النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (١٣) - بَابٌ (تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوء)» - حديث رقم (٥٩٢) ثم قال أبو هريرة ◌ُه مبيّناً مُستنده في وضوئه على هذه الكيفيّة (سَمِعْتُ خَلِيلِي وَ﴿) فَعِيل بمعنى فاعل: هو الصَّدِيق، من الْخَلّة، بالفتح: وهي الصداقة، والضم لغة، كما في ((المصباح))، وفي ((اللسان)): قال ابن دُريد: الذي سَمِعتُ به أن معنى الخليل: الذي أصفى المودّة، وأصحّها، قال: ولا أزيد فيها شيئاً؛ لأنها في القرآن، يعني قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، والجمع أخلّاء، وخُلّان، والأنثى خَلِيلة، والجمع خليلاتٌ، وقال الزجّاج: الخليل المحبّ الذي ليس في محبّته خَلَلٌ، وقوله رمَى: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾؛ أي أحبّه محبّةً تامّةً، لا خلَل فيها، قال: وجائز أن يكون معناه الفقير: أي اتّخذه مُحتاجاً فقيراً إلى ربّه، قال: وقيل للصداقة خُلّةٌ؛ لأن كلّ واحد منهما يَسُدّ خلل صاحبه في المودّة والحاجة إليه. انتهى(١). يعني أنه سمع النبيّ وَّهِ (يَقُولُ: ((تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنٍ) ولفظ النسائيّ: ((تبلُغُ حليةُ المؤمن))، ولفظ ابن حبّان: ((تبلغ حلية أهل الجنّة مبلغ الوضوء)). و((الْحِلْية)) : - بكسر المهملة، وسكون اللام، وياء مُخفّفة - تُطلَق على السِّيماء، والمراد به هنا التحجيل من أثر الوضوء يوم القيامة، وعلى الزينة، والمراد به ما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿يُحَلَوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف: ٣١](٢). وقال في ((اللسان)): ((الْحَلْيُ)) - أي بفتح الحاء، وسكون اللام -: ما تُزُيِّن به من مصوغ المعدنيّات، أو الحجارة، والجمع ((حُلَى)) - أي بالضمّ - وقال الجوهريّ: ((الْحَلْيُ)) - أي بفتح، فسكون -: حَلْيُ المرأة، وجمعُهُ حُلِيٍّ، مثلُ ثَدْي وتُدِيّ، وهو فُعُول، وقد تُكسر الحاء؛ لمكان الياء، مثلُ عِصِيّ، وقُرئ ﴿مِنْ حُلِيَّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] بالضمّ، والكسر، وحِلْيةُ السيف، جمعها: حِلَّى، مثلُ لِحْية ولِحَى، وربّما ضُمّ. انتهى(٣). والمعنى المراد هنا: أن زينة المؤمن التي يُزيّنه الله تعالى بها في القيامة تبلغ (حَيْثُ يَبْلُغُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب قَعَدَ، مبنيّاً للفاعل، والفاعل (١) ((لسان العرب)) ٢١٨/١١. (٢) راجع ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١/ ٩٥. (٣) ((لسان العرب)) ١٩٥/١٤. ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة قوله: (الْوَضُوءُ))) أي المواضع التي كان يبلغ إليها ماء الوضوء في الدنيا، فـ(حيثُ)) ظرف لـ((يَبْلُغُ))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َخَّلهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة)) [٥٩٢/١٣] (٢٥٠)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٤٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٥/١) و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧١/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٤٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٦٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٨٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٦/١ - ٥٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان منتهى حلية المؤمن في الآخرة، وهو حيث يبلغ الوضوء. ٢ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن لا يفعل عند العوامّ ما لا يعرفون، إذا خاف عليهم أن يفهموا منه غير المراد. ٣ - (ومنها): بيان شرف هذه الأمّة، حيث أكرمها الله رَّ بالغرّة والتحجيل، ولم يجعل ذلك لغيرها من الأمم. ٤ - (ومنها): بيان فضل إطالة الغرّة والتحجيل بمجاوزة محلّ الفرض، وقد اختلف العلماء في القدر المستحبّ منه، فقيل: يُستحبّ فوق المرفقين، والكعبين من غير تحديد، وقيل: إلى نصف العضد والساق، وقيل: إلى المنكبين والركبتين، وهو مقتضى ظواهر الأحاديث، كما قال النوويّ دَّتُهُ. وقال ابن دقيق العيد تَخّْتُهُ: ليس في الحديث تقييد، ولا تحديد لمقدار ما يُغسل من العضدين والساقين، وقد استَعمل أبو هريرة رضيُه الحديث على إطلاقه، وظاهره، من طلب إطالة الغرّة، فغسل إلى قريب المنكبين، ولم يَنقُل (١٤) - بَابُ فَضْلِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ - حديث رقم (٥٩٣) ٣٦٣ ذلك عن النبيّ ◌َ﴿، ولا كثُر استعماله في الصحابة والتابعين، فلذلك لم يقل به الفقهاء، ورأيت بعض الناس قد ذكر أن حدّ ذلك نصف العضد والساق. انتهى كلام ابن دقيق العيد دَخَذَتْهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لم يقل به الفقهاء، فيه نظر؛ لأنه قد تقدّم أنه قد صرّح باستحبابه جماعة من السلف، وهو مذهب أبي هريرة، وابن عمر ته، وبه قال أكثر الشافعيّة، والحنفية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٤) - (بَابُ فَضْلِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الکتاب قال: [٥٩٣] (٢٥١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِ الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِّ قَالَ: ((أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ))). رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلّهم تقدّموا قبل باب، وتقدّم ذكر لطائف الإسناد أيضاً هناك. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَ قَالَ: ((أَلَا أَدُلُّكُمْ) وفي رواية أبي عوانة بلفظ: ((ألا أخبركم))، و((ألا)) - بفتح الهمزة، والتخفيف -: أداة تحضيض، ومعناه: طلبُ الشيء بحثٌ، وقد تقدّم غير مرّة. (١) ((إحكام الأحكام)) ٢١٩/١ - ٢٢٠ بنسخة الحاشية. ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة وقال المباركفوري كَّلهُ: قوله: ((ألا أدلكم)) الهمزة للاستفهام، ((ولا)) نافية، وليست ((ألا)) للتنبيه بدليل قولهم: بلى. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: الهمزة للاستفهام، و((لا)) نافية فيه نظرٌ؛ لأن ((ألا)) التي تكون للاستفهام عن النفي لا يليها إلا الجملة الاسميّة، كما في قول الشاعر [من البسيط ]: أَلَا اصْطِبَارَ لِسَلْمَى أَمْ لَهَا جَلَدُ إِذَا أُلَاقِي الَّذِي لَاقَاهُ أَمْثَالِي(٢) ولأن المعنى عليه غير واضح، فالأولى ما قدّمته، والله تعالى أعلم. (عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ) أي يزيل بذلك الفعل (الْخَطَايَا) - بالفتح -: جمع خطيئة، وهو جمع نادر، و((الخطيئة)): الذنب عن عمد، وقد تقّدم في الكلمة قریباً، فلا تنس. قال القاضي عياض ◌َخَّتُهُ: مَحْوُ الخطايا كناية عن غفرانها، قال: ويحتمل مَحْوُها من كتاب الحفظة، ويكون دليلاً على غفرانها. انتهى. (وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟))) أي يُعلي به المنازل في الجنّة. (قَالُوا) أي الصحابة المخاطبون بهذا الكلام (بَلَى) أي دلّنا على ذلك (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) وَّهِ ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ) خبر لمحذوف، دلّ عليه السياق: أي هو إسباغ الوضوء، أي إتمامه، وإكماله باستيعاب المحلّ بالغسل والمسح، وتثليث الغسل، وإطالة الغرّة والتحجيل. وقال الحافظ أبو عمر رَّتُهُ: ((إسباغ الوضوء)): الإكمال والإتمام في اللغة، من ذلك قول الله وَك: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] يعني أتمها عليكم، وأكملها، وإسباغ الوضوء أن تأتي بالماء على كلّ عضو يلزمك غسله، وتعمّه كلّه بالماء، وجرّ اليد، وما تأت عليه بالماء منه، فلم تغسله، بل مسحته، ومن مسح عضواً يلزمه غسله، فلا وضوء له، ولا صلاة، حتى يغسل ما أمر الله بغسله على حسبما وصفت لك(٣). (١) ((تحفة الأحوذيّ)) ١٧١/١. (٢) راجع ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٦٩/١ بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. (٣) ((التمهيد)) ٢٠/ ٢٢٢ - ٢٢٣ و(الاستذكار)) ٢١٨/٦. (١٤) - بَابُ فَضْلِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ - حديث رقم (٥٩٣) ٣٦٥ (عَلَى الْمَكَارِهِ) جمع مَكْرَهٍ - بفتح الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء -: وهو ما يَكرهه الإنسان، ويَشُقّ عليه، والْكُرْهُ - بالضمّ والفتح -: المشقّة. والمراد هنا: أن يتوضّأ مع البرد الشديد، والعلل التي يتأذّى معها بمسّ الماء، ومع إعوازه، والحاجة إلى طلبه، والسعي في تحصيله، أو ابتياعه بالثمن الغالي، وما أشبه ذلك من الأسباب الشاقّة، أفاده ابن الأثير تَّهُ(١). وقال أبو عمر تَخْلُهُ: قوله: ((على المكاره)): قيل: إنه أراد شدّة البرد، وكلَّ حال يُكْرِهِ المرء نفسَهُ على الوضوء، ومنه تكسيل الشيطان له عنه(٢). (وَكَثْرَةُ الْخُطَأ) بالرفع عطفاً على ((إسباغ))، أي كثرة التردّد إليها، و((الْخُطَى)) بالضمّ والقصر: جمع خُطْوة بالضمّ أيضاً، وهي ما بين القدمين، ويُجمع أيضاً على خُطْوات بضمّ، فسكون وعلى خُطُوات بضمّتين، قاله في ((اللسان))(٣) (إِلَى الْمَسَاجِدِ) متعلّق بـ«كثرةُ الخطا))، قال النوويّ ◌َّتُهُ: وكثرة الخطا تكون ببعد الدار، وبكثرة التكرار. (وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ) أي انتظار وقتها، أو جماعتها (بَعْدَ الصَّلَاةِ) أي بعد أدائها، يعني أنه إذا صلّى بالجماعة، أو منفرداً ينتظر صلاةً أخرى، ويُعلّق قلبه بها، وذلك بأن يجلس في المسجد، أو في بيته ينتظرها، أو يكون في شُغله، وقلبه معلّقٌ بها، أفاده المباركفوريّ، وقال السيوطيّ: يحتمل وجهين: أحدهما الجلوس في المسجد، والثاني تعلّق قلبه بالصلاة والاهتمام بها، والتأهّب لها . انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الأول أظهر، والله تعالى أعلم. وقال القاضي أبو الوليد الباجيّ نثَّتُهُ: هذا في المشتركتين من الصلوات في الوقت، وأما غيرهما فلم يكن من عمل الناس. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في تفريق الباجيّ بين المشتركتين، وبين غيرهما نظر لا يخفى؛ إذ ظاهر النصّ عموم النوعين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (١) ((النهاية)) ١٦٨/٤ - ١٦٩. (٣) ((لسان العرب)) ١٤/ ٢٣١. (٢) ((الاستذكار)) ٢١٨/٦ - ٢١٩. (٤) ((زَهر الربى)) ١ / ٩٠. ٣٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة (فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ))) وفي الرواية التالية: ((فذالكم الرباط، فذالكم الرباط)) بالتكرار مرّتين، وفي رواية أبي عوانة بالتكرار ثلاث مرّات، وهو مبتدأ وخبره، والإشارة إلى ما ذُكر من الأعمال، أي الرباط الْمُرَغَّب فيه، وأصل الرباط: الحبس على الشيء، كأنه حَبَسَ نفسه على هذه الطاعة، قيل: ويحتمل أنه أفضل الرباط، كما قيل: الجهاد جهاد النفس، ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن، أي أنه من أنواع الرباط؛ قاله القاضي عياضٌ رَّتُهُ . وقال السيوطيّ كَّتُهُ: قوله: ((فذالك الرباط)): أي المذكور في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ الآية [آل عمران: ٢٠٠]، وحقيقته ربط النفس والجسم مع الطاعات، وحكمة تكراره قيل: الاهتمام به، وتعظيم شأنه، وقيل: كرّره ◌َّر على عادته في تكرار الكلام؛ ليُفهم عنه، قال النوويّ: والأول أظهر. انتهى(١). وقال السنديّ تَخْذَلُهُ: قيل: أراد به المذكور في قوله تعالى: ﴿وَرَابِطُواْ﴾ ، وحقيقته: ربط النفس والجسم مع الطاعات، وقيل: المراد هو أفضل الرباط، كما قيل: ((الجهاد جهاد النفس)) (٢)، وكما قال ◌َّر: ((الحجّ عرفة))(٣)، والرباط ملازمة ثَغْر العدوّ؛ لمنعه، وهذه الأعمال تسدُّ طُرُق الشيطان عنه، وتمنع النفس عن الشهوات، وعداوةُ النفس والشيطان لا تخفى، فهذا هو الجهاد الأكبر الذي فيه قهر أعدى عدوّه، فلذلك قال: ((الرباط)) بالتعريف والتكرار تعظيماً لشأنه، ويحتمل أنه الرباط المتيسّر الممكن. انتهى كلام السنديّ بزيادة من (٤) ((المفهم)) (٤). وقال ابن منظور تَخْتُ: ((الرِّبَاط)) بكسر الراء في الأصل: الإقامة على (١) ((زهر الربى)) ١/ ٩٢. (٢) قال الحافظ في ((تسديد القوس)): هو مشهور على الألسنة، وهو كلام إبراهيم بن أبي عبلة، بلفظ: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر))، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: ((جهاد القلب))، راجع ((كشف الخفا)) ٤٢٤/١ - ٤٢٥. (٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود رقم (١٩٤٩)، والترمذيّ (٨٨٩)، والنسائيّ (٥/ ٢٦٤)، وابن ماجه (٣٠١٥). (٤) (شرح السنديّ)) على النسائيّ ٩٠/١، و((المفهم)) ٥٠٨/١. (١٤) - بَابُ فَضْلِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ - حديث رقم (٥٩٣) ٣٦٧ جهاد العدوّ بالحرب، وارتباط الخيل، وإعدادها، فشُبِّهَ ما ذُكِر من الأعمال الصالحة به، قال الْقُتَبيّ: أصل المرابطة أن يربط الفريقان خيولهما في ثَغْر، كلٌّ منهما مُعِدّ لصاحبه، فسُمّ الْمُقَام في الثُّغُور رِبَاطاً، ومنه قوله بَّ: (فذلكم الرباط))، أي أن المواظبة على الطهارة والصلاة كالجهاد في سبيل الله، فيكون الرباط مصدر رابطتُ، أي لازمتُ، وقيل: هو ها هنا اسم لِمَا يُربَط به الشيء، أي يُشدّ، يعني أن هذه الخلال تَرْبِط صاحبها عن المعاصي، وتكفّه عن المحارم. انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف وَّلُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٩٣/١٤ و٥٩٤] (٢٥١)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٥١ و٥٢)، و(النسائيّ) في (الطهارة)) (١٤٣)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٧٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٥/٢ و٢٧٧ و٣٠١ و٣٠٣ و٤٣٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٣٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٢٣ و٦٢٤)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٥٨٥ و٥٨٦ و٥٨٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٣/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل إسباغ الوضوء على المكاره، وأخرج ابن عبد البرّ تَظْتُ في ((التمهيد)) بسند صحيح، عن سعيد بن المسيّب، عن عليّ بن أبي طالب رَؤُه، أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((إسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة تَغسل الخطايا غَسْلاً))(٢). (١) ((لسان العرب)) ٣٠٢/٧. (٢) ((التمهيد)) ٢٢٤/٢٠. ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ورَوَى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عُبيد بن عُمير، قال: مِن صدق الإيمان وبِرّه إسباغُ الوضوء في المكاره، ومن صدق الإيمان وبِرّه أن يخلو الرجل بالمرأة الجميلة، ويَدَعَها، ولا يَدَعُها إلا الله وَكَ(١). ثم إن المكاره قد تكون ببرودة الماء في الشتاء، أو حرارته في الصيف، أو ألم الجسم، أو نحو ذلك، كما أسلفناه قريباً . ٢ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ كَثْتُهُ: هذا الحديث من أفضل الأحاديث التي تُروى في فضائل الأعمال(٢). ٣ - (ومنها): مشروعيّة طرح العالم المسألة على المتعلّم، وابتداؤه بالفائدة، وعرضُها على من يرجو حفظها، وحملها، قاله ابن عبد البرّ تَخْتُ أيضاً. ٤ - (ومنها): الترغيب في كثرة الخطا إلى المساجد، وذلك يكون ببعد المسجد، أو تكرار الذهاب إليه، أو بهما معاً. ٥ - (ومنها): فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد، فإن