النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
(١٢) - بَابُ اسْتِخْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٦)
الغُرّة والتحجيل، لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم، عن أبي
قته أيضاً مرفوعاً قال: ((سِيمًا ليست لأحد غيرِكُم))، وله من حديث
هريرة
حُذيفة رَظُه نحوه، و((سِيما)) - بكسر المهملة، وإسكان الياء الأخيرة - أي
علامة .
وقد اعتَرَض بعضهم على الْحَلِيميّ بحديث: ((هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء
قبلي))، وهو حديث ضعيفٌ، لا يصلح للاحتجاج به؛ لضعفه، ولاحتمال أن
يكون الوضوء من خصائص الأنبياء، دون أُممهم إلا هذه الأمة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الثاني يُبعده ما تقدّم من قصّة
سارة، وجُريج، فالصواب الردّ بضعف الحديث.
والحاصل أن الوضوء ليس خاصّاً بهذه الأمة، وإنما خصّها الله تعالى
على سائر الأمم بالغرّة والتحجيل؛ زيادة في رفعة درجتها؛ لرفعة درجة
نبيّهَا وَّ﴾، فإن الله تعالى خصّه بفضله العظيم، كما قال رَمّ: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ
عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾
[النساء: ١١٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٨٦] (.) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنِي(٢) ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهَ، أَنَّهُ
رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ بَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَّنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ
= جريجاً، فتعرضت له، فكلمته، فأبى، فأتت راعياً، فأمكنته من نفسها، فولدت
غلاماً، فقالت: هو من جريج، فأَتَوه، وكسروا صومعته، فأنزلوه، وسَبُّوه، فتوضأ،
وصلى، ثم أتى الغلام، فقال: مَن أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني
صومعتك من ذهب؟ قال: لا، إلا من طين))، أخرجه البخاريّ في ((المظالم)) برقم
(٢٤٨٢)، ومسلم في ((البرّ والصلة) برقم (٢٥٥٠).
(١) ((الفتح)) ٢٨٤/١ - ٢٨٥.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٣٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة
رِجْلَيْهِ، حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أُمَّتِي
يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرّأَ مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ
غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السّعْديّ مولاهم، أبو جعفر المصريّ، ثقةٌ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ
حافظٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ،
ثقةٌ فقيهٌ حافظ [٧] (ت قديماً قبل ١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ
الأصل، أو نشأ بها، صدوقٌ [٦] (ت بعد ١٣٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦٢.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ) ((المنكب)) - بفتح الميم، وكسر الكاف،
بينهما نون ساكنة -: مُجتمع رأس الكتف والعضد، وأسفله الإبط.
وقوله: (حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ) مفعول ((رَفَعَ)) محذوف: أي حتى الغسلَ
إلى الساقين، والغاية داخلة؛ لأنه كان يَشرَع في الساق.
وقوله: (إِنَّ أُمَّتِي) ((الأمة)) في اللغة: الجماعة، وكلُّ جنس من الحيوان
أمةٌ، ومن معانيها اللغويّة الحِينُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:
٤٥]، وأمة محمد رَّ تُطلق على معنيين: أمة الدعوة، وهي من بُعِثَ إليهم،
وأمة الإجابة، وهي من آمن به، وصدّقه، وهذه هي المرادة هنا، وإتيانهم من
الموقف إلى الحوض كما يظهر من الرواية الآتية(١).
وقال العلّامة ابن الملقّن تَخْذُهُ: جاءت ((الأمة)) على ثمانية أوجه))، ذكرها
العزيزيّ دخلتُهُ :
(١) ((فتح المنعم)) ١٤٧/٢.

٣٢٣
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٦)
١ - ((أمة)): جماعة، كقوله تعالى: ﴿أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ
[القصص: ٢٣].
٢ - و((أمة)): أتباع الأنبياء لا، كما نقول: نحن أمة محمددَلـ
٣ - و((أمة)): رجل جامعٌ للخير يُقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ
كَانَ أُمَّةَ﴾ [النحل: ١٢٠].
٤ - و((أمة)): دينٌ وملّةٌ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىَ أُمَّةٍ﴾
[الزخرف: ٢٢].
٥ - و((أمة)): حينٌ وزمان، كقوله تعالى: ﴿إِلَى أُمٍَّ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨].
٦ - و((أمة)): قامةٌ، يقال: فلان حسنُ الأمة: أي القامة.
٧ - و((أمة)): رجل منفرد بدين لا يَشرَكه فيه أحدٌ، قال رَ له: ((يُبعث زيد بن
عمرو بن نُفيل أمة وحده))(١).
٨ - و((أمة)»: أمّ، يقال: أمةُ زید.
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذه المعاني الثمانية لـ(الأُمّة))، فقلت:
فَمَنْ يُرِدْ یَسْمَعْ بِأُذْنٍ وَاعِيَهْ
وَمَعْنَى أُمَّةٍ أَتَى ثَمَانِيَهْ
وَرَجُلٌ جَامِعُ خَيْرٍ قَدْ نَبُلْ
جَمَاعَةٌ كَذَاكَ أَتْبَاعُ الرُّسُلْ
بِدِنِهِ انْفَرَدَ بِالأُمِّ اخْتِمَنْ
وَمِلَّةٌ حِيْنٌ وَقَامَةٌ وَمَنْ
والمراد بالأمة إذا قلنا: أمة محمد وَ ل﴿ المؤمنون خاصّةً، هذا هو الحقّ،
وقد يُطلق على غيرهم بعلاقة كونه مرسلاً إلى الناس أجمعين. انتهى كلام ابن
الملقّن رَّتُهُ(٢) .
وقوله: (يَأَتُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية البخاريّ: (يُدْعَون)) بضم أوله: أي
يُنَادَون، أو يُسَمَّوْن.
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده) ١٨٩/١ - ١٩٠ والحاكم في ((المستدرك)) ٤٣٩/٣ -
٤٤٠ والطبرانيّ (٣٥٠)، وذكره الهيثميّ في ((المجمع)) ٤١٧/٩، ونسبه إلى
الطبرانيّ والبزار باختصار، قال: وفيه المسعوديّ، وقد اختلط، وبقيّة رجاله ثقات،
وصححه الحاكم في ((المستدرك)) ٣١٦/٣ - ٣١٧ ووافقه الذهبيّ.
(٢) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ٤٠٢ - ٤٠٤.

٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقوله: (غُرّأَ) - بضم المعجمة، وتشديد الراء - جمع أَغَرّ، أي ذَوِي
غُرّة، ونُصِب على الحال من الواو في ((يأتون))، وأما على رواية البخاريّ:
فيكون منصوباً على أنه مفعول ثانٍ لـ((يُدْعَون)) بمعنى يُسمّون، أو يكون حالاً من
الضمير في ((يُدعون))، يعني أنهم إذا دُعُوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا
الوصف، وكانوا على هذه الصفة.
وقوله: (مُحَجَّلِينَ) يحتمل الإعرابين السابقين، وهو بالحاء المهملة
والجيم، اسم مفعول، من التحجيل، وقد سبق تفسير الغرّة والتحجيل في
الحديث الماضي.
وقوله: (مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ) ((من)) تعليليّة، أي لأجل أثر الوضوء.
وقوله: (فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) أي فليُطل الغرّة
والتحجيل، واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى، نحو ﴿سَرَبِيلَ
تَقِيكُمُ الْحَزَّ﴾، واقتصر على ذكر الْغُرّة، وهي مؤنّثة، دون التحجيل، وهو
مذكّر؛ لأن محلّ الْغُرّة أشرف أعضاء الوضوء، وأوّل ما يقع عليه النظر من
الإنسان، على أن في الرواية السابقة من طريق عُمارة بن غزيّة ذكر الأمرين
معاً، حيث قال: ((فليُطِل غُرّته وتحجيله))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٨٧] (٢٤٧) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً عَنْ
مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ،
سَعْدٍ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنِ لِهِ قَالَ: ((إِنَّ
حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ،ٌ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
بِاللَّبَنِ، وَلَآَنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ
إِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ لَكُمْ
سِيمًا(١) لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّأَ مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ)).
(١) وفي نسخة: ((لكم سيماءٌ)).

(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٧)
٣٢٥
رجال هذا الإسناد: ستّة :
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثَانيّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل
مكّة، ثقة [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٣ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء
الْفَزَارِيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكّة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يُدلِّس أسماء
الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨.
٤ - (أَبُو مَالِكِ الْأَشْجَعِيُّ، سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ) الكوفيّ، ثقة [٤] (ت في
حدود ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
[تنبيه]: ((الأشجعيّ)) - بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وفتح الجيم -:
نسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، قبيلة مشهورة(١).
٥ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَدُله تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وله فيه شيخان قرن
بینھما .
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: ((قال ابن أبي عمر: حدّثنا مروان))، فيه بيان
اختلاف شيخيه في صيغة الأداء، فصرّح ابن أبي عمر بالتحديث، فبيّنه، وقد
تقدّم ذلك غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من مروان غير الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((إِنَّ حَوْضِي) قال ابن
مضوعيه
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
(١) راجع ((اللباب)) ١/ ٦٤.

٣٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
منظور تَخْذَتُ: ((الْحَوْضُ)): مُجْتَمَعُ الماء معروفٌ، والجمع أَحْوَاض، وحِيَاض.
انتهى (١). وقال الفيّوميّ تَظُّ: حَوْضُ الماء جمعه أَحْوَاضٌ، وحِيَاضٌ، وأصلُ
حِيَاض: الواو، لكن قُلِبت ياءً؛ لكسرة ما قبلها، مثلُ ثَوْبٍ وأَثْوَابٍ، وثِيَاب.
انتهى (٢). (أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ) أي من بعد أَيْلَة من عدن، و((أَيْلة)) - بفتح
الهمزة، وسكون التحتانيّة -: بلدٌ بساحل بحر القلزم مما يلي ديار مصر(٣).
وقال بعضهم: ((أيلة)) مدينة كانت عامرةً بطرف الشام، كان يُمُرّ بها الحاج
من مصر، فتكون شَمَالهم، ويمرّ بها الحاجّ من غَزَّة، فتكون أمامهم، أقرب ما
تكون إلى ما يُسمّى اليوم بالعقبة. انتهى.
و((عَدَن)) - بفتحتين -: بلد باليمن مشتقٌّ من عدن من باب ضرب، وقعد:
إذا أقام، وأُضيف إلى بانيه، فقيل: عدنُ أَبْيَن، قاله في ((المصباح))(٤)، وذكر
بعضهم: أنها مدينة معروفة على ساحل البحر الأحمر. انتهى.
قال الأبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((أبعد من أيلة من عدن)) أي بعد ما بين طرفيه،
قال: ولم يُبيّن هل ذلك طولٌ أم عرضٌ؟ لكن جاء في حديث آخر: ((أن زواياه
سواء)»، وقام البرهان على أن تساوي الزوايا ملزوم لتساوي الأضلاع، فهو
مربّع؛ لتساوي الأضلاع. انتهى (٥).
[تنبيه]: هكذا جاء في هذه الرواية تحديد طرفي الحوض ببعد أيلة من
عدن، وفي رواية البخاريّ: ((إن قدر حوضي كما بين أيلة، وصنعاء من
اليمن))، وفيه: ((حوضه ما بين صنعاء والمدينة))، وعند أحمد: ((كما بين أيلة
إلى الجحفة))، وفي لفظ: ((ما بين مكّة وعمان))، وفي رواية: ((كما بين مكّة إلى
أيلة))، وعند ابن ماجه: ((ما بين الكعبة إلى بيت المقدس))، وجاء غير ذلك.
وقد جمع العلماء بين هذه الاختلافات، وأقرب الأقوال في ذلك أن
المقصود به ضرب المثل لبعد أقطار الحوض وسَعَته، لا تحديد المسافة،
(١) (لسان العرب)) ١٤١/٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٥٦/١.
(٣) راجع ((الأنساب)) ٢٣٧/١ - ٢٣٨، و((اللباب)) ٩٨/١، و((معجم البلدان)) ٢٩٢/١.
(٤) ((الأنساب)) ١٦٥/٤، و((معجم البلدان)) ٨٩/٤، و((المصباح المنير)) ٣٩٧/٢.
(٥) (شرح الأبيّ)) ٢٦/٢.

