النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
إذا نسي المسح مسح، وأعاد الصلاة، ولم يعد الوضوء، وكان مالك يقول
فيمن غسل ذراعيه قبل وجهه، ثم صَلَّى: لا إعادة عليه.
وقالت طائفةٌ: مَن قَدَّم عضواً على عضو فعليه أن يعيد حتى يغسله في
موضعه، هكذا قال الشافعيّ، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو عبيد،
وأبو ثور.
واحتج الشافعيّ بقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِّرِ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١٥٨]، وبأن النبيّ وَ ﴿ لَمّا أراد الصفا قال: ((نبدأ بما بدأ الله به))، قال
الشافعيّ: ولم أعلم مخالفاً أنه إن بدأ بالمروة قبل الصفا أَلْغَى طوافاً حتى
يكون بدؤه بالصفا. قال: وكما قلنا في الجمار: إن بدأ بالآخرة قبل الأولى
أعاد، فكان الوضوء في هذا المعنى، وأوكد من بعضه عندي. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الإمام الشافعيّ ومن معه
أرجح؛ لظاهر قوله {وَل قر: ((نبدأ بما بدأ الله به))، بل روي بصيغة الأمر: ((ابدءوا
بما بدأ الله))، وأيضاً فإن النبيّ وَّرُ واظب عليه، فكلّ الأحاديث الصحيحة
وصفت وضوءه مرتّباً كما في الآية. قال إمام الحرمين: لم ينقل أحدٌ قطّ أنه وَه
نكّس وضوءه، فاطرد الكتاب والسنّة على وجوب الترتيب. انتهى(٢). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية والعشرون): في اختلافهم في حكم التمسّح بالمنديل
بعد الوضوء:
قال ابن المنذر تَّتُهُ: اختلف أهل العلم في التمسح بالمنديل بعد
الوضوء والاغتسال، فممن روينا عنه أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان بن
عفان، والحسين بن عليّ، وأنس بن مالك، وبَشير بن أبي مسعود، ورَخّص فيه
الحسن، ومحمد بن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك بن
مزاحم، وكان مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، وأحمد، وأصحاب الرأي لا
يرون به بأساً.
وفيه قول ثانٍ، روينا عن جابر بن عبد الله، أنه قال: إذا توضأت، فلا
(١) ((الأوسط)) ٤٢٣/١ - ٤٢٤.
(٢) راجع ((عمدة القاري)) ٣٠٥/٢.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
تمندل، وكَرِه ذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعيّ، ومجاهد،
وابن المسيب، وأبو العالية، واختُلِف فيه عن سعيد بن جبير، ورَوينا عن ابن
عباس أنه كَرِه أن يمسح بالمنديل من الوضوء، ولم يكرهه إذا اغتسل من
الجنابة، وكان سفيان يُرَخّص فيهما جميعاً: الوضوء والاغتسال.
قال ابن المنذر كَّتُهُ: أعلى شيء رُوي في هذا الباب خبران: خبر يدلّ
على إباحة أخذ الثوب ينشف به، والخبر الآخر يدلّ على ترك ذلك، فأما
الخبر الأول، فحدثونا عن إسحاق بن راهويه، ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى،
عن محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، عن محمد بن عمرو بن
شُرَحبيل، عن قيس بن سعد، قال: أتانا النبيّ وَّهِ، فوضعنا له غُسلاً،
فاغتسل، ثم أتيناه بِمِلْحَفة وَرْسِيّة، فالتحف بها، فكاني أنظر إلى أثر الْوَرْس
على عُكَنه(١) .
والخبر الثاني: حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطارديّ، ثنا حفص بن
غياث، عن الأعمش، عن سالم، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة،
قالت: ((وَضعت للنبيّ وَّ غُسلاً، فلما فرغ ناولته منديلاً، فلم يأخذه، وجعل
ينفُض بيديه))، متّفقٌ عليه.
قال ابن المنذر كَخَّتُهُ: وهذا الخبر لا يوجب حَظْر ذلك، ولا المنع منه؛
لأن النبيّ وَّ لم ينه عنه، مع أنه قد كان يَدَع الشيء المباح؛ لئلا يشقّ على
أمته، من ذلك قوله لبني عبد المطلب: ((لولا أن تُغْلَبوا على سقايتكم لنزعت
معكم))، ودخل الكعبة، وقال بعد دخوله: ((لوددت أني لم أكن دخلتها، أخشى
أن أكون أتعبت أمتي)).
وحديثُ قيس بن سعد يدلّ على إباحة ذلك، فأخذ المنديل مباح بعد
الوضوء والاغتسال. انتهى كلام ابن المنذر تَّتُهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، إلا
استدلاله بحديث قيس ره؛ لأنه ضعيف؛ لضعف محمد بن أبي ليلى، فالأولى
(١) جمع ◌ُكْنة بالضمّ: الطيّ في البطن من السمن. انتهى ((القاموس))، والحديث
ضعيف، أخرجه ابن ماجه برقم (٤٥٩ و٣٥٩٤)، وفي إسناده محمد بن أبي ليلى
ضعيف الحفظ .

