النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ (٦) - بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبُّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٥٩) أميراً، فخرج مع عقبة إلى إسكندرية، فلما توجه عقبة سائراً، استولى مَسْلَمة على الإمارة، فبلغ ذلك عقبة، فقال: سبحان الله أعَزلاً، وغُرْبَةً؟ وذلك في ربيع الأول سنة (٤٧). وقال ابن حبان في ((الصحابة)): كان من الرُّمَاة، كان يَصْبُغ بالسواد، ويقول: نُسَوِّد أعلاها، وتأبى أصولها . وروى أبو زرعة الدمشقيّ في ((تاريخه)) عن عُبادة بن نُسَيّ قال: رأيت جماعة على رجل في خلافة عبد الملك بن مروان، وهو يحدثهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: عقبة بن عامر الْجُهَنِيّ، قال أبو زرعة: فذَكَرتُ ذلك لأحمد بن صالح، فأَنكَر، وقال: هذا غلطٌ، مات عقبة في خلافة معاوية، وكذلك أرّخه الواقديّ وغيره، وزادوا: في آخرها . وقال خليفة بن خَيّاط في ((تاريخه)): وقتل في سنة (٣٨) في النَّهْرَوَان مِن أصحاب عليّ أبو عامر عقبة بن عامر الجهنيّ. قال الحافظ(١): كذا ذكر في ((تاريخه))، وهو نقل غريبٌ جدّاً، إن صَحَّ فهو رجل آخر غير عقبة بن عامر الصحابيّ؛ لاتفاقهم على أن الصحابيّ وَلِيَ إِمْرة مصر لمعاوية، وذلك بعد سنة (٤٠) قطعاً. انتهى(٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثاً، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف وَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن فيه كتاب (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فللمصنّف في هذا الحدیث إسنادان : [أحدهما]: سند محمد بن حاتم بن ميمون، عن عبد الرحمن بن مهديّ، (١) ونصّ ((الإصابة)) (٤٢٩/٤ - ٤٣٠): وأما قول خليفة بن خيّاط: قُتِل في النَّهْروان من أصحاب عليّ عقبة بن عامر الْجُهنيّ، فهو آخَرُ بدليل قول خليفة في ((تاريخه)): مات في سنة ثمان وخمسين عقبةُ بن عامر الْجُهَنيّ. انتهى. (٢) راجع ((الإصابة)) ٤٢٩/٤ - ٤٣٠، و((تهذيب التهذيب)) ١٢٣/٣ - ١٢٤. ١٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَولانيّ، عن عقبة بن عامر قائه. [والثاني]: سند محمد بن حاتم بن ميمون، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح، عن أبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة بن عامر رغپئه . فمحلّ التحويل هو معاوية بن صالح، فأول السند إليه متّحد، وهو يرويه بالإسنادين، وقد اختلف في ذلك، على ما نوضّحه الآن، فنقول: (اعلم): أن العلماء اختلفوا في القائل بعد إشارة التحويل: ((وحدثني أبو عثمان)) مَن هو؟ فقيل: هو معاوية بن صالح، وهو الصواب، وقيل: ربيعة بن يزيد، قال الحافظ أبو عليّ الْغَسّانيّ الْجَيّانِيّ ◌َظَُّ في كتابه ((تقييد المهمل)): القائل في هذا الإسناد: ((وحدّثني أبو عثمان)) هو معاوية بن صالح، وكتب أبو عبد الله بن الْحَذّاء في نسخته: ((قال ربيعة بن يزيد: وحدثني أبو عثمان، عن جبير، عن عقبة))، قال أبو عليّ: والذي أَتَّى في النسخِ الْمَرْوِيّة عن مسلم - كما ذكرناه أوّلاً - هو الصواب، والذي أَتَى به أبو عبد الله - يعني ابن الحذّاء - في نسخته وَهَمِّ منه، وهذا بَيِّنٌ في طُرُق هذا الحديث من رواية الأئمة الثقات الحفّاظ، وهذا الحديث يرويه معاوية بن صالح بإسنادين: [أحدهما]: عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة. [والثاني]: عن أبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة. قال أبو عليّ: وعلى ما ذكرنا من الصواب خَرَّجه أبو مسعود الدمشقيّ، فصَرَّح، وقال: قال معاوية بن صالح: وحدّثني أبو عثمان، عن جبير، عن عقبة. قال أبو عليّ: نا أبو عُمر النَّمَريّ، قال: نا خَلَف بن قاسم الحافظ، قال: نا أبو عليّ بن السكن، قال: حدّثني أبو عِمْران موسى بن العبّاس، قال: نا عبد الله بن هاشم الطُّوسيّ، قال: نا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد الدمشقيّ، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، قال معاوية: وحدّثني أبو عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عُقبة بن عامر، قال: كان علينا رعاية الإبل، فجاءت نَوْبتي، فرَوَّحتها بعشيّ، فأدركت من قول النبيّ يَّ: ((ما من مسلم يتوضّأ، فيُحسن الوضوء ... )) الحديث. ١٨٣ (٦) - بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٥٩) قال أبو عليّ: فهذا شاهدٌ لما ذكرناه من أن معاوية يرويه، عن أبي عثمان، وإن كان قد رُوي عن زيد بن الْحُبَاب في هذا الإسناد لفظٌ يُوهِمُ ظاهره أن معاوية بن صالح روى الإسنادين معاً عن ربيعة بن يزيد، كما حدّثنا أبو عمر النَّمَريّ، قال: نا عبد الوارث بن سُفيان، قال: نا قاسم بن أصبغ، قال: نا محمد بن وضّاح، قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا زيد بن الْحُبَاب، قال: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، وأبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، أن رسول الله وَّه قال: ((ما من أحد يتوضّأ، فيُحسن الوضوء، ويُصلّي ركعتين مُقبِلاً بقلبه ووجهه عليهما، إلا وجبت له الجنّة))، قال: فقال عمر: ما قبلها أفضل منها، كأنك جئتَ آنفاً، قال رسول الله وَلّ: ((من توضّأ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فُتِح له ثمانية أبواب، من الجنّة، يَدخُلُ من أيّها شاء)) . وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بهذا اللفظ، وقد بَيَّنَ ما أشكل من ظاهر إسناد هذا الحديث ما