النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
(٦) - بَابُ بَيَّانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٥٩)
تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري))، وعند مسح الرأس: ((اللهم حَرِّم
شعري وبشري على النار))، وروي: ((اللهم احفظ رأسي وما حَوَى، وبطني وما
وَعَى))، وروي: ((اللهم أغثني برحمتك، وأنزل علي من بركتك، وأَظِلَّني تحت
عرشك يوم لا ظل إلا ظلك))، وعند مسح الأذنين: ((اللهم اجعلني من الذين
يستمعون القول، فيتبعون أحسنه))، وعند غسل الرجلين: ((اللهم ثبت قدمي على
الصراط يوم تزل الأقدام)).
قال الرافعيّ: ورد بها الأثر عن الصالحين، وقال النوويّ في ((الروضة)):
هذا الدعاء لا أصل له، ولم يَذْكُره الشافعيّ والجمهور، وقال في ((شرح
المهذَّب)): لم يذكره المتقدمون، وقال ابن الصلاح: لم يَصِحّ فيه حديث.
وقال الحافظ: رُوي فيه عن عليّ رَؤُهُ من طُرُق ضعيفة جِدّاً، أوردها
المستغفريّ في ((الدعوات))، وابن عساكر في ((أماليه))، وهو من رواية أحمد بن
مصعب المروزيّ، عن حبيب بن أبي حبيب الشيبانيّ، عن أبي إسحاق
السَّبِيعِيّ، عن عليّ رَّهِ، وفي إسناده من لا يُعْرَف.
ورواه صاحب ((مسند الفردوس)) من طريق أبي زرعة الرازيّ، عن أحمد بن
عبد الله بن داود، حدّثنا محمود بن العباس، حدّثنا المغيث بن بُدَيل، عن
خارجة بن مصعب، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن، عن عليّ رَُبه نحوه.
ورواه ابن حبان في ((الضعفاء)) من حديث أنس ظه نحو هذا، وفيه
عباد(١) بن صُهيب، وهو متروك(٢) .
ورَوَى المستغفريّ من حديث البراء بن عازب، وليس بطوله، وإسناده
(٣)
.
وَاهٍ. انتهى
(١) وقع في نسخة ((التلخيص الحبير)): ((عبّاس)) بالسين بدل الدال، وهو تصحيف،
فتنبه .
(٢) قال الحافظ في ((نتائج الأفكار)) (٢٦٦/١) بعد إخراج حديث أنس المذكور من
طريق ابن حبّان: فالحاصل أن طرقه كلها لا تخلو من متّهم بوضع الحديث،
وأقربها رواية خارجة بن مصعب ... إلى آخر كلامه.
(٣) ((التلخيص الحبير)) ١٠٠/١.

٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن هذه الأذكار، والدعوات لا
يثبُتُ منها شيء، إلا ما سبق استثناؤه، وهو التسمية على خلاف فيه، وما في
حديث الباب، وزيادة: ((اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهّرين))،
وقد سبق تصحيحها، وما في ((عمل اليوم والليلة)): ((سبحانك اللهم وبحمدك ..
إلخ))، وقد سبق تصحيحه أيضاً.
وقد أطال البحث في أحاديث دعوات الوضوء الإمام تقيّ الدين ابن دقيق
العيد تَخْتُهُ في كتابه العديم النظير في بابه ((الإمام في معرفة أحاديث
الأحكام)) (١)، فراجعه تَنَلْ بُغيتك، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقد ذكرت في ((شرح النسائيّ)) مسائل تتعلّق بهذا الحديث غير ما تقدّم،
فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٥٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ،
حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وَأَبِي
عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُقِّيْرِ بْنِ مَالِك الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ ... فَذَكَرَ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (زيد بن الْحُبَاب) - بضمّ الحاء المهملة، وموحّدتين - ابن الرَّيَّان،
ويقال: رُومان التميمي، أبو الحسين الْعُكْلِيُّ - بضم المهملة، وسكون الكاف -
أصله من خُراسان، وسكن الكوفة، ورحل في طلب الحديث، فأكثر منه،
صدوقٌ، يُخطئ في حديث الثوريّ [٩].
(١) راجع ٢ /٥٣ - ٦٩.

٢٠٣
(٦) - بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦٠)
رَوَى عن أيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار اليمامي، وإبراهيم بن نافع
المكي، ومالك بن أنس، والثوري، وابن أبي ذئب، ومعاوية بن صالح،
ويحيى بن أيوب، وخلق کثیر.
ورَوَى عنه أحمد، وابنا أبي شيبة، وأبو خيثمة، وأبو كريب، وأحمد بن
منيع، والحسن بن علي الخلال، وعلي بن المديني، ومحمد بن رافع
النيسابوري، وهو من آخرهم، وقد حدث عنه عبد الله بن وهب، ويزيد بن
هارون، وهما أكبر منه.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان صاحب حديث، كَيِّساً، قد رحل إلى
مصر، وخراسان في الحديث، وما كان أصبره على الفقر، وقد ضَرَب في
الحديث إلى الأندلس. قال الخطيب: رأى أحمد بن حنبل روايته عن معاوية بن
صالح، وكان قاضي الأندلس، وأظنه سمع منه بمكة، فظن أن زيد بن الحباب
رحل إلى الأندلس. وقال علي بن المديني، والعجلي: ثقة. وكذا قال عثمان عن
ابن معين. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول:
زيد بن حباب كان صدوقاً، وكان يضبط الألفاظ عن معاوية بن صالح، لكن كان
كثير الخطأ. وقال المفضل بن غسان الغلابي عن ابن معين: كان يقلب حديث
الثوري، ولم يكن به بأس. وقال ابن زكريا في ((تاريخ الموصل)): حدثني
الْحِمَّاني، عن عبيد الله القواريري قال: كان أبو الحسين العكلي ذَكِيّاً حافظاً
عالماً لما يسمع. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يُخطئ، يُعتبر حديثه إذا
رَوَى عن المشاهير، وأما روايته عن المجاهيل ففيها المناكير. وقال ابن خلفون:
وثّقه أبو جعفر السِّبْتِيّ، وأحمد بن صالح، زاد: وكان معروفاً بالحديث صدوقاً .
وقال ابن قانع: كوفي صالح. وقال الدارقطني، وابن ماكولا: ثقة. وقال ابن
شاهين: وثقه عثمان بن أبي شيبة. وقال ابن يونس في ((تاريخ الغرباء)»: كان
جَوّالاً في البلاد في طلب الحديث، وكان حسن الحديث. وقال ابن عدي: له
حديث كثير، وهو من أثبات مشايخ الكوفة، ممن لا يُشَكّ في صدقه، والذي قاله
ابن معين عن أحاديثه عن الثوري، إنما له أحاديث عن الثوري يُستغرَب بذلك
الإسناد، وبعضها ينفرد برفعه، والباقي عن الثوري وغير الثوري مستقيمة كلها.
قال أبو هشام الرفاعي وغيره: مات سنة ثلاث ومائتين.

