النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا إِذَا لَمْ يَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ - حديث رقم (٥٧٨)
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثاً .
٥ - (يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ) - بفتح الهاء وتُكْسَر - ابن بُهْزَاد - بضمّ الموحّدة،
وسكون الهاء، بعدها زايٌ - الفارسيّ المكيّ، مولى قريش، والصحيح أنه غير
يوسف بن مِهْرَان، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وأمه مُسيكة، وأبي هريرة، وعائشة، وحَكِيم بن حِزَام،
وعبد الله بن صفوان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعُبيد بن عُمير،
وحفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وغيرهم، وأرسل عن أبيّ بن كعب.
ورَوَى عنه عطاء بن أبي رباح، وهو من أقرانه، وأيوب، وأبو بِشْر،
وحميد الطويل، وأبو خثيم، وابن جريج، وإبراهيم بن مهاجر، وجعفر بن
سليمان الضُّبَعيّ، وآخرون.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقةٌ عدلٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ثلاث ومائة، وقال
الهيثم بن عديّ: مات سنة عشر، وقال الواقديّ، وخليفة، وجماعة: مات سنة
ثلاث عشرة، وقيل: مات سنة أربع عشرة ومائة، حَكَى هذا ابنُ سعد أيضاً،
وزاد: كان ثقةً قليلَ الحديث، وقال ابن حبان: مات سنة ثلاث عشرة، وقيل:
سنة ست، وروى القرّاب في ((تاريخه)) بإسناده إلى الهيثم بن عديّ قال: سنة
ثلاث ومائة مات فيها يوسف بن ماهك، ويحيى بن وَثّاب، وذكر غيرَهما،
وهذا يدل على أنه في سنة ثلاث بغير عشر؛ لأن يحيى بن وَثّاب مات فيها
اتّفاقاً .
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٢٤١)
و(٢٨٨٣).
[تنبيه]: ((ماهَك)) بفتح الهاء، وحُكي كسرها، وهو غير منصرف عند
الأكثرين؛ للعلميّة والعجمة، ورواه الأصيليّ منصرفاً، وإنما صرفه؛ لملاحظة
الوصفيّة، وذلك أن ماهك بالفارسيّة تصغير ماء، وهو القمر بالعربيّ، وقاعدتهم
أنهم إذا صغّروا الاسم أدخلوا في آخره كافاً، والتصغير من الصفات، والصفة
لا تجامع العلميّة؛ لأن بينهما تضادّاً، فيبقى الاسم بعلّة واحدة، وهي العجمة،
فلا يُمنع من الصرف، هذا إذا كان بفتح الهاء، وأما إذا كُسرت، فيكون اسم

٢٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
فاعل من مَهَكتُ الشيءَ أمهَكُهُ مهكاً: إذا بالغت في سحقه، قاله ابن دريد،
وفي ((الْعُبَابِ)): مَهَكتُ الشيءَ: إذا ملّسته، أو يكون من مُهكة الشباب بالضمّ،
وهو امتلاؤه، وارتواؤه، ونماؤه.
وذكر الصغانيّ هذه المادّة، ثم قال عقبها: ويوسف بن ماهك من التابعين
الثقات، ويُمكن أن يقال: إنه عربيّ، مع كون الهاء مفتوحةً بأن يكون عَلَماً
منقولاً من مَاهَكَ، وهو فعلٌ ماضٍ من المماهكة، وهو الْجَهْد في الجماع من
الزوجين، فعلى هذا لا يجوز صرفه أصلاً؛ للعلميّة ووزن الفعل.
وقال الدارقطنيّ: ماهك اسم أمه، أي فلا يُصرف؛ للعلميّة، والتأنيث،
قال: والأكثر على أنه اسم أبيه، واسم أمّه: مُسيكة، وعن عليّ ابن المدينيّ أن
يوسف بن ماهك، ويوسف بن ماهان واحد، أفاده العينيّ رَّتُهُ في ((شرحه)) (١).
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو) بن العاص ◌ًِّا، تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ◌ََّ) أي تأخر خَلْفنا .
وقوله: (فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((في سفرة سافرناها))،
وقد تقدّم أنها كانت من مكة إلى المدينة.
وقوله: (فَأَدْرَكَنَا) جملة من الفعل والفاعل، والضمير للنبيّ وَّ، أي لَحِقَ
بنا النبيّ وَل .
وقوله: (وَقَدْ حَضِرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ) جملة في محلّ نصب على الحال،
و(حَضِرَت)) بفتح الضاد وكسرها، لغتان، والفتح أشهر؛ قاله النوويّ تَظّهُ(٢).
وقال في ((القاموس): حَضَر كنصر، وعَلِمَ، حُضُوراً وَحَضَارةً: ضِدّ
غاب. انتهى (٣).
وقال الفيّوميّ تَخْتُهُ: حَضَرتُ مجلس القاضي حُضُوراً، من باب قَعَدَ:
شَهِدته، وحَضَرَ الغائب حُضُوراً: قَدِمَ من غيبته، وحَضَرَت الصلاة، فهي
حاضرة، والأصل حَضَر وقت الصلاة، قال: حَضِرَ فلان بالكسر لغة، واتّفقوا
على ضمّ المضارع مطلقاً، وقياس كسر الماضي أن يُفتَح المضارع، لكن
(١) راجع ((عمدة القاري)) ١٢/٢، وراجع أيضاً ((الفتح)) ١٧٣/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣١/٣.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص ٣٤٠.

٢٨٣
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا إِذَا لَمْ يَلْبَسِ الْخُقَّيْنِ - حديث رقم (٥٧٨)
استُعْمِل المضموم مع كسر الماضي شُذُوذاً، ويُسمّى تداخل اللغتين. انتهى (١).
فمعنى: ((حضرت الصلاة)): جاء وقت فعلها .
وفي رواية البخاريّ: ((فأدركنا، وقد أرهقنا العصر))، قال في ((الفتح)):
قوله: ((أرهقنا)) - بفتح الهاء والقاف - و((العصر)) مرفوع بالفاعلية، كذا لأبي
ذرّ، وفي رواية كريمة بإسكان القاف، و((العصر)) منصوب بالمفعولية، ويُقَوِّي
الأولَ رواية الأصيليّ: ((أرهقتنا)) - بفتح القاف، بعدها مثناة ساكنة ـ ومعنى
الإرهاق: الإدراك، والْغَشَيان، قال ابن بطال: كأن الصحابة أخروا الصلاة
في أول الوقت طمعاً أن يلحقهم النبيّ وَّ، فيصلوا معه، فلما ضاق الوقت
بادروا إلى الوضوء، ولعَجَلتهم لم يسبغوه، فأدركهم على ذلك، فأنكر
(٢)
عليهم(٢) .
وقوله: (فَجَعَلْنَا) أي شرعنا.
وقوله: (نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا) قابل الجمع بالجمع، فالأرجل مُوَزَّعة على
الرجال، فلا يلزم أن يكون لكلّ رَجُل أرجُلٌ، ومسائل الحديث تقدّمت قبل
حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: فيما قيل من الأسئلة والأجوبة على هذا الحديث:
١ - (منها): ما قيل: إن الرَّجُل له رِجْلان، وليس له أرجُلٌ، فالقياس أن
يقال على رجلينا؟.
أجيب بأن الجمع إذا قوبل بالجمع يفيد التوزيع، فتُوَزّع الأرجل على
الرجال.
٢ - (ومنها): ما قيل: فعلى هذا يكون لكلّ رَجُل رجلٌ.
أجيب بأن جنس الرجل يتناول الواحد والاثنين، والعقل يُعَيِّن المقصود،
سيّما فيما هو محسوسٌ.
٣ - (ومنها): ما قيل: لِمَ خصّ الأعقاب بالعذاب؟.
أجيب بأنها العضو التي لم تُغسل، وقال صاحب ((الغريبين)): معنى:
((ويلٌ للأعقاب من النار)) أي لصاحب العقب الْمُقَصَّر عن غسلها، كما قال:
(١) ((المصباح المنير)) ١٤٠/١.
(٢) راجع (الفتح)).

٢٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة
﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهل القرية، وقيل: إن العَقِب يُخصّ بالمؤلم
من العقاب إذا قُصِّر في غسلها، وفي ((المنتهى في اللغة)): ((ويلٌ للأعقاب من
النار)) أراد التغليظ في إسباغ الوضوء، وهو التكميل والإتمام، والسبوغ:
الشمول.
٤ - (ومنها): ما قيل: ما الألف واللام في ((الأعقاب))؟.
أجيب بأنها للعهد، أي الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسّها الماء، أو
يكون المراد: الأعقاب التي صفتها هذه، لا كلّ الأعقاب.
٥ - (ومنها): ما قيل: إن اللام للاختصاص النافع؛ إذ المشهور أن اللام
تُستعمل في الخير، و((على)) تُستعمل في الشرّ، نحو ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا
أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
أجيب بأنها هنا بمعنى ((على))، نحو قوله ريك: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَاَ﴾.
[الإسراء: ٧]، وقوله: ﴿وَلَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، فإن اللام في هذه المواضع
استعملت بمعنى ((على)).
٦ - (ومنها): ما قيل: كيف أخّرت الصحابة ظه الصلاة عن أول وقتها
الأفضل؟ .
أجيب بأنهم إنما أخروها عنه؛ طَمَعاً أن يصلّوها مع النبيّ وَّ؛ لفضل
الصلاة معه، فلما خافوا فواتها استعجلوا في الوضوء، فحصل منهم تقصير
فيه، فأنكر عليهم النبيّ وَّهُ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٧٩] (٢٤٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّام الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ
- يَعْنِي ابْنَ مُسْلِم - عَنْ مُحَمَّدٍ - وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَه
رَأَى رَجُلاً، لَمْ يَغَّسِلْ عَقِبَيْهِ، فَقَالَ: ((وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ))).
(١) راجع لهذه الفوائد ((عمدة القاري)) للعينيّ ◌َخْلْتُهُ ١٥/٢ - ١٦.

٢٨٥
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا إِذَا لَمْ يَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ - حديث رقم (٥٧٩)
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّام(١) الْجُمَحِيُّ(٢)) مولاهم، أبو حَرْب البصريّ،
صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١) (م) من أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان) ١٠٠/ ٥٢٦.
٢ - (الرَّبِيعُ بْنَ مُسْلِم) الْجُمَحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة [٧] (ت١٦٧)
(بخ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٠/ ٥٢٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل
البصرة، ثقةٌ، ثبتٌ، ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٠.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َُّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَخْتُهُ، وهو
أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما أسلفته في ((شرح المقدّمة))، وهو (٢٧) من
رباعيّات الكتاب، وشرح الحديث واضحٌ يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رحُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٧٩/٩ و٥٨٠ و٥٨١] (٢٤٢)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٦٥)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٤١)، و(النسائيّ) في
((الطهارة)) (١١٠)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٦٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه))
(٢٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠٦/٤ و٤٠٧ و٤٠٩ و٤٦٦ و٤٦٧ و٤٨٢)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٦٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٨٨)،
و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٣٨/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٩/١)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٦٨٧ و٦٨٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٦٩ و٥٧٠)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
(١) بتشديد اللام.
(٢) بضم الجيم، وفتح الميم.

