النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٩٠)
فسكون، وهو الأشهر للازدواج، وهو جمع بَهِيم، وهو في الأصل الذي لا
يُخالط لونه لونٌ سواه؛ قاله ابن الأثير(١).
وقال النوويّ: ((الْبُهم)): قيل: السُّودُ، وقيل: البُهم الذي لا يُخالط لونه
لونٌ سواه، سواء كان أسود، أو أبيض، أو أحمر، بل يكون لونه خالصاً،
وهذا قول ابن السّكّيت، وأبي حاتم السجستانيّ، وغيرهما. انتهى (٢).
وقال في ((اللسان)): لونٌّ بَهِيمٌ: لا يُخالطه غيره، وقيل: البهيم: الأسود،
والبهيم من الخيل: الذي لا شِيَةً فيه، الذكرُ والأُنثى في ذلك سواءٌ، والجمعُ:
بُهُمٌ، مثل رَغِيف ورُغُف، ويقال: هذا فرسٌ جوادٌ وبهيمٌ، وهذه فرسٌ جوادٌ
وبهيمٌ بغير هاء، وهو الذي لا يُخالط لونه شيءٌ سوى مُعظم لونه. انتهى(٣).
(أَلَا يَعْرِفُ) ذلك الرجل (خَيْلَهُ؟») الغُرّ المحجّلة، فالهمزة للتقرير، ولذا
(قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أي يعرف خيله، فإن ((بلى)) حرف إيجاب، لا تقع
إلا بعد نفي، فترفع حكم النفي، وتوجب نقيضه، وهو الإثبات، فإذا قيل: ما
قام زيدٌ، وقلتَ: بلى، فمعناه إثبات القيام له، وإذا قيل: أليس كان كذا؟
وقلت: بلى، فمعناه التقرير والإثبات، وقد تقدّم تمام البحث في هذا، فلا تكن
من الغافلين.
(قَالَ) وَِّ (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرّاً، مُحَجَّلِينَ) تقدّم البحث فيهما مستوفَّى قريباً
(مِنَ الْوُضُوءِ) أي من أثر الوضوء، وهو بضمّ الواو، وفتحها، كما تقدّم بيانه
قريباً .
(وَأَنَا فَرَطُهُمْ) - بفتحتين - أي أنا فَرَطُ أولئك الإخوان، أي متقدّمهم، قال
الفيّومِيّ ◌َّتُهُ: ((الْفَرَطُ)) - بفتحتين -: المتقدّم في طلب الماء، يُهيّئ الدِّلاء
والأَرْشَاءَ، يقال: فَرَطَ القومَ فُرُوطاً، من باب قَعَدَ: إذا تقدّم لذلك، يستوي فيه
الواحد والجمع، يقال: رجلٌ فَرٌَّ، وقومٌ فَرَظٌ، ومنه يقال للطفل الميتِ:
((اللهم اجعله فَرَطا)): أي أجراً متقدّماً. انتهى (٤).
وقال ابن منظور تَّتُهُ: ((الْفَارطُ))، و((الْفَرَط)) بالتحريك: المتقدّم إلى
(١) ((النهاية)) ١/ ١٦٧.
(٣) ((لسان العرب)) ٥٩/١٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/٣.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٦٩/٢.

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
الماء، يتقدّم الواردة، فيُهَيِّىُ لهم الأَرْسَانَ، والدِّلاءِ، ويملأُ الْحِيَاض، ويَستقي
لهم، وهو فَعَلٌ بمعنى فاعلٍ، مثلُ تَبَع بمعنى تابع، ورجلٌ فَرَظٌ، وقومٌ فَرَظٌ،
ورجلٌ فارٌ، وقومٌ فُرّاط. انتهى باختصار(١).
وقال الحافظ أبو عمر تَّلُهُ: قوله: ((وأنا فرطكم على الحوض)) فالفَرَط
والمتفارط: هو الماشي المتقدم أمامَ القوم إلى الماء، هذا قول أبي عبيدة
وغيره، وقال ابن وهب: ((أنا فَرَطكم)) يقول: أنا أمامكم، وأنتم ورائي،
تتبعوني، واستشهد أبو عبيدة وغيره على قوله: الفارط المتقدم إلى الماء بقول
الشاعر [من الكامل]:
فَأَثَارَ فَارِطُهُم غَطَاطاً جُثَّماً أَضْوَاتُهُ كَتَرَاهُنِ الْفُرْسِ
وقال القطاميّ [من البسيط]:
فَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ
وقال لبيد [من الرمل]:
إِنَّ مِنْ وِرْدِيَ تَغْلِيسُ النَّهَلْ
فَوَرَدْنَا قَبْلَ فُرَّاطِ الْقَطَّا
الفارط: السائر إلى الماء، أي أغلس، ومَشَى بليل، والنَّهَل: الشربة
الأولى.
وقال آخر [من الرجز]:
وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ الْتِقَاطَا لَمَ أَلْقَ إِذْ وَرَدْتُهُ فُرَّاطَا
إِلَّا الْقَطَا أَوَابِداً غِطَاطَا(٢)
وقال ابن هرمة [من الكامل]:
ذَهَبَ الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ فَرَطاً وَبَقِيتُ كَالْمَغْمُورٍ فِي خَلَفِ
وقال رسول الله وَل حين مات ابنه إبراهيم: ((لولا أنه وَعْدٌ صادق، وأن
الماضي فَرَطْ للباقي))، وقال له أيضاً: ((الْحَقْ بِفَرَطنا عثمان بن مظعون)).
[تنبيه]: رَوَى حديث: ((أنا فرطكم على الحوض)) عن النبيّ وَّ جماعة
من أصحابه، منهم ابن مسعود، وجابر بن سمرة، والصُّنابح بن الأعسر،
(١) ((لسان العرب)) ٣٦٦/٧.
(٢) ((الأوابد)): الطير التي لا تبرح من بلدانها، و((الغِطاط)): طير يُشبه القَطَا.