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
أخرج له البخاريّ في ((جزء القراءة)) والباقون، وله في هذا الكتاب (١٦)
حديثاً .
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَأَبِي عُثْمَانَ) بالجرّ عطفاً على ربيعة، وتقديره: حدّثنا معاوية،
عن ربيعة، عن أبي إدريس، عن جُبير، وحدّثنا معاوية، عن أبي عثمان، عن
جبير، كما تقدّم تحقيقه في الحديث الماضي.
وقوله: (الْحَضْرَمِيِّ) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الضاد المعجمة،
وفتح الراء، آخره ميم -: نسبة إلى حضرموت، بلد بأقصى اليمن، وقبيلة؛ قاله
في ((اللب))(١) .
وقوله: (الْجُهَنِيٌّ) - بضمّ الجيم، وفتح الهاء، آخره نون -: نسبة إلى
جُهَينة، وهي قبيلة من قُضاعة، واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن
الحاف بن قُضاعة، نزلوا الكوفة والبصرة؛ قاله في ((اللباب))(٢).
وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير زيد بن الْحُباب، يعني أنه ذَكَرَ في
روايته مثل حديث عبد الرحمن بن مهديّ الماضي.
[تنبيه]: رواية زيد بن الحباب هذه التي أحالها المصنّف على رواية
عبد الرحمن بن مهديّ، أخرجها الحافظ أبو نعيم تَُّهُ في ((المسند المستخرج
على صحيح الإمام مسلم)) (١/ ٢٩٧)، فقال:
(٥٥٤) أخبرنا سليمان بن أحمد، ثنا أبو زيد القراطيسيّ، ثنا أبو بكر بن
موسى، وبكر بن سهل، ثنا عبد الله بن صالح، قالا: ثنا معاوية بن صالح (ح)
وحدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى بن مَنْدَهْ، ثنا أبو
كريب، ثنا زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، (ح) وحدثنا أبو بكر
الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن الحباب، ثنا
معاوية بن صالح، ثنا ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، عن عقبة،
وأبي عثمان، عن جُبَير بن نُفَير، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله وَّ قال:
(١) ((لبّ اللباب)) ٢٤٩/١.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣١٧/١.

٢٠٥
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦١)
((ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقوم، فيصلي ركعتين، مقبلاً بقلبه
ووجهه عليهما، إلا وجبت له الجنة))، قال عقبة: فقلت: ما أجودها! قال:
قائل من خلفي: الذي قبلها أجود منها، فالتفتُّ، فإذا هو عمر بن
الخطاب، فقال لي: كأنك جئت آنفاً، فقال عمر بن الخطاب: قال
رسول الله وَالر: ((من بالغ في الوضوء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فُتحت له ثمانية أبواب من
الجنة، يدخل من أيِّها شاء)).
قال: اللفظ لأبي بكر، وأبي كريب جميعاً، عن زيد بن الحباب. انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٧) - (بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ)
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف تَّتُ تقديم أحاديث
عبد الله بن زيد نظُه الآتية إلى أحاديث عثمان رعظاته الماضية، حتى تكون
أحاديث صفة الوضوء في محلّ واحد، كما لا يخفى حسنه، والله تعالى
أعلم.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٦١] (٢٣٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ
الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ وََّ،
فَدَهَا بِإِنَاءٍ، فَأَكْفَأَ مِنْهَا (١) عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ،
فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّ وَاحِدَةٍ(٢)، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثاً، ثُمَّ
(١) وفي نسخة: ((منه)).
(٢) وفي نسخة: ((واحد)).