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
[٥٨٠] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ(١)، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ،
قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ رَأَى قَوْماً
يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ، فَقَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِم ◌َُّ
يَقُولُ: ((وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (وَأَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠]
(ت٢٤٧) (ع) وهو أحد مشايخ الستّة بلا واسطة، تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
والباقون تقدّموا في هذا الباب، غير قتيبة، فتقدّم في الباب الماضي.
وقوله: (مِنَ الْمِطْهَرَةِ) بكسر الميم، وفتحها، لغتان مشهورتان، ذكرهما
ابن السّكّيت، فمن كسرها جعلها اسماً للإناء المعدّ للتطهر منه، ومن فتحها
جعلها موضِعاً تُفْعَل فيه الطهارة(٢).
وقوله: (أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ) أي أكملوه، وكأنه رأى منهم تقصيراً، أو خشيه
عليهم .
وقوله: (فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ نَّهَ يَقُولُ .. إلخ) فيه ذكر رسول الله وَل
بكنيته، وهو حسنٌ، وذكره بوصف الرسالة أحسن منه، وفيه أنه ينبغي للعالم أن
يستدلّ على ما يُفتي فيه؛ لیکون أوقع في نفس سامعه.
وقوله: (وَيْلٌ لِلْعَرَاقِبِ مِنَ النَّارِ) ((الَعَرَاقيب)) - بالفتح -: جمع عُرْقُوب -
بضم العين، وسكون الراء - وهي الْعَصَبة التي فوق العَقِب؛ قاله النوويّ رَّتُهُ .
وقال القرطبيّ كَُّهُ: ((الْعَراقيب)): جمع عُرقوب، وهو العصب الغليظ
الْمُوتر فوق عقب الإنسان، وعُرقوب الدابّة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها،
قال الأصمعيّ: وکلُّ ذي أربع فعرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه.
ومعنى ذلك أن العراقيب تُعَذَّب إن لم تُعَمّم بالغسل.
وهذه الأحاديث كلّها تدلّ على أن فرض الرجلين الغسل، لا المسح،
وهو مذهب جمهور السلف، وأئمة الفتوى، وقد حُكي عن ابن عبّاس، وأنس،
(١) وفي نسخة: ((قتيبة بن سعيد)).
(٢) راجع ((شرح النوويّ)) ١٣١/٣.

(١٠) - بَابُ وُجُوبِ اسْتِعَابٍ جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ - حديث رقم (٥٨٢)
٢٨٧
، أن فرضهما المسح إن صحّ ذلك عنهم، وهو مذهب الشيعة،
وعكرمة
وذهب ابن جرير الطبريّ إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح(١)، وقد
تقدّم تحقيق أدلتهم، وترجيح مذهب الجمهور، مستوفّى في شرح حديث
عثمان رُته، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٨١] ( .. ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُهَيْل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر بآخره [٦]
(ت١٣٨) تقدم في ((الإيمان)) ١٦١/١٤.
٢ - (أَبُوهُ) هو: أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، كان يجلُب
الزيت إلى الكوفة، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون تقدّموا في هذا الباب، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد، وشرح
الحديث، ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ فَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٠) - (بَابُ وُجُوبٍ اسْتِيعَابٍ جَمِيعٍ أَجْزَاءِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٥٨٢] (٢٤٣) - (حَدَّثَنِي(٢) سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَنَّ
رَجُلاً تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَقَالَ: ((ارْجِعْ،
فَأَحْسِنْ وُضُوءَ))، فَرَجَعَ، ثُمَّ صَلَّى).
(١) راجع ((المفهم)) ١/ ٤٩٦.
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

٢٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمسمَعيّ المذكور في الباب الماضي.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ) الْحَرّانيّ المذكور في الباب الماضي.
٣ - (مَعْقِل) بن عُبيد الله الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ - بالموحّدة -
مولاهم، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت١٦٦) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تدرُس المذكور قبل باب.
٥ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام ﴿ها المذكور أيضاً قبل باب.
٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) الخليفة الراشد استُشهِد في ذي الحجة سنة (٢٣)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف دَخَّلهُ.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ
٣ - (ومنها): أن جابراً ظله أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠)
حديثاً .
٤ - (ومنها): أن عمر ظله أحد الخلفاء الأربعة، وأحد السابقين إلى
الإسلام، ذو مناقب جمّة رُه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ◌َُ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ◌َّهُ (أَنَّ رَجُلاً)
قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه(١) (تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ) أي قدر موضعها،
قال الفيّوميّ كَُّهُ: ((الظفر)) للإنسان مذكَّرٌ، وفيه لغات:
[أفصحها]: بضمّتين، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى
وسط
ظُفُرٌ﴾ .
[والثانية]: الإسكان؛ للتخفيف، وقرأ بها الحسن البصريّ، والجمع
أَظفار، وربّما جُمع على أَظْفُر، مثل رُكْنٍ أَرْكُنِ.
(١) (تنبيه المعلم)) ص٩٨.

