ))).
(١) ((إحكام الأحكام)) ١٥٥/١ - ١٥٨.
(٢) وفي نسخة: ((وقال: قال رسول الله وَلات)).
(٣) وفي نسخة: (طهر)).
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٨٤/٣.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ، أبو عَمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجّة الناقد البصير [٧] (ت ١٦٠) (ع)،
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
٤ - (أَبُو التَّيَّاح) - بمثنّة، ثم تحتانيّة ثقيلة، وآخره مهملة - يزيد بن حُميد
الضُّبَعِيّ - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة - البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وأبي عثمان النَّهْديّ، وأبي الوَدّاك، وحفص الليثيّ،
والحسن البصريّ، وثمامة بن عبد الله بن أنس، وأبي مِجْلَز، ومُطَرِّف بن
عبد الله بن الشِّخِّير، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، وموسى بن سَلَمة، في
آخرین.
ورَوَى عنه سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وعبد الوارث بن سعيد،
والمثنى بن سعيد الضُّبَعيّ، وهمّام، والحمادان، ويِسْطام بن مسلم، وابن عُلَيّة،
وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثبتٌ ثقةٌ ثقةٌ، وقال ابن معين، وأبو
زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ: معروف، وقال أبو حاتم: صالحٌ،
وقال رَوْح بن عُبَادة، عن شعبة: كنا نَكْنِيه أبا حماد، وبلغني أنه كان يُكْنَى أبا
التياح، وهو صغير، وقال شعبة: قال أبو إسحاق: سمعت أبا إياس يقول: ما
بالبصرة أحدٌ أحب إلي من أن ألقى الله تعالى بمثل عمله من أبي التّاح، وقال
ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وقال الحاكم في ((تاريخ نيسابور)): ثقةٌ
مأمونٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال مسلم بن الحجاج تَّثُ: مات بِسَرَخْس، وقال الترمذيّ، وعمرو بن
عليّ: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال خليفة بن خياط: مات سنة ثلاثين،
وقال ابن حبان: مات سنة ثمان وعشرين، وقيل: سنة ثلاثين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثاً.

١٩١
(٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٩)
٥ - (مُطَرِّفُ(١) بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن الشِّخِّير - بكسر الشين المعجمة، وتشديد
الخاء المعجمة المكسورة، بعدها تحتانيّة، ثم راءٌ - العامريّ الْحَرَشيّ - بمهملتين
مفتوحتين، ثم معجمة - أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢].
رَوَى عن أبيه، وعثمان، وعليّ، وأبي ذرّ، وعمّار بن ياسر، وعِيَاض بن
حِمَار، وعبد الله بن مغفل، وعثمان بن أبي العاص، وعمران بن حصين،
وعائشة، ومعاوية، وأبي مسلم الْجَذْميّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه أخوه أبو العلاء يزيد، وابن أخيه الآخر عبد الله بن هانئ بن
عبد الله بن الشِّخِّير، وحميد بن هلال، ويزيد الرِّشْك، وأبو نَضْرة، والحسن
البصريّ، وغَيْلان بن جرير، وسعيد بن أبي هند، ومحمد بن واسع، وأبو
التياح، وثابت البنانيّ، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل البصرة، وقال: رَوَى عن أُبَيّ بن
كعب، وكان ثقةً ذا فضل ووَرَع وأدب، وقال العجليّ: كان ثقةً، ولم يَنْجُ
بالبصرة من فتنة ابن الأشعث إلا مُطَرِّف، وابن سيرين، وقال العجليّ أيضاً:
بصريّ ثقةٌ، من كبار التابعين، رجلٌ صالحٌ، وقال مهديّ بن ميمون، عن
غيلان بن جرير: كان بينه وبين رجل كلام، فكَذَب عليه، فقال مطرف: اللهم
إن كان كاذباً فأمته، فخَرّ مكانه ميتاً، وعن غيلان أن مطرفاً كان يلبس
المطارف، ويركب الخيل، ويَغْشَى السلطان، ولكن إذا أفضيتَ إليه أفضيتَ إلى
قُرّة عين، وقال يزيد بن عبد الله بن الشّخِّر: أنا أكبر من الحسن بعشر سنين،
ومطرف أكبر مني - يعني بعشر سنين -، وقال ابن حبان في ((الثقات)): وُلِد في
حياة النبيّ وََّ، وكان من عُبّاد أهل البصرة وزُهّادهم.