٣٢٧
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٧)
وذِكرُهُ مَّ للجهات المختلفة بحسب من حضره ممن يَعرِف تلك الجهات،
فيُخاطب كلّ قوم بالجهة التي يعرفونها، وسيأتي تمام البحث في هذا في
موضعه - إن شاء الله تعالى.
(لَهُوَ) اللام لام القسم المحذوف، و «هو» مبتدأ على حذف مضاف: أي
لَمَاؤه، وخبره قوله: (أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْج) قال الأبيّ ◌َخْذَتُ: كونه أشدّ بياضاً
من الثلج حقيقةٌ؛ لأن البياض مقولٌ بالتفاوت. انتهى(١).
(وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ) أي حال كونه مخلوطاً، وممزوجاً باللبن، قال
الأبيّ كَّتُهُ: معنى ((أحلى)) هنا أزكى؛ لأن العسل وحده أحلى منه مع اللبن.
(٢)
انتھی
(وَلَآنِيَتُهُ) أي التي تُسْتَعْمَل لشربه (أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ) من
باب نصر: أي أمنع (النَّاسَ عَنْهُ) أي الورود إليه للشرب (كَمَّا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِلَ
النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ)) أي مثل ما يمنع الإنسان إبل غيره من الناس التي ليس لها
حقّ في الورود إلى حوضه (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟) أي يوم القيامة
(قَالَ: ((نَعَمْ) أي أعرفكم (لَكُمْ سِيمًا) جملة من مبتدأ وخبر، مستأنفة استئنافاً
بيانيّاً، وهو ما وقع جواباً عن سؤال مقدّر، تقديره هنا: بأي شيء تعرفنا؟ قال:
لكم علامة تتميّزون بها عن غيركم، فقوله: ((سيما)) بكسر السين المهملة،
والقصر، وفي بعض النسخ بالمدّ: العلامة، قال النوويّ نَظّتُهُ: ((السيما)):
العلامة، وهي مقصورة، وممدودةٌ، لغتان، ويقال أيضاً: السِّيمِيَاءُ بياء بعد
الميم، مع المدّ. انتهى(٣). وقوله: (لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَم) جملة في محلّ رفع
صفة لـ(سيما))، ثم ذكر ما يُبيِّن به تلك السيما بقوله: (تَرِدُونَ) بفتح أوله، وكسر
الراء، من الورود، يقال: وردَ البعيرُ وغيره الماءَ يَرِدُهُ وُرُوداً، من باب ضرب:
بَلَغُه، ووافاه(٤). (عَلَيَّ غُرَّأَ مُحَجَّلِينَ) منصوبان على الحال كما تقدّم (مِنْ أَثَرِ
الْوُضُوءِ))) تقدّم أنه يَحْتَمِل أن يكون بضمّ الواو للفعل، أو بفتحها للماء، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((شرح الأبيّ)) ٢٦/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/٣.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٢٦/٢.
(٤) ((المصباح)) ٢/ ٦٥٤.

٣٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف ◌َخُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٨٧/١٢ و٥٨٨] (٢٤٧)، و(ابن
ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦/١)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه) (١٠٤٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٥٨ و٣٥٩)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (٥٧٩ و٥٨٠)، وفوائد الحديث تأتي قريباً - إن شاء الله تعالى -
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٥٨٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَاللَّفْظُ
لِوَاصِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ ◌َّهِ: ((تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِي الْحَوْضَ، وَأَنَا أَذُودُ اَلنَّاسَ
عَنْهُ، كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِبِهِ))، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتَعْرِ فُنَا (١)؟ قَالَ:
((نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّأَ مُحَجَّلِينَ، مِنْ آثَارِ
الْوُضُوءِ، وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ، فَلَا يَصِلُونَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ مِنْ
أَصْحَابِي، فَيُجِيبُنِي مَلَلْك (٢)، فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء أحد مشايخ الستّة المذكور أولَ
هذا الباب.
٢ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، ويقال: أبو
محمد الكوفيّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن أبي بكر بن عيّاش، ووكيع، وأسباط بن محمد، وأبي أسامة،
وابن فضیل، ويحيى بن آدم.
(١) وفي نسخة: ((تعرفنا)).
(٢) ووقع في نسخة: ((مالك))، فليُنظر.