١٢٣
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
الاستدلال بعدم ورود نصّ مانع منه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الثانية والعشرون): في اختلاف أهل العلم في البدء بالميامن في
الوضوء:
قال ابن المنذر تَخْتُ: ثابتٌ عن رسول الله وَّ أنه كان يعجبه التيمن ما
استطاع في ترجُّله، وتنعّله، ووضوئه.
ورَوَينا عنه أنه قال: ((إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم)) (١).
قال ابن المنذر تَّتُهُ: وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله وسلم أنه بدأ، فغسل
يده اليمنى، ثم اليسرى في وضوئه، وكذلك يفعل المتوضئ إذا أراد اتباع السنة.
وممن مذهبه أن المتوضئ يبدأ بيمينه قبل يساره: مالك، وأهل المدينة،
وسفيان الثوري، وأهل العراق، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأصحابه، وأحمد بن
حنبل، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
قال: وأجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، وقد
روينا عن علي بن أبي طالب وابن مسعود، أنهما قالا: لا تبالي بأيّ يديك
بدأت، وعن علي أيضاً قال: لا يضرك بأي يديك بدأت، ولا بأي رجليك
بدأت، ولا على أي جانبيك انصرفت، وعن ابن مسعود قال: ما أبالي بأيهما
بدأت باليمنى أو اليسرى. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر وجوب التيامن في الوضوء والغسل؛
لأمره وَ * به، وهو للوجوب، ولمداومته عليه، لكن إن صحّ الإجماع، كما
زعمه ابن المنذر، فذاك، وإلا فالأمر كما قلتُ، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة والعشرون): في اختلافهم في حكم تحريك الخاتم في
الوضوء :
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه بإسناد صحيح، عن أبي
هريرة رضيه قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا لَبِستم، وإذا توضأتم فابدءوا بأيامنكم)).
(٢) ((الأوسط)) ٣٨٦/١ - ٣٨٧.

١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال ابن المنذر تَخُّ: اختَلَف أهل العلم في تحريك الخاتم في الوضوء،
فممن رُوي عنه أنه حَرَّك خاتمه في الوضوء: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن
عمرو، ومحمد بن سيرين، وعمرو بن دينار، وعروة بن الزبير، وعمر بن
عبد العزيز، والحسن، وهو قول ابن عيينة، وأبي ثور.
ورَخّصت فيه طائفة، فممن رَخّص فيه: مالك، والأوزاعيّ، وقال خالد بن
أبي بكر: رأيت سالم بن عبد الله يتوضأ، وخاتمه في يده، فلا يحركه.
وفيه قول ثالث، وهو أن يُحيله بحركة إن كان ضَيّقاً، ويَدَعَه إن كان
واسعاً سَلِساً، هكذا قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وبه قال أحمد بن
حنبل، وكذلك نقول. انتهى كلام ابن المنذر تَُّهُ، وهو حسنٌ جدّاً.
وحاصله أن تحريك الخاتم يلزم إن كان ضيّقاً لا يصل الماء إلى ما
تحته؛ لأن وصول الماء إلى البشرة واجب، وأما إذا كان واسعاً لا يمنع وصول
الماء، فلا يلزم تحريكه، ويمكن حمل قول من أطلق القول بالتحريك، وبعدمه
على هذا التفصيل، فلا اختلاف في الحقيقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٤٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ،
أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ
فِي الْإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا
نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٣٤) عن (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.

١٢٥
(٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٤٦)
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف
المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله.
وقوله: (فَأَفْرَغَ) أي صبّ الماء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٤) - (بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٥٤٦] (٢٢٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْئَةَ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ،
قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ، وَهُوَ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ الْعَصْرِ،
فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثاً، لَوْلًا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ مَا
حَدَّثْتُكُمْ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهَ يَقُولُ: ((لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَيُحْسِنُ
الْوُضُوءَ، فَيُصَلِّيِ صَلَةً، إِلَّ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا))).
رجال هذا الإسناد: ثمانيةٌ:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْئَةَ) العبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هو المعروف بابن راهويه، تقدّم قريباً أيضاً.