(١٠) - بَابُ وُجُوبٍ اسْتِيعَابٍ جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ - حديث رقم (٥٨٢)
٢٨٩
[والثالثة]: بكسر الظاء، وِزانُ حِمْلٍ.
[والرابعة]: بكسرتين؛ للإتباع، و قُرئ بهما في الشاذّ.
[والخامسة]: أُظْفُور، والجمع أَظَافير، مثلُ أُسْبُوع وأَسَابيع، قال الشاعر
[من البسيط]:
مَا بَيْنَ لُقْمَتِهِ الأُولَى إِذَا انْحَدَرَتْ وَبَيْنَ أُخْرَى تَلِيهَا قِيدُ أُظْفُورٍ (١)
(عَلَى قَدَمِهِ) تثنية قَدَم - بفتحتين - وهي مؤنّثة، وجمعها أَقْدام، مثلُ سبَب
وأسباب (فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ◌َ ﴿َ، فَقَالَ) وََّ (ارْجِعْ)؛ أي إلى موضع الوضوء
(فَأَحْسِنْ وُضُوءَ) أي بتكميل ما تركت غسله (فَرَجَعَ) ذلك الرجل (ثُمَّ صَلَّى)
أي بعد أن أحسن وضوءه.
قال النوويّ تَُّ: في هذا الحديث أن مَن ترك جزءاً يسيراً مما يجب
تطهيره، لا تصح طهارته، وهذا مُتَّفَقٌ عليه، واختلفوا في المتيمم يترك بعض
وجهه، فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يصحّ، كما لا يصحّ وضوءه، وعن أبي
حنيفة ثلاث روايات: إحداها إذا ترك أقلّ من النصف أجزأه، والثانية إذا ترك
أقلّ من قدر الدرهم أجزأه، والثالثة إذا ترك الربع فما دونه أجزأه، وللجمهور
أن يحتجوا بالقياس، انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف رَخَذَتْهُ .
(المسألة الثانية): هذا الحديث أعلّوه بأمور:
١ - (منها): ما تقدّم في مقدّمة ((شرح المقدّمة)) أن الحافظ أبا الفضل بن
عمّار الشهيد تَخْذَتُ انتقده، فقال: هذا الحديث إنما يُعرَف من حديث ابن لَهِيعة،
عن أبي الزبير بهذا اللفظ، وابن لَهِيعة لا يُحتجّ به، وهو خطأُ عندي؛ لأن
الأعمش رواه عن أبي سفيان، عن جابر، فجعله من قول عمر ﴿قًا. انتهى(٢).
(١) ((المصباح المنير)) ٣٨٥/٢.
(٢) راجع ((شرح المقدّمة)) ١٤٤/١.

٢٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
٢ - (ومنها): أن بعضهم أعلّه بضعف معقل بن عبيد الله.
٣ - (ومنها): أن بعضهم أعلّه بعنعنة أبي الزبير؛ لأنه مدلّس.
قال الجامع عفا الله عنه: يُجاب عن هذه الانتقادات بما يلي:
[أما الأول]: وهو إعلال أبي الفضل برواية ابن لَهِيعة، فيجاب بأنها لا
تنافي رواية مَعْقِل بن عُبيد الله، بل هي متابعة قويّة، فيكون كلّ منهما رَوَى هذا
الحديث عن أبي الزبير.
[وأما الثاني]: وهو لأبي الفضل أيضاً، حيث ضعّف رواية ابن لهيعة،
فيجاب بأن ذلك ليس مقبولاً؛ إذ هي صحيحة؛ لأنها من رواية عبد الله بن
وهب عنه، وروايته عنه قبل احتراق كتبه، كما هو معروف لدى أهل المعرفة،
فقد قال عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ المصريّ: إذا رَوَى العبادلة عن ابن لَهِيعَة،
فهو صحيح، وهم: ابن المبارك، وابن وهب، وابن يزيد المقرئ(١)، وما هنا
من رواية ابن وهب عنه.
[وأما الثالث]: وهو تضعيف معقل بن عبيد الله، فليس بمسلَّم؛ لأن
الأكثرين على توثيقه، فقد احتجّ به مسلم، ووثقه أحمد، وابن معين في رواية،
وغيرهما. قال الحافظ الذهبيّ كَّتُهُ في ((الميزان)) - بعد نقل كلام أبي الحسن
القطّان قوله: معقل بن عبيد الله عندهم مستضعف - ما نصّه: كذا قال، بل هو
عند الأكثرين صدوقٌ، لا بأس به، وقد روى عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقةٌ،
ورَوى عن ابن معين: ليس به بأس، ورَوى الكوسج عن ابن معين ثقةٌ. انتهى(٢).
وقال في ((السير)) بعد ذكر نحو ما تقدّم: وما عرفت له شيئاً منكراً،
فأذكره، وحديثه لا يَنزِل عن رتبة الحسن. انتهى (٣).
وقال في ((التهذيب)) عن ابن عديّ بعد أن سرد له عدّة أحاديث: هو
حسن الحديث، لم أجد في حديثه منكراً. انتهى (٤).
والحاصل أن معقل بن عبيد الله الراوي عن أبي الزبير هنا ليس في روايته
طعنٌّ، كما زعموا.
(١) راجع ((تهذيب التهذيب)) ٤١٣/٢.
(٣) ((سير أعلام النبلاء)) ٣١٨/٧ - ٣١٩.
(٢) ((ميزان الاعتدال)) ١٤٦/٤.
(٤) ((تهذيب التهذيب)) ١٢٠/٤.