(١٢) - بَابُ اسْتِخْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٨)
٣٢٩
ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن أبي
عاصم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، ومحمد بن يحيى بن مَنْدَه، ومُطَيَّن، ومحمد بن
عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد بن شيرويه، والهيثم بن خلف
الدُّوريّ، وأبو يعلى، ومحمد بن السراج، وآخرون.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال النسائيّ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ :
ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال مُطَيَّن، والسراج: مات سنة أربع وأربعين ومائتين.
روى عنه المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثاً.
٣ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو
عبد الرحمن الكوفَيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في
«الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلَا يَصِلُونَ) اللام هي الموّئة للقسم،
و((يُصَدّنّ)) بضمّ الياء، وفتح الصاد المهملة، مبنيّاً للمفعول، وهو مبنيّ على الفتح؛
الاتّصاله بنون التوكيد، و((طائفة)) نائب فاعله: أي لَيُمنَعَنّ جماعة، ومعمول (يَصِلون))
محذوف، أي فلا يصلون إليّ، بل يُحال بينهم وبين الوصول إلى الحوض.
وفي رواية البخاريّ: ((لَيَرِدَنَّ عليّ أقوام، أعرِفهم، ويَعْرفونني، ثم يُحال
بيني وبينهم))، وفي رواية له أيضاً: ((ويرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي،
فيُحَلَّئُون(١) عن الحوض))، وفي رواية: ((فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجلٌ
من بيني وبينهم، فقال: هلُمّ، فقلت: أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: وما
شأنهم؟ فقال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا
عرفتهم خرج رجلٌ بيني وبينهم، فقال: هلمّ، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله،
قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه
يَخْلُص منهم إلا مثل همل النعم))(٢).
(١) أي يُبْعَدون.
(٢) أخرجه البخاريّ في ((صحيحه) برقم (٦٥٨٧).

٣٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقوله: (هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِي) أي فَلِمَ يُمعنون من ورود حوضي؟.
وقوله: (فَيُجِيبُنِي مَلَّك) قال النوويّ تَذَتُهُ: هكذا هو في جميع الأصول،
((فُيُجيبني)) بالباء الموحّدة، من الجواب، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع
الرواة، إلا ابن أبي جعفر من رواتهم، فإنه عنده ((فيجيئني))، بالهمز من
المجيء، والأول أظهر، والثاني له وجه، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
(فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟) وفي الرواية الآتية بعد حديث:
((إنهم قد بدّلوا بعدك))، وسيأتي البحث فيه مستوفَّى هناك - إن شاء الله تعالى -
وتخريجه تقدّم في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٨٩] (٢٤٨) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ
سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ خُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ ◌َّهِ :
(إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ،
كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ:
((نَعَمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَأَ مُحَجَّلِينَ، مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسةٌ :
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ
[١٠] (ت٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٢.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصِلِ، ثقةٌ، له غرائب
بعدما أضرّ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٣ - (سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ) هو: أبو مالك الأشجعيّ المذكور في الحديث
الماضي.
٤ - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) - بكسر الحاء المهملة، آخره شين معجمة - أبو
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٦/٣.

=
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٩)
٣٣١
مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرم [٢] (ت ١٠٠) وقيل غير ذلك (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٥ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان واسم اليمان حِسْل، أو حُسَيل الصحابيّ ابن
الصحابيّ ◌َظ ◌ُبه، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٧.
وقوله: ((إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدٍَ) يعني أن بُعْد ما بين طرفي
حوضه وَّ أزيد من بُعْد أيلة من عدن، وهما بلدان ساحليّان في بحر القلزم،
أحدهما، وهو أيلةُ في شمال بلاد العرب، والآخر، وهو عَدَن في جنوبها،
وهو آخر بلاد اليمن مما يلي الهند.
وقوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه جواز الحلف بالله تعالى من غير
استحلاف، ولا ضرورة، ودلائله كثيرة (١) .
وقوله: (لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ) أي لأمنعنّ عن الحوض.
وقوله: (كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الْإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ») الإبل الغريبة هي
التي لا يُعرف صاحبها، كما قال في الحديث الآخر: ((كما يُذاد البعير
الضالّ))، فهي تَرْعَى مع الإبل، وتُزاحم واردتها على حوضها، فصاحب الإبل
يضربها جُهْده، ويَطرُدها حتى يَسقِيَ إبله، وهي تترامى بالعطش، وهو يَصُدّها،
ولذلك ضرب المثل بضربها، وقال الحجّاج: لأضربنّكم ضرب غرائب الإبل،
قاله القاضي عياض تَظّهُ (٢)، وتمام شرح الحديث يُعلم من شرح حديث أبي
هريرة ره الماضي، والآتي.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حُذيفة
هذا من أفراد المصنّف تَخْذته .
معبه
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٨٩/١٢] (٢٤٨)، و(ابن ماجه)
في ((الزهد)) (٤٣٠٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٢٤١)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٥٨١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٧/٣.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٤٦/٢.