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفي، ثم الرازيّ، تقدّم قريباً
أيضاً .
٥ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربما دلّس [٥] (ت٥
أو ١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠.
٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيه [٣] (ت٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف نَّثُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ،
قرَن بینھم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه عثمان، وإسحاق،
فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ لقتيبة)) يعني أن لفظ هذا الحديث
لشيخه قتيبة، وأما عثمان، وإسحاق، فروياه بمعناه.
٥ - (ومنها): أن فيه قوله: ((قال إسحاق .. إلخ)) يعني أن شيوخه اختلفوا
في صيغة الأداء، فقال إسحاق بن راهويه: أخبرنا جرير، وقال قتيبة، وعثمان:
حدّثنا جرير، والفرق بين الصيغتين أن ((أخبرنا)) تفيد أنه سمع الحديث يُقرأ على
الشيخ، و((حدّثنا)) تفيد أنه سمعه من لفظ الشيخ، وقد تقدّم هذا غير مرّة.
[تنبيه]: قوله: ((جرير)) تنازعه كلّ من ((أخبرنا)) و((حدّثنا))، فأُعمِل الثاني
عند البصريين؛ لقربه، وأُعمِل الأول عند الكوفيين؛ لتقدّمه، كما أشار إلى ذلك
في ((الخلاصة)) بقوله:
قَبْلُ فَلِلْوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعَمَلْ
إِنْ عَامِلَانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمِ عَمَلْ
وَاخْتَارَ عَكْساً غَيْرُهُمْ ذَا أَسْرَهْ
وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةْ
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: هشام،
عن أبيه، عن حمران.

١٢٧
(٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٤٦)
٧ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه: هشام، عن عروة.
٨ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُمْرَانَ) - بضم، فسكون - ابن أبان (مَوْلَى عُثْمَانَ) بن عفّان ◌َبه أنه
(قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) نَّهِ (وَهُوَ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ) ((أل)) فيه للعهد،
والمقصود: المسجد النبويّ في المدينة، و(الْفِنَاءُ)) - بكسر الفاء، بوزن كتاب ـ:
الْوَصِيدُ، وهو سَعَةٌ أَمام البيت، وقيل: ما امتدّ من جوانبه؛ قاله الفيّوميّ(١)،
وقال المجد: فِنَاءُ البيت، ككِسَاء: ما اتّسع من أمامها، جمعه أَفْنيةٌ، وفُنِيٍّ.
انتهى (٢)، وفي رواية أبي أنس: ((أن عثمان توضّأ بالمقاعد)) (فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ
الْعَصْرِ) أي وقت حضور صلاة العصر، وفي رواية ((الموطّأ)): ((فجاء المؤذِّن،
فآذنه بصلاة العصر))، قال في ((التمهيد)): يريد: أعلمه بحضورها، ومن هذا
قول الحارث بن حِلِّزَةَ(٣):
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ
(فَدَعَا) أي طلب عثمان رَبُه (بِوَضُوءٍ) بفتح الواو: أي بماء يَتوضّأ به
(فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَأُحَدَّثَنَّكُمْ حَدِيثاً) منصوب على أنه مفعول ثانٍ
لـ((أُحدّثَنّكم)) (لَوْلًا آيَةٌ) ((لولا)) كلمة وُضعت لربط امتناع الثاني بوجود الأول،
و((آية)) مبتدأ حُذف خبره وجوباً، كما قال في ((الخلاصة)):
حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اشْتَهَرْ
وَبَعْدَ (لَوْلَا)) غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ
أي آية موجودة، أو ثابتةٌ.
ووقع في نسخة شرح النوويّ بلفظ: (لولا أنه)) بالنون المشدّدة، والهاء،
بدل ((لولا آية))، والهاء ضمير الشأن، قال النوويّ تَخُّْهُ: معناه لولا أن الله
تعالى أوجب على مَن عَلِمَ علماً إبلاغَهُ لما كنت حريصاً على تحديثكم، ولست
مُكْتَرِثاً بتحديثكم، وهذا كله على ما وقع في الأصول التي ببلادنا، ولأكثر
الناس من غيرهم (لولا آية)) بالياء، ومدّ الألف، قال القاضي عياض تَظَُّ: وقع
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٨٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١١٨٩.
(٣) بكسر الحاء، وتشديد اللام المكسورة، كما تُفيده عبارة ((القاموس)).