٢٩١
(١٠) - بَابُ وُجُوبٍ اسْتِيعَابٍ جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ - حديث رقم (٥٨٢)
[وأما الرابع]: وهو تضعيفه بعنعنة أبي الزبير، فيُجاب بأن الحديث له
شواهد :
(منها): ما أخرجه أبو داود في ((سننه)) (١٦٥) بإسناد صحيح، عن أنس بن
مالك نظّ ◌ُله أن رجلاً جاء إلى النبيّ وَّ﴾، وقد توضأ، وترك على قدمه مثل
موضع الظفر، فقال له رسول الله وَله: ((ارجع، فأحسن وضوءك)).
وأشار أبو داود إلى إعلاله بتفرّد ابن وهب عن جرير بن حازم، لكن ابن
وهب ثقة حافظ، لا يضرّ تفرّده، وقد صححه ابن خزيمة، وغيره.
(ومنها): ما أخرجه أبو داود أيضاً بإسناد صحيح (١٧٥) عن بعض
أصحاب النبيّ وَّ، أن النبيّ وَله رأى رجلاً يُصَلّي، وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قدر
الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره النبيّ ◌َ﴿ أن يعيد الوضوء والصلاة، وهو
حديث صحيح، وقال الإمام أحمد: هذا إسناد جيّدٌ، وقوّاه ابن التركمانيّ،
وابن القيّم والحافظ ابن حجر، والشيخ الألبانيّ.
وأعلّه المنذريّ وابن حزم، بأن في إسناده بقيّة بن الوليد، وهو مدلّس،
وأجاب ابن القيّم عن ذلك بأنه صرّح بالتحديث في ((مسند أحمد))، لكنه متّهم
بتدليس التسوية.
وبالجملة فالحديث يتقوّى بمجموعه، وقد أجاد البحث فيه الشيخ
الألبانيّ كَُّهُ، وحقّقه في ((صحيح أبي داود)) (٣٠٧/١ - ٣١٣)، فراجعه
تستفد .
(ومنها): مرسل الحسن البصريّ رَّتُهُ، أخرجه أبو داود أيضاً بسند
صحيح، فهو يقوّي حديثنا أيضاً.
والحاصل أن رواية المصنّف تَخْذَتُهُ هنا صحيحة، كما أراد هو؛ لأنه إمام
حجة، مقدّم في معرفة علل الحديث، فهو العمدة في هذا الباب، وما ذكر من
الإعلال لا يؤثّر في روايته؛ لما عرفته من الأجوبة، فالحديث صحيح،
والحمد لله، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثالثة):
في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [٥٨٢/١٠] (٢٤٣)، و(أبو عوانة)

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
في ((مسنده)) (٦٩١ و٦٩٣)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٥٧١)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الفرض غسلاً
ومسحاً.
٢ - (ومنها): بيانُ أن مَنَ تَرك شيئاً من أعضاء طهارته جاهلاً لم تصح
طهارته، ولا يُعذر بالجهل.
٣ - (ومنها): بيان أن الجزء اليسير كالكبير، لا فرق بينهما، فإن قوله:
((موضع ظفر)) ظاهر في ذلك.
قال النوويّ تَُّ في ((المجموع)): فإن كان على رجله شُقُوقٌ وجب
إيصال الماء إلى باطن تلك الشقوق، فإن شكّ في وصول الماء إلى باطنهما،
أو باطن الأصابع لزمه الغسل ثانياً حتى يتحقّق الوصول، هذا إذا كان قد شكّ
في أثناء الوضوء، فأما إذا شكّ بعد الفراغ، ففيه خلافٌ، ثم قال: قال
أصحابنا - يعني الشافعيّة - فلو أذاب في شقوق رجليه شَحْماً، أو شَمَعاً، أو
عجيناً، أو خضبهما بحنّاء، وبقي جِرْمه، لزمه إزالة عينه؛ لأنه يمنع وصول
الماء إلى البشرة، فلو بقي لون الحنّاء دون عينه لم يضرّه، ويصحّ وضوؤه، ولو
كان على أعضائه أثر دهن مانع، فتوضّأ، وأمسّ الماء البشرة، وجرى عليها،
ولم يَثْبُت صحّ وضوؤه؛ لأن ثبوت الماء ليس بشرط. انتهى كلام
النوويّ تَذَتُهُ(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ كَّتُ بحثٌ نفيسٌ؛ لأنه
تؤيّده ظواهر النصوص؛ إذ هي أوجبت غسل الأعضاء، ولا يتحقّق ذلك إلا
بوصول الماء إلى جميع بشرة العضو المغسول.
[تنبيه مهمٌّ]: من هنا يُعلم - كما قال بعض الفضلاء - أن ما اعتاده النساء
اليوم من طلاء أظافر اليدين والرجلين بمادّة ملوّنة (المونوكير) ولها جرم يمنع
وصول الماء إلى الأظافر لا تصحّ معها الطهارة، ولا تصحّ الصلاة بها؛ لعدم
(١) ((المجموع)) ١ /٤٥٦ - ٤٥٧.

٢٩٣
(١١) - بَابُ خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٣)
تحقّق الطهارة المأمور بها، فليُتنبّه لهذه الدقائق، فإنها مزلة أقدام؛ إذ كثير من
النساء يصلّين بغير طهارة شرعيّة، وإنا لله، وإنا إليه راجعون.
٤ - (ومنها): أن فيه تعليمَ الجاهل، والرفقَ به.
٥ - (ومنها): أنه قد استدَلَّ به جماعة على أن الواجب في الرجلين
الغسل دون المسح.
٦ - (ومنها): أن القاضي عياضاً تَظْلَتُهُ وغيره استَدَلّوا بهذا الحديث على
وجوب الموالاة في الوضوء؛ لقوله وَ له: ((أَحْسِن وضوءك))، ولم يقل: اغسِلٍ
الموضعَ الذي تركته.
وتعقّبه النوويّ ◌َُّهُ، فقال: وهذا الاستدلال ضعيفٌ، أو باطلٌ، فإن
قوله اَلر: ((أَحْسِن وضوءك)) محتملٌ للتتميم، والاستئناف، وليس حمله على
أحدهما أولى من الآخر. انتهى (١)، وهو تعقّبٌ وجيهٌ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١١) - (بَابُ خُرُوج الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٨٣] (٢٤٤) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا
أَبُو الطَّاهِرِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ
الْمُسْلِمُ، أَوِ الْمُؤْمِنُ، فَفَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ، مَعَ
الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ بَدَيْهِ، خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا
يَدَاهُ، مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا
رِجْلَاهُ، مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًَّ مِنَ الذُّنُوبِ))).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/٣.