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا(١)، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا،
فَفَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ
بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ
وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ إِ﴾﴾.
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح) الدُّولابِيّ، أبو جعفر البغداديّ، البزّاز، مولى
مُزَينة، صاحب ((السنن))، ثقة حافظ [١٠] (ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة))
٢٧/٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم
الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ) بن أبي حسن المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦]
(ت بعد ١٣٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٤/٨٨.
٤ - (أَبُوهُ) هو: يحيى بن عُمَارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ
المدني، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٤/٨٨.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِم الْأَنْصَارِيُّ) هو: عبد الله بن زيد بن
عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بنَّ مَبْذُول بن عَمْرو بن غَنْم بن مازن بن
النّجّار الأنصاري المازنيّ، أبو محمد، وقيل في نسبه غير ذلك، وأمه أمّ عُمارة
نَسِيبة بنت كعب، وهو أخو حَبيب بن زيد الذي قطّعه مسيلمة الكذّاب، وعمّ
عبّاد بن تميم، له ولأبويه، ولأخيه حَبِيب صحبة.
وذَكَر الواقديّ أنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب، وقد رُوي أن أمه أم
عُمارة قالت: جئتُ أطلبه - تعني مسيلمة - فوجدت ابني عبد الله يمسح سيفه
من دمه، وقد قال وحشيّ بن حرب: إنه رماه بحربته، وشدّ عليه رجلٌ من
الأنصار بالسيف، فربّك أعلم أيّنا قتله، إلا أني سمعت جاريةً من الحِصْن
(١) وفي نسخة: ((ثم أدخل یدیه، فاستخرجهما)).

٢٠٧
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦١)
تقول: قتله العبد الحبشيّ، وقد روي من وجه غريب عن معاوية بن أبي سفيان
أنه قال: أنا قتلتُ مسيلمة، فيَحْتَمِل أن يكون شارك فيه.
رَوَى عن النبيّ وَّ حديث الوضوء وغيره، وروى عنه ابن أخيه عَبّاد بن
تميم، وسعيد بن المسيِّب، ويحيى بن عُمَارة، وكان صِهْره على ابنته،
وواسع بن حَبّان، وأبو سفيان مولى بن أبي أحمد.
شهِدَ عبد الله بن زيد، وأمّه أمّ عُمارة أُحداً مع النبيّ وَ ◌َّ، فَرُوي أن
النبيّ وَّ﴿ قال يومئذ: ((رحمة الله عليكم أهل البيت))(١).
وقال أبو القاسم البغويّ: قيل: إنه شهد بدراً، ولا يصحّ، وحكاه أبو
نعيم الأصبهانيّ عن البخاريّ، وقال ابن سعد: بلغني أنه قُتِل بالحرّة، وقتل معه
ابناه: خلاد، وعليّ(٢).
وقال في ((الإصابة)): واختُلف في شهوده بدراً، وبه جزم أبو أحمد
الحاكم، وابن منده، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك))، وقال ابن عبد البرّ:
شهد أُحُداً وغيرها، ولم يَشهَد بدراً، قال: وكان مسيلمة قَتَل أخاه حبيب بن
زيد، فلما غزا الناس اليمامة شارك عبد الله بن زيد وَحْشَيّ بن حَرْب في قتل
مسيلمة. انتهى(٣).
قال خليفة وغير واحد: قُتِل بالْحَرّة، وكان في آخر ذي الحجة سنة
(٦٣)، زاد الواقديّ: وهو ابن (٧٠) سنة.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثاً (٤)، والله تعالى
أعلم.
(١) ((طبقات ابن سعد)) ٤١٥/٨.
(٢) ((تهذيب الكمال)) ٥٣٨/١٤ - ٥٤٠، و(تهذيب التهذيب)) ٣٣٩/٢.
(٣) ((الإصابة)) ٨٥/٤ - ٨٦.
(٤) وله عند البخاريّ (٢٩) حديثاً، هكذا في برنامج الحديث (صخر)، وقال العلامة
ابن الملقِّن رَّتُهُ في ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ٣٧٠: جملة أحاديثه ثمانية
وأربعون حديثاً، اتّفقا على ثمانية منها. انتهى.

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديٌّ، وخالد بن
عبد الله، فواسطيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى بمحمد بن الصباح في الكتب الستة
اثنان :
[أحدهما]: شيخ المصنّف هذا، وهو من رجال الجماعة، يروي عنه
البخاريّ، ومسلم، وأبو داود مباشرة بلا واسطة، ولا يروي عنه الترمذيّ،
والنسائيّ، وابن ماجه إلا بواسطة.
[والثاني]: محمد بن الصباح بن سفيان الْجَرْجَرائيّ - بجيمين مفتوحتين،
بينهما راء ساكنة، ثم راء خفيفة - أبو جعفر التاجر، صدوق [١٠] (ت٢٤٠)
من أفراد أبي داود، وابن ماجه.
٦ - (ومنها): أن عبد الله بن زيد بن عاصم هذا غير عبد الله بن زيد بن
عبد ربه، صاحب الأذان، كذا قاله الْحُفّاظ من المتقدمين والمتأخرين، وغَلَّطوا
سفيان بن عيينة في قوله: هو هو، وممن نَصّ على غلطه في ذلك البخاريّ في
(كتاب الاستسقاء)) من ((صحيحه))، وقد قيل: إن صاحب الأذان لا يُعْرَف له إلا
حديث الأذان؛ قاله النوويّ تَظّتُهُ(١).
وقال في ((الإصابة)): قال الترمذيّ: لا نعرف له عن النبيّ وَلّ شيئاً يصحّ
إلا هذا الحديث الواحد، وقال ابن عديّ: لا نعرف له شيئاً يصحّ غيره، وأطلق
غير واحد أنه ليس له غيره.
قال الحافظ: وهو خطأ، فقد جاءت عنه عدّة أحاديث ستة أو سبعة
جمعتها في ((جزء مفرد)). انتهى (٢) .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢١/٣ - ١٢٢.
(٢) ((الإصابة)) ٨٤/٤ - ٨٥.