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
للرواة في الحديثين ((لولا آية)) بالياء إلا الباجيّ، فإنه رواه في الحديث الأول
((لولا أنه)) بالنون، قال: واختلف رواة ((الموطأ)) عن مالك في هذين اللفظين،
واختَلَف تأويل العلماء في ذلك، ففي رواية مسلم قال عروة: الآية قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٩] وعلى هذا لا تصح
الرواية إلا ((آية))، ويريد لولا الآية التي حَرَّجت كتمان العلم، وفي ((الموطأ)»:
قال مالك: أراه يريد هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اَلَيْلِّ﴾
الآية [هود: ١١٤] وعلى هذا تصح الروايتان، ويكون معنى رواية النون: لولا أن
معنى ما أحدثكم به في كتاب الله تعالى ما حدثتكم به؛ لئلا تتكلوا، قال
النوويّ تَظْلَثُ: والصحيح تأويل عروة. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): ومراد عثمان ظ به أن هذه الآية تُحَرّض على التبليغ،
وهي وإن نزلت في أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم اللفظ، وإنما كان
عثمان رظُته يرى ترك تبليغهم ذلك لولا الآية المذكورة؛ خشيةً عليهم من
الاغترار، والله أعلم، وقد روى مالك هذا الحديث في ((الموطّأ)) عن هشام بن
عروة، ولم يقع في روايته تعيين الآية، فقال من قِبَل نفسه: أراه يريد: ﴿وَأَقِ
الصَّلَوةَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَيَّلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ اُلسَّيِّئَاتِ﴾. انتهى، وما ذكره
عروة راوي الحديث بالجزم أولى، والله أعلم. انتهى(٢).
وقوله: (فِي كِتَابِ اللهِ) متعلّق بصفة لـ((آيةٌ))، وجواب ((لولا)) قوله: (مَا
حَدَّثْتُكُمْ) حُذِف مفعوله الثاني، وقد ذكره في الرواية التالية حيث قال: ((ما
حدّثتکموہ)).
(إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ) التعبير بالرجل
من باب التغليب، وإلا فالحكم شاملٌ للمرأة أيضاً (فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ) بضم
حرف المضارعة، من الإحسان، أي: يأتي به تامّاً بكمال صفته، وآدابه، وقال
العينيّ كَّلهُ: معنى إحسان الوضوء: الإتيان به تامّاً بصفته وآدابه، وتكميل
سننه، فقوله: ((فُيُحسن)) بالرفع عطف على قوله: ((لا يتوضّأ))، والفاء فيه ليست
للترتيب، والتعقيب؛ لأن إحسان الوضوء ليس متأخّراً عن الوضوء حتى يُعطف
(١) ((شرح النوويّ)) ١١١/٣.
(٢) ((الفتح)) ٣١٤/١ رقم (١٦٠).

١٢٩
(٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٤٦)
عليه بالفاء التعقيبيّة، وإنما هي واقعة موقع (ثُمّ)) التي لبيان المرتبة وشرفها؛
دلالةً على أن الإحسان في الوضوء، والإجادة فيه بمحافظة السنن، ومراعاة
الآداب أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقاً، ولا شكّ أن الوضوء الْمُحْسَن
فيه أعلى رتبةً من غير الْمُحسَن فيه. انتهى(١).
(فَيُصَلِّ صَلَاةً) ولفظ البخاريّ: ((ويصلّي الصلاةَ))، والمراد بها المكتوبة؛
لما في الرواية الآتية من طريق عمرو بن سعيد، عن عثمان: ((ما من امرئ
مسلم، تحضره صلاة مكتوبة))، وفي روايةٍ جامع بن شدّاد، عن حُمران الآتية
أيضاً: ((فُيُصلّي هذه الصلوات الخمس)) (إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ) وفي نسخة: ((إلا غُفِر
له»، فيكون بالبناء للمفعول، ثم إن المستثنى محذوف؛ لأن الفعل لا يقع
مستثنّى، والتقدير: لا يتوضّأ رجلٌ إلا رجلٌ غفر الله له، أو التقدير: لا يتوضّأ
رجل في حال من الأحوال، إلا في حال المغفرة، فيكون الاستثناء من عموم
الأحوال(٢) .
(مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا))) أي التي بعدها، ففي رواية البخاريّ:
((حتى يصلّيها))، وفي رواية مالك في ((الموطأ)): ((التي تليها حتى يصليها))،
ومعنى ((حتى يصلّيها)): أي يشرع في الصلاة الثانية؛ قاله في ((الفتح))(٣)، وقال
في ((العمدة)): حتى يفرغ منها، وهو أظهر(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان رُّّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الطهارة)) [٥٤٦/٤ و٥٤٧ و٥٤٨] (٢٢٧)،
و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٥٩)، و(النسائيّ) في ((الطهارة)) (١٧٤)، و(مالك)
في ((الموطّأ)) (٥٦)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (١٤١)، و(الطيالسيّ) في
(١) ((عمدة القاري)) ١٨/٣ - ١٩.
(٢) راجع ((عمدة القاري)) ١٩/٣.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٩/٣.
(٣) ٣١٤/١.