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) بن سهل الْهَرَويّ الأصل، ثم الْحَدَثَانِيّ، ويقال له:
الأَنْبَاريّ، صدوقٌ، عَمِيَ، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، من قدماء [١٠]
(ت٢٤٠) عن مائة سنة (م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧.
٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ المذكور قبل باب.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) أبو محمد المصريّ المذكور في الباب الماضي.
٤ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة المذكور قبل بابين.
٥ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِيَ صَالِح) المدنيّ المذكور في الباب الماضي.
٦ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكرَّان السمّان المذكور في الباب الماضي أيضاً.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُلُهُ بالنسبة للسند الأول، ومن
سداسيّاته بالنسبة للسند الثاني.
[فإن قلت]: كان الأولى للمصنّف كَذَتُ أن يؤخّر سند سُويد؛ لأنه متكلّم
فيه، فهو من أهل المتابعة، لا من أهل الأصالة، فَلِمَ قدّمه؟.
[قلت]: إنما قدّمه؛ لكونه عالياً؛ إذ هو يروي عن مالك مباشرة، بخلاف
أبي الطاهر، فإنه يروي عنه بواسطة، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول هروي، ثم
حَدَثانيّ بفتحتين، وهو نسبة إلى الحَدِيثة بلدة مشهورة على الفرات(١)، والثاني
مصريّ، كابن وهب.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ)
قال بعضهم: في لفظ: ((توضّأ)) مجاز المشارفة: أي أراد الوضوء، وأشرف
(١) راجع ((اللباب)) ٣٤٧/١ - ٣٤٨.

٢٩٥
(١١) - بَابُ خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٣)
عليه، وذلك ليصحّ عطف ((فغسل وجهه .. إلخ))؛ إذ غسل الوجه واليدين
والرجلين هو الوضوء، وزيادة لفظة ((العبد)) لإفادة إخلاص العبادة، أي إذا توضّأ
مُستَشعِراً أنه عبد مخلص مطيع الأوامر. انتهى(١). (أَوِ الْمُؤْمِنُ) قال الحافظ أبو
عمر تَخْذُهُ: ((أو)) للشكّ من المحدّث، من كان، مالك، أو غيره. انتهى (٢).
وقال القاري تَخْتُ: ((أو)) للشكّ من الراوي في لفظ النبيّ وَّ، وإلا فهما
مترادفان في الشريعة، والمؤمنة في حكم المؤمن. انتهى(٣).
(فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ) قال الطيبيّ كَّلُ: ((خرج)) جواب الشرط، والفاء في
(فَغَسَلَ)) مُرَتِّبَةٌ له على الشرط، أي إذا أراد الوضوء، فغسل، خرج من وجهه
كلُّ خطيئة. انتهى(٤). وقال القاري كَّتُهُ: قوله: ((فغسل وجهه)) عطفٌ على
توضّأ عطفَ تفسير، أو المراد: إذا أراد الوضوء، وهو الأَوْجَهُ، وفيه إيماء إلى
اعتبار النيّة المقتضية للمثوبة. انتهى (٥). (مِنْ وَجْهِهِ كُلَّ خَطِيئَةٍ) بفتح الخاء،
وكسر الطاء، على وزن فَعِيلة، ويُجمع على خَطَايَا، وهو جمع نادر،
و((الخَطِيئة)): الذنب على عمد، ولك أن تُشدِّد الياء؛ لأن كلّ ياء ساكنة، قبلها
كسرة، أو واو ساكنة قبلها ضمة، وهما زائدتان للمدّ، لا للإلحاق، ولا هما
من نفس الكلمة، فإنك تَقلب الهمزة بعد الواو واواً، وبعد الياء ياءً، وتُدْغَمُ،
وحكى أبو زيد في جمعه خَطَائِئ بهمزتين على فَعَائل، والفعل أخطأ، وخَطِىءَ،
وأخطأ يُخِطِىءُ: إذا سلك الخطأ عمداً وسهواً، ويقال: خَطِىءَ بمعنى أخطأ،
وقيل: خَطِىءَ: إذا تعمّد، وأخطأ: إذا لم يتعمّد، ويقال لمن أراد شيئاً، ففعل
غيره، أو فعل غير الصواب: أخطأ، أفاده في ((اللسان)) (٦).
وفي ((المصباح)): قال أبو عُبيدة: خَطِىءَ خِطْئاً، من باب عَلِمَ، وأخطأ
بمعنّى واحد لمن يُذنب على غير عمد، وقال غيره: خَطِىءَ في الدين، وأخطأ
في كلّ شيء، عامِداً كان أو غير عامد، وقيل: خَطئ: إذا تعمّد ما نُهيَ عنه،
(١) ((فتح المنعم)) ١٤١/١.
(٢) ((التمهيد)) ١/ ١٩٢ ترتيب المغراوي.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٤٤/٣.
(٦) ((لسان العرب)) ٦٧/١.
(٣) ((المرقاة)) ١٢/٢.
(٥) ((المرقاة)) ١٣/٢.