قال ابن سعد: تُوُفّي في أول ولاية الحجاج، وقال عمرو بن عليّ،
والترمذيّ: مات سنة خمس وتسعين.
قال الحافظ تَّتُهُ: الأشبه من كلام ابن سعد أنه مات في آخر ولاية
الحجاج، فلا مخالفة حينئذ بين ما قال ابن سعد وبين ما قال عمرو بن عليّ.
انتھی .
(١) بضم الميم، وفتح الطاء المهملة، وكسر الراء المشدّدة.

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وذكر جماعة أنه مات في طاعون الجارف سنة سبع وثمانين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثاً.
٦ - (ابْنُ الْمُغَفَّلِ) - بضمّ الميم، وفتح الغين المعجمة، والفاء المشدّدة
المفتوحة - هو: عبد الله بن مُغَفَّل بن عبد نَهْم بن عَفِيف بن أسحم بن ربيعة بن
عديّ بن ثعلبة بن ذُوَيب المزنيّ، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الرحمن، سكن
المدينة، ثم تحوَّل إلى البصرة، وهو من أصحاب الشجرة.
رَوَى عن النبيّ ◌َ﴿، وعن أبي بكر، وعثمان، وعبد الله بن سالم، وعنه
حميد بن هلال، وثابت البنانيّ، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، ومعاوية بن
قرة، وعقبة بن صُهْبانٍ، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن
بريدة، وابن له غير مُسَمّى يقال: اسمه يزيد، وغيرهم.
قال الحسن البصريّ: كان أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر، يفقهون
الناس، وكان من نقباء أصحابه.
قال البخاريّ: قال مسدد: مات بالبصرة سنة (٥٧)، وقال غيره: مات
سنة (٦١)، وقال ابن عبد البرّ: سنة ستين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وشعبة، وإن كان
واسطيّاً، إلا أنه نزل البصرة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: أبي
التّاح، عن مُطرّف.
٥ - (ومنها): أن أبا التّاح، ومطرّف، وابن مغفّل هذا أول محلّ ذكرهم في
هذا الكتاب، وقد عرفت آنفاً جملة ما لهم فيه من الأحاديث، والله تعالى أعلم.

١٩٣
(٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٩)
شرح الحديث:
(عَن) عبد الله (ابْنِ الْمُغَفَّلِ) ظُه، وهو بصيغة اسم المفعول، و((أل)) فيه
للمح الوصفيّة، ويجوز حذفها، كما قال في ((الخلاصة)):
لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا
كَـ ((الْفَضْلِ)) وَ((الْحَارِثِ)) وَ(«النُّعْمَانِ)) فَذِكَرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
(قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) سبب ذلك كما في ((صحيح
أن رسول الله وَالرُ أصبح يوماً واجِماً،
مسلم)) عن ابن عبّاس، عن ميمونة
فقالت ميمونة: يا رسول الله، لقد استنكرتُ هيئتك منذ اليوم، قال
رسول الله ◌َله: ((إن جبريل كان وَعَدني أن يلقاني الليلة، فلم يَلْقَني، أما والله
ما أخلفني))، قال: فظلّ رسول الله ◌َ في يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه
جِرْوُ كلبٍ تحت فُسْطاط لنا، فأَمَر به، فأُخرِج، ثم أَخَذ بيده ماءً، فنضح
مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له: ((قد كنت وعدتني أن تلقاني
البارحة))، قال: أَجَلْ، ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب، ولا صورة، فأصبح
رسول الله صل يومئذ، فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط
الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير.