المنتظر يعدّ كأنه في الصلاة ما دامت الصلاة تحبسه، فقد أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك ◌ُّه قال: أخَّر رسول الله وَّ الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه، فقال: ((إن الناس قد صَلَّوا، ورَقَدُوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): حيث إن بعض العلماء قال: إن المراد بهذا الحديث هو ما في قوله : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (®َ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] أحببت أن أذكر ما قاله المفسّرون في هذه الآية إيضاحاً للمقام، وتكميلاً للمرام، فقلت: قال الإمام الحافظ ابن كثير تَّتُهُ في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ قال الحسن البصريّ: أُمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام، فلا يَدَعُوه لسَرّاء، ولا (١) ((الاستذكار)) ٢١٨/٦ - ٢١٩. (٢) ((الاستذكار)) ٢١٨/٦. ٣٦٩ (١٤) - بَابُ فَضْلِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ - حديث رقم (٥٩٣) لِضَرّاء، ولا لشدّة، ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم، وكذلك قال غير واحد من علماء السلف. وأما المرابطة: فهي المداومة في مكان العبادة والثبات، وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله ابن عباس، وسهل بن حنيف، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، وغيرهم، ورَوَى ابن أبي حاتم ها هنا الحديث الذي رواه مسلم - يعني حديث الباب. وأخرج ابن مردويه بسنده: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أقبل علي أبو هريرة يوماً، فقال: أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾؟ قلت: لا، قال: أما إنه لم يكن في زمان النبيّ ◌َ﴿ غَزْوٌ يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يَعْمُرون المساجد، ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أنزلت: ﴿أَصْبِرُواْ﴾ أي على الصلوات الخمس، ﴿وَصَابِرُوا﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرَابِطُواْ﴾ في مساجدكم، ﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فيما عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبيّ وَّ لمعاذْ رَُه حين بعثه إلى اليمن: ((اتّقِ اللهَ حيثما كنت، وأَتْبع السيئة الحسنة تَمْحُها، وخالقِ الناس بخلق حسن)). ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة، وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو صَخْر، عن محمد بن كعب الْقُرَظيّ أنه كان يقول في قول الله رَك: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: اتّقوني فيما بيني وبينكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: غَداً إذا لقيتموني. انتهى كلام ابن كثير رَّهُ(١) . وقال أبو عبد الله القرطبيّ تَظُّهُ: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ﴾ الآية خَتَمَ تعالى السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جَمَعت الظهور في الدنيا على الأعداء، والفوزَ بنعيم الآخرة، فَحَضَّ على الصبر على الطاعات، وعن الشهوات، والصبر: الحبس، وأَمَر بالمصابرة، (١) ((تفسير ابن كثير)) ٣١٤/٣ - ٣٣٠. ٣٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة فقيل: معناه مصابرة الأعداء، قاله زيد بن أسلم، وقال الحسن: على الصلوات الخمس، وقيل: إدامة مخالفة النفس عن شهواتها، فهي تدعو، وهو يَنْزِع، وقال عطاء، والقُرَظيّ: صابروا الوعد الذي وُعِدتم، أي لا تيأسوا، وانتظروا الفرج، قال ◌َ: ((انتظار الفرج بالصبر عبادة))(١)، واختار هذا القول أبو عمر تَخْتُهُ، والأول قول الجمهور، ومنه قول عنترة [من الطويل]: فَلَمْ أَرَ حَيّاً صَابَرُوا مِثْلَ صَبْرِنَا وَلَا كَافَحُوا مِثْلَ الَّذِينَ نُكَافِحُ فقوله: ((صابروا مثل صبرنا)): أي صابروا العدوّ في الحرب، ولم يَبْدُ منهم جُبْنٌ ولا خَوَرٌ، والمكافحة: المواجهة، والمقابلة في الحرب. ولذلك اختلفوا في معنى قوله: ﴿وَرَابِطُواْ﴾، فقال جمهور الأمة: رابِطُوا أعداءكم بالخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾، وفي ((الموطأ)) عن مالك، عن زيد بن أسلم، قال: كتب أبو عبيدة بن الجرّاح إلى عمر بن الخطاب، يذكر له جُموعاً من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعدُ: فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن شدّة، يجعل الله له بعدها فرجاً، وإنه لن يَغْلِب عسرٌ يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمان رسول الله وَله غزو يُرابَط فيه(٢)، رواه الحاكم أبو عبد الله في (صحيحه))، واحتج أبو سلمة بقوله وسلم: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الْخُطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط))، ثلاثاً، رواه مالك. (١) حديث ضعيف، أخرجه الترمذيّ في ((جامعه)) ٥٦٥/٥. (٢) وقال الحافظ تَّتُهُ في ((الفتح)): وما احتجّ به أبو سلمة لا حجّة فيه، ولا سيّما مع ثبوت حديث الباب، فعلى تقدير تسليم أنه لم يكن في عهد رسول الله وَ لچ رباط، فلا يَمنع ذلك من الأمر به، والترغيب