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
فهو خاطىءٌ، وأخطأ: إذا أراد الصواب، فصار إلى غيره، فإن أراد غير
الصواب، وفعله، قيل: قصده، أو تعمّده، والْخِطْءُ - أي بكسر، فسكون -:
الذنب؛ تسميةً بالمصدر. انتهى(١).
وقوله: (نَظَرَ إِلَيْهَا) في محلّ جرّ، صفةٌ لـ«خطيئة)) (بِعَيْنَيْهِ) قال
الطيبيّ نَّثُ: أي نظر إلى سببها؛ إطلاقاً لاسم المسبّب على السبب؛ مبالغة،
يعني أن هذا مجاز مرسلٌ؛ بعلاقة السببيّة؛ لأنه لا ينظر إلى نفس الخطيئة؛ إذ
المرأة الأجنبيّة مثلاً سبب الخطيئة، وليست هي عين الخطيئة، وكذا البواقي.
[فإن قلت]: ذَكَرَ لكلّ عضو ما يختصّ به من الذنوب، وما يُزيلها عن
ذلك العضو، والوجه مشتملٌ على العين، والفم، والأنف، والأذن، فلم
خُصّت بالذكر دونها؟ .
[قلت]: العين طَلِيعة القلب، ورائده، فإذا ذُكرت أغنت عن سائرها،
ويَعضِد هذا التأويل حديث عبد الله الصنابحيّ، وفيه: ((فإذا غسل وجهه،
خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه)). انتهى(٢).
وقيل في الجواب عن هذا الاستشكال: أن سبب تخصيص خطيئة العين
بالمغفرة هو أن كلّاً من الفم، والأنف، والأذن له طهارة مخصوصة خارجة عن
طهارة الوجه، فكانت متكفّلةً بإخراج خطاياه، بخلاف العين، فإنه ليس لها
طهارة إلا في غسل الوجه، فخُصّت خطيئتها بالخروج عند غسله دون غيرها
مما ذُكر. انتهى(٣) .
(مَعَ الْمَاءِ) متعلّقٌّ بـ(خرج))، أي مع انفصال الماء (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ)
قال أبو عمر كَّتُهُ: ((أو)) للشك من المحدّث، ولا يجوز أن يكون ذلك شكّاً
من النبيّ وََّ، ولا يَظُنّ ذلك إلا جاهلٌ مجنون، وَيَحْمِلُ على الشكّ في مثل
هذه الألفاظ: التحرّي في الإتيان بلفظ الحديث دون معناه، وهذا شيء قد
(٤)
اختلف فيه السلف. انتھی
(١) ((المصباح المنير)) ١٧٤/١.
(٢) ((الكاشف)) ٧٤٤/٣.
(٣) راجع ((المرقاة)) ١٤/٢.
(٤) ((التمهيد)) ١٩٢/١ - ١٩٣ ترتيب المغراوي.

٢٩٧
(١١) - بَابُ خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٣)
وقال القرطبيّ تَخَّهُ: ((أو)) للشكّ من بعض الرواة، ويدلّ على أنه للشكّ
زيادة مالك فيه: ((مع الماء، أو مع آخر الماء))، أو نحو هذا، قال: ويُفهَمُ منه
أن الغسل لا بدّ فيه من نقل الماء، ولا يُفهم منه أن غاية الغسل أن يقطر
الماء؛ لأنه على الشكّ، ولِمَا جاء ((حتى يُسبغ)) (١).
و((القطرة)) - بفتح، فسكون -: النُّقطة، والجمع قَطَرات، يقال: قَطَرَ الماءُ
قَظْراً، من باب قَتَلَ، وقَطَرَاناً، وقَطَرته، يتعدّى، ولا يتعدّى، هذا قول
الأصمعيّ، وقال أبو زيد: لا يتعدّى بنفسه، بل بالألف، فيقال: أقطرته.
(٢)
انتھی(٢).
والمعنى هنا: أن الخطيئة تخرُج مع النُّقطة الأخيرة التي تتساقط من غسل
وجهه، والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ) أي ذَهَبَ، ومُحِي (كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ
بَطَشَتْهَا يَدَاهُ) أي أخذتها، كملامسة المرأة الأجنبيّة، و((كان)) يحتمل أن تكون
زائدة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَقَدْ تُزَادُ (كَانَ)) فِي حَشْوِ كَـ«مَا كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا))
وجملة ((بطشتها)) في محلّ جرّ صفة لـ((خطيئة))، أي كلُّ خطيئة مبطوشة
بیدیه .
ويَحْتَمِلُ أن تكون ((كان)) شانيّة، واسمها ضمير الشأن، وجملة ((بطشتها))
خبرها، وجعل اسمها ضمير العبد المسلم، وخبرها جملة ((بطشتها يداه)) مما لا
يخفى بعده، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ: قوله: ((يداه)) تأكيد للمبالغة (مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ
الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا) الضمير لـ((الخطيئة))، وهو
منصوب بنزع الخافض: أي مشت بها إلى الخطيئة، أو يكون مصدراً: أي
مَشَتِ الْمَشْيَةَ، فهو كقوله وَّر: ((واجعله الوارث)): أي اجعل الجعل؛ قاله
الطيبيّ ◌َُّ(٣). (رِجْلَاهُ) تأكيد للمبالغة أيضاً (مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ،
(١) ((المفهم)) ١/ ٤٩٣.
(٣) ((الكاشف)) ٧٤٥/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٠٧/٢.

٢٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيّاً مِنَ الذَّنُوبِ) أي جميع ذنوبه، والمراد الصغائر، كما سبق
تحقيقه، أو المراد ذنوب أعضاء الوضوء، والأول أوجه، وقال النوويّ تَّتُهُ:
والمراد بالخطايا الصغائر دون الكبائر، كما تقدم بيانه، وكما في الحديث
الآخر: ((ما لم تُغْشَ الكبائر))، قال القاضي عياض: والمراد بخروجها مع الماء
المجاز والاستعارة في غفرانها؛ لأنها ليست بأجسام، فتخرجَ حقيقةً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي لدعوى المجاز، بل الظاهر حمله على
الحقيقة، ولا مانع من تجسّد الخطايا، وخروجها مع الماء، فقد أخرج الإمام
أحمد، والترمذيّ عن ابن عباس ظُه قال: قال رسول الله وَّه: (نَزَل الحجر
الأسود من الجنة، وهو أشد بياضاً من اللبن، فسوّدته خطايا بني آدم))، قال
الترمذيّ: حديث حسن صحيح(١).
فقد ثبت تجسّد الذنوب، وتسويده للحجر الأسود، فتبصّر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيُبه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٨٣/١١] (٢٤٤)، و(مالك) في
((الموطأ)) (٣٢/١)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٣٠٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٣/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٤)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٤٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٦٩ و٦٧٠)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه) (٥٧٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٠)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨١/١) والله تعالى أعلم.
(١) الحديث صححه الشيخ الألباني تخُّهُ أيضاً، لكن في سند الترمذي عطاء بن
السائب، وقد اختلط، والراوي عنه جرير بن عبد الحميد، سمع منه بعد
الاختلاط، وتابعه حماد بن سلمة عند أحمد، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط
وبعده، لكن الحديث له شواهد، وقد بيّن ذلك كله الألبانيّ رَّتُ في ((الصحيحة))،
فراجعها (٢٣٩٠/٦).