(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٩٠)
٣٤٣
وجندب، وسهل بن سعد، وغيرهم؛ قاله ابن عبد البرّ رَظُّهُ(١).
وقوله: (عَلَى الْحَوْضِ) أي إليه، فـ((على)) بمعنى ((إلى))، ويَحْتَمل أن يُقدَّر
هنا فعل يدلّ عليه سياق الكلام، تقديره: فيجدوني على الحوض؛ قاله
القرطبيّ(٢).
(أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (لَيُذَادَنَّ) اللام هي اللام الموطّئة للقسم، والفعل
مبنيّ للمفعول، مؤكّد بالنون المشدّدة، أي لَيُمنعنّ، ولَيُظْرَدَنّ (رِجَالٌ عَنْ
حَوْضِي) أي عن وروده.
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((الا لَيُذادنٌ)) كذا روايته هنا من غير خلاف،
واختلف فيه في ((الموّأ)): فرُوي ((فَلَيُذادنٌ)) بلام القسم، ورُوي: ((فلا يُذادنّ)»
بـ(لا)) النافية، وكلاهما صحيح، فاللام على قَسَم محذوف، تقديره: فوالله
لَيُذادنٌ، وبـ((لا)) يكون من باب لا أرينّك ها هنا، أَّ لا يتعاطى أسباب الذَّوْد
عن حَوْضي، ومعنى (لَيُذادنّ)) لَيُدْفعنّ، والذَّودُ: الدفع. انتهى كلام القرطبيّ(٣).
وقال ابن الأثير ◌َّتُهُ: معنى: ((فلا يذادنّ رجلٌ))، على النهي، أي لا
يفعل أحد فعلاً يُظْرَد به عن حوضي (٤)، قال: والأول أشبه. انتهى(٥).
وقال ابن عبد البرّ ◌َخْتُهُ: قوله: ((فليُذادنّ)): أي فليُبعدنّ، ولَيُطردنّ، قال
زهير [من الطويل]:
وَمَنْ لَا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلَاحِهِ يُهَدَّمْ وَمَنْ لَا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ
وقال الراجز:
يَا أَخَوَيَّ نَهْنِهَا (٦) وذُودَا إِنِّي أَرَى حَوْضَكُمَا مَوْرُودَا
(كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالَّ) أي الغريب، فهو كقوله في الحديث الماضي:
((إني لأذود عنه الرجال، كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه)).
وقال القرطبيّ تَخّلُهُ: وجه التشبيه أن أصحاب الإبل إذا وردوا المياه
(١) ((التمهيد)) ٢٥٦/٢٠.
(٣) ((المفهم)) ٥٠٤/١.
(٥) راجع ((النهاية)) ٢/ ١٧٢.
(٢) ((المفهم)) ٥٠٤/١.
(٤) راجع ((التمهيد)) ٢٠/ ٢٥٧.
(٦) يقال: نهنهه عن الشيء: كفّه، وزجره.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
بإبلهم ازدحمت الإبل عند الورود، فيكون فيها الضالّ والغريب، وكلُّ واحد من
أصحاب الإبل يدفعه عن إبله حتى تشرب إبله، فيكثر ضاربوه، ودافعوه، حتى
لقد صار هذا مثلاً شائعاً. انتهى(١).
(أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ) معناه: تَعَالَوْا، قال أهل اللغة: في ((هَلُمَّ)) لغتان:
أفصحهما: هَلُمّ للرجل والرجلين والمرأة والجماعة من الصنفين، بصيغة
واحدة، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿هَلُمَ شُهَدَآءَ كُمُ﴾، ﴿ وَالْقَآيِلِينَ
لإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنًا﴾، واللغة الثانية: هَلُمَّ يا رجل، وهلمّا يا رجلان، وهَلُمُّوا يا
رجال، وللمرأة هلمّي، وللمرأتان هَلُمّتا، وللنسوة هَلْمُمْنَ، قال ابن السِّكِّيت
وغيره: الأولى أفصح كما قدمناه، ذكره النوويّ(٢).
وقال الفيّوميّ تَُّهُ: ((هَلُمّ)) كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال:
تَعَالَ، قال الخليل: أصله لُمَّ من الضمِّ والجمع، ومنه: لَمَّ اللهُ شَعَثَهُ، وكأن
المنادي أراد: لُمَّ نفسَكَ إلينا، و((ها)) للتنبيه، وحُذِفت الألف؛ تخفيفاً؛ لكثرة
الاستعمال، وجُعِلا اسماً واحداً، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ: أي قُصِدَ، فنُقلت
حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعِلا كلمةً واحدةً للدعاء، وأهل الحجاز
يُنادون بها بلفظ واحد للمذكّر، والمؤنّث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله
تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنً﴾، وفي لغة نجد تَلحَقها الضمائر، وتُطابِقُ،
فيقال: هَلُمي، وهَلُمّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ لأنهم يَجعلونها فعلاً، فيُلحقونها
الضمائر، كما يُلحقونها قُمْ، وقُومًا، وقوموا، وقُمْنَ، وقال أبو زيد: استعمالها
بلفظ واحد للجمع من لغة عُقيل، وعليه قَيْسٌ، وإلحاق الضمائر من لغة تميم،
وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمةً، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾؛ أي أَقْبِلْ، ومُتعَدِّيةً،
نحو: ﴿هَلُمَ شُهَدَآءَكُمْ﴾: أي أحضِرُوهم. انتهى(٣).
(فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا) أي غيّروا دينهم (بَعْدَك) أي بعد مفارقتك لهم
بالموت، وفي رواية: ((وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟))، وفي رواية البخاريّ:
((لا تدري ما أحدثوا بعدك))، وفي رواية له: ((إنك لا عِلْمَ لك بما أحدثوا
(١) ((المفهم)) ١/ ٥٠٦.
(٣) ((المصباح المنير)) ٦٣٩/٢ - ٦٤٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/٣.

(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٩٠)
٣٤٥
بعدك، إنهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى)). (فَأَقُولُ: سُحْقاً سُحْقاً))) أي بعداً
بعداً، قال النوويّ كَُّ: هكذا هو في الروايات ((سُحْقاً سُحْقاً))، مرتين، ومعناه:
بُعْداً بُعْداً، وكرّره للتأكيد، والمكان السَّحِيق: البعيد، وفي ((سُحْقاً)) لغتان، قُرِئ
بهما فى السبع: إسكان الحاء، وضمها، قرأ الكسائيّ بالضمّ، والباقون
بالإسكان، ونُصِب على تقدير: أَلْزَمَهُم الله سُحْقاً، أو سَحَقَهُم سُحْقاً. انتهى(١).
وقال الحافظ أبو عمر كَذَتُ: معنى ((سُحْقاً)): بُعْداً، والسُّحْقُ والْبُعْد،
والإسحاق، والإبعاد سواء، بمعنى واحد، وكذلك النَّأَيُ، والبُعْدُ لفظتان بمعنى
واحد، إلا أن سُحقاً وبُعْداً هكذا إنما تجيء بمعنى الدعاء على الإنسان، كما
يقال: أبعده الله، وقاتله الله، وسَحَقه الله، ومَحَقَه، وأسحقه أيضاً، ومن هذا
قول الله رَك: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ يعني: بعيد، وكلُّ مَن أحدث في الدين ما لا
يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه،
والله أعلم. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
، هذا من أفراد المصنّف تَظُّهُ .
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٩٠/١٢ و٥٩١] (٢٤٩)،
و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٥٠)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٣٠٦)، و(أحمد)
في («مسنده)) (٣٠٠/٢ و٤٠٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٦)، و(ابن حبّان)
في ((صحيحه)) (١٠٤٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٦٠ و٣٦١)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (٥٨٢ و٥٨٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٢/١ - ٨٣)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل إطالة الغرّة والتحجيل في الوضوء.
٢ - (ومنها): إثبات حوض النبيّ و98َّ، وقد اختلف العلماء في وقت
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/٣ - ١٤٠.
(٢) راجع ((التمهيد)) ٢٦٢/٢٠.

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وروده ومكانه، فقال بعضهم: الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط،
والمرور عليه، واحتجّوا بما أخرجه أحمد، والترمذيّ عن أنس رَُّبه، قال:
((سألت رسول الله وَعليهم أن يَشفع لي، فقال: أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟
قال: اطلبني أوّلّ ما تطلبني على الصراط، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند
الميزان، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض))(١).
وقد استُشكِلَ كون الحوض بعد الصراط بما جاء في أحاديث الباب من
أن جماعةً يُدفعون عن الحوض بعد أن يكادوا يَرِدونه، ويُذهب بهم إلى النار،
ووجه الاستشكال أن الذي يمرّ على الصراط إلى أن يَصِل إلى الحوض يكون
قد نجا من النار، فكيف يُردّ إليها؟.
ويمكن أن يُجاب بأنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه، ويرون النار،
ويراهم النبيّ ◌ََّ، فيُناديهم، فيُدفَعُون إلى النار.
وسيأتي تحقيق المسألة، واستيفاء مباحثها بذكر أدّتها في موضعها
المناسب لها إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: اشتهر اختصاص نبيّنا وَ ل بالحوض، لكن أخرج الترمذيّ من
حديث سمرة رظبه، قال: قال رسول الله وَله: ((إن لكل نبيّ حوضاً، وإنهم
يَتَباهون أيُّهم أكثر واردةً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردةً)) (٢).
قال الحافظ تَّتُ: فإن ثبت أن لكلّ نبيّ حوضاً فالمختصّ بنبيِّنا وَل
الكوثر، أي النهر الذي يصبّ من مائه في حوضه، فإنه لم يُنقل نظيره لغيره،
ووقع الامتنان عليه به في سورة الكوثر، والله تعالى أعلم(٣).
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَُّ في ((المفهم)) تبعاً للقاضي عياض:
مما يجب على كلّ مكلّف أن يَعلمه، ويُصدّق به أن الله ◌َك قد خصّ نبيّه
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في («مسنده)) (١٢٣٦٠)، والترمذيّ في ((جامعه))
(٢٣٥٧).
(٢) أخرجه الترمذيّ ٦٢٨/٤، وصححه الشيخ الألبانيّ، ووري من مرسل الحسن
البصريّ، وقال الترمذيّ: المرسل أصحّ.
(٣) قد صحّ ذلك، كما مرّ آنفاً.

٣٤٧
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٩٠)
محمداً وَلّ بالحوض المصرّح باسمه، وصفته، وشرابه في الأحاديث الصحيحة
الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعيّ؛ إذ رَوَى ذلك عن النبيّ وَلّ من
نيّف وثلاثون، منهم في ((الصحيحين)) ما يَنيف على العشرين،
الصحابة
وفي غيرهما بقيّة ذلك مما صحّ نقله، واشتهر رواته، ثم رواته عن الصحابة
المذكورين من التابعين أمثالهم، ومن بعدهم أضعاف أضعافهم، وهَلُمّ جرّاً،
وأجمع على إثباته السلف، وأهل السنّة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من
المبتدعة (١)، وأحالوه على ظاهره، وغَلَوا في تأويله من غير استحالة عقليّة،
ولا عاديّة تَلْزِم من حمله على ظاهره، وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله،
فخَرَقَ من حرّفه إجماع السلف، وفارق مذهب أئمة الخلف. انتهى.
٤ - (ومنها): استحباب الخروج إلى المقابر، وزيارة القبور، وهذا أمر
مجمع عليه للرجال، ومختلف فيه للنساء، وقد ثبت عن النبيّ وَلّ أنه قال:
((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا هُجْراً، فإنها تُذَكِّر
الآخرة))، أخرجه النسائيّ بإسناد صحيح، والصحيح أنه جائز للنساء أيضاً على
الوجه المشروع، وهو السلام على المقبور، والدعاء له، وتذكّر الآخرة، ولا
يطلب منه قضاء حاجته، ولا يناديه لذلك، ولا يستغيث به، وهذا من الْهُجْر
أي الْفُحش الذي نهى عنه النبيّ وَّ في الحديث المذكور، وسأستوفي البحث
في هذا بذكر الأدلة الشاملة للرجال والنساء في موضعه من ((كتاب الجنائز)) - إن
شاء الله تعالى.
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخّلهُ: في تسليمه وَلّ على أهل القبور بيان
مشروعيّة ذلك، وفيه معنى الدعاء لهم، ويدلّ أيضاً على حُسن التعاهد، وكرم
العهد، وعلى دوام الحرمة، ويحتمل أن يردّ الله تعالى أرواحهم، فيسمعون،
ويردّون، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البرّ تَّتُ حديثاً صحيحاً عن أبي هريرة رُه
مرفوعاً: ((ما من مسلم يمرّ بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا، فيُسلّم عليه،
إلا ردّ عليه السلام من قبره)). انتهى (٢).
٦ - (ومنها): أن فيه بشارةً عظيمةً لهذه الأمة - زادها الله تعالى شَرَفاً -
(١) هم المعتزلة وبعض الخوارج.
(٢) ((المفهم)) ٥٠٠/١.

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
حيث كان النبيّ وَّهُ فَرَطها على الحوض، فهنيئاً لمن كان رسول الله وَله فَرَطَه،
فما أكبر الفوز العظيم.
٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر تَُّ: قد احتج به مَن ذَهَب إلى
أن أرواح الموتى على أفنية القبور، والله أعلم بما أراد رسوله صل$ بسلامه
عليهم، وقد نادى أهلَ القليب ببدر، وقال: ((ما أنتم بأسمع منهم، إلا أنهم لا
يستطيعون أن يُجيبوا))، قيل: إن هذا خصوص، وقيل: إنهم لم يكونوا
مقبورين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِع ◌َن فِ اٌلْقُبُورِ﴾، وما أدري ما هذا؟ وقد
رَوَى قتادة، عن أنس رَظُّه في الميت حين يُقْبَر أنه يسمع خَفْقَ نِعَالهم إذا وَلَّوا
عنه مدبرين، وهذه أمور لا يُستطاع على تكييفها، وإنما فيها الاتباع والتسليم.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق هذه المسألة بأدلّتها في موضعها
من ((كتاب الجنائز)) - إن شاء الله تعالى.
٨ - (ومنها): أن فيه جواز تمنّ الخيرِ، ولقاءِ الفضلاء، وأهلِ الصلاح.
٩ - (ومنها): ما قاله الزرقانيّ تَخْلَتُهُ: دلّ بإثبات الأخوّة لهؤلاء على علوّ
مرتبتهم، وأنهم حازوا فضيلة الآخريّة، كما حاز وَّة، وأصحابه فضيلة الأوليّة،
وهم الغرباء المشار إليهم بقوله وَله: ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً،
فطوبى للغرباء))، وهم الخلفاء الذين أفادهم بقوله: ((رَحِمَ الله خلفائي)) (١)، وهم
القابضون على دينهم عند الفتن المشار إليهم بقوله: ((القابض على دينه
كالقابض على الجمر))(٢)، وهم المؤمنون بالغيب إلى غير ذلك مما لا يعسر
على الفَطِن استخراجه من الأحاديث.
١٠ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر تَّتُهُ: هذا الحديث فيه دلالة
(١) أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط)) بلفظ: ((اللهم ارحم خلفائي الذين يأتون من بعدي
الذين يروون أحاديثي، وسنتي، ويعلمونها الناس))، وهو حديث موضوع، انظر
(الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ ٢٤٧/٢.
(٢) أخرجه الترمذيّ من حديث أنس ظه مرفوعاً: ((يأتي على الناس زمان الصابر فيهم
على دينه كالقابض على الجمر))، وصحّحه الشيخ الألبانيّ بشواهد، راجع
((الصحيحة)) ٦٤٥/٢.

٣٤٩
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٩٠)
على أن كلَّ مَن أحدث في الدين ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من
المطرودين عن الحوض الْمُبْعَدِين عنه، وأشدُّهم طرداً مَن خالف جماعةَ
المسلمين، وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فِرَقِها، والروافض على
تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم يبدِّلون، وكذلك
الظَّلَمَةُ المسرِفُون في الجور والظلم، وتطميس الحقّ، وقتل أهله، وإذلالهم،
والمعلنون بالكبائر المستَخِفُّون بالمعاصي، وجميعُ أهل الزيغ والأهواء والبِدَع،
كلُّ هؤلاء يُخَاف عليهم أن يكونوا عُنُوا بهذا الخبر، ولا يُخَلَّد في النار إلا
كافرٌ جاحدٌ، ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وقد قال ابن
القاسم تَثُهُ: قد يكون من غير أهل الأهواء مَن هو شَرٌّ من أهل الأهواء،
وكان يقال: تمامُ الإخلاص تَجَنُّب المعاصي. انتهى(١).
١١ - (ومنها): ما قاله أبو عمر كَُّ أيضاً: وأما قوله: ((فإنهم يأتون يوم
القيامة غُرّاً مُحَجَّلِين من الوضوء))، ففيه دليلٌ على أن الأمم أتباعَ الأنبياء، لا
يتوضؤون مثل وضوئنا على الوجه، فاليدين، فالرجلين؛ لأن الغرة في الوجه،
والتحجيل في اليدين والرجلين، هذا ما لا مَدْفَع فيه على هذا الحديث، إلا أن
يَتَأَوَّل مُتَأَوِّلٌ هذا الحديث أن وضوء سائر الأمم لا يُكْسِبها غُرَّةً، ولا تحجيلاً،
وأن هذه الأمة بُورك لها في وضوئها بما أُعطيت من ذلك شرفاً دائماً،
ولنبيها ◌َّ، كسائر فضائلها على سائر الأمم، كما فُضِّل نبيها وَلَّ بالمقام
المحمود وغيره على سائر الأنبياء، والله أعلم.
وقد يجوز أن يكون الأنبياء يتوضؤون، فيَكسِبون بذلك الغُرَّة والتحجيل،
ولا يتوضأ أتباعهم ذلك الوضوء، كما خُصَّ نبيّنا وَ﴿و بأشياء دون أمته، منها
نكاح ما فوق الأربع، والموهوبة بغير صداق، والوصالُ، وغيرُ ذلك، فيكون
ذلك من فضائل هذه الأمة، أن تُشبِهِ كلّها الأنبياءَ. انتهى كلام أبي عمر رَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي أن يقال: إن الوضوء ليس خاصّاً
بهذه الأمة، وإنما خُصّت هي بالغرّة والتحجيل، كما هو صريح قوله ◌َّر: ((لكم
سيما ليست لأحد من الأمم)، فإنه صريح في اختصاصها بهذه السيما، مع أنه
(١) ((التمهيد)) ٢٦٢/٢٠ - ٢٦٣.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة
أثبت الوضوء في الأمم السابقة، كما في قصّة سارة، وجُريج الراهب، كما
تقدّم بیان ذلك.
١١ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الرسول وَ ل﴿ لا يدري ما أحدثته أمته بعد
موته.
[فإن قيل]: إن هذا يعارضه ما روي من قوله وقال: ((حياتي خير لكم،
تُحْدِثون، ويُحْدَث لكم، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيراً لكم، تُعْرَض عليّ
أعمالكم، فإن رأيت خيراً حَمِدت الله، وإن رأيت شرّاً استغفرت لكم))(١).
[أجيب]: بأن هذا الحديث مرسلٌ، فلا يعارض ما في ((الصحيحين))،
وعلى تقدير صحّته، كما هو رأي بعضهم، يمكن أن يُجمع بأن الأعمال تُعرض
عليه عرضاً مجملاً، دون تعيين فاعلي الخير والشر، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): أنه مَّ يذود غير المسلمين، ويُبعدهم عن حوضه.
[فإن قيل]: كيف يطرد الناس عنه، وهو ◌َّ أكرم الناس؟.
[أجيب]: بأن هذا الذود ليس بخلاً، وإنما القصد منه إرشاد كلّ أحد إلى
حوض نبيّه، كما سبق أن لكلّ نبيّ حوضاً، وأنهم يتباهون بكثرة من يرده من
أتباعهم، فيكون ذلك الذود منه وَ﴿ من إنصافه، ورعاية جانب إخوانه
إِلَلامِ.
النبیین
ويَحْتمل أن يطرُد من لا يستحقّ الشرب من الحوض، والعلم عند الله
تعالى(٢).
١٣ - (ومنها): أن فيه بيان ما أطلع الله رَك نبيّه وَّر، وأعلمه من الأمور
الغيبيّات المستقبلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال القاضي عياض كَخَّتُهُ: ذهب أبو عُمَر ابن
عبد البر نَّثُ في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في فضل من يأتي آخر
الزمان إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة مَن هو أفضل ممن كان من
(١) أخرجه (ابن سعد) عن بكر بن عبد الله مرسلاً، وضعّفه الشيخ الألباني رَّتُهُ، انظر
حديث رقم: ٢٧٤٦ فى ((ضعيف الجامع)).
(٢) راجع ((فتح المنعم)) ١٥٤/٢.

٣٥١
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٩٠)
جملة الصحابة، وأن قوله وَله: ((خيركم قرني)) على الخصوص، وإن كان
مخرجه العموم، أو معناه: خير الناس في قرني، يعني السابقين الأولين من
المهاجرين والأنصار، ومن سلك مسلكهم، فهؤلاء أفضل الأمة، وهم
المرادون بالحديث، وأما مَن خَلّط في زمنه بَّهَ، وإن رآه، وصَحِبه، ولم يكن
له سابقة، ولا أثرٌ في الدين، فقد يكون في القرون التي تأتي بعد القرن الأول
مَن يَفْضُلُهم، على ما دلت عليه الآثار.
قال القاضي: وقد ذهب إلى هذا أيضاً غيره من المتكلمين على المعاني،
قال: وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن مَن صَحِب النبيّ وَّل، ورآه
مرّةً من عمره، وحَصَلت له مزية الصحبة أفضل من كل من يأتي بعدُ، فإن
فضيلة الصحبة لا يَعْدِلها عمل، قالوا: وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء،
واحتجُّوا بقوله وَّهِ: ((لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهباً، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا
نَصِيفه)) متّفقٌ عليه، قال: وحجة الآخر عن هذا أن النبيّ بَّ قال ذلك لبعضهم
عن بعض، فدلّ أن ذلك للخصوص، لا للعموم. انتهى كلام القاضي تغذّثهُ (١).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ بعد ذكره أن ابن عبد البرّ كَّتُ قال: إنه يكون فيمن
بعد الصحابة من يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة: وذهب معظم
العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صَحِب النبيّ وََّ، ورآه ولو مرّةً من عمره
أفضل من كلّ من يأتي بعدُ، وأن فضيلة الصحبة لا يَعْدلها عملٌ، وهذا هو
الحقّ الذي لا ينبغي أن يُصار إلى خلافه؛ لأمور:
[أولها]: مزيّة الصحبة، ومشاهدة رسول الله وَ له.
[وثانيها]: فضيلة السبق للإسلام.
[وثالثها]: خُصوصيّة الذبّ عن حضرة رسول الله وَالچول.
[ورابعها]: فضيلة الهجرة والنُّصرة.
[وخامسها]: ضبطهم للشريعة، وحفظها عن رسول الله وله .
[وسادسها]: تبليغها لمن بعدهم.
[وسابعها]: السبق في النفقة في أول الإسلام.
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٨/٢ - ٤٩.

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
[وثامنها]: أن كلّ خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف في الشريعة إلى يوم
القيامة، فحظّهم منه أكمل حظّ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سَنُوا سُنَن
الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال بَّه: ((من سنّ في الإسلام سنّة حسنةً كان له
أجرها، وأجر مَن عَمِل بها إلى يوم القيامة))، رواه مسلم، ولا شكّ في أنهم
الذين سَنُّوا جميع السنن، وسابقوا إلى المكارم، ولو عُدّدت مكارمهم، وفُسّرت
خواصّهم، وحُصِرت لملأت أسفاراً، ولكلّت الأعين بمطالعتها حَيَارى.
وعلى هذه الجملة قال # فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله
مرفوعاً: ((إن الله اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيين والمرسلين،
واختار من أصحابي أربعةً - يعني أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليّاً - فجعلهم
أصحابي)) وقال: ((في أصحابي كلّهم خير))(١).
وكذلك قال ◌َله: ((اتقوا الله في أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد
ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم، ولا نصيفه))، متّفقٌ عليه.
وكفى من ذلك كلّه ثناء الله تعالى عليهم جملةً، وتفصيلاً، وتعييناً
وإبهاماً، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم.
فأما استدلال المخالف بقوله وسلم: ((إخواننا))، فلا حجة فيه؛ لأن
الصحابة قد حصل لهم من هذه الأخوّة الحظّ الأوفر؛ لأن لهم الأخوّة اليقينيّة
العامّة، وانفردت الصحابة بخصوصيّة الصحبة.
وأما قوله ◌َّر: (للعامل منهم أجر خمسين منكم))، فلا حجة فيه؛ لأن ذلك
إن صحّ إنما هو في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال القر في
آخره: «لأنكم تجدون على الخير أعواناً، ولا يجدون))، ولا بُعْد في أن يكون في
بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة
التي هي المطلوبة بهذا البحث، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَظّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد القرطبيّ تَخَُّ في هذا البحث، وأفاد،
(١) رواه البزّار كما في ((كشف الأستار)) (٢٧٦٣) وقال الهيثميّ: ورجاله ثقات، وفي
بعضهم خلاف. انتهى. ((مجمع الزوائد)) (١٦/١٠).
(٢) ((المفهم)) ٥٠١/١ - ٥٠٣.

٣٥٣
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٩٠)
وخلاصته ترجيح مذهب الجمهور أن مَن بعد الصحابة حثّ لا يساويهم في
الفضل، وإن عَمِل ما عَمِل؛ لأن رتبة الصحبة، لا يعادلها شيء من الفضائل،
على اختلاف أنواعها، وأشكالها .
كلّهم، السابقون واللاحقون أفضل من جميع
والحاصل أن الصحابة
من جاء بعدهم إلى يوم القيامة، وإن بلغ في العبادة ما يبلغ، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ
يُؤْتِهِ مَن يَشَدَهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ﴾ [المائدة: ٥٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تأويل قوله بَيّ: ((إنهم قد
بدّلوا بعدك»:
قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: اختلفوا في ذلك، فالذي صار إليه الباجيّ وغيره
- وهو الأشبه بمساق الأحاديث - أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناسٌ
نافقوا، وارتدّوا من الصحابة وغيرهم، فُيُحشرون في أمّة النبيّ وَّرَ كما تقدّم في
قوله وسلم: ((وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها))، وعليهم سيماء هذه الأمة، من
الغرّة والتحجيل، فإذا رآهم النبيّ ◌َّ عرفهم بالسيماء، ومن كان من أصحابه
بأعيانهم، فيناديهم: ((ألا هلُمّ))، فإذا انطلقوا نحوه حِيلَ بينهم وبينه، وأُخذ بهم
ذات الشمال، فيقول النبيّ وَّل: ((يا ربّ أمتي أمتي))، وفي لفظ آخر:
((أصحابي))، فيقال له إذ ذاك: ((إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا
مرتدّين منذ فارقتهم))، فعند ذلك تذهب عنهم الغرّة والتحجيل، ويُطفأ نورهم،
فيبقَون في الظلمات، فيُقتطع بهم عن الورود، وعن جواز الصراط، فحينئذ
يقولون للمؤمنين: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن نُّوْرِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فيقال لهم: ﴿أَرْجِعُواْ
وَرَكُمْ فَالْتِسُواْ نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] مكراً وتنكيلاً؛ ليتحقّقوا مقدار ما فاتهم، فيَعْظُم
أَسَفهم وحَسْرتهم - أعاذنا الله من أحوال المنافقين، وألحقنا بالصالحين.
وقال الداوديّ وغيره: يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر، والبدع
الذين لم يَخرُجوا عن الإيمان ببدعتهم، وبعد ذلك يتلافاهم الله برحمته، ويشفع
لهم النبيّ وَّ﴾، قال القاضي عياض تَخَّتُهُ: والأول أظهر. انتهى(١).
(١) ((المفهم)) ٥٠٤/١ - ٥٠٥.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الباجيّ ومن معه هو
الأرجح، وحاصله أن المراد بهم الذين كانوا يتظاهرون في زمنه وَثار أو بعده
بالإسلام، وهم منافقون، يُجْعَل لهم سيما كسيما المؤمنين المخلصين، فيعرفهم
النبيّ وَّ بما ظهر من السيما، فيناديهم، فيقال له: ((إنهم قد بدلوا بعدك))،
فيقول: ((سُحقاً سُحقاً))، وما ذكره بعض الشراح من أن هذا بعيد، وفيه
تكلّف(١)، ليس كما قال، بل هو واضحٌ، لا بُعْد فيه، فتأمله بإنصاف، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي
الدَّرَاوَرْدَِّ - (ح) وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا
مَالِكٌ، جَمِيعاً عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَِّ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ، فَقَالَ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْم مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا
إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ))، بِمِثْلِ حَدِيثِ (٢) إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ
مَالِكِ: ((فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْديّ
المدنيّ، صدوقٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ)، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور،
ثقةٌ متقنٌ [١٠] (٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٢/٤٣.
٣ - (مَعْن) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٨) (خ م) تقدم في ((الطهارة)) ٧ / ٥٦٣.
٤ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة المذكور في الباب الماضي.
(١) انظر ما قاله صاحب ((فتح المنعم)) ١٥٤/٢.
(٢) وفي نسخة: ((مثل حديث)).

٣٥٥
(١٣) - بَابٌ (تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ)) - حديث رقم (٥٩٢)
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ) وفي نسخة: ((مثل حديث:
إلخ))، يعني أن رواية مالك عن العلاء، مثلُ رواية إسماعيل بن جعفر، عنه.
[تنبيه]: رواية مالك هذه التي أحالها المصنّف على رواية إسماعيل بن
جعفر، ساقها الحافظ أبو عوانة في ((مسنده))، (١٢٢/١)، فقال:
(٣٦٠) وحدثنا محمد بن يحيى النيسابوريّ، قال: وفيما قرأت على
عبد الله بن نافع، وحدثنيه مُطَرِّف بن عبد الله، عن مالك، عن العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَله خرج إلى المقبرة،
فقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وَدِدتُ
أني قد رأيت إخواننا))، قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال: ((بل أنتم
أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعدُ» قالوا: كيف تَعْرِف مَن لم تَرَ من
أمتك؟ قال: ((أرأيت لو كانت لرجل خيلٌ غُرِّ مُحَجَّلةٌ، في خيل دُهْم بُهْم،
ألا يَعْرف خيله؟)) قالوا: بلى، قال: ((فإنهم يأتون يوم القيامة، غُرّاً مُحَجَّلين
من الوضوء، وأنا فَرَطُهم على الحوض، فَلَيُذادَنَّ الرجل(١) عن حوضي، كما
يذاد البعير الضالّ، أناديهم ألا هَلُمّ، ألا هلم، فيقال: إنهم قد بَدّلوا،
فأقول: فسُحقاً فسُحْقاً فسُحْقاً)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(١٣) - (بَابٌ («تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ)))
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٥٩٢] (٢٥٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ - يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةَ -
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب ((الرجال)) بصيغة الجمع؛ لقوله بعده:
((أناديهم))، وكذلك قول مسلم: ((غير أن حديث مالك: فليُذادنّ رجال)) يدلّ على
هذا، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٣٥٦
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
عَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ
يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا
الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا بَنِي فَرُوخَ، أَنْتُمْ هَا هُنَا، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَا هُنَا، مَا تَوَضَّأْتُ
هَذَا الْوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِي وَهِ يَقُولُ: ((تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ، حَيْثُ يَبْلُغُ
الْوَضُوءُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور في الباب الماضي.
٢ - (خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ) بن صاعد الأشجعيّ مولاهم، أبو أحمد، كان
بالكوفة، ثم انتقل إلى واسط فسكنها مدةً، ثم تحوّل إلى بغداد، فأقام بها إلى
حين وفاته [٨].
رَأَى عَمْرو بن حُرَيث صاحب النبيّ بِّه، وروى عن أبيه، وحفص ابن
أخي أنس بن مالك، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي مالك الأشجعيّ،
وغيرهم.
ورَوَى عنه سُريج بن النعمان، وسعيد بن منصور، وداود بن رُشيد، وأبو
بكر بن أبي شيبة، وقتيبة، وعليّ بن حُجْر، والحسن بن عوف، وهو آخر مَن
رَوَى عنه، وقد حدَّث عنه هشيم، ووكيع من القدماء.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: قال رجل لسفيان بن
عيينة: يا أبا محمد عندنا رجل يقال له: خلف بن خليفة يزعم أنه رأى عمرو بن
حريث، فقال: كَذَب لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث، وقال أبو الحسن
الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله، يُسأل: هل رأى خلف بن خليفة عمرو بن
حريث؟ قال: لا، ولكنه عندي شُبِّه عليه، هذا ابن عيينة، وشعبة، والحجاج،
لم يروا عمرو بن حريث، ويراه خلف؟ وقال أحمد أيضاً: قد رأيت خلف بن
خليفة، وهو مفلوجٌ سنة سبع وثمانين ومائة، وقد حُمِل، وكان لا يفهم، فمن
كتب عنه قديماً فسماعه صحيح، وقال الأثرم، عن أحمد: أتيته، فلم أفهم
عنه، قلت له: في أيّ سنة مات؟ قال: أظنه في سنة ثمانين، أو آخر سنة
(٧٩)، وقال زكريا بن يحيى بن حمويه، عن خلف بن خليفة: فَرَض لي عمر بن

٣٥٧
(١٣) - بَابٌ (تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ)) - حديث رقم (٥٩٢)
عبد العزيز، وأنا ابن ثمان سنين، وقال ابن معين، والنسائيّ: ليس به بأس،
وكذا قال ابن عمار، وزاد: ولم يكن صاحب حديث، وقال ابن معين أيضاً،
وأبو حاتم: صدوق، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، ولا أُبَرِّئه من أن
يُخطئ في بعض الأحايين في بعض رواياته، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن
شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: صدوقٌ ثقةٌ، لكنه خَرِفَ،
فاضطرب عليه حديثه، وقال ابن سعد: أصابه الفالج قبل موته، حتى ضَعُف،
وتَغَيَّر، واختلط، وحَكَى القرّاب اختلاطه عن إبراهيم بن أبي العباس، وكذا
حكاه مَسْلَمة الأندلسيّ، ووَثَّقه، وقال: من سمع منه قبل التغير فروايته
صحيحة .
وقال أسلم بن سهل في ((تاريخ واسط)) عن عبد الحميد: توفي سنة
(٨٠)، وذكر الحاكم في ((المدخل)) أن مسلماً إنما أخرج له في الشواهد.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل هذا الكلام في ((التهذيب)) عن
الحاكم، ولم يتعقّبه، وعندي فيه نظرٌ؛ لأن حديث الباب يردّه؛ لأنه ما أخرج
له في الشواهد، وإنما أخرج له في الأصول، فتأمله بإنصاف، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
وقال ابن سعد: كان ثقةً، مات ببغداد سنة (١٨١)، وهو ابن تسعين
سنة، أو نحوها، وقال البخاريّ: يقال: مات سنة (١٨١) وهو ابن مائة سنة
وسنة، وكذا جزم به ابن حبان.
قال الحافظ: وفي هذا المقدار في سِنْه نظر، فقد تقدم أنه قال: فَرَض
لي عمر بن عبد العزيز، وأنا ابن ثمان سنين، فيكون مولده على هذا سنة (٩١)
أو اثنتين؛ لأن ولاية عمر كانت سنة (٩٩)، وقد ذكروا أنه تُوُفّي سنة (٨١)
فيكون عمره تسعين سنة، أو تسعين وأشهراً، وعلى هذا فيبعد إدراكه لعمرو بن
حريث بُعْداً بَيِّناً. انتهى.
أخرج له البخاري في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، والأربعة، وله في
هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٥٠) و(٤٧٥) و(٢٠٣٨) (و٢٨٤٤).
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و((أَبُو مَالِكِ الْأَشْجَعِيُّ)) هو: سعد بن
طارق، و((أَبُو حَازِمٍ)): هو سلمان الأشجعيّ.

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَخْتُهُ، وفيه التحديث، والعنعنة،
والسماع.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى خلف، فأخرج له البخاريّ
في ((الأدب المفرد))، وأبو مالك أخرج له في التعاليق.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو مالك، عن أبي حازم.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة ◌َُّله رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ نَّفُهُ، أنه (قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي
هُرَيْرَةَ) رَبُه، أي وراءه (وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال
من «أبي هريرة)) (فَكَانَ) أي أبو هريرة (يَمُدُّ يَدَهُ) أي يُطيل غسله بيده (حَتَّى تَبْلُغَ
◌ِبْطَهُ) ((حتى)) غاية للمدّ، والفعل مبنيّ للفاعل، يعني أنه يبالغ في إطالة الغسل
إلى أن تبلغ يده إلى إبطه.
و(الإبط)) بكسر، فسكون: ما تحت الْجَنَاح، ويُذكّر ويؤنَّثُ، فيقال: هو
الإبط، وهي الإبط، ومن كلامهم: رفع السوط حتى بَرَقَت إبطه، والجمع
آباط، مثلُ حِمْل وأحمال، قال الفيّوميّ ◌َخْتُهُ: ويزعُمُ بعض المتأخّرين أن كسر
الباء لغةٌ، وهو غير ثابت؛ لأن سيبويه قال: لم يجئ على فِعِلٍ بكسر الفاء
والعين من الأسماء إلا حرفان: إِبِلٌ، وحِبِرٌ، وهو الْقَلَحُ(١)، ومن الصفات إلا
حرفٌ واحدٌ، وهي امرأةٌ بِلِزٌ، وهي الضخمة. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أنكر الفيّوميّ كسر الباء، لكن في
(القاموس)) ما يُفيد أنه لغة، والله تعالى أعلم.
قال أبو حازم: (فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟) ((ما))
استفهاميّة، مبتدأ، أو خبر مقدّم، و((هذا)) خبره، أو مبتدأ مؤخّر، و((الوضوء))
(١) ((الْقَلَحِ)) - بفتحتين -: صُفْرَةٌ تُصيب الأسنان.
(٢) راجع ((المصباح المنير)) ٢/١.