حدّثنا أبو عُمر النَّمَريّ، قال: نا خَلَف بن القاسم، قال: نا أبو عليّ بن السَّكَن، قال: نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغويّ، قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا زيد بن الْحُباب، قال: نا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، عن عقبة، قال معاوية: وحدّثني أبو عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، أن رسول الله وَ له قال: ((ما من أحد يتوضّأ ... )) الحديث. قال أبو عليّ: فهذا الإسناد بَيَّنَ ما أشكل من إسناد مسلم، ومحمد بن وضّاح، عن أبي بكر بن أبي شيبة. وقد رَوَى عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح هذا الحديث أيضاً، فبيَّنَ الإسنادين معاً، ومن أين مخرجهما، كما حدّثنا أبو عمر النَّمَريّ، قال: نا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال: نا محمد بن بكر، قال: نا أبو داود، قال: نا أحمد بن سعيد الْهَمْدانيّ، قال: نا ابن وهب، قال: سمعتُ معاوية بن صالح يُحدّث عن أبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عُقبة بن عامر، قال: كنّا مع رسول الله وَّ خُدّام أنفسنا، نتناوب الرعاية، واقتصّ الحديث إلى آخر ١٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة حديث عقبة، وروايته عن عمر بن الخطّاب الحديث الآخر الذي فاته سماعه من النبيّ وَّ، ثم قال: قال معاوية: وحدّثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بهذا . وقال أبو محمد بن الجارود في ((كتاب ((الكنى)): أبو عثمان، عن جُبير بن نُفير، روى عنه معاوية بن صالح، ثم ذكر حديث ابن وهب. قال أبو عليّ: وقد خَرَّج أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذيّ ◌َخْتُهُ في ((مصنفه)) هذا الحديث، من طريق زيد بن الْحُبَاب، عن شيخ له، لم يُقِم إسناده، عن زيد، وحَمَلَ أبو عيسى في ذلك على زيد بن الْحُباب، وزيدٌ بريء من هذه الْعُهْدة، والوهم في ذلك من أبي عيسى، أو من شيخه الذي حدَّثه به؛ لأنا قد قَدَّمنا من رواية أئمة حفاظ، عن زيد بن الحباب في هذا الإسناد ما خالف ما ذكره أبو عيسى، والحمد لله. وذَكَره أبو عيسى أيضاً في ((كتاب العلل))، وسؤالاته محمد بن إسماعيل البخاريّ، فلم يُجَوِّده، وأتى عنه فيه بقولٍ يُخَالِف ما ذكرنا عن الأئمة، ولعله لم يحفظ عنه. وهذا حديثٌ مُخْتَلَفٌ في إسناده، وأحسن طُرُقه ما خَرّجه مسلم بن الحجاج، من حديث ابن مهديّ وزيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، والله المستعان. قال أبو عليّ: وقد رواه عثمان بن أبي شيبة، أخو أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، فزاد في إسناده رجلاً، وهو جُبير بن نُفير، ذكره أبو داود في ((سننه)) في ((باب كراهة الوسوسة بحديث النفس في الصلاة))، حدّثناه أبو عمر النَّمَريّ، عن ابن عبد المؤمن، عن ابن داسة، عن أبي داود، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الْحُبَاب، حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الْخَوْلانيّ، عن جبير بن نفير الْحَضْرميّ، عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ أن رسول اللهِ وَّه قال: ((ما من أحد يتوضّأ، فيُحسن الوضوء ... ))، فذكر الحديث. انتهى كلام أبي عليّ الغسانيّ، وقد أتقن رَُّهُ هذا الإسناد غاية الإتقان(١). (١) ((تقييد المهمل، وتمييز المشكل)) ٧٨٥/٣ - ٧٩٠. ١٨٥ (٦) - بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٥٩) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ ◌َّتُهُ في هذا التحقيق، وأبان الصواب، وقد أوضح ذلك الحافظان، أبو عوانة، وأبو نعيم في ((مستخرجيهما)) أتمّ إيضاح، فقال الأول: (٥٥٥) حدثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر. (ح) وحدثنا محمد بن إبراهيم بن عليّ، ثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، سمعت معاوية بن صالح يحدث عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، أنه قال: كنا مع رسول الله وَل خُدّام أنفسنا نتناوب الرِّعاية، رعاية إبلنا، فكنت على رعاية الإبل، فَرَوّحتها بعشيّ ... فذكر نحوه. قال معاوية: وحدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر نحوه. انتھی(١). (١) وقال الثاني : (٦٠٦) حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: سمعت معاوية بن صالح يحدث عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، أنه قال: كنا مع رسول الله صل﴿ خُدّام أنفسنا، نتناوب رعاية إبلنا، فرَوَّحتها بعشيّ، فأدركت رسول الله وَ﴿ يخطب الناس، فسمعته يقول: ((ما منكم أحدٌ يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقوم، فيركع ركعتين يُقِبل عليهما بقلبه وبوجهه، فقد أوجب))، فقلت: بَخ بَخ، ما أجود هذه؟ فقال رجل بين يديّ: التي قبلها أجود، فنظرت إليه، فإذا هو عمر بن الخطاب، فقلت له: ما هي يا أبا حفص، قال: إنه قال آنفاً قبل أن تجيء: ((ما منكم من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يقول حين يخلو من الوضوء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله إلا فُتِحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء)). (١) ((المسند المستخرج على صحيح مسلم)) ٢٩٨/١. ١٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة قال معاوية بن صالح: وحدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة. انتهى(١). والحاصل أن القائل ((وحدّثني أبو عثمان)) هو معاوية بن صالح، كما تبيّن وجهه في هذه الروايات، وأما قول من قال: إن القائل هو ربيعة، فهو غلطٌ بلا شكّ، فتأمّل ذلك بإمعان، ترى الصواب ظاهراً للعيان، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: أخرج الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ هذا الحديث بطوله، ضعنه، ودونك نصّه : وفيه قصّة رحلة شعبة (٩) حدّثنا أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن بن عثمان التميميّ بدمشق، أنبا القاضي أبو بكر يوسف بن القاسم بن يوسف الميانجيّ، ثنا أبو عبيد محمد بن أحمد الناقد، ثنا أبو يحيى محمد بن سعيد العطار الضرير، قال: سمعت نصر بن حماد الوراق يقول: كنا قُعوداً على باب شعبة نتذاكر، فقلت: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: كنا نتناوب رِغْية الإبل على عهد رسول الله وَ﴾، فجئت ذات يوم، والنبيّ وَلثور حوله أصحابه، فسمعته يقول: ((من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين، فاستغفر الله إلا غُفِر له))، فقلت: بَخِ بَخٍ، فجذبني رجل من خلفي، فالتفتّ، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: الذَّيَ قبَلُ أحسنُ، فقلت: وما قال؟ قال: قال: ((مَن شَهِدَ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، قيل له: ادخُل من أيّ أبواب الجنة شئت)). قال: فخرج شعبة، فلَطَمني، ثم رجع فدخل، فتنحيت من ناحية، قال: ثم خرج فقال: ما له يبكي بعدُ؟ فقال له عبد الله بن إدريس: إنك أسأت إليه، فقال شعبة: انظُر ما تُحَدِّث؟ إن أبا إسحاق حدّثني بهذا الحديث عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: فقلت لأبي إسحاق: مَن عبد الله بن عطاء؟ قال: فغَضِب، ومِسْعَر بن كِدَام حاضرٌ، قال: فقلت له: لَتُصَحِّحَنَّ لي هذا أو لأَخْرُقَنّ ما كتبت عنك، فقال لي مِسْعَرٌ: عبد الله بن عطاء بمكة، قال شعبة: فرحلت إلى مكة لم أرد الحجّ، أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء، (١) ((مسند أبي عوانة)) (١٩١/١). ١٨٧ (٦) - بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٥٩) فسألته، فقال: سعد بن إبراهيم حدّثني، فقال لي مالك بن أنس: سعدٌ بالمدينة لم يحجّ العام، قال شعبة: فرحلت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم، فسألته، فقال: الحديث مِن عندكم، زِيَاد بن مِخْرَاق حدّثني، قال شعبة: فلما ذكر زياداً قلتُ: أيُّ شيء هذا الحديث؟ بينما هو كوفيّ إذ صار مدنيّاً، إذ صار بصريّاً، قال: فرحلت إلى البصرة، فلقيت زياد بن مِخراق، فسألته، فقال: ليس هو من بَابَتِك، قلت: حدِّثني به، قال: لا تُرِدْهُ، قلت: حدِّثني به، قال: حدَّثني شهر بن حوشب، عن أبي ريحانة، عن عقبة بن عامر، عن النبيّ وَّ، قال شعبة: فلما ذَكَر شهر بن حوشب، قلت: دُمِّر عليّ هذا الحديث، لو صَحَّ لي مثل هذا عن رسول الله وَله، كان أحبّ إليّ من أهلي ومالي والناس أجمعين. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الحديث صحيح من الوجه الذي أخرجه المصنّف في ((صحيحه)) هنا، ولا يضرّه ما وقع في هذه القصّة، من العلّة، وإنما أوردته هنا؛ لما فيه من القصّة التي تُنَشِّط طلاب العلم، وتحثّهم على الرحلة في طلب العلم، وتَحَمّل المشاقّ، وذلك لمعرفتهم مَدَى جُهد المحدّثين في طلب الحديث، فإنهم كانوا يرحلون في طلب حديث واحد إلى البلدان النائية مع ما يلقَونه في خلال سفرهم من الكدّ والتعب والمشاقّ الكثيرة. وقد عقد الإمام البخاريّ في ((صحيحه)) باباً، فقال: ((باب الخروج في طلب العلم))، ورَحَل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديث واحد، ثم أخرج بسنده قصّة خروج موسى ظلّل في طلب الخضر. وألّف الخطيب البغداديّ المتوفّى سنة (٤٦٣هـ) كتاباً سمّاه ((الرحلة في طلب الحديث))، وأورد فيه ما جاء عن الصحابة، فمن بعدهم في ذلك، فأجاد وأفاد، وقد أوردت جملاً مستحسنةً في ((شرح سنن ابن ماجه))، فعليك بالاستفادة منه، وبالله تعالى التوفيق. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) تقدّم أن اسمه عائذ الله - بالذال المعجمة - ابن عبد الله (١) ((الرِّحْلة في طلب الحديث)) ص١٤٨ - ١٥٣. ١٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة (الْخَوْلَانِيِّ) - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو -: نسبة إلى خَوْلان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مُرّة بن أُدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سَبَأ، وبعض خولان يقولون: خولان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، وهكذا قال ابن الكلبيّ، واسم خولان: أفكل، وهي قبيلة نزلت الشام (١). (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) تَتْه (ح وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ) تقدّم أن الصواب أن قائل: ((وحدّثني أبو عثمان)) هو معاوية بن صالح، فهو يروي هذا الحديث من طريقين، أحدهما: ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة نظراته، وثانيهما: عن أبي عثمان، عن جُبير بن نُفير، عن عقبة ◌ُله. [تنبيه]: قال ابن حبّان تَّتُهُ في ((صحيحه)) بعد إخراجه الحديث من طريقي المصنّف ما نصّه: قال أبو حاتم: أبو عثمان هذا يُشبه أن يكون حَرِيز بن عثمان الرَّحبيّ، وإنما اعتمادنا على هذا الإسناد الثاني - يعني طريق ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة رظُه - لأن حَرِيز بن عثمان ليس بشيء في الحدیث. انتھی کلامه(٢). وهذا الذي قاله ابن حبّان في حَرِيز غير