وقيل: إنما أمر بذلك تغليظاً عليهم؛ لأنهم كانوا مُولَعِين به.
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: إنما أمرهم بقتلها لَمّا كثُرت، وكثُر ضررها، ثم لَمّا
قَتَلَ أكثرها، وذهب ضررها أنكر قتلها، وقال: ((ما بالهم وبال الكلاب؟))،
ويَحْتَمِلُ أن يكون ذلك ليقطع عنهم عادة إِلْفهم لها؛ إذ كانوا قد أَلِفُوها،
ولا بسوها كثيراً. انتهى.
(ثُمَّ قَالَ) وَ ((مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟)))، أي: ما حالهم وحالها؟،
فـ (ما)) استفهاميّة، وهو استفهام إنكار، وهو يحتمل أن يكون إنكاراً لاقتنائهم،
وهو ظاهر هذه الرواية، ويَحْتَمِل أن يكون إنكاراً لقتلهم، ويؤيّده رواية أبي نُعيم
في ((مستخرجه)) (٣٣٥/١) بلفظ: ((ما بالي وبال الكلاب؟))، (ثُمَّ رَخَّصَ) أي
سهّلِ بَّه، ويسّر، يقال: رَخَّص الشرع لنا في كذا ترخيصاً، وأرخص إرخاصاً:
إذا يسّره، وسهّله (فِي كَلْبِ الصَّيْدِ)، أي في اقتناء كلب لأجل أن يصطاد به
(وَكَلْبِ الْغَنَم)، أي وفي اقتناء كلب؛ لحِرَاسة الغنم، وفي الرواية التالية:

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
((ورخّص في كلب الغنم، والصيد، والزرع))، (وَقَالَ) بَ ((إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ) من
باب نفع، وشَرِبَ، ووَعَدَ، وورِثَ، ووَجِلَ، كما سبق بيان ذلك كلّه، أي
شَرِبَ بطرف لسانه (فِي الْإِنَاءِ) هذا مبيّن أن ما تقدّم بلفظ: ((في إناء أحدكم))
بالإضافة غير معتبر، كما حقّقناه في ما مضى (فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ) هذا ظاهرٌ
في أنه وسلّ قال هذا بعد أن رخّص لهم في كلب الصيد والغنم، ففيه ردّ على
من زعم من المالكيّة أن الكلب الذي أُمر بغسل وُلُوغه غير المأذون فيه، كما
سبق تحقيقه (وَعَقِّرُوهُ)، أي اذْلُكُوه، وهو: بتشديد الفاء، وتُخَفَّف، قال في
((المصباح)): الْعَفَر - بفتحتين -: وجه الأرض، ويُطلق على التراب، وَعَفَرتُ
الإناء عَفْراً، من باب ضَرَبَ: دَلَكتُهُ بالْعَفَرِ، فانعفر هو، واعتَفَرَ، وعَفَّرته
بالتثقيل مبالغةٌ، فتعفّر ومعناه: مَرّغوه، وادْلُكوه بالتراب، وقال صاحب
((المطالع)): عَفِّروه: اغسلوه بالتراب، أي مع الماء (الثَّامِنَةَ) أي المرّة، أو
الْغَسْلَة الثامنة، فهو منصوب على المصدريّة، كما تقدّم نظيره في الحديث
الماضي (فِي التُّرَابِ))) متعلّق بـ ((عفّروه))، و((التُّرَاب)): اسم جنس، لا يُثَنّى، ولا
يُجمع، وقال المبرّد: هو جمعٌ، واحدته تُرَابٌ، قاله ابن الملقّن ◌َّتُهُ .