٣٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٩٠] (٢٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ أَتَّى
الْمَقْبُرَةَ، فَقَالَ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْم مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ،
وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا))، قَالُوا: أَوَلَّسْنَا إِخْوَانَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَنْتُمْ
أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ»، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ
مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٍّ، مُحَجَّلَةٌ، بَيْنَ
ظَهْرَيْ خَيْلِ دُهْم بُهْم، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ
يَأْتُونَ غُرّاً، مُحَجّلِينَّ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ
عَنْ حَوْضِيٍ، كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا
بَعْدَََ، فَأَقُولُ: سُحْقاً سُحْقاً)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) عن
(٧٧) سنة (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ٢/ ١١٠.
٢ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ
الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤)، وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق
القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٦ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ، أبو شِبْل المدنيّ،

٣٣٣
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٩٠)
صدوقٌ ربّما وهم [٥] (ت بضع و١٣٠) (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٧ - (أَبُوهُ) هو: عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ، مولى الْحُرَقة المدنيّ،
ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في الإيمان ١٣٥/٨.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَله تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تََّثُهُ، وله فيه أربعة من الشيوخ،
قَرَن بينهم.
٢ - (ومنها): مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، كما سبق آنفاً.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: العلاء،
عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ مَن رَوَى الحديث في دهره، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَتَّى الْمَقْهُرَةَ) بتثليث الباء،
والكسر أقلّها، وهي مواضع دفن الموتى (١)، والمراد بالمقبرة هنا مقبرة البقيع؛
لما أخرجه المصنّف من حديث عائشة رضيها، أنها قالت: ((كان رسول الله وَله
كلّما كانت ليلتها من رسول الله وَّه يخرُج إلى البقيع، فيقول: السلام عليكم
دار قوم مؤمنين ... )) الحديث.
(فَقَالَ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وفي رواية أحمد: ((سلام عليكم))، وفيه دلالة
على أن السلام على الموتى يُقدَّم فيه المبتدأ على الخبر، كالسلام على
الأحياء، ويُقدَّم الدعاء على المدعوّ له، فإن السلام متضمّنٌ للدعاء، ونظيره
قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَّكَنُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ الآية [هود: ٧٣]، ولا ينافيه
ما أخرجه أبو داود في ((باب كراهية أن يقول: عليك السلام)) من ((كتاب
الأدب)) عن أبي جُرَيّ الْهُجَيميّ - بالتصغير فيهما - قال: ((أتيت رسول الله وَّارِ،
(١) راجع ((لسان العرب)) ٦٩/٥.

٣٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: لا تقل: عليك السلام، فإن عليك
السلام تحيّة الموتى))؛ لأن معناه أن هذه الصيغة تختصّ بالموتى، وأما ((السلام
علیکم» فمُشترك.
وأما ما قاله بعضهم من لزوم تقديم المبتدأ على الخبر في السلام على
الأحياء والأموات، وإجابته عن حديث أبي جُرَيّ بأنه إخبار عن عادة أهل
الجاهليّة من تقديم الخبر على المبتدأ في تحيّة الموتى، كما قال شاعرهم
[الطويل]:
عَلَيْكَ سَلَامُ الله قَيْسَ بْنَ عَاصِم وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَكَّمَا
فبعيدٌ؛ لأنه وََّ ما كان يُقِرّ أحداً على ما يُخالف الشريعة.
فتبيّن بهذا أن السنّة في السلام على الأحياء والأموات تقديم المبتدأ على
الخبر، وأنه يجوز في تحيّة الموتى تقديم الخبر(١)، والله تعالى أعلم.
(دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) بنصب ((دار)) على الاختصاص، أو النداء المضاف،
والأول أظهر،ً ويصحّ جرّه على البدل من الضمير المجرور في ((عليكم))،
والمراد بالدار على هذين الوجهين الأخيرين: الجماعة، أو الأهل، وعلى
الأول مثله، أو أهل المنزل، قال الأبيّ: يعني الاختصاص اللغويّ، لا
الصناعيّ؛ لفقد شرطه، وهو تقديم ضمير المتكلّم، أو المخاطب. انتهى.
وسُمّيت القبور داراً؛ تشبيهاً لها بمساكن الأحياء؛ لأنهم يجتمعون في
القبور(٢).
(وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) قال الحافظ أبو عمر تَُّ: في معناه
قولان :
[أحدهما]: أن الاستثناء مردود على معنى قوله: ((دار قوم مؤمنين)): أي
وإنا بكم لاحقون مؤمنين - إن شاء الله - يريد في حال إيمان؛ لأن الفتنة لا يأمنها
مؤمنٌ، ألا ترى إلى قول إبراهيم؛ ﴿وَأَجْتُبْنِى وَبَنِىَّ أَنْ تَعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:
٣٥]، وقول يوسف علَّلها: ﴿تَوَقَّنِ مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
(١) راجع ((المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود)) ١٠٤/٥.
(٢) المصدر السابق.