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
((مسنده)) (٤٨/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/
٥٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٤١)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٠٨ و٦٠٩ و٦١٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٥٤١ و٥٤٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٢)، و(البيهقيّ) في ((المعرفة))
(٢٢٥/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل إحسان الوضوء.
٢ - (ومنها): بيان فضل الصلاة عقب الوضوء.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ من قول عثمان رظه: ((والله لأحدّثنّكم)) جواز
الحلف من غير ضرورة الاستحلاف.
٤ - (ومنها): الحثّ على الاعتناء بتعلُّم آداب الوضوء، وشروطه،
والعمل بذلك، والاحتياط فيه، والحرص على أن يتوضأ على وجه يَصِحّ عند
جميع العلماء، ولا يترخص بالاختلاف، فينبغي أن يَخْرِص على التسمية،
والنية، والمضمضة والاستنشاق والاستنثار، واستيعاب مسح جميع الرأس،
ومسح الأذنين، ودَلْك الأعضاء، والتتابع في الوضوء، وترتيبه، وغير ذلك من
المختلف فيه، وتحصيل ماء طَهُور بالإجماع؛ قاله النوويّ كَُّهُ(١).
٥ - (ومنها): التعليم بالفعل؛ لكونه أبلغ، وأضبط في إيصال العلم
للمتعلّم.
٦ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: ((فجاءه المؤذّن)) مشروعيّة إتيان المؤذِّن
للإمام؛ لإعلامه بحضور الصلاة.
٧ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: ((لولا آية في كتاب الله)) أن كتمان العلم
حرام، والآية كما فهمها عروة هي قوله رَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ
الْبَعْنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَنَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِّ أُوْلَكَ يَلْعَنُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنَّهُمُ الَّعِنُونَ
[البقرة: ١٥٩]، وهي وإن كانت نزلت في أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم
١٥٩
اللفظ، لا بخصوص السبب، فيدخل فيها كلُّ من عَلِمَ علماً أمر الله العباد
(١) ((شرح النوويّ)) ١١١/٣.

١٣١
(٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٤٧)
بالعمل به، فيلزمه من عدم تبليغه ما لزم أهل الكتاب، ففيها تنبيه وتحذير لمن
فَعَل فعلهم، وسَلَك سبيلهم، مع أن النبيّ وَِّ، قد عَمَّ في الحديث المشهور
عنه: ((مَنْ كَتَمَ علماً، أَلجمه الله يوم القيامة بلجام من نار))(١)، قاله القاضي
عياض ◌َُّهُ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٥٤٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
جَمِيعاً عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ: ((فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ
يُصَلِّ الْمَكْتُوبَةَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر العدنيّ، ثم
المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم
المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، رأس الطبقة [٨] (ت١٩٨) عن (٩١) سنةً (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
والباقون تقدّموا قريباً.
وقوله: (جَمِيعاً عَنْ هِشَام) يعني الثلاثة، وهم: أبو أسامة، ووكيعٌ،
وسفيان بن عيينة.
(١) حديث صحيح، رواه ابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم في ((المستدرك)) من حديث
عبد الله بن عمرو مظلته، وقال الحاكم: صحيح لا غبار عليه.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١٦/٢ - ١٨.

١٣٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد هشام السابق، وهو: عن أبيه، عن
حُمران، عن عثمان ◌ُله.
وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ: ((فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّ الْمَكْتُوبَةَ)))
يعني أن أبا أسامة وقع في روايته: ((فيحسن وضوءه)) بدل قول الآخرين:
((فيُحسن الوضوء))، وقال أيضاً: ((ثم يصلّي المكتوبة)) بدل قولهم: ((فيُصلّي
صلاً)).
[تنبيه]: رواية أبي أسامة التي أحالها المصنّف تَخْذَتُهُ هنا على رواية جرير
لم أجد من أخرجها بمفردها، وإنما