٢٠٩
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦١)
وقال العلامة ابن الملقّن تَخْذَثُ: إنهما يتّفقان في الاسم، واسم الأب،
والقبيلة، ويفترقان في الجدّ، والبطن من القبيلة، فالأول مازنيّ، والثاني
حارثيّ، وكلاهما أنصاريّان، خزرجيّان، فيدخلان في المتّفق والمفترق من
علوم الحديث، قال: وعبد الله رائي الأذان لم يُخرج له الشيخان شيئاً، كما
نصّ على ذلك الحافظ أبو الحسن بن المفضّل المقدسيّ، وأما صاحب
الوضوء، فأخرج له الستة، وجملة أحاديثه ثمانية وأربعون حديثاً، اتّفقا على
ثمانية، قال: ووَهِمَ أبو القاسم البغويّ، فجعلهم ثلاثةً. انتهى(١)، والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة بن أبي
حسن، واسمه تميم بن عبد عمرو بن قيس، ولجده أبي حسن صحبة، وكذا
لعُمارة فيما جزم به ابن عبد البرّ، وقال أبو نعيم: فيه نظر، وقال الذهبيّ:
عُمارة بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ له صحبة، وقيل: أبوه بَدْريّ،
وعَقَبِيّ(٢) (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِم الْأَنْصَارِيِّ) ◌َّهِ (وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ)
يعني أن عبد الله بن زيد ◌ُه صحابيّ (قَالَ) أي عبد الله بن زيد (قِيلَ لَهُ)
جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحال أن قائلاً قال له:
توضّأ لنا .. إلخ، والقائل هو عمرو بن أبي حسن، كما بُيِّن في رواية
البخاريّ وغيره.
ووقع في رواية البخاريّ من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى: أن رجلاً
قال لعبد الله بن زيد - وهو جدّ عمرو بن يحيى -: أتستطيع أن تريني كيف كان
رسول الله وَله يتوضّأ؟.
قال في ((الفتح)): قوله: ((أن رجلاً)) هو عمرو بن أبي حسن، كما سماه
البخاري في الحديث الذي بعد هذا، من طريق وُهيب، عن عمرو بن يحيى،
(١) راجع ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١/ ٣٧٠ - ٣٧١.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٠١/٣.

٢١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وعلى هذا فقوله هنا: ((وهو جدّ عمرو بن يحيى)) فيه تجوُّز؛ لأنه عم أبيه،
وسماه جدّاً؛ لكونه في منزلته، ووَهِمَ مَن زَعَم أن المراد بقوله: ((وهو))
عبد الله بن زيد؛ لأنه ليس جدّاً لعمرو بن يحيى، لا حقيقةً ولا مجازاً، وأما
قول صاحب ((الكمال))، ومن تبعه في ترجمة عمرو بن يحيى أنه ابن بنت
عبد الله بن زيد فغلظٌ، تَوَهَّمه من هذه الرواية، وقد ذكر ابن سعد أن أم
عمرو بن يحيى هي حُمَيدةٌ بنت محمد بن إياس بن الكبير، وقال غيره: هي أم
النعمان بنت أبي حية، فالله أعلم.
وقد اختَلَف رواة ((الموطأ)) في تعيين هذا السائل، وأما أكثرهم فأبهمه .
قال مَعْن بن عيسى في روايته، عن عمرو، عن أبيه يحيى، أنه سمع أبا
حسن، وهو جدّ عمرو بن يحيى، قال لعبد الله بن زيد، وكان من الصحابة،
فذكر الحديث.
وقال محمد بن الحسن الشيبانيّ، عن مالك: حدثنا عمرو، عن أبيه
يحيى، أنه سمع جدّه أبا حسن، يسأل عبد الله بن زيد. وكذا ساقه سحنون في
((المدونة)).
وقال الشافعيّ في ((الأم)): عن مالك، عن عمرو، عن أبيه، أنه قال
لعبد الله بن زيد. ومثله رواية الإسماعيلي، عن أبي خليفة، عن مالك، عن
عمرو، عن أبيه قال.
قال الحافظ: والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند
عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصاريّ، وابنه عمرو، وابن ابنه يحيى بن
عُمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة وضوء النبيّ بَله، وتَوَلَّى السؤال منهم
له عمرُو بن أبي حسن، فحيث نُسِبَ إليه السؤال كان على الحقيقة، ويؤيده
رواية سليمان بن بلال عند البخاريّ في ((باب الوضوء من التَّوْر)) قال: حدثني
عمرو بن یحیی، عن أبيه، قال: کان عَمِّي ۔ یعني عمرو بن أبي حسن - يُكْثِر
الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني، فذكره، وحيث نُسِب السؤال إلى
أبي حسن، فعلى المجاز؛ لكونه كان الأكبر، وكان حاضراً، وحيث نُسِب
السؤال ليحيى بن عُمارة فعلى المجاز أيضاً؛ لكونه ناقل الحديث، وقد حَضَر
السؤال.