[فائدة]: ((التراب)) فيه لغات، قال في ((القاموس))، و((شرحه)) (١٥٧/١):
التُّرْب - أي بضم، فسكون - والتُّرَاب، والتُّرْبة، والتَّرْبَاءُ كصَحْرَاء، والتُّرَبَاءُ،
كُنُفَسَاء، والتَّيْرَب، كصَيْقَلٍ، والتَّيْرَاب، بزيادة الألف، وتقديم الياء على الراء،
والتَّوْرب، كجَوْهَر، والتَّوْرَابِ، بزيادة الألف، والتَّرْيَبُ، كعَثْيَر، والتَّرِيب،
كأَمِيرٍ، وجمع التُّرَابِ أَتْرِبَةٌ، وتِرْبان بالكسر، وحُكي الضمّ، ولم يُسمع لسائرها
بجمع. انتھی.
وقال النوويّ كَخْدَثُهُ في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٤٠/٣ - ٤١): التراب
معروفٌ، والصحيح المشهور الذي قاله الإمام الفرّاء، والمحقّقون: إنه اسم
جنس لا يُثَنَّى، ولا يُجمع، ونَقَل أبو عمرو الزاهد في ((شرح الفصيح)) عن
المبرّد أنه قال: هو جمع، واحدته تُرَابٌ، والنسبة إلى التراب تُرَابِيّ، وذكر أبو
جعفر النحّاس في كتابه ((صِنَاعة الكتاب)) في التراب خمس عشرة لغةً، فقال:
يقال: تُرَابٌ، وتَوْرَبٌ، يعني على مثال جَعْفَر، وتَوْرَابٌ، وَتَيْرَبٌ - بفتح أولهما -
والإِثْلِبُ، والأَثْلَبُ، الأول بكسر الهمزة واللام، والثاني بفتحهما، والثاء مثلّثةٌ

١٩٥
(٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٥٩)
فيهما، ومنه قولهم: بفيه الأَثْلَبُ، وهو الْكَثْكَثُ بفتح الكافين، وبالثاء المثلّثة
المكرّرة، والْكِثْكِثُ بكسر الكافين، والدِّقْعِمُ بكسر الدال والعين، والدَّفْعَاءُ بفتح
الدال والمدّ، والرَّغَامُ بفتح الراء والغين المعجمة، ومنه: أرغم الله تعالى أنفه،
أي ألصقه بالرَّغَام، وهو الْبَرَا مقصوراً مفتوح الباء الموحّدة، كالعَصَا، والْكِلْخِمُ
بكسر الكاف، والخاء المعجمة، وإسكان اللام بينهما، والْكِمْلِخُ بكسر الكاف
واللام، وإسكان الميم بينهما، والخاء أيضاً معجمة، والْعِثْيَرُ بكسر العين
المهملة، وإسكان الثاء المثلّثة، وبعدها مثنّاةٌ من تحتُ مفتوحةٌ. انتهى.
وذكر ابن الملقّن تَُّ في ((شرح العمدة)) (٣١٦/١) أن للتراب نحو
خمسين اسماً، ذكرها مفصّلةً في كتابه ((الإشارات إلى ما وقع في المنهاج من
الأسماء والمعاني واللغات))، لكن لم نجد ذلك الكتاب، والله تعالى أعلم.