٢٩٩
(١١) - بَابُ خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٨٣)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان خروج الخطايا مع ماء الوضوء، وقد أسلفت أن
خروجها على ظاهره، ولا داعي لدعوى المجاز، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان احتياط الرواة في أداء الحديث بلفظه، بحيث إنهم إذا
شكّوا في لفظة ذكروها بعبارتين مما تردّد في أذهانهم حتى تؤدّى على وجهها
بأحد المحتملين، وهذا من شدّة ورعهم، وحرصهم في المحافظة على أداء ما
سمعوه كما سمعوه، حتى ينالهم دعاء النبيّ وَّه لهم بقوله: ((نضّر الله امرءاً سمع
منا شيئاً، فبلَّغه كما سمع، فرب مبلَّغ أوعى من سامع))، وفي لفظ: ((نضر الله
امرءاً سمع مقالتي، فوعاها، وحفظها، وبلّغها ... ))، وفي رواية: ((فأداها كما
سمعها ... )) الحديث، أخرجه الترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.
٣ - (ومنها): بيان أن الواجب في الوضوء غسل الرجلين، لا المسح.
٤ - (ومنها): الرّدُّ على الرافضة، وإبطالُ قولهم: الواجب مسح الرجلين.
٥ - (ومنها): بيان أن كلّ عضو يطهّر بانفراده؛ لأن خروج الخطايا منه
فرع طهارته بنفسه .
٦ - (ومنها): أن ظاهر قوله: ((خرج من وجهه))، ((وخرج من يديه))،
((وخرجت كلّ خطيئة مشتها رجلاه)) يدلّ على أن التكفير يختصّ بأعضاء الوضوء
فقط، وبهذا قال بعضهم، لكن قوله في آخر الحديث: ((حتى يخرج نقيّاً من
الذنوب))، ظاهر في تكفير عموم ذنوب بقيّة الأعضاء، ويؤيّد الأول حديث
عمرو بن عبسة ظُّه الطويل الآتي للمصنّف في ((كتاب الصلاة))، وفيه: فقلت:
يا نبي الله، فالوضوء حدثني عنه، قال: ((ما منكم رجلٌ يُقَرِّب وَضُوءه،
فيتمضمض، ويستنشق فينتثر، إلا خَرجَت خطايا وجهه، وفيه، وخياشيمه، ثم
إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع
الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين، إلا خرّت خطايا يديه من أنامله مع الماء،
ثم يمسح رأسه، إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل
قدميه إلى الكعبين، إلا خرّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام،
فصلى، فحَمِد الله، وأثنى عليه، ومَجَّدَه بالذي هو له أهل، وفَرَّغ قلبه لله، إلا
انصرف من خطيئته، کھیئته یوم ولدته أمه)).

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
فظاهر هذا الحديث يدلّ على أن تكفير جميع الذنوب بالصلاة.
ويؤيّد الثاني ما تقدّم للمصنّف برقم (٢٢٩) من حديث عثمان رصّته، قال
- بعد أن توضّأ -: رأيت رسول الله وَ لل توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: ((من
توضأ هكذا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد
نافلة)».
فإن هذا ظاهر في تكفير الوضوء جميع ذنوبه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يُمكن أن يُجمع بين هذه الأحاديث
باختلاف الأحوال والأشخاص، فربّ شخص يكون إخلاصه ومراقبته لله رغم
أتمّ، فتكفّر ذنوبه بوضوئه، وتكون صلاته ومشيه إلى المسجد في زيادة
الدرجات، وربّ شخص لا يكون كذلك، فيكون تمام تكفير ذنوبه بالوضوء
والصلاة، والله تعالى أعلم بالصواب.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّتُهُ: قد استدلّ به أبو حنيفة تَّتُ على
نجاسة الماء المستعمل، ولا حجة له فيه، وعند مالك أن الماء المستعمل طاهرٌ
مطهِّرٌ، غير أنه يُكره استعماله مع وجود غيره؛ للخلاف فيه، وعند أصبغ بن
الفرج أنه طاهرٌ غير مطهّر، وقيل: مشكوك فيه، فيُجمع بينه وبين التيمّم، وقد
سمّاه بعضهم ماء الذُّنُوب.
قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح أن الماء المستعمل طاهرٌ مطهِّرٌ؛
لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾، ولا يزال عنه اسم الطهوريّة
إلا بنجاسة، جاء النصّ، أو الإجماع بها، وقد حقّقت المسألة في ((شرح
النسائيّ))، وسأحقّقها أيضاً هنا في الموضع المناسب لها - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيهٌ]: أخرج الإمام مالك تَخّتُ هذا الحديث في ((الموظّأ)» (٥٥)
مرسلاً، فقال(١): وحدّثني عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن عبد الله الصُّنابحيّ، أن رسول الله وَ ل* قال: ((إذا توضأ العبد المؤمن،
فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا
(١) القائل: ((وحدّثني عن مالك)) هو عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثيّ، راوي
((الموطأ)) عن أبيه.