٢١١
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦١)
ووقع في رواية مسلم عن محمد بن الصبّاح، عن خالد الواسطيّ، عن
عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: قيل له: توضأ لنا،
فذكره مبهماً .
وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق وهب بن بَقِيَّة، عن خالد المذكور
بلفظ: قلنا له، وهذا يؤيد الجمع المتقدم من كونهم اتَّفَقُوا على سؤاله، لكن
مُتَوَلِّي السؤال منهم عمرو بن أبي حسن، ويزيد ذلك وضوحاً رواية الدّرَاوَرْديّ،
عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن، قال: كنت كثير
الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد .. ، فذكر الحديث. أخرجه أبو نعيم في
((المستخرج))، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
وقوله: (تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ وََّ) مقولُ ((قيل)) (فَدَهَا بِإِنَاءٍ) وفي
رواية للبخاريّ: ((فدعا بماء))، وفي رواية له: ((فدعا بِتَوْر من ماء))، و((التَّوْرُ))
- بمثناة مفتوحة - قال الداوديّ: قَدَحٌ، وقال الجوهريّ: إناء يُشْرَب منه، وقيل:
هو الطَّسْتُ، وقيل: يُشْبِه الطست، وقيل: هو مِثْلُ الْقِدْر، يكون من صُفْرٍ، أو
حجارةٍ، وفي رواية البخاريّ في ((باب الغسل في الْمِخْضَب)) في أول هذا
الحديث: ((أتانا رسول الله وَ ﴿، فأخرجنا له ماء في تَوْرٍ من صُفْرٍ))، و((الصُّفْرُ))
- بضم المهملة، وإسكان الفاء، وقد تُكْسر الصاد - صِنْفٌ من حديد النُّحَاس،
قيل: سُمِّ بذلك؛ لكونه يُشبه الذهب، ويُسَمَّى أيضاً الشَّبَهَ - بفتح المعجمة،
والموحدة - والتورُ المذكور يَحْتَمِل أن يكون هو الذي توضأ منه عبد الله بن
زيد، إذا سئل عن صفة الوضوء، فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على
(٢)
وجهها . انتھی
.
(فَأَكْفَأَ) - بهمزتين - أي أمال، وصبّ، وفي رواية للبخاريّ: ((فكفأ)) -
بفتح الكاف ـ وهما لغتان بمعنىً، يقال: كفأ الإناء، وأكفأه: إذا أماله، وقال
الكسائيّ: كفأت الإناء: كببته، وأكفأته: أملته، والمراد في الموضعين إفراغ
الماء من الإناء على اليد، كما صرح به في رواية مالك عند البخاريّ.
(١) ((الفتح)) ٣٤٨/١.
(٢) المصدر السابق.

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(مِنْهَا) أي من الإناء، وأنّثه بتأويله بالإداوة، أو المطهرة، وفي نسخة:
(منه))، وهو واضح، وقال النوويّ تَّتُهُ: هكذا هو في الأصول بلفظ:
((منها))، وهو صحيح؛ أي من الْمِظْهَرة، أو الإداوة. انتهى(١). (عَلَى يَدَيْهِ)
ووقع في رواية البخاريّ: ((فغسل يده)) بالإفراد، فيُحمل على الجنس، فيكون
المراد اليدين (فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثاً) كذا في رواية خالد الطحّان هذه، ورواية وهيب
وسليمان بن بلال عند البخاريّ، والدراورديّ عند أبي نعيم في ((المستخرج))،
فكلّهم ذكر ((ثلاثاً))، ووقع في رواية مالك عند البخاريّ: ((فغسل يده مرتین))،
قال في ((الفتح)): وهؤلاء حُفّاظ، وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدمةٌ على الحافظ
الواحد - يعني مالكاً - وسيأتي لمسلم من طريق بهز، عن وُهيب أنه سمع
هذا الحديث مرتين من عمرو بن يحيى إملاءً، فتأكَّد ترجيح روايته، ولا
يقال: يُحْمَل على واقعتين؛ لأنا نقول: المخرج مُتَّحِد، والأصل عدم
التعدد .
وفيه من الأحكام غسل اليد قبل إدخالها الإناء، ولو كان من غير نوم،
كما تقدَّم مثله في حديث عثمان رُه، والمراد باليدين هنا الكفّان.
انتھی(٢).
(ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ) أي في ذلك الإناء (فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ مِنْ
كَفّ وَاحِدَةٍ) هكذا بالتأنيث؛ لأن الكفّ مؤنّئة، ووقع في بعض النسخ بلفظ
((واحد)) بالتذكير، وهو على تأويل الكفّ بالساعد، قال الفيّوميّ تَّتُهُ: ((الكفّ))
من الإنسان وغيره أُنثى، قال ابن الأنباريّ: وزعم من لا يوثق به أن الكفّ
مذكّرٌ، ولا يَعرِف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كفِّ مُخَضَّبٌ، فعلى
معنى ساعدٍ مُخضّب، قال: و((الكفّ)): الراحة مع الأصابع، سُمّيت بذلك؛
لأنها تكُفّ الأذى عن البدن. انتهى(٣).
(فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثاً) هذا صريح في الجمع كلَّ مرّةٍ، بخلاف رواية وُهيب
الآتية، بلفظ: ((فمضمض، واستنشق، واستنثر من ثلاث غرفات))، فإنها يتطرقها
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢ /٥٣٥ - ٥٣٦.
(٢) ((الفتح)) ٣٤٩/١.