(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٩٠)
٣٣٥
[والوجه الثاني]: أنه قد يكون الاستثناء في الواجبات التي لا بُدّ من
وقوعها، كالموت، والكونُ في القبر، ولا بُدّ منه ليس على سبيل الشكّ،
ولكنها لغة العرب، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ
اللَّهُ ◌َامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، والشكُّ لا سبيل إلى إضافته إلى الله رَ، تعالى عن
(١)
ذلك علام الغيوب. انتهى
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: هذا الاستثناء يحتمل أوجهاً :
[أحدها]: أَنه امتثال لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّيِ فَاعِلٌ
ذَلِكَ غَدَّا جَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، فكان يُكثر من ذلك حتى
أدخله فيما لا بدّ منه، وهو الموت.
[وثانيها]: أنه أراد إنا بكم لاحقون في الإيمان، ويكون هذا قبل أن يعلم
بما آل أمره، كما قال: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩].
[وثالثها]: أن يكون استثناءً في الواجب، كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ
اَلْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وتكون فائدته التفويض المطلق.
[ورابعها]: أن يكون أراد: لاحقون في هذه البقعة الخاصّة، فإنه وإن
كان قد علم أنه يموت بالمدينة، ويُدفن بها، فإنه قد قال للأنصار: ((المحيا
محياكم، والممات مماتكم))، رواه مسلم، لكن لم تُعيّن له البقعة التي يكون
فيها إذ ذاك، وهذا الوجه أولى من كلّ ما ذُكر، وكلّها أقوال لعلمائنا. انتهى
كلام القرطبيّ تَذُّ(٢) .
وقال النوويّ تَخْلُهُ بعد ذكره نحو ما تقدّم: وقيل: معناه إذ شاء الله، وقيل
أقوال أُخَرُ ضعيفةٌ جدّاً تركتها؛ لضعفها، وعدم الحاجة إليها، منها: قولُ من
قال: الاستثناء منقطعٌ، راجع إلى استصحاب الإيمان، وقولُ مَن قال: كان
معه بل﴿ مؤمنون حقيقةً، وآخرون يُظَنُّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم، وهذان
القولان، وإن كانا مشهورين فهما خطأٌ ظاهرٌ، والله تعالى أعلم. انتهى كلام
النوويّ ◌َُّهُ(٣).
(١) ((التمهيد)) ٢٤٩/٢٠.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/٣.
(٢) ((المفهم)) ١/ ٥٠٠ - ٥٠١.

٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي ما رجحه القرطبيّ ◌َُّهُ،
وهو أن الاستثناء للبقعة التي يُدفن فيها؛ لأنها ليست معيّنة، فيحتمل أن يدفن
في البقيع الذي زار أهله، ويحتمل أن يكون في محلّ آخر، كما هو الواقع بعد
ذلك، فالاستثناء راجع إلى هذا المبهم، والله تعالى أعلم.
(وَدِدْتُ) بكسر الدال: أي تمنّيتُ وأحببتُ، ووجه اتّصال وُدّه برؤية
أصحاب القبور أنه جاء تصوّر اللاحقين بتصوّر السابقين، وقيل: كُشف له وَل
عالم الأرواح كلّها (أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا))) معناه: تمنّيتُ رؤيتنا إخواننا في
الحياة الدنيا، قال القاضي عياض تَخُّْهُ: وقيل: المراد تمني لقائهم بعد
الموت، وقال بعضهم: أراد ◌َ ﴿ أن ينقُل أصحابه من علم اليقين إلى عين
الیقین، فیراهم هو ومن معه.
وقال القرطبيّ تَظَّتُهُ: هذا يدلّ على جواز تمنّي لقاء الفضلاء والعلماء،
وهذه الأخوّة هي أخوّة الإيمان اليقينيّ، والحبّ الصحيح للرسول وَل.
انتھی(١).
(قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون لديه نَّهِ (أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ) وَهِ ((أَنْتُمْ أَصْحَابِي) قال الباجيّ ◌َُّهُ: لم يَنفِ بذلك أُخوّتهم، ولكن ذكر
مرتبتهم الزائدة بالصحبة، واختصاصهم بها، وإنما مَنَع أن يُسمَّوا بذلك؛ لأن
التسمية والوصف على سبيل الثناء والمدح للمسمَّى يجب أن يكون بأرفع
حالاته، وأفضل صفاته، وللصحابة
﴿ّ بالصحبة درجة رفيعةٌ، لا يَلحَقهم فيها
أحدٌ، فيجب أن يوصفوا بها. انتهى(٢).
وقال النوويّ ◌َّتُهُ: قال الإمام الباجيّ ◌َُّهُ: ليس نفياً لأُخُوَّتهم، ولكن
ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، فهؤلاء إخوةٌ صحابةٌ، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا
بصحابة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
(وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ)) ((إخواننا)) مبتدأ خبره الموصول، قال
الحافظ ابن عبد البرّ تَخْلُ: ظاهر هذا الكلام أن إخوانه وَلل غير أصحابه،
(١) ((المفهم)) ١/ ٥٠١.
(٢) راجع ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٦٣/١.