وقد نظمت اللغات المذكورة هنا بقولي:
مِنَ اللُّغَاتِ مَا يَلِي فَانْتَفِعَا
اعْلَمْ بِأَنَّ لِلتُّرَابِ سُمِعَا
تُرَابٌ التُّرْبَةُ والتَّرْبَاءُ
وَتَوْرَبٌ وَتَيْرَبٌ تَيْرَابُ
جَا وَتَيْرَبٌّ وَتُرَبَاءُ أُدْرِجَا
كَذَا تَرِيبٌ مَعَهُ تَوْرَابُ
كَذَا بِتِرْبَانٍ بِغَيْرِ مِرْيَةٍ
ويُجْمَعُ التُّرَابُ بِالأَتْرِيَةِ
وَأَثْلَبُّ كَسْراً وَفَتْحاً يَصْحَبُ
وَمِنْ لُغَاتِهِ الرَّغَامُ إِثْلِبُ
بِالْكَسْرِ وَالدَّفْعَاءُ فَتْحاً يُعْلَمُ
وَكِمْلِخْ بِالْكَسْرِ أَيْضاً يُفْهَمُ
لِمَنْ أَرَادَ الضَّبْطَ قَدْ قَرَّبْتُهَا
وَكِثْكِثْ بِالْكَسْرِ وَافْتَحْ دِقْعِمُ
وَهْوَ الْبَرَا مِثْلُ الْعَصَا وَكِلْخِمُ
وَعِثْيَرٌ بِالْكَسْرِ قَدْ نَظَمْتُهَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مُغَفَّل ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف نَخْدَتْهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة)) [٦٥٩/٢٧ و٦٦٠] (٢٨٠)، و(أبو

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
داود) في ((الطهارة)) (٧٤)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٥٤/١ و١٧٧)، و(ابن
ماجه) في ((الطهارة)) (٣٦٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١/ ١٧٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٦/٤ و٥٦/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٨/١)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٢٩٨)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٦٥/١)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١/
٢٤١ - ٢٤٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٧٨١)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٥٤٤ و٥٤٥)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٦٤٧) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده زيادة على ما سبق:
١ - (منها): وجوب غسلة ثامنة، وبه قال الحسن البصريّ من المتقدّمين،
وأحمد بن حنبل في رواية حرب عنه، ونُقل عن الشافعيّ أنه قال: هو حديث
لم أقف على صحّته، ولكن هذا لا يُثبِت العذر لمن وقَفَ على صحّته، وقد
ثبتت صحّته، قال الحافظ ابن منده لَمَّا أخرجه: إسناده مجمع على صحّته(١).
وقد اعتذر بعض الشافعيّة عن العمل به بالإجماع على خلافه، وهو غير
صحيح، فقد عرفت أنه مذهب الحسن، ونُقل عن أحمد بن حنبل، فأين
الإجماع؟ .
وأجاب البيهقيّ بترجيح رواية أبي هريرة رضيُه؛ لأنه أحفظ من روى
الحديث في دهره، فروايته أولى.
وتُعُقّب بأن الترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع، والأخذ برواية
عبد الله بن مُغَفَّل ◌ُه أولى؛ لأن فيها زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ولأن
العمل بها يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة له دون العكس، ولو سلكنا
مسلك الترجيح في هذا الباب لم نقل بالتتريب أصلاً؛ لأن رواية مالك بدونه
أرجح من رواية من أثبته، ومع ذلك فقلنا به أخذاً بزيادة الثقة.
وذكر النوويّ في ((شرحه)) أن المراد: اغسلوه سبعاً، واحدة منهنّ بالتراب
مع الماء، فكأن التراب قائم مقام غسلة، فسُمّت ثامنةً.
(١) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) لابن الملقّن ٣١٥/١.

١٩٧
(٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكُلْبِ - حديث رقم (٦٥٩)
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن تأويل النوويّ تكلّف وتعسّفٌ،
وعدول عن صريح الحديث دون دليل، وقد أجاد ابن دقيق العيد حيث قال:
ومن لم يقُل به احتاج إلى تأويله بوجه فيه استكراه. انتهى (١).
والحاصل أن القول بوجوب الغسلة الثامنة هو الحقّ؛ لوضوح دليله،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): الأمر بقتل الكلاب، وكان ذلك في أول الأمر، ثم نُسِخ
في غير الكلب الأسود والعقور، فقد أخرج مسلم أيضاً، عن جابر بن
عبد الله مؤقتًا، قال: أمرنا رسول الله وَ﴿ بقتل الكلاب، حتى إِنّ المرأة تَقْدَم من
البادية بكلبها فنقتله، ثم نَهَى النبيّ وَّر عن قتلها، وقال: ((عليكم بالأسود
البهيم، ذي النُّقْطتين، فإنه شيطان)) .