صحيح؛ لأن حَريزاً ثقة ثبت متقنٌّ مشهور، قد وثّقه الأئمة: أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، والفلّاس، ودُحيم، وأبو حاتم، وأخرج له البخاريّ في ((صحيحه))، ولم ينقموا عليه إلا النصب، وذكر البخاريّ أنه تاب منه، وقال أبو حاتم: حسن الحديث، ولم يثبت عندي ما يقال في رأيه، ولا أعلم بالشام أثبت منه، وهو ثقةٌ متقرٍّ، وأما في الحديث فحجة ثبتٌ. والحاصل أن كلام ابن حبّان غير صحيح، وهذه عادته أنه يجرح بعض الثقات المشهورين، ويوثّق كثيراً من المجاهيل، كما هو ظاهر لمن يقرأ في (كتاب الثقات)) له، وأن ما نُقل عن حَريز من النصب تاب عنه، ولهذا أخرج له البخاريّ، كما ذكر ذلك الحافظ في ((التهذيب))(٣)، فتبصّر، ولا تقلّد المجازفين. (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٧٢/١. (٢) («الإحسان)) ٣٢٨/٣. (٣) راجع ((تهذيب التهذيب)) ٣٧٦/١ - ٣٧٧. ١٨٩ (٦) - بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبُّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٥٩) هذا كلّه على تقدير أن يكون أبو عثمان هذا هو حَرِيز بن عثمان، وإلا فالأكثرون على أنه مجهول، كما سبق البحث عنه مستوفّى، والله تعالى أعلم. (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُقَيْرٍ) بتصغير الاسمين (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) ◌َبه أنه (قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِّ) ((الرعاية)) - بكسر الراء - وهي الرَّغْيُ، يقال: رعت الماشيةُ تَرْعَى رَعْياً ورِعَايَةً، وارْتَعَتْ، وتَرََتْ: إذا سَرَحَت بنفسها، ورعاها صاحبها، وأرعاها، يُستعمل لازماً ومُتعدّياً(١). قال النوويّ كَّتُهُ: معنى هذا الكلام أنهم كانوا يتناوبون رَغْيَ إبلهم، فيجتمع الجماعة، ويَضُمُّون إبلهم بعضَها إلى بعضٍ، فيرعاها كلَّ يوم واحدٌ منهم؛ ليكون أرفق بهم، وينصرف الباقون في مصالحهم (٢). وقال القرطبيّ تَظُّهُ: قوله: ((رِعاية الإبل)) يعني إبل الصدقة المنتظر تفريقها، أو الإبل الْمُعَدَّة لمصالح المسلمين. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: على تفسير النوويّ يكون المعنى نقوم بخدمة أنفسنا، وليس لنا خادم يَرْعَى إبلنا، وعلى تفسير القرطبيّ يكون المعنى: كانت علينا أنا وجماعة رعاية إبل الصدقة بالتناوب، فجاءت نوبتي. والصواب تفسير النوويّ؛ لما في رواية أبي داود في ((سننه)): عن عقبة بن عامر قال: كنا مع رسول الله و لم خُدّام أنفسنا، نتناوب الرعاية، رعاية إبلنا، فكانت عليّ رعاية الإبل، فروّحتها بالعشيّ ... الحديث، فقد صرّح في هذا أنهم يرعون إبلهم، لا إبل الصدقة، والله تعالى أعلم. (فَجَاءَتْ نَوْبَتِي) بفتح النون، وسكون الواو: اسم من المناوبة، قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: وناوبته مناوبةً بمعنى ساهمته مُساهمةً، والنَّوْبةُ اسم منه، والجمع نُوَبٌ، مثلُ قَرْيَةٍ وقُرَى، وتناوبوا عليه: تَدَاوَلُوه بينهم، يفعله هذا مرّةً، وهذا مرّةً. انتهى (٤). (١) ((المصباح المنير)) ٢٣١/١، و((القاموس المحيط)) ص ١١٦٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٠/٣ - ١٢١. (٤) ((المصباح المنير)) ٦٢٩/٢. (٣) ((المفهم)) ١/ ٤٩٤. ١٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة (فَرَوَّحْتُهَا) بتشديد الواو: أي رَدَدتُّها إلى مُرَاحها بضمّ الميم: أي مأواها، ومبیتھا . [فائدة]: قال في ((المصباح المنير)) (٢٤٢/١): ((الْمُرَاحِ - بضم الميم - حيثُ تَأْوِي الماشية بالليل، والْمُناخُ، والْمَأْوَى مثله، وفتح الميم بهذا المعنى خطأ؛ لأنه اسم مكان، واسم المكان والزمان والمصدر من أفعل بالألف مُفْعِلٌ بضم الميم، على صيغة اسم المفعول، وأما ((الْمَرَاح)) بالفتح: فاسم الموضع من راحت بغير ألف، واسم المكان من الثلاثي بالفتح، و((الْمَرَاح)) بالفتح أيضاً الموضع الذي يروح القوم منه، أو يرجعون إليه. انتهى. (بِعَشِيٍّ) قيل: هو ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه يقال للظهر والعصر: صلاتا العشيّ، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: العشيّ من الزوال إلى الصباح، وقيل: العشيّ، والعشاء من صلاة المغرب إلى الْعَتَمَةِ (١). (فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ﴾ أي ثم جئت إلى مجلس رسول الله وَّهِ، فأدركته (قَائِماً) حال من المفعول، وكذا قوله: (يُحَدِّثُ النَّاسَ) إما مترادفان، أو متداخلان، ولفظ أبي داود: ((فأدركت رسول الله (وَلّ يخطب الناس)) (فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ) أي مما تكلّم به رسول الله وََّ ((مَا) نافية (مِنْ) زائدة للتوكيد (مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ) بأن يأتي بواجباته، ومستحبّاته (ثُمَّ يَقُومُ) أي حقيَّقَةً، أو حكماً، سيّما إذا كان بعذر، فإطلاق القيام جرى على الغالب، لا أنه قيدٌ احترازيّ، و(ثُمّ) للترقّي، قاله القاري(٢). (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا) أي على الركعتين (بِقَلْبِهِ) أي باطنه (وَوَجْهِهِ) أي ظاهره، أو ذاته، قال الطيبيّ كَُّهُ: ((مقبلٌ)) وُجِد بالرفع في الأصول، وفي بعض النسخ ((مُقبلاً)) منصوباً على الحال، يعني حال كونه متوجّهاً أي حال كونه مقبلاً عليهما بظاهره، وباطنه، مستغرقاً خاشعاً هائباً، قال: وكونه مرفوعاً مشكلٌ؛ لأنه إما صفةٌ لـ((مسلم)) على أن ((من)) زائدةٌ، وفيه بُعْدٌ؛ للفواصل، وإما خبر مبتدأ محذوف، فيكون حالاً، وفيه بُعْدٌ أيضاً؛ لخلوّه عن الواو والضمير، اللهمّ إلا أن يقال: إن المبتدأ المقدّر كالملفوظ، (١) المصدر السابق ٢/ ٤١٢. (٢) ((المرقاة)) ١٨/٢. ١٩١ (٦) - بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٥٩) فحينئذ يكون من قبيل: ((كلّمتُهُ فُوهُ إلى فِيَّ)»، والوجه العربيّ أن يُضْرَب عن هذا الحال صفْحاً، ويقال: هو فاعلٌ تنازع فيه ((يقوم))، و(يصلّي)) على سبيل التجريد، كقول الشاعر [من الوافر]: فَلَئِنْ بَقِيتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ تَحْوِي الْغَنَائِمَ أَوْ يَمُوتَ كَرِيمُ أي أموت كريماً، فجعل الحال فاعلاً على التجريد، وعليه قراءة عُمير: ﴿فَإِذَا أَنْشَقَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ الآية [الرحمن: ٣٧] بالرفع، بمعنى: فحصلت وردةٌ، فالمعنى: يُصلي مقبلٌ متناهٍ في إقباله، ملقى على الركعتين بشَرَاشِرِهِ، ومنه قراءة من قرأ: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنْكَ وَلِنَّا ﴿ يَرِثْنِىِ وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ﴾ [مريم: ٥ - ٦]. انتهى كلام الطيبيّ تَظُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح في وجه الرفع كونه خبراً المبتدأ محذوف؛ أي وهو مقبلٌ، والجملة في محلّ نصب على الحال، وأما ما وجّه به الطيبيّ من كونه من باب التجريد فلا يخفى ما فيه من التعسّف، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ كَّتُ: وقد جمع وَلّ بهاتين اللفظتين - يعني في قوله: (مقبلاً بقلبه ووجهه)) - أنواعَ الخضوع والخشوع؛ لأن الخضوع في الأعضاء، والخشوع بالقلب، على ما قاله جماعة من العلماء. انتهى (٢). وقال في ((المرعاة)): الإقبال بالقلب على الركعتين أن لا يغفل عنهما، ولا يتفكّر في أمر لا يتعلّق بهما، ويَصرِف نفسه عنه مهما أمكن، والإقبال بالوجه أن لا يلتفت به إلى جهة لا تليق بالصلاة الالتفات إليها، ومرجعه الخشوع والخضوع، فإن الخشوع في القلب، والخضوع في الأعضاء. وقال السنديّ ◌َخّْتُهُ: يمكن أن يكون هذا الحديث بمنزلة التفسير لحديث عثمان رظُه، وهو: ((من توضّأ نحو وضوئي هذا .. إلخ))، وعلى هذا فقوله: ((فيُحسن وضوءه)) هو أن يتوضّأ نحو ذلك الوضوء، وقوله في حديث عثمان رَظُه: ((لا يُحدّث فيهما نفسه)) هو أن يُقبل عليهما بقلبه ووجهه، وقوله (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٤٧/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢١/٣. ١٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطهارة في ذلك الحديث: ((غُفِرَ له .. إلخ)) أريد به أنه تجب له الجنة، ولا شكّ أن ليس المراد دخول الجنة مطلقاً، فإنه يحصل بالإيمان، بل المراد دخولاً أوّليّاً، وهذا يتوقّف على مغفرة الصغائر والكبائر جميعاً، بل مغفرة ما يُفعَل بعد ذلك أيضاً، نعم لا بدّ من اشتراط الموت على حسن الخاتمة، وقد يُجعَل هذا الحديثُ بشارةً بذلك أيضاً. انتهى(١). (إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ») أي أن الله تعالى أوجب على نفسه أن يُدخله الجنّة؛ فضلاً منه وكرماً، والظاهر أن المراد دخوله أوّلاً من غير سبق عذاب؛ لأن دخول الجنة مطلقاً يكفي فيه الإيمان، ولو لم يعمل هذا العمل، كما هو مذهب أهل السنّة، والاستثناء من عموم الأحوال. (قَالَ:) عقبة نَّه (فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدَ هَذِهِ) الإشارةُ إلى الكلمة، أو الجملة التي قالها النبيّ وَّر، وهي: ((ما من مسلم .. إلخ))، أو الفائدة، أو البشارة، أو العبادة. [تنبيه]: قوله: ((ما أجود هذه)) ((ما)) تعجّبيّة، وهي نكرة تامّةٌ، عند سيبويه؛ أي غير موصوفة بالجملة بعدها، و((أجود)) فعلٌ ماضٍ، وفاعله ضمير مستترٌ عائد على ((ما))، و((هذه)) اسم إشارة مفعول به لـ((أجود))، والجملة خبر ((ما))، فراجع شروح ((الخلاصة)) عند قولها: أَوْ جِىءْ بِ(أَفْعِلْ)) قَبْلَ مَجْرُورٍ بِ(بَا)) بِـ((أَفْعَلَ)) انْطِقْ بَعْدَ ((مَا)) تَعَجُّبَا أَوْفَى خَلِيلَيْنَا وَأَصْدِقْ بِهِمَا)) وَتِلْوَ ((أَفْعَلَ)) انْصِبَنَّهُ كَامَا والمعنى: ما أحسن هذه الفائدة، وما أجمل هذه البشارة، وهو تعجّب من جودتها من جهة أنها سَهلةٌ متيسّرة، يقدر عليها كلُّ أحد بلا مشقّة، مع عِظَم أجرها(٢)، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا) فجائيّة، ظرف لـ(يقول))، والمعنى: ففاجأني قوله(٣)، وقوله: (قَائِلٌ) مبتدأ خبره جملة ((يقول))؛ أي شخصٌ متكلّم (بَيْنَ يَدَيَّ) أي أمامي، متعلّق بصفة لـ ((قائل)) (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي حال كونه (١) ((المرعاة)) ٩/٢. (٢) راجع ((شرح النوويّ)) ١٢١/٣. (٣) انظر تفاصيلها في ((مغني اللبيب)) ٨٣/١ - ٨٤. ١٩٣ (٦) - بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٥٩) قائلاً (الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَهُ) اسم الإشارة مبتدأ صلته الظرف، و((أجود)) خبره؛ أي الجملة التي قبل الجملة التي سمعتها، وتعجّبت من جودتها أكثر أجوديّةً (فَنَظَرْتُ) أي إلى ذلك القائل (فَإِذَا) فجائيّةٌ أيضاً (عُمَرُ) بن الخطّاب الخليفة الراشد ◌ُّه المتوفّى شهيداً في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين (قَالَ) أي عمر رَُّه (إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ جِئْتَ آنِفاً) بالمدّ، بوزن صاحب على اللغة المشهورة، وبالقصر، بوزن كَتِفٍ، على لغة صحيحة أيضاً، وقد قُرئ بهما في السبع قوله تعالى: ﴿قَالَ ◌َائِقًا﴾ [محمد: ١٦]: أي مُذْ ساعة؛ أي في أوّل وقت يَقرُبُ مِنّا (١). (قَالَ) أي النبيّ وَّهِ (مَا) نافية كما سبق آنفاً (مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) ((من)) الأولى بيانيّة، والثانية زائدة، والجارّ والمجرور حال من ((أحد))، وهو مبتدأ، وخبره ((إلا وجبت .. إلخ))، وقوله: (يَتَوَضَّأُ) صفة لـ((أحد)) (فَيُبْلِغُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإبلاغ (أَوْ) للشكّ من الراوي (فَيُسْبِغُ) بوزن ما قبله، من الإسباغ، وكلاهما تنازعا قوله: (الْوَضُوءَ) على أنه مفعول به، وهو بفتح الواو؛ أي استعمال الماء الذي يتوضّأ به، أو بضمّها، اسم للفعل؛ أي للتوضّئ، والمراد من الإبلاغ، أو الإسباغ الإتيان بواجباته، ومستحبّاته، وقال النوويّ كَثُهُ: هما بمعنى واحد؛ أي يتمّه، ويُكمله، فيوصله مواضعه على الوجه المسنون. انتهى(٢). (ثُمَّ يَقُولُ) أي عقب وضوئه (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي أعلم، وأُبيّن أنه لا إله إلا الله؛ قاله ابن الأنباريّ. وقال الفيّوميّ: قولهم: أشهد أن لا إله إلا الله، تعدّى بنفسه؛ لأنه بمعنى أعلم(٣). وفي ((المنهل)): أي أُقرّ بلساني، وأُذعِن بقلبي، من الشهادة، وهي الإخبار بما شُوهد، فهي خبر قاطعٌ، يقال: شهد الرجلُ على كذا، وشهده، شُهوداً : حضره، وقومٌ شُهودٌ: حضورٌ. و((أن)) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والأصل: أشهد أنه لا إله إلا الله، وخبر ((لا)) محذوف؛ أي معبود بحقّ، ولا يُقدّر لفظ ((موجود))، (١) ((القاموس المحيط)) ص٧١٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٣٢٤/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٢١/٣. ١٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ولا لفظ ((معبود)) بدون تقييده بـ((حقّ))، كما قدّره بعض الشرّاح؛ لأن ذلك باطلٌ، يكذبه الواقع، حيث إن غير الله له وجود أيضاً، وقد عُبد غير الله تعالى، وإنما الصواب أن يُقدّر: لا معبود بحقّ، كما قال ◌َت: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ اُلْكَبِيرُ ﴾﴾ [الحج: ٦٢]، وقد أثبت الله تعالى عبادة غيره في غير ما آية، كهذه، وآية: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ﴾ الآية [يونس: ١٨]، وغيرها من الآيات الكثيرة. و((إلا)) مُلغاة، ولفظ الجلالة مرفوع على البدليّة من الضمير في الخبر، وقيل: غير ذلك، وقد ذكرت في ((شرح النسائيّ)) في إعراب ((لا إله إلا الله)) فوائد نفيسة، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَأَنَّ مُحَمَّداً) وَّرَ هو في الأصل اسم مفعول من حُمِّد مبالغة في الثناء، وهو علمٌ وصفةٌ اجتمعا في حقّه وَّر، وأما في غيره فهو علم محضٍّ، منقول من الوصفيّة إلى الاسميّة، وهكذا شأن أسماء النبيّ وَّر، وأسماء الله تعالى، وأسماء كتابه، فهي أعلام دالّة على معان سامية، هي أوصاف مدح، وسماه به جدّه عبد المطّلب، وقال: رجوت أن يُحمد في السماء والأرض، وقد حقّق الله رَّ رجاءه. وقد ذكرت في ((شرح النسائيّ)) أيضاً تحقيقات تتعلّق بهذا الاسم، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (عَبْدُ اللهِ) وصفه بالعبوديّة التي هي غاية التذلّل والخضوع؛ لأنه وَلّ كان أتقى الخلق على الإطلاق، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) من حديث عائشة ؤها قالت: كان رسول الله وَ ﴿ يقول: ((إن أتقاكم، وأعلمكم بالله أنا))، فلم يبلغ أحدٌ مبلغه ◌َ من التذلّل والخضوع لمولاه رَ، والإضافة فيه للتشريف؛ إشارةً إلى كمال مرتبته في مقام العبوديّة، والقيام في أداء حقوق الربوبيّة، ووصفه بها لئلا يتوهّم ضعفاء العقول فيه ما لا يليق بمقامه من التأليه كما ضلّت النصارى بذلك في عيسى علَا، وقدّمه على قوله: (وَرَسُولُهُ) لأنه أشرف أوصافه، وأعلاها، ولذلك وصفه الله تعالى به في أرفع المقام، وأسماها، فقال: ﴿سُبْحَنَ اُلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اٌلْأَقْصَا﴾ الآية [الإسراء: ١]. ١٩٥ (٦) - بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٥٩) (إِلَّا فُتِحَتْ) بالبناء للمفعول، وتخفيف التاء، وتشديدها للمبالغة، وعبَّرَ عن المستقبل بالماضي؛ لتحقّق وقوعه، والمراد تُفتح له يوم القيامة، فهو من باب قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ الآية [الكهف: ٩٩]. (لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ) برفع ((أبوابُ)) على أنه نائب الفاعل، ولفظ النسائيّ: ((ثمانية أبواب الجنّة)) بالإضافة، وهو من إضافة الصفة للموصوف؛ أي أبواب الجنة الثمانية، وفُتحت له الأبواب الثمانية، وإن كان الدخول يكفي فيه باب واحدٌ؛ تعظيماً للعبد بسبب عظمة عمله المذكور، فهو كما روي أن الله من أخذ الميثاق على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يؤمنوا بمحمد ﴿ إن أدركوه(١)، ومعلوم أنه لا يظهر في زمان أحد منهم، وإنما ذلك لإظهار شرفه وت ثير لهم(٢). قال الجامع عفا الله عنه: فتح أبواب الجنة محمول على ظاهره وحقيقته، وذكر بعضهم احتمال أن يكون مجازاً عن التوفيق للطاعات في الدنيا، فإنها سبب في فتح أبواب الجنّة في الآخرة(٣)، والصواب ما قدّمته، وأما الاحتمال المذكور فيُبعده قوله: ((يدخُلُ من أيها شاء))، فتأمل، والله تعالى أعلم. (يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا) أي من أي تلك الأبواب الثمانية (شَاءَ))) أي أراد الدخول فيه، يعني أنه يدخل من أيّ باب اختار الدخول منه، ولكن الظاهر