٢١٣
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦١)
احتمال التوزيع بلا تسوية، كما نَبّهَ عليه ابن دقيق العيد، ووقع في رواية
سليمان بن بلال عند البخاريّ: ((فمضمض، واستنثَرَ ثلاث مرّات من غرفة
واحدة))، واستُدِلّ بها على الجمع بغرفة واحدة، قال الحافظ: وفيه نظرٌ؛ لما
أشرنا إليه من اتحاد المخرج، فتقدم الزيادةُ. انتهى (١). وفي رواية مالك
التالية: ((فمضمض، واستنثر ثلاثاً))، والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا
عكس(٢).
(ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَفَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا
وقع في صحيح مسلم: ((أدخل يده)) بلفظ الإفراد، وكذا في أكثر روايات
البخاريّ، ووقع في رواية للبخاريّ في حديث عبد الله بن زيد هذا: ((ثم
أدخل يديه، فاغترف بهما، فغسل وجهه ثلاثاً))، وفي ((صحيح البخاري)) أيضاً
من رواية ابن عباس: ((ثم أخذ غرفةً، فجَعَل بها هكذا، أضافها إلى يده
الأخرى، فغسل بهما وجهه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله وَالّ يتوضأ))،
وفي ((سنن أبي داود)) والبيهقيّ من رواية عليّ رَظُّه في صفة وضوء
رسول الله وَّل: («ثم أدخل يديه في الإناء جميعاً، فأخذ بهما حَفْنةً من ماء،
فضرب بها على وجهه)).
فهذه أحاديثُ في بعضها ((يده))، وفي بعضها (يديه))، وفي بعضها
(يده، وضمّ إليها الأخرى)) فهي دالّة على جواز الأمور الثلاثة، وأن الجميع
سنةٌ، ويُجْمَع بين الأحاديث بأنه بِ هَ فَعَلَ ذلك في مرّات، وهي ثلاثة أوجه
لأصحابنا - يعني الشافعيّةَ - ولكن الصحيح منها والمشهور الذي قَطَع به
الجمهور، ونَصّ عليه الشافعيّ كَُّ في الْبُوَيْطِيّ، والمزنيّ أن المستحبّ
أخذ الماء للوجه باليدين جميعاً؛ لكونه أسهل، وأقرب إلى الإسباغ، والله
تعالى أعلم. قال أصحابنا: ويستحب أن يبدأ في غسل وجهه بأعلاه؛ لكونه
أشرف، ولأنه أقرب إلى الاستيعاب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام
النوويّ رَُّهُ(٣) .
(١) ((الفتح)) ٣٤٩/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/٣ - ١٢٣.
(٢) ((الفتح)) ٣٤٩/١.

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقال في ((الفتح)): لم تختلف الروايات في ذلك - أي في غسل وجهه
ثلاثاً - ويلزم مَن استَدَلّ بهذا الحديث على وجوب تعميم الرأس بالمسح أن
يَسْتَدِلّ به على وجوب الترتيب؛ للإتيان بقوله: ((ثم)) في الجميع؛ لأن كلّاً من
الحُكمين مُجْمَلٌ في الآية بيّنته السنّة بالفعل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وجوب الترتيب هو الحقّ، كما أسلفنا
بحثه مستوفَّى في شرح حديث عثمان رظُه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى
التوفيق .
(ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ بَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) تثنية مِرْفق - بكسر
الميم، وفتح الفاء - وهو العظم الناتئ في آخر الذراع، سُمِّي بذلك؛ لأنه يُرْتَفَق
به في الاتكاء ونحوه.
قال في ((الفتح)): قد اختَلَف العلماء: هل يدخل المرفقان في غسل
اليدين أم لا؟ فقال المعظم: نعم، عدا زُفَر، وحكاه بعضهم عن مالك، واحتَجّ
بعضهم للجمهور بأن ((إلى)) في الآية بمعنى ((مع))، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُوَاْ
أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ﴾ .
وتُعُقّب بأنه خلاف الظاهر.
وأجيب بأن القرينة دَلّت عليه، وهي كون ما بعد ((إلى)) من جنس ما
قبلها، وقال ابن القصار: اليد يتناولها الاسم إلى الإبط؛ لحديث عمار رضائه أنه
تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، فلما جاء قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بقي
الْمِرْفَق مغسولاً مع الذراعين بحقّ الاسم. انتهى.
فعلى هذا فـ((إلى)) هنا حَدٌّ للمتروك من غسل اليدين، لا للمغسول، وفي
كون ذلك ظاهراً من السياق نظرٌ، والله أعلم.
وقال الزمخشريّ: لفظ ((إلى)) يفيد معنى الغاية مطلقاً، فأما دخولها في
الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾
دليلُ عدم الدخول النهيُ عن الوصال، وقول القائل: حفظت القرآن من أوله
إلى آخره، دليلُ الدخول كون الكلام مسوقاً لحفظ جميع القرآن، وقوله تعالى:

٢١٥
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦١)
﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين. قال: فأخذ العلماء بالاحتياط،
ووَقَف زفر مع المتیقن. انتهى.
قال الحافظ: ويمكن أن يُسْتَدَلّ لدخولهما بفعله بَّ، ففي رواية
الدارقطني بإسناد حسن، من حديث عثمان رُه في صفة الوضوء: ((فَغَسَل
يديه إلى المرفقين، حتى مس أطراف العضدين))، وفيه عن جابر ظُته قال:
(كان رسول الله ﴿ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه))، لكن إسناده ضعيف،
وفي البزار، والطبرانيّ من حديث وائل بن حجر نظُّه في صفة الوضوء:
(وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق))، وفي رواية الطحاويّ، والطبرانيّ من
حديث ثعلبة بن عباد، عن أبيه، مرفوعاً: ((ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء
علی مرفقیه)).
فهذه الأحاديث يُقوِّي بعضُها بعضاً.
قال إسحاق بن راهويه: ((إلى)) في الآية يَحْتَمِل أن تكون بمعنى الغاية،
وأن تكون بمعنى ((مع))، فَبَّنت السنة أنها بمعنى ((مع)). انتهى.
قال: وقد قال الشافعيّ تَخْذُّهُ في ((الأم)): لا أعلم مخالفاً في إيجاب
دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا فزفر محجوجٌ بالإجماع قبله، وكذا من
قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحاً، وإنما حَكَى
عنه أشهب كلاماً محتملاً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الإمامان: إسحاق والشافعيّ
رحمهما الله تعالى أن الحقّ وجوب دخول المرفقين في الغسل.
وحاصله أن الآية مجملة، وقد بيّنت السنة - كما قال إسحاق، والإجماع
كما قال الشافعيّ - معناها المراد منها، وهو كون ((إلى)) بمعنى ((مع))، فوجب
القول بدخول المرفق في المغسول، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفَّى في شرح
حديث عثمان نظريته، فارجع إليه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
(١) ((الفتح)) ٣٥٠/١.