وعن ابن عمر ﴿مَا أن رسول الله وَّ قال: ((خمسٌ من الدواب ليس
على المحرم في قتلهن جُنَاح: الغُراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة،
والكلب العقور))، رواه الجماعة، إلا الترمذيّ. وإذا جاز قتله للمحرم فغيره
أولى.
٣ - (ومنها): تحريم اقتناء الكلب، قال النوويّ رَّتُهُ: قد اتّفق أصحابنا
وغيرهم على أنه يحرُم اقتناء الكلب لغير حاجة، مثلُ أن يقتني كلباً إعجاباً
بصورته، أو للمفاخرة به، فهذا حرام بلا خلاف، وأما الحاجة التي يجوز
الاقتناء لها، فقد ورد هذا الحديث بالترخيص لأحد ثلاثة أشياء، وهي الزرع،
والماشية، والصيد وهذا جائز بلا خلاف.
قال: واختَلَف أصحابنا في اقتنائه لحراسة الدور والدُّروب، وفي اقتناء
الْجِرْو لِيُعَلَّم، فمنهم من حَرَّمه؛ لأن الرخصة إنما وردت في الثلاثة المتقدمة،
ومنهم من أباحه، وهو الأصحّ؛ لأنه في معناها .
واختلفوا أيضا فيمن اقتَنَى كلب صيد، وهو رجل لا يصيد، والله أعلم (٢).
(١) ((إحكام الأحكام)) بنسخة الحاشية ١٥٥/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/٣.

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
٤ - (ومنها): اهتمام الشرع بإبعاد كلّ ما يحصل منه أذى للمسلمين
عنهم، حيث أمر بقتل الكلاب؛ لأنها تؤذي المسلمين بترويعها، وعضّها،
وتولّد داء الكلَبِ منها .
قال النوويّ تَخّلُهُ: وأما الأمر بقتل الكلاب، فقال أصحابنا: إن كان
الكلب عقوراً قُتِل، وإن لم يكن عقوراً لم يجز قتله، سواء كان فيه منفعة من
المنافع المذكورة، أو لم يكن، قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين: والأمر
بقتل الكلاب منسوخ، قال: وقد صح أن رسول الله وَ ل﴿ أَمَرَ بقتل الكلاب مرةً،
ثم صح أنه نهى عن قتلها، قال: واستَقَرَّ الشرع عليه على التفصيل الذي
ذكرناه، قال: وأمر بقتل الأسود البهيم، وكان هذا في الابتداء، وهو الآن
منسوخ، هذا كلام إمام الحرمين، ولا مزيد على تحقيقه. انتهى كلام
النوويّ تَظَُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: دعواه نسخ قتل الجميع الآن فيه نظر لا يخفى،
فأين الدليل على ذلك؟ وسيأتي تمام البحث في (كتاب المساقاة)) حيث يذكر
المصنّف أحاديث قتل الكلاب هناك - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): سماحة الشرع في محلّ الحرج، كما قال تعالى: ﴿وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الذِيْنِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، فقد رخّص للأمة اقتناء الكلاب
لضرورة الصيد والحراسة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٦٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ (٢) يَحْبَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي
ابْنَ الْحَارِثِ - (ح)، وَحَدَّثَنِي (٣) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح)،
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعَّفَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/٣.
(٣) وفي نسخة: ((وحدثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

١٩٩
(٢٧) - بَابُ حُكْمٍ وُلُوعِ الْكَلْبِ - حديث رقم (٦٦٠)
الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: ((وَرَخَّصَ فِي كَلْبٍ
الْغَنَمِ، وَالصَّيْدِ، وَالزَّرْعِ)، وَلَيْسَ ذَكَرَ الزَّرْعَ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ يَحْيَى(١)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) (م ٤)
تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون المذكور قبل باب.