أنه لا يختار إلا الذي يغلب عليه عمله؛ إذ أبواب الجنّة مُعدّة لأعمال مخصوصة، ويؤيّد ذلك ما أخرجه الشيخان، من حديث أبي هريرة ◌ُله أن رسول الله وَليه قال: ((من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرَّان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة))، فقال أبو بكر ظُه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على مَن دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل (١) روي ذلك عن عليّ، وابن عبّاس ﴿ه، راجع ((تفسير ابن كثير)) ١٠٠/٣ - ١٠١. (٢) راجع ((المنهل)) ١٥٨/٢. (٣) راجع ((المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود)) ١٥٨/٢. ١٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة يُدْعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكون منهم)). وقد ذكر العلماء أن فائدة تعدّد الأبواب وفتحها، والدعاء منها هو التشريف في الموقف، والإشادة بذكر من حَصَلَ له ذلك على رؤوس الأشهاد، فليس من يؤذن له في الدخول من باب لا يتعدّاه كمن يُتَلَقَّى بالترحيب من كلّ باب، ويَدخُلُ من حيث شاء(١). والأبواب الثمانية هي: باب الإيمان، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الصدقة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، وباب الجهاد، وباب التوبة. قال الجامع عفا الله عنه: [فإن قلت]: يعارض حديث الباب ما أخرجه الشيخان من حديث سهل بن سعد ربه مرفوعاً: ((إنّ في الجنّة باباً يقال له: الريّان، يدخل منه الصائمون، لا يدخل معهم أحدٌ غيرهم ... )) الحديث. [قلت]: لا تعارض بينهما؛ لأن المنفيّ فيه دخول غيرهم، وحديث الباب بَيَّن أنه يُخيّر للتشريف، ولا يلزم منه الدخول؛ وحاصله أنه وإن خُيِّر لكن لا يَرَغَب في الدخول فيه، ولا يُوفَّق لذلك، إلا إذا كان ممن أكثر الصيام، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قوله: ((أبواب الجنة الثمانية)) هكذا رواية المصنّف بدون زيادة ((مِنْ))، ونحوه رواية أبي داود، والنسائيّ، ووقع في رواية الترمذيّ بلفظ: ((فتحت له ثمانية أبواب من الجنّة، من أيّها يدخل))، وهي تدلّ على أنها أكثر من ثمانية؛ بناءً على أن ((من)) للتبعيض، وفي كلام القرطبيّ ما يؤيّده، وهو لا ينافي رواية المصنّف؛ لأن اسم العدد لا مفهوم له (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الذي صحّ من الأحاديث يفيد أن أبواب الجنّة ثمانية، كما في حديث الباب، ولا ينافيه ما وقع في رواية الترمذيّ بلفظ ((من))؛ لأنها للابتداء كما هو أصل معناها، لا للتبيعض، فلا تنافي ما هنا، وأما ما ذكره القرطبيّ في كتابه ((التذكرة)) بأنها أكثر من ثمانية، ثم أوصلها إلى ثلاثة عشر، فلا يُلتفت إليه؛ لأنه لم يستند إلى نصّ صحيح يدلّ على ما ذكره، فتنبّه، (١) ذكره السيوطيّ في ((زهر الربى في شرح المجتبى)) نقلاً عن ابن سيّد الناس ٩٣/١. (٢) ((المنهل)) ١٥٨/٢. ١٩٧ (٦) - بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٥٩) ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وعمدة العنيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: ما هذا من (المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر، وعمر بن الخطاب أفراد المصنّف رَُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في («الطهارة)) [٥٥٩/٦ و٥٦٠] (٢٣٤)، و(أبو داود) في ((الطهارة)) (١٦٩ و١٧٠)، و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (٥٥)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٤٨)، و(ابن ماجه) في ((سننه)) (٤٧٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٩/١ - ٥٠)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (١٤٢)، و(أبو بكر بن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣/١ -٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩/١ و١٥٠ - ١٥١ و١٤٥/٤ - ١٤٦ و١٥٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٢/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٥٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٦٠٤ و٦٠٥ و٦٠٦ و٦٠٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٥٤ و٥٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الذكر المستحبّ عقب الوضوء. ٢ - (ومنها): بيان فضل إحسان الوضوء، واستحباب الشهادتين بعده. ٣ - (ومنها): بيان فضل الشهادتين، وكلمة التوحيد. ٤ - (ومنها): إثبات الجنّة، وأن لها أبواباً ثمانية. ٥ - (ومنها): بيان أن بعض عباد الله تفتح له أبواب الجنّة كلُّها، ويُدعَى إليها؛ تكريماً له، وإن كان لا يدخل إلا من باب واحد. ٦ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ تَّلهُ: القول بالشهادتين عقب الوضوء إشارة إلى إخلاص العمل لله تعالى، وطهارة القلب من الشرك والرياء، بعد طهارة الأعضاء من الحدث والخبث. انتهى(١). (١) (الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٤٨/٣. ١٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة ٧ - (ومنها): أن في قوله: ((ثم يقوم، فيصلّي)) يؤخذ منه أن القيام في النافلة أفضل من الجلوس، إلا لعذر. ٨ - (ومنها): استحباب ركعتين عقب الوضوء، وقد سبق حديث أبي هريرة رضيه، أن النبيّ وَ ◌ّ قال لبلال عند صلاة الفجر: ((يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دَفّ نعليك(١) بين يديّ في الجنة))، قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طُهُوراً