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
(مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنٍ) كذا بتكرار ((مرتين))، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن
يحيى في غسل اليدين مرتين، لكن في رواية المصنّف الآتية من طريق حَبّان بن
واسع، عن عبد الله بن زيد ◌ُنه أنه رأى النبيّ وَ ◌ّ﴿ توضأ، وفيه: ((ويده اليمنى
ثلاثاً، ثم الأخرى ثلاثاً))، فيُحْمَل على أنه وضوء آخر؛ لكون مخرج الحديثين
غير مُتَّحِدٍ، قاله في ((الفتح))(١).
(ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ) وفي رواية البخاريّ: (ثم مسح
رأسه)) بدون الباء. قال القرطبيّ تَخَّهُ: الباء للتعدية، يجوز حذفها وإثباتها،
كقولك: مسحت برأس اليتيم، ومسحت رأسه، وسَمَّيتُ ابني بمحمّد،
ومحمداً، ولا يصحّ أن تكون للتبعيض، خلافاً للشافعيّ؛ لأن المحقّقين من
أئمة النحويين البصريين، وأكثر الكوفيين أنكروا ذلك، ولأنها لو كانت للتبعيض
لكان قولك: مسحتُ برأسه كقولك: مسحت ببعض رأسه، ولو كان كذلك لَمَا
حَسُنَ أن تقول: مسحت ببعض رأسه، ولا برأسه بعضه؛ لأنه يكون تكريراً،
ولا مسحتُ برأسه كلّه؛ لأنه يكون مناقضاً له، ولو كانت للتبعيض لما جاز
إسقاطها هنا، فإنه يقال: مسحت برأسه، ومسحتُ رأسه بمعنّى واحد، وأيضاً
فلو كانت مبعّضةً في مسح الرأس في الوضوء لكانت مبعّضةً في مسح الوجه في
التيمّم؛ لتساوي اللفظين في المحلّين، ولمّا لم تكن كذلك فيه فلا(٢)، ومذهب
مالك تَخْلُهُ وجوب تعميم مسح الرأس؛ تمسّكاً باسم الرأس، فإنه للعضو
بجملته كالوجه، وتمسّكاً بهذه الأحاديث، ثم نقول: نحن وإن تنزّلنا على أن
الباء تكون مبعّضةً، وغير مبعّضة، فذلك يوجب فيها إجمالاً، أزاله النبيّ وَالـ
بفعله، فكان فعله بياناً لمجملٍ واجبٍ، فكان مسحه كلّه واجباً، وسيأتي القول
في حديث المغيرة ﴿به الذِي ذَكَرَ فيه أنهِوَِّ «مسح مقدَّمَ رأسه، وعلى
عمامته)). انتهى كلام القرطبيّ رَّتُهُ(٣).
(١) ((الفتح)) ٣٥٠/١.
(٢) أي لَمّا لم تكن كذلك في مسح الوجه في التيمّم، فلا تكون كذلك في مسح الرأس
في الوضوء.
(٣) ((المفهم)) ١/ ٤٨٧ - ٤٨٨.

٢١٧
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦١)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام القرطبيّ تَخْتُ هذا الذي حقّق، وبيّن
فيه وجوب استيعاب الرأس بالمسح، كما هو مذهب الإمام مالك نَّتُهُ، تحقيقٌ
نفيسٌ جدّا، وتقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث عثمان رظُه، فراجعه
تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ) معناه: أقبل إلى جهة قفاه، والإدبار رجوعه إلى حيث
بدأ، كما فسّره حيث قال: ((فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه)»، وقيل:
المراد: أدبر، وأقبل؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وفي البخاريّ: ((فأدبر
بهما، وأقبل))، وهذا أولى لهذا النصّ، وقيل: معنى أقبل: دخل في قبل
الرأس، كما يقال: أنجد، وأتهم: إذا دخل نجداً، وتهامة، وقيل: معناه أنه
ابتدأ من الناصية مقبلاً إلى الوجه، ثم ردّهما إلى القفا، ثم رجع إلى الناصية،
وهذا ظاهر اللفظ، والإقبال والإدبار مسحةٌ واحدةٌ؛ لأنهما بماء واحد،
والمقصود بالرَّدّة على الرأس: المبالغة في استيعابه. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َخْذُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد اختلف في كيفيّة الإقبال والإدبار على ثلاثة
أقوال، قد استوفيت بيانها في ((شرح النسائيّ))، وبيّنت أن الظاهر أن هذا من
العمل المخيّر فيه، وأن المقصود منه تعميم الرأس بالمسح، فراجعه تستفد (٢)،
وبالله تعالى التوفيق.
(ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) البحث فيه كالبحث في قوله: ((إلى
المرفقين))، وأن الأرجح دخول الكعبين في الغسل، والمشهور أن الكعب هو
العظم الناشز عند مُلْتَقَى الساق والقدم، وحَكَى محمد بن الحسن، عن أبي
حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند مَعْقِد الشراك، ورُوي عن ابن
القاسم، عن مالك مثله، والأول هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللغة، وقد أكثر
المتقدمون من الردّ على من زَعَم ذلك، ومن أوضح الأدلة فيه حديث النعمان بن
بشير روايته الصحيح في صفة الصفّ في الصلاة: ((فرأيت الرجل مِنّا يُلْزِق كعبه
(١) («المفهم)) ٤٨٨/١.
(٢) راجع ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ٣٤٠/٢ - ٣٤٢.