٤ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان المذكور قبل باب أيضاً.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن عبد الحميد القرشيّ الْبُسْريّ - بضمّ الموحّدة،
وسكون السين المهملة - أبو عبد الله البصريّ الملقّب حمدان، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٥٠)، أو بعدها (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠ /٢٦٨.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب
[٩] (ت٣/ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
[تنبيه]: رجال هذا الإسناد بصريّون، غير شيخه محمد بن حاتم، فإنه
بغداديّ، مروزيّ الأصل.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لخالد بن الحارث، ويحيى القطان،
ومحمد بن جعفر غُندر.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ) يعني إسناد شعبة السابق، وهو: عن أبي
التّاح، عن مطرِّف بن عبد الله، عن عبد الله المغفَّل ظُه.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إلخ) بنصب ((غيرَ)) على
الاستثناء، وهي مضافة لما بعدها، كما قال في ((الخلاصة)):
وَاسْتَثْنِ مَجْرُوراً بِ ((غَيْرٍ)) مُعْرَبَا بِمَا لِمُسْتَثْنَّى بِـ ((إِلَّا)) نُسِبَا
والمعنى أن يحيى بن سعيد القطّان زاد في روايته قوله: ((وَرَخَّصَ فِي
(١) وفي نسخة: ((وَلَيْسَ ذِكْرُ الزَّرْعِ فِي رِوَايَةٍ غَيْرِ يَحْيَى)).

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
كَلْبِ الْغَنَمِ، وَالصَّيْدِ، وَالزَّرْعِ))، ولا يوجد ذكر ((الزرع)) في رواية خالد بن
الحارث، وَمحمد بن جعفر، وإنما هو في رواية يحيى القطّان فقط.
وقوله: (وَلَيْسَ ذَكَرَ الزَّرْعَ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ يَحْيَى) ((ذَكَرَ)) بفتح الذال،
والكاف بصيغة الماضي، و((الزرعَ)) منصوب على أنه مفعول مقدَّم، و((غيرُ))
مرفوع على أنه فاعل مؤخّر، و((في الرواية)) متعلّق بـ (ذَكَرَ)).
ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((وَلَيْسَ ذِكْرُ الزَّرْعِ فِي رِوَايَةٍ غَيْرِ يَحْيَى))،
وعلى هذا فقوله: ((ذِكْرُ)) بكسر الذال، وسكون الكافَ بصيغة المصدر، وهو
اسم ((ليس))، مضاف إلى ((الزرع))، وقوله: ((في رواية)) متعلّق بخبر (ليس))، وهو
مضاف إلى ((غير يحيى))، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية خالد التي أشار إليها المصنّف هنا أخرجها النسائيّ في
((سننه))، فقال:
(٦٦) أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ، قال: حدثنا خالد، حدثنا
شعبة، عن أبي التّيّاح، قال: سمعت مُطَرِّفاً، عن عبد الله بن المغفل، أن
رسول الله ◌َ﴿ أَمَر بقتل الكلاب، ورَخَّص في كلب الصيد والغنم، وقال: ((إذا
ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبع مرات، وعفِّروه الثامنة بالتراب)). انتهى.
وأما رواية يحيى القطّان، بزيادة ذكر الزرع، التي أشار إليها المصنّف،
فلم أجدها، وإنما أخرجها أبو داود في ((سننه)) بدونها، ونصّه:
(٦٧) حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة،
حدثنا أبو التّاح، عن مطرف، عن ابن مُغَفَّل أن رسول الله وَّه أَمَر بقتل الكلاب،
ثم قال: ((ما لهم ولها؟))، فرَخَّص في كلب الصيد، وفي كلب الغنم، وقال: ((إذا
ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبع مرار، والثامنة عقِّروه بالتراب)). انتهى(١).
وأما رواية محمد بن جعفر، فأخرجه أبو نعيم في ((المسند المستخرج
على صحيح مسلم)) (١/ ٣٣٥)، فقال:
(٦٤٧) وحدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حماد،
(١) وهو في: ((مسند الإمام أحمد)) برقم (١٦٣٥٠).