في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الظُهور ما كُتِب لي أن أصلي. متّفقٌ عليه. ٩ - (ومنها): بيان أن الإخلاص في العمل، وإقبال القلب عليه، وترك الشواغل الدنيويّة هو روح العبادة. ١٠ - (ومنها): بيان أن الله رحمك يُعطي الثواب الكثير على العمل القليل الخالص لوجهه؛ فضلاً منه، ومنّةً، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو اٌلْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. على فعل الخير، والترغيب ١١ - (ومنها): بيان حرص الصحابة فيه، ودلالة الغير عليه. ١٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة من التواضع، أيضاً وخدمة أنفسهم بأنفسهم. أيضاً من الحرص في طلب ١٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة العلم، وحضور مجالسه، فكلما وجدوا فُرصة انتهزوها، واغتنموها، وصرفوها فيه، ولو كان ذلك على سبيل التناوب، وقد عقد الإمام البخاريّ لذلك باباً في ((كتاب العلم من صحيحه))، فقال: ((باب التناوب في العلم))، ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن عباس، عن عمر، قال: ((كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أُمَيَّة بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله وَ ل* ينزل يوماً، وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك ... )) الحديث. (١) أي تحريكهما . ١٩٩ (٦) - بَابُ بَيَانِ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ عَقِبَ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٥٩) ١٤ - (ومنها): بيان مشروعيّة التعاون في الأمور المعيشيّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ينبغي زيادة ما جاء في رواية الترمذيّ، وابن ماجه: ((اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهّرين))، والنسائيّ في ((عمل اليوم والليلة))، والحاكم في ((المستدرك)): (( سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)). قال في ((التلخيص الحبير)) (١٠١/١) بعد ذكر حديث عقبة، عن عمر طعليها هذا ما نصّه: ورواه الترمذي من وجه آخر عن عمر نظره، وزاد فيه: ((اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين))، وقال: في إسناده اضطراب، ولا یصحّ فيه شيء کبیر. انتھی. قال الحافظ: لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض، والزيادةُ التي عنده رواها البزار، والطبراني في ((الأوسط)) من طريق ثوبان، ولفظه: ((من دعا بِوَضوء، فتوضأ، فساعةَ فَرَغَ من وضوئه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين ... ))، الحديث، ورواه ابن ماجه من حديث أنس څئه. وأما قوله: ((سبحانك اللهم ... )) إلى آخره، فرواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة))، والحاكم في ((المستدرك)) من حديث أبي سعيد الخدريّ تُه بلفظ: ((من توضأ، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كُتِبَ في رَقّ، ثم طُبعَ بِطَابَع، فلم يُكْسَر إلى يوم القيامة)). واختُلِف في وقفه ورفعه، وصحّح النسائي الموقوف، وضعف الحازميّ الرواية المرفوعة؛ لأن الطبراني قال في ((الأوسط)): لم يرفعه عن شعبة إلا یحیی بن کثیر. قال الحافظ: ورواه أبو إسحاق المزكي في الجزء الثاني، تخريج الدارقطنيّ له من طريق رَوْح بن القاسم، عن شعبة، وقال: تفرد به عيسى بن شعيب، عن رَوْح بن القاسم، ورجّح الدار قطنيّ في ((العلل)) الرواية الموقوفة أيضاً. انتهى(١). (١) ((التلخيص الحبير)) ١/ ١٠١. ٢٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الوقف وإن كان راجحاً على الرفع، إلا أنه في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأن مقادير الثواب لا تُعْرَف إلا بالتوقيف من النبيّ ◌َّر، فالظاهر أن الصحابيّ سمعه منه وَّل. وقد صحّح الشيخ الألبانيّ تَظْلَتُ رفع هذه الزيادة، فراجع ((صحيح الترمذيّ)) برقم (٥٥) و((صحيح ابن ماجه)) برقم (٤٧٠)، والظاهر أن الوقف أرجح، لكن الحكم هو ما ذكرته آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أنه لم يثبت من أحاديث الأذكار والدعاء في الوضوء غير التسمية في أوله على ما قيل، وقول: ((أشهد أن لا إله إلا الله .. إلخ)) في آخره. قال الإمام ابن القيّم ◌َخْذَلُهُ: كلُّ حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه، فَكَذِبٌ مُختَلَقٌ، لم يقل رسول الله وَِّ شيئاً منه، ولا عَلَّمه لأمته، ولا يثبتُ عنه غير التسمية في أوله، وقول: ((أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوّابين، واجعلني من المتطهّرين)) في آخره، وفي حديث آخر عند النسائيّ في ((عمل اليوم والليلة)) مما يقال بعد الوضوء أيضاً من حديث أبي سعيد الخدريّ ضرعنه مرفوعاً: ((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك))(١). انتهى كلام ابن القيّم ◌َخْذُّهُ(٢). وقال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١/ ١٠٠) عند قوله: من السنن المحافظة على الدعوات الواردة في الوضوء، فيقول في غسل الوجه: ((اللهم بيّض وجهي يوم تَبْيَضُّ وجوه، وتَسْوَدُّ وجوه))، وعند غسل اليد اليمنى: ((اللهم أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حساباً يسيراً))، وعند غسل اليسرى: ((اللهم لا (١) وصححه الحاكم تَّتُهُ، في ((المستدرك)) (٥٦٤/١) على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ تَخُّْهُ، وصححه أيضاً الشيخ الألبانيّ ◌َظُّْهُ. راجع كلامه في ((إرواء الغليل)) ٣ /٩٣ - ٩٤. (٢) ((زاد المعاد)) (١٩٥/١).