فيه، ويحتمل أن يكون المراد كلا الأمرين: رباط الجهاد، وانتظار الصلاة، أو ما هو أعمّ من ذلك. انتهى. ٣٧١ (١٤) - بَابُ فَضْلِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ - حديث رقم (٥٩٣) قال ابن عطية كَخَّلهُ: والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله، أصلها مِن ربط الخيل، ثم سمي كُلُّ ملازم لِتَغْر من ثغور الإسلام مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظ مأخوذ من الربط، وقول النبيّ وَلِ ﴾: ((فذلكم الرباط)» إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، والرباط اللغوي هو الأول، وهذا كقوله وَالر: ((ليس الشديد بالصُّرَعة))، وقوله: ((ليس المسكين بهذا الطَّواف)». قال القرطبيّ: قوله: ((والرباط اللغويّ هو الأول)) ليس بِمُسَلَّم، فإن الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها، قد قال: ((الرباط ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة أيضاً)). فقد حَصَل أن انتظار الصلاة رباط لغويّ حقيقةً كما قالِ وَ لِّ، وأكثرُ مِن هذا ما قاله الشيبانيّ: إنه يقال: ماءٌ مترابطٌ: أي دائمٌ لا يَنْزَح، حكاه ابن فارس، وهو يقتضي تعدية الرباط لغةً إلى غير ما ذكرناه، فإن المرابطة عند العرب العقد على الشيء، حتى لا يَنْحَلَّ، فيعود إلى ما كان صَبَرَ عنه، فيحبسُ القلب على النية الحسنة، والجسم على فعل الطاعة، ومن أعظمها، وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله، كما نُصّ عليه في التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِّبَاطِ اُلْخَيْلِ﴾، وارتباطُ النفس على الصلوات، كما قاله النبيّ وَّر، رواه أبو هريرة، وجابر، وعليّ ◌َّه، ولا عِظْرَ بعد عروس. انتهى المقصود من كلام القرطبيّ تَظّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من أن تفسير الآية هو المرابطة في ثَغْر العدوّ هو الأرجح، ولكن لا ينافي ذلك أن يكون المرابطة في الخصال المذكورة في حديث الباب رباطاً لغويّاً أيضاً؛ لأن أهل اللغة قد أثبتوه، كما مرّ آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قد ورد في فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة ما أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال: (٦٤٦٢) حدثنا عفّان، حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن ثابت، عن (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٢٢/٤ - ٣٢٧. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة أبي أيوب، أن نَوْفاً، وعبد الله بن عمرو - يعني ابن العاصي - اجتمعا، فقال نوف: ((لو أن السموات والأرض، وما فيهما، وُضِع في كِفّة الميزان، ووُضِعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرَجَحت بهنّ، ولو أن السموات والأرض، وما فيهنّ، كُنّ طَبَقاً من حديد، فقال رجل: لا إله إلا الله لخرقتهنّ، حتى تنتهي إلى الله رشبت)). فقال عبد الله بن عمرو: صلينا مع رسول الله وَّر المغرب، فعَقَّب مَن عَقَّب، وَرَجَع من رجع، فجاء بََّ، وقد كاد يَحسِر ثيابه عن ركبتيه، فقال: ((أبشروا، معشر المسلمين، هذا ربكم، قد فتح باباً من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: هؤلاء عبادي، قَضَوا فريضةً، وهم ينتظرون أخرى))(١). وأخرجه الإمام ابن ماجه تَخُّْ في ((سننه))، فقال: (٧٩٣) حدثنا أحمد بن سعيد الدارميّ، حدثنا النضر بن شُميل، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، قال: صلينا مع رسول الله وَّ المغرب، فَرَجَعَ مَن رَجَع وعَقَّبَ من عَقَّب، فجاء رسول الله بَّهِ مُسْرِعاً، قد حَفَزَه النَّفَسُ، وقد حَسَر عن ركبتيه، فقال: ((أبشروا، هذا ربكم، قد فَتَحَ باباً من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي، قد قَضَوْا فريضةً، وهم ينتظرون أخرى)) (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٩٤] ( .. ) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِك (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيعاً عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ذِكْرُ الرِّبَاطِ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ ثَِْيْنِ (٣)، ((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ))). (١) حديث صحيح. (٢) حديث صحيح. (٣) وفي نسخة: ((وفي حديث مالك مرّتين))، يعني أنه ذكره مرّتين. (١٤) - بَابُ فَضْلِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ - حديث رقم (٥٩٤) ٣٧٣ رجال هذا الإسناد، سبعة : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزِيّ الزَّمِنُ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندَر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/ ٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١. والباقون تقدّموا قبل باب. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌َظُته. وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ مَالِكِ ثِنْتَيْنٍ) يعني أن في حديث مالك ذكر قوله: ((فذالكم الرباط)» مرّتين. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال المصنّف رَّتُ أن حديث مالك فيه التكرار مرّتين، لكن الذي رأيته في ((الموطّا)) رواية يحيى بن يحيى، وكذا في رواية الإمام أحمد في ((مسنده)) برقم (٧٩٦١)، وكذا عند النسائيّ في ((المجتبى)) برقم (١٤٣) تكراره ثلاث مرّات، ولم أجد التكرار مرّتين، إلا أن في رواية أحمد برقم (٧٦٧٢) بلفظ: ((فذالك الرباط)) مرّة واحدةً، فليُنظر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية شعبة التي أحالها المصنّف تَّتُهُ على رواية إسماعيل بن جعفر، ساقها الإمام أحمد تَخّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٧٩٣٥) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَ ◌ّ ر أنه قال: ((ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات، ويمحو به الخطايا: كثرة الْخُطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره)). انتهى. وقال الإمام أحمد تَّتُهُ أيضاً: (٧١٦٨) حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَالر: ((ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات، ويكفر به الخطايا: إسباغ الوضوء في المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة)). انتهى. ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة وأما رواية مالك، فقد ساقها في ((الموطّأ))، فقال: (٣٤٨) وحدثني عن مالك(١)، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ لير قال: ((ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الْخُطَى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١٥) - (بَابُ السِّوَاكِ) قال أهل اللغة: السواك ـ بكسر السين - يُطلق على الفعل، وعلى العُود الذي يُتسوّك به، وهو مذكّر، وقيل: يؤنّث أيضاً، حكاه الليث، وغلّطه الأزهريّ، وذكر صاحب ((المحكم)) تأنيثه أيضاً، ويقال: ساك فاه يسوكه سَوْكاً، فإن قلت: استاك، أو تسوّك لم تذكر الفم، ومثل استاك استنّ، وشاص فاه، كما ستعلمه في الباب، وجمع ((السواك)) سُؤٌُ - بضمّتين - ككتاب وكُتُب، ثم قيل: إن السواك مأخوذ من ساك: إذا دلك، وقيل: من جاءت الإبل تتساوك، أي تتمايل هُزَالاً . وهو في الاصطلاح: استعمال عُود أو نحوه في الأسنان؛ ليذهب الصفرة وغيرها عنها، ذكره ابن الملقّن(٢) . وقال ابن منظور: ((السَّوْكُ)): فعلك بالسِّوَاك، والْمِسْوَاك، ساك الشيءَ سَوْكاً: دَلَكَه، وسَاكَ فمه بالعود يَسُوكه سَوْكاً، قال عَدِيّ بن الرِّقَاع [من الكامل]: صَهْبَاءَ سَاكَ بِهَا الْمُسَخِّرُ فَاهَا وَكَأَنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ وَلَذَّةً سَاكَ وسَوَّكَ واحدٌ، والْمُسَخِّرُ الذي يأتيها بسَحُورها، واستاك مُشْتَقُّ من ساك، وإذا قلت: استاك، أو تَسَوَّك، فلا تذكر الفمَ، واسم الْعُود الْمِسْوَاك، (١) القائل: وحدثني عن مالك هو عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثيّ، راوي ((الموطأ)) عن أبيه. (٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٥٤٩/١ - ٥٥٠. ٣٧٥ (١٥) - بَابُ السِّوَاكِ - حديث رقم (٥٩٥) يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وقيل: السواك تؤنثه العرب، وفي الحديث: ((السِّوَاكُ مِظْهَرَةٌ للفم))، بالكسر، أي يُطَهِّرُ الفم، قال أبو منصور: ما سَمِعتُ أن السواك يُؤَنَّثُ، قال: وهو عندي من غُدَدِ الليث، والسواكُ مُذَكَّرٌ، وقوله: ((مَظْهَرَة)) كقولهم: (الولدُ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ مَبْخَلَةٌ))، وقولِهم: ((الكفرُ مَخْبَثَةٌ))، قال: والسواك: ما يُذْلَكُ به الفم من العيدان، والسواكُ: كالْمِسْوَاك، والجمع سُؤٌُ، وأخرجه الشاعر على الأصل، فقال عبد الرحمن بن حسان [من المتقارب]: أَغَرُّ الثَّنَايَا أَحَمُّ اللِّثَا تِ تَمْنَحُهُ سُؤُكُ الإِسْحِلِ وقال أبو حنيفة: رُبّمَا هُمِز، فقيل: سُؤٌُ، وقال أبو زيد: يُجْمَعُ السِّوَاك سُؤُكٌ على فُعُل، مثل كِتَاب وكُتُب(١). وقال الفيّوميّ: ((السواك)): عُودُ الأَرَاكِ، والجمع سُؤٌْ - بالسكون، والأصل بضمتين - مثلُ كِتَاب وكُتُب، والْمِسْوَاكُ مثله، وسَوَّكَ فاه تَسْوِيكاً، وإذا قيل: تَسَوَّك، أو استاك لم يُذْكَرِ الفم، و((السِّوَاكُ)) أيضاً مصدرٌ، ومنه قولهم: ويكره السواك بعد الزوال، قال ابن فارس: و((السواك)»: مأخوذ من تَسَاوَكَت الإبل: إذا اضطربت أعناقها من الْهُزَال، وقال ابن دُرَيد: سُكْتُ الشيءَ أَسُوكُهُ سَوْكاً، من باب قال: إذا دَلَكْتَهُ، ومنه اشتقاق السِّوَاك. انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب. [٥٩٥] (٢٥٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَمْرٌو النَّقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ قَالَ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ - وَفِي حَدِيثٍ زُهَيْرٍ: عَلَى أُمَّتِي - لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)). رجال هذا الإسناد : سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٤/ ٢٣. (١) ((لسان العرب)) ٤٤٦/١٠. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٩٧/١. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجةٌ، رأس [٨] (ت١٩٨) عن (٩١) سنة (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣. ٥ - (أَبُو الزِّنَادِ) هو: عبد الله بن ذَكْوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٦ - (الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣/ ١٩٢. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ظُهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن فيه التحديث مرتين، والعنعنة في البقيّة. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: عمرو، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وزهير، فما أخرج له الترمذيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبي الزناد، عن الأعرج، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنِ النَّبِيِّ وَِّ) أنه (قَالَ: ((لَوْلًا) قال العينيّ دَّتُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) تَظُه (لولا)) كلمة ربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيد لأكرمتك، أي لولا زيد موجود، والمعنى هنا: لولا مخافة أن أشقّ لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا لانعكس معناها؛ إذ الممتنع المشقّة، والموجود الأمر. انتهى(١). وقال السنديّ نَّتُهُ: أي لولا خوف أن أشقّ، فلا يَرِدُ أن (لولا)) لانتفاء (١) ((عمدة القاري)) ٢٦٢/٥. ٣٧٧ (١٥) - بَابُ السِّوَاكِ - حديث رقم (٥٩٥) الشيء لوجود غيره، ولا مشقّة هنا. انتهى(١). وقال الطيبيّ نَّثُهُ: إذا كان (لولا)) يستدعي امتناع الشيء لوجود غيره، وظاهر أن المشقّة نفسها ليست بثابتة فلا بدّ من مقدّر، أي لولا خوف المشقّة، أو توقّعها لأمرتهم. انتهى (٢). وقال البيضاويّ كَّتُهُ: (لولا)) يدلّ على امتناع الشيء لثبوت غيره، والحقّ أنها مركّبة من (لو))، و((لا))، فـ((لو)) تدلّ على انتفاء الشيء؛ لانتفاء غيره، فتدلّ ها هنا مثلاً على انتفاء الأمر؛ لانتفاء نفي المشقّة، وانتفاء النفي ثبوت، فيكون الأمر منفيّاً لثبوت المشقّة. وفيه دليلٌ على أن الأمر للوجوب، لا للندب من و جھین : [أحدهما]: أنه نَفَى الأمر مع ثبوت الندبيّة، فلو كان للندب لما جاز ذلك. [وثانيهما]: أنه جَعَلَ الأمر ثِقَلاً ومشقّةً عليهم، وذلك إنما يتحقّق إذا كان للوجوب؛ إذ الندب لا مشقّة فيه؛ لأنه جائز الترك(٣). (أَنْ أَشُقَّ) بضمّ الشين المعجمة، من المشقّة، يقال: شَقَّ عليَّ الأمر يَشُقُّ شَقّاً، من باب نصَرَ، ومشقّةً: أي ثَقُلَ عليّ، أفاده في ((اللسان)). و((أن)) مصدريّة، وهي ومدخولها في محلّ رفع مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ ((لَوْلَا)) غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرْ أي لولا المشقّة، أي مخافتها موجودة لأمرتهم بالسواك. (عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) متعلّق بـ((أشُقّ)) (وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: عَلَى أُمَّتِي) يعني أنه اختَلَف عليه شيوخه، فقتيبة، وعمرو الناقد قالا في روايتهما: ((على المؤمنين))، وقال زهير بن حرب: ((على أمّتي))، وهذا من احتياطه، ومراعاته لألفاظ شيوخه، كما سبق غير مرّة. ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((لولا أن أشقّ على أمتي، أو على الناس))، (١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١/ ١٢. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٨٤/٣. (٣) راجع ((الكاشف)) ٧٨٤/٣. ٣٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة قال الحافظ تَخْتُ: قوله: ((أو على الناس))، هو شكّ من الراوي، ولم أقف عليه بهذا اللفظ في شيء من الروايات عن مالك، ولا عن غيره، وقد أخرجه الدارقطنيّ في ((الموطآت)) من طريق ((الموطأ)) لعبد الله بن يوسف، شيخ البخاريّ فيه بهذا الإسناد، بلفظ: ((أو على الناس))، لم يَعْدُ قوله: ((لولا أن أشقّ))، وكذا رواه كثير من رواة ((الموطأ))، ورواه أكثرهم بلفظ: ((المؤمنين)) بدل ((أمتي))، ورواه يحيى بن يحيى الليثيّ بلفظ: ((على أمتي)) دون الشك. انتهى(١). (لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ) أي باستعمال السواك؛ لأن السواك هو الآلة، وقد تقدّم أنه يُطْلَق على الفعل أيضاً، فعلى هذا لا يَحتاج إلى تقدير. (عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)) أي عند إرادة أداء كلّ صلاة، فرضاً أو نفلاً، ولفظ البخاريّ: ((مع كلّ صلاة))، وفي رواية مالك، والشافعيّ، والبيهقيّ، وابن خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وذكره البخاريّ تعليقاً في ((كتاب الصوم)) عن أبي هريرة ◌َّه مرفوعاً بلفظ: ((لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كلّ وضوء»، قيل: ويوفّق بين الروايتين أن السواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة؛ لأن الوضوء شُرع لها . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وفيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ يؤدّي إلى أن السواك للوضوء يكفي للصلاة، فلا يُطلب لها، وهذا غير سديد، بل الصواب أن يُوفّق بين الروايتين على طلب السواك لكلّ من الوضوء والصلاة، كما أنه يُطلب عند تغيّر الفم؛ لحديث عائشة ◌ّنا أن النبيّ وَّ ه قال: ((السواك مطهرةٌ للفم، مَرضاة للربّ))(٢)، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ تَّتُهُ: قوله: ((مع كلّ صلاة)) لم أرها في شيء من روايات (الموطأ)) إلا عن مَعْن بن عيسى، لكن بلفظ: ((عند كلّ صلاة))، وكذا رواه النسائي عن قتيبة، عن مالك، وكذا رواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن أبي الزناد، يعني هذه الرواية، وخالفه سعيد بن أبي هلال، عن الأعرج، فقال: (مع الوضوء)) بدل ((الصلاة))، أخرجه أحمد من طريقه، والله تعالى أعلم (١) ((الفتح)) ٤٣٦/٢. (٢) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ بإسناد صحيح برقم (٥). ٣٧٩ (١٥) - بَابُ السِّوَاكِ - حديث رقم (٥٩٥) بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تصُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٩٥/١٥] (٢٥٢)، و(البخاريّ) في (الصلاة)) (٨٨٧)، و((التمنّي)) (٧٢٤٠)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٤٦)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٢٣)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٧)، وفي ((الكبرى)) (٦)، و(ابن ماجه) في (٢٨٧)، و(مالك) في ((الموطّأ)) (٦٦/١)، و(الشافعيّ) في «الأمّ)) (٢٣/١)، وفي («مسنده)) (٢٧/١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٣٢٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٤٥/٢ و٤٠٠ و٥٠٩ و٥٣١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧٤/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٣٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٦٨)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (١٤٦/١)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٤٤/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤/١)، وفي ((المعرفة)) (١٨٥/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٩٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٧٤ و٤٧٥)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٥٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ العراقيّ تَخْذَلُهُ: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستّة: البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ، من رواية الأعرج، والترمذيّ من رواية أبي سلمة، وابن ماجه من رواية سعيد المقبريّ، كلّهم عن أبي هريرة رضياته . قال: واختلفت الرواة عن مالك في لفظه، فقال أبو مصعب وجماعة: ((ولأمرتهم بالسواك))، يعني أنه لم يزد: ((مع كلّ صلاة))، أو نحوه، وكذا قال عبد الله بن يوسف، وزاد: ((مع كلّ صلاة))، رواه البخاريّ من طريقه، وقال القعنبيّ، وأيوب بن صالح: ((على المؤمنين، أو على الناس))، وكذا قال معن بن عيسى، وزاد في روايته أيضاً: ((عند كلّ صلاة))، وزاد أيضاً قتيبة عن مالك في روايته: ((عند كلّ صلاة))، كما رواه النسائيّ، وكذا قال ابن عيينة، عن أبي الزناد، كما رواه مسلم وغيره، وقد رواه جماعة عن مالك، عن ابن شهاب، عن حُميد، ٣٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة عن أبي هريرة، مرفوعاً، فزادوا فيه: ((مع كلّ وضوء))، كذا رواه عن مالك الشافعيّ في رواية حرملة، ورَوْح بن عُبَادة، وبِشْر بن عُمر الزهرانيّ، وإسماعيل بن أبي أُويس، ورواه النسائيّ من رواية بشر بن عمر، والبيهقيّ من رواية رَوْح، وإسماعيل، وقد ذكرها البخاريّ في ((صحيحه)) تعليقاً مجزوماً، فقال: وقال أبو هريرة، ووصلها ابن خزيمة في ((صحيحه))، والحاكم، وصحّحها، وهي في ((الموظّأ)) موقوفةٌ على أبي هريرة، وليس في بعض الروايات ذكر الوضوء، وفي بعضها ذكره على الشكّ بينه وبين الصلاة. انتهى كلام العراقيّ تَخَذّتُهُ(١). وقال الحافظ تَخْتُ في ((التلخيص الحبير)): قال ابن منده تَُّهُ: وإسناده - يعني إسناد حديث: (لولا أن أشُقّ .. إلخ)) - مُجْمعٌ على صحّته. وقال النوويّ تَّتُ: غَلِطَ بعض الأئمة الكبار، فزعم أن البخاريّ لم يُخرجه، وهو خطأ منه، وليس في ((الموطأ)) من هذا الوجه، بل فيه عن ابن شهاب، عن حميد، عن أبي هريرة ◌ُبه قال: ((لولا أن يَشُقّ على أمته لأمرهم بالسواك مع كلّ وضوء))، ولم يُصرّح برفعه. قال ابن عبد البرّ: وحكمه الرفع، وقد رواه الشافعيّ عن مالك مرفوعاً. وفي الباب عن زيد بن خالد، رواه الترمذيّ، وأبو داود، وعن عليّ، رواه أحمد، وعن أمّ حبيبة، رواه أحمد أيضاً، وعن عبد الله بن عمرو، وسهل بن سعد، وجابر، وأنس، رواه أبو نُعيم في ((كتاب السواك))، وإسناد بعضها حسنٌ، وعن الزبير، رواه الطبرانيّ، وعن ابن عمر، وجعفر بن أبي طالب، رواهما الطبرانيّ أيضاً. انتهى كلام الحافظ رَّتُهُ(٢). وزاد العلامة الألبانيّ تَخْذَلُ جماعةً آخرين: العبّاس بن عبد المطّلب، عند الحاكم، وأحمد، ورجل من أصحاب النبيّ ◌َالر، عند أحمد بسند صحيح، وزينب بنت جحش، عند أحمد، وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، وله رؤيةٌ، رواه أبو داود، والحاكم، وغيرهما بسند حسن. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٦٢/٢. (٢) ((التلخيص الحبير)) ٣٦٨/١. (٣) ((إرواء الغليل)) ١١٠/١ - ١١١.