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
بكعب صاحبه)). وقيل: إن محمداً إنما رأى ذلك في حديث قطع المحرم
الخفين إلى الكعبين إذا لم يجد النعلين؛ قاله في ((الفتح))(١).
وقد ردّ العينيّ ما قاله في ((الفتح)) بأن هذه الحكاية لم تُنقَل عن أبي حنيفة
أصلاً، بل نُقلت عن محمد نفسِهِ، وهو أيضاً نقل غلطً؛ لأنه فسَّر به حديث
المحرم: ((إذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفّين، وليقطعهما حتى أسفل
الكعبين))، لا أنه فسَّر به آية الوضوء. انتهى(٢).
(ثُمَّ قَالَ) عبد الله بن زيد رَظُه (هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ وََّ) هذا يدلّ
على أنه وَ ﴿ كان يداوم الوضوء على هذه الكيفيّة، ولا ينافي هذا ما تقدّم في
حديث عثمان رته أنه * توضّأ ثلاثاً ثلاثاً؛ لأنه يُحمل على أن الكيفيّة
المذكورة في هذا الحديث هي الغالبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد نظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٧/ ٥٦١ و٥٦٢ و٥٦٣ و٥٦٤]
(٢٣٥)، و[٥٦٥/٧] (٢٣٦)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٨٥ و١٨٦ و١٩١
و١٩٢ و١٩٧ و١٩٩)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (١١٩)، و(الترمذيّ) في
((الطهارة)) (٤٧)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (٨٠ و٨٢)، وفي ((الكبرى))
(١٠٣)، و(ابن ماجه) في ٤٣٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٥١/١)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩/٤ و٤٠ و٤٢)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧٧/١)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٥٦
و١٧٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٧٧ و١٠٨٤ و١٠٩٣)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٥٠/١ و٦٣ و٨٠)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٨١/١ و٨٢)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٥٨ و٦٥٩
(١) ((الفتح)) ٣٥١/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٠٨/٣.

٢١٩
(٧) - بَابٌ آخَرُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٦١)
و ٦٦٠ و٦٦١ و٦٦٢ و٦٦٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٥٦ و٥٥٧
و٥٥٨ و٥٥٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان صفة الوضوء المسنون.
٢ - (ومنها): بيان استحباب تقديم غسل الكفين قبل غمسهما في الإناء،
وإن لم يكن بعد الاستيقاظ من النوم.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله في رواية وُهيب الآتية: ((فمضمض،
واستنشق واستنثر، من ثلاث غرفات)) على استحباب الجمع بين المضمضة
والاستنشاق من كل غَرْفَةٍ .
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((ثم أدخل يده، فاستخرجها، فمضمض))،
على تقديم المضمضة على الاستنشاق؛ لكونه عُطِفَ بالفاء التعقيبية، قال في
((الفتح)): وفيه بحث. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: وجوب الترتيب هو الحقّ، كما سبق بيانه
بدلائله في المسائل الماضية في شرح حديث عثمان نظريته، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَذَتُهُ: فيه دلالةٌ ظاهرةٌ للمذهب الصحيح
المختار أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات،
يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها، وقد قدمنا إيضاح هذه المسألة،
والخلاف فيها في الباب الأول. انتهى(٢).
٦ - (ومنها): أن قوله: ((فغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين
مرتين)) فيه دلالةٌ على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثاً، وبعضها مرتين،
وبعضها مرة، وهذا جائز، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شكّ، ولكن
الأكمل غسل الأعضاء كلّها ثلاثاً ثلاثاً، كما تقدّم في حديث عثمان رظُته.
قال النوويّ كَّلُهُ: وإنما كانت مخالفتها من النبيّ بَّ في بعض الأوقات
بياناً للجواز، كما توضأ ◌َّ مرّة مرّة في بعض الأوقات؛ بياناً للجواز، وكان
في ذلك الوقت أفضل في حقه وَعليه؛ لأن البيان واجبٌ عليه وَله.
(١) ((الفتح)) ٣٤٩/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/٣.

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
[فإن قيل]: إن البيان يحصل بالقول.
[فالجواب]: أنه أوقع بالفعل في النفوس، وأبعد من التأويل. انتهى(١).
٧ - (ومنها): أن قوله في الرواية الثانية: ((فمضمض، واستنشق، واستنثر))
فيه حجة للمذهب المختار الذي عليه الجماهير من أهل اللغة وغيرهم، أن
الاستنثار غير الاستنشاق، خلافاً لما قاله ابن الأعرابيّ، وابن قُتيبة: إنهما
بمعنى واحد، وقد تقدم في الباب الأول إيضاحه.
٨ - (ومنها): جواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة.
٩ - (ومنها): أن الاغتراف من الماء القليل لا يصيّره مستعملاً.
١ - (ومنها): الاقتصار في مسح الرأس على مرّة واحدة؛ لأن في رواية
وُهيب الآتية: ((مرّةً واحدةً))، فلا يُستحبّ التثليث فيه، خلافاً للشافعيّ، وقد
تقدّم أن رواية التثليث، وإن صحّحها بعضهم إلا أن الصواب أنها رواية شاذّة،
لا تعارض ما في ((الصحيحين)) من التصريح بمرّة واحدة، فتبصّر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٦٢] (.) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ
- هُوَ ابْنُ بِلَالٍ -، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القُرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان،
وربّما نُسِب لجدّه، ثقةٌ [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الْهَيْئَم الْبَجَليّ مولاهم الكوفيّ،
صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س
ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/٣.