٣٣٧
(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٩٠)
فأصحابه هم الذين رأوه، وصحبوه مؤمنين، وإخوانه هم الذين آمنُوا به، ولم
يروه، وقد جاء منصوصاً عنه وَله، والإخوان والإخوة هنا معناهما سواءٌ، وقد
قُرِئت: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٠]، و(بين
إخوتكم))، و((بين إخوانكم))، وقد رُوي عن الحسن البصريّ أنه قرأ بهذه
الثلاث(١)، قرأ ﴿بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾، و((إخوتكم))، و«إخوانكم))، قال أبو حاتم:
والمعنى واحد، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ
إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَتِكُمْ﴾ الآية [النور: ٦١]، إلا أن العامة أُولِعَت بأن تقول:
إخوتي في النسب، وإخواني في الصداقة. وممن قرأ: ((فأصلحوا بين إخوانكم))
ثابت البنانيّ، وعاصم الجحدريّ، ورُوي ذلك عن زيد بن ثابت، وابن مسعود،
ويعقوب: ((إخوتكم))، وقراءة العامّة: ﴿أَخَوَيَّكُمْ﴾ على اثنين في اللفظ.
وأما الأصحاب: فمن صَحِبَك وصحبته، وجائز أن يُسَمَّى الشيخُ صاحباً
للتلميذ، والتلميذ صاحباً للشيخ، والصاحب: القرين المماشي المصاحب،
فهؤلاء كلهم أصحابٌ، وصحابة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َُّهُ(٢).
وقوله: (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي:
بعد هذا الوقت، يعني أنهم لم يوجدوا معه ((الآن))، وكلمة «بَعْدُ)) قد يراد بها
الآن، كما في قول بعضهم [من الطويل]:
كَمَا قَدْ دَعَانِ فِي ابْنِ مَنْصُورَ قَبْلَهَا
وَمَاتَ فَمَا حَانَتْ مَنِيَّتُهُ بَعْدُ
أي الآن: قاله المرتضى في ((شرح القاموس))(٣).
ويحتمل أن تكون على معناها، ويكون الظرف حالاً، أي: حال كون
وقتهم بعد وقتنا هذا.
(١) هكذا عند ابن عبد البرّ تَخْلُهُ، والذي في تفسير القرطبيّ ◌َخْتُهُ: أن الحسن قرأ
((إخوانكم)) بالنون، وأن ابن سيرين، ونصر بن عاصم، وأبا العالية، والجحدريّ
قرأوا ((بين إخوتكم))، بالتاء على الجمع، والباقون ﴿أَخَوَيَّكُمْ﴾ على التثنية، وحكى
أبو حيان في ((البحر)) الخلاف عن الحسن، قال: وقرأ أبو عمرو بالثلاث.
(٢) ((التمهيد)) ٢٤٣/٢٠ - ٢٤٤.
(٣) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٣٠٤/٢.

٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وأُورد: كيف يتمنّى رؤيتهم، وهو حيّ، وهم حينئذ في علم الله تعالى،
لا وجود لهم في الخارج، والمعدوم لا يُرى، وأيضاً هو من تمنّي ما لا
يكون؛ لأن عمره لا يمتدّ حتى يرى آخرهم؟.
وأُجيب: بأن الرؤية بمعنى العلم، وهو يتعلّق بالمعدوم، أو رؤية تمثيل،
بمعنى أن يُمثّلوا له كما مُثّلت له الجنّة في عُرْض الحائط، أو أن هذا من رؤية
الكون كما زُويت له الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها؛ كرامةً من الله له.
وأُورد أيضاً على أن المراد بعد الموت: أنه يلزم منه تمنّ الموت، وقد
قال ◌َله: ((لا يتمنّيَنّ أحدكم الموت)).
وأُجيب: بمنع الملزوميّة، وإن سُلّمت فالمنع لِمَا قال: ((لِضُرّ نزل به)).
قال الأبيّ تَخْتُهُ: وهذا كلّه على أنه تَمَنِّ حقيقيّ، وقد لا يكون حقيقةً،
وإنما هو تشريفٌ لقدر أولئك الإخوان. انتهى(١).
(فَقَالُوا) أي الصحابة الحاضرون المخاطبون بهذا الكلام (كَيْفَ تَعْرِفُ)
بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ وَ﴿، أي كيف تعرف يوم القيامة (مَنْ لَمْ
يَأْتِ بَعْدُ) ((من)) موصولة مفعول (تَعرِف))، و((بعدُ)) مبنيّ على الضمّ كسابقه، أي
من يولد بعد وفاتك، أو وُلد ولكن لم تره في الدنيا، قال السنديّ ◌َّتُهُ: كأنهم
فَهِموا من تمنّ الرؤية، وتسميتهم باسم الأخوّة دون الصحبة أنه لا يراهم في
الدنيا، فإن ما يُتمنَّى عادةً لا يمكن حصوله، ولو حصل اللقاء في الدنيا لكانوا
صحابةً، وفَهِموا من قوله: ((وأنا فَرَطهم)) أنه يَعرِفهم في الآخرة، فسألوه عن
كيفيّة ذلك. انتهى(٢). (مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ) وَلَه مجيباً عن سؤالهم
هذا ((أَرَأَيْتَ) أي أخبرني، والخطاب مع كلّ من يصلح له من الحاضرين، أو
السائلين، وقد تقدّم تحقيق البحث في هذه الكلمة (لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ)
((الخيل)) أُنثى، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خُيُول، وسُمّيت بذلك؛
لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحاً؛ قاله الفيّومي(٣). (غُرِّ) بضمّ الغين
(١) ((شرح الأبيّ)) ٢٨/٢.
(٢) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٩٤/١ - ٩٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٨٦/١.