٣٥٩
(١٣) - بَابٌ (تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوء)» - حديث رقم (٥٩٢)
نعتٌ لاسم الإشارة، أو بدلٌ منه، أو عطف بيان، كما قال بعضهم:
مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بِـ((أَل)) يُعْرَبُ نَعْتاً أَوْ بَيَاناً أَوْ بَدَلْ
يقول: أيُّ شيء هذا الوضوء الذي يُخالف صفة الوضوء التي كنت
تتوضّؤها قبل هذا؟ لأن أبا هريرة ظ ◌ُه كان لا يتوضّأ هذا الوضوء إذا كان بين
الناس، كما يدلّ عليه قوله: (فَقَالَ) أبو هريرة رَُّه (يَا بَنِي فَرُّوخَ) بفتح الفاء،
وتشديد الراء، قال النوويّ ◌َّتُهُ: قال صاحب ((كتاب العين)): ((فَرُّوخ)) بلغنا أنه
كان من ولد إبراهيم ظلّ*، من ولد كان بعد إسماعيل، وإسحاق، كثُرَ نسله،
ونما عدده، فولد العجم الذين هم في وسط البلاد.
قال القاضي عياض ◌َخَّهُ: أراد أبو هريرة ◌َظُبه هنا الموالي، وكان خطابه
لأبي حازم. انتهى(١).
وفي ((القاموس))، و((شرحه)): ((وفَرُّوخ)) كتَنُّور أخو إسماعيل، وإسحاق،
أبو العجم الذين هم في وسط البلاد، وهو فارسيّ، ومعناه: السعيد طالعه،
وقد تسقط واوه في الاستعمال، وهو غير منصرف؛ للعجمة والعلميّة. انتهى
بتغيير يسير(٢).
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قصد أبو هريرة ◌ُّه بقوله: ((أنتم ها هنا)) الموالي،
وكان خطابه لأبي حازم سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، مولى عَزّة الأشجعيّة، وليس
بأبي حازم سلمة بن دينار الفقيه الزاهد المدنيّ، مولى بني مخزوم، وكلاهما
خرّج عنه في ((الصحيح))(٣).
(أَنْتُمْ هَا هُنَا؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أأنتم ها هنا؟، أي حاضرون
في هذا الموضع (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَا هُنَا، مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ) أي لئلا
يعتقدوا أنه من واجبات الوضوء، قال القاضي عياض تَّتُهُ: أراد أبو هريرة مظ لته
بكلامه هذا أنه ينبغي لمن يُقتدَى به إذا ترخّص في أمر لضرورة، أو تَشَدَّد
الوسوسة، أو لاعتقاده في ذلك مذهباً شذّ به عن الناس أن لا يفعله بحضرة
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٠/٣.
(٢) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٧٢/٢.
(٣) ((المفهم)) ١/ ٥٠٧.

٣٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
العامّة الْجَهَلَة؛ لئلا يترخّصوا برخصته؛ لغير ضرورة، أو يعتقدوا أن ما تشدّد
فيه هو الفرض اللازم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول القاضي: ((لوسوسة)) فيه نظرٌ لا يخفى؛
لأنه ليس التشدّد للوسوسة مشروعاً، بل الذي ينبغي للإنسان إذا ابتُلي
بالوسواس أن لا يلتفت إليه، بل يبتعد، ويُعرض عنه، ويستعيذ بالله وَّ منه،
فإنه من الشيطان، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: وإنكارهم على أبي هريرة ظُه، واعتذاره عن إظهار
ذلك الفعل يدلّ على انفراده بذلك الفعل. انتهى(٢).
وفي رواية ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) (٥٥/١) عن عليّ بن مُسهر، عن
يحيى بن أيوب البجليّ، عن أبي زُرعة، قال: دخلت على أبي هريرة، فتوضّأ
إلى منكبيه، وإلى ركبتيه، فقلت له: ألا تكتفي بما فرض الله عليك من هذا؟
قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله وَل يقول: ((مبلغ الحلية مبلغ الوضوء))،
فأحببتُ أن يزيدني في حِليتي.
وهذا إسناد قويّ، رجاله رجال الشيخين عدا يحيى بن أيوب، وهو ثقةٌ،
وقد خالفه عمارة بن القعقاع، فوقفه على أبي هريرة.
ورواه أحمد في ((مسنده)) (٢٣٢/٢)، والبخاريّ في ((صحيحه)) (٥٩٥٣)
من طريقين عن عُمارة، عن أبي زرعة، قال: دخلت مع أبي هريرة داراً
بالمدينة ... ثم دعا بتَوْر من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا
هريرة أشيء سمعته من رسول الله وَليه؟ قال: منتهى الحلية. انتهى(٣).
(١) راجع ((شرح النوويّ)) ١٤٠/٣ - ١٤١. (٢) ((المفهم)) ٥٠٧/١.
(٣) قال الإمام البخاريّ ◌َّتُهُ في ((كتاب اللباس)) من ((صحيحه)) (٥٩٥٣): حدثنا
موسى، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عُمارة، حدثنا أبو زرعة، قال: دخلت مع أبي
هريرة داراً بالمدينة، فرأى أعلاها مُصَوِّراً يُصَوِّر، قال: سمعت رسول الله وَل
يقول: ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حَبّةً، وليخلقوا ذَرَّةً))، ثم
دعا بتور من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة أشيء سمعته من
رسول الله وَ﴾؟ قال: منتهى الحلية. انتهى.