(١٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٩٠)
٣٣٩
المعجمة، وتشديد الراء: جمع أَغَرّ، وهو الأبيض الوجه.
وقال في ((اللسان)): ((الغُرّة)) - بالضم - بياض في الجبهة، وفي
((الصحاح)): في جبهة الفرس، فَرَسٌ أغَرُّ، وغَرّاء، وقيل: الأغرّ من الخيل:
الذي غُرّته أكبر من الدرهم، قد وَسَطت جبهته، ولم تُصِب واحدةً من العينين،
ولم تَمِل على واحد من الخدين، ولم تَسِل سُفْلاً، وهي أفشى من الْقُرْحة،
والقُرْحَة قدر الدرهم فما دونه، وقال بعضهم: بل يقال للأغَرّ: أغرُّ أقرح؛
لأنك إذا قلت: أغر، فلا بدّ من أن تصف الغُرّة بالطول والعرض، والصغر
والعِظَم، والدِّقّة، وكلُّهُنّ غُرَرٌ، فالغُرّة جامعة لهنّ؛ لأنه يقال: أغرّ أقرح، و
أغرّ مُشَمْرَغُ الغُرَّة، وأغرُّ شادخُ الغرّة، فالأغر ليس بضرب واحد، بل هو جنس
جامع لأنواع، من قُرْحة، وشِمْراخ ونحوهما، وغُرّة الفرس: البياض الذي
يكون في وجهه، فإن كانت مُدَوَّرةً فهي وَتِيرَةٌ، وإن كانت طويلةً فهي شادِخَةٌ،
قال ابن سيده: وعندي أن الغرة نفسُ القدر الذي يَشْغَلُه البياض من الوجه، لا
أنه البياض. انتهى ما في ((اللسان)) باختصار(١).
(مُحَجَّلَةٌ) اسم مفعول من التحجيل، وهو الذي ابيضّت قوائمه، وجاوز
البياض الأرساغ إلى نصف الوظيف، أو نحو ذلك، ذلك موضع التحجيل فيه؛
قاله الفيّوميّ(٢).
وقال الجوهريّ تَخْتُهُ: التحجيل: بياض في قوائم الفرس، أو في ثلاثٍ
منها، أو في رجليه، قَلَّ أو كَثُرَ بعد أن يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين
والعرقوبين؛ لأنها مواضع الأَحْجال، وهي الخلاخيل والقيود، يقال: فَرَسٌ
مُحَجَّلٌ، وقد حُجِّلت قوائمه تحجيلاً، وإنها لذاتُ أَحْجال، فإن كان في
الرجلين فهو مُحَجَّل الرجلين، وإن كان بإحدى رجليه، وجاوز الأرساغ فهو
محجل الرجل اليمنى، أو اليسرى، فإن كان مُحَجّل يَدٍ ورجلٍ من شِقّ، فهو
مُمْسَكُ الأيامن، مُطْلَق الأياسر، أو مُمْسَك الأياسر، مطلق الأيامن، وإن كان
من خلاف قَلّ أو كثر، فهو مشكول، قال الأزهريّ: وأَخْذُ تحجيل الخيل من
الْحِجْل، وهي حَلْقَةُ الْقَيدِ، جُعِل ذلك البياض في قوائمها بمنزلة القيود.
(١) ((لسان العرب)) ١٤/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٢٢/١.

٣٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقال أبو عبيدة: ((الْمُحَجَّل)): من الخيل أن تكون قوائمه الأربع بِيضاً،
يبلغ البياض منها ثُلُث الوظيف، أو نصفه، أو ثلثيه بعد أن يتجاوز الأرساغ،
ولا يبلغ الركبتين والعُرْقوبين، فيقال: مُحَجَّل القوائم، فإذا بلغ البياض من
التحجيل ركبة اليد، وعُرقوب الرجل، فهو فَرَسٌ مُجَبَّبٌ، فإن كان البياض
برجليه دون اليد، فهو محجل إن جاوز الأرساغ، وإن كان البياض بيديه دون
رجليه، فهو أعصم، فإن كان في ثلاث قوائم دون رجل، أو دون يد، فهو
محجل الثلاث، مطلق اليد أو الرجل، ولا يكون التحجيل واقعاً بيد ولا یدین،
إلا أن يكون معها أو معهما رجل أو رجلان. انتهى(١).
(بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ) تثنية ((ظهر))، أي بينهم، يقال: فلانٌ نازلٌ بين
ظهريهم، وبين أَظْهُرِهم، وبين ظَهْرانيهم، بزيادة الألف والنون للتأكيد، كلّها
بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله ((ظهر)) في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل
الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظَهْراً منهم قُدّامه، وظهراً
وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كثر استعماله في الإقامة بين
القوم، وإن كان غير مكنوف(٢).
(دُهْم) بالجرّ صفة لـ «خيل))، وهو بضمّ، فسكون: جمع أدهم، وهو
الأسود، وأَلدُّهْمة: السواد؛ قاله النوويّ(٣).
وقال في ((المصباح)): ((الدُّهْمَةُ)): السواد، يقال: فرَسٌ أدهم، وبعيرٌ
أدهم، وناقةٌ دَهْماءُ: إذا اشتدّت وُرْقَتُهُ حتى ذهب بياضه، وشاةٌ دَهْماءُ: خالصة
الْحُمْرة. انتهى (٤).
وفي ((اللسان)) بعد ذكر نحو عبارة ((المصباح)): فإن زاد على ذلك حتى
اشتدّ السواد، فهو جَوْنٌ، وقيل: الأدهم من الإبل: نحو الأصفر، إلا أنه أقلّ
سواداً. انتهى(٥) .
(بُهْم) بالجرّ أيضاً صفة لـ((خيلٍ)) بعد صفة، وهو بضمّتين، أو بضمّ،
(١) راجع ((لسان العرب)) ١٤٣/٥ - ١٤٦.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٩/٣.
(٥) ((لسان العرب)) ٢١٠/١٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٨٧/٢.
(٤) ((المصباح)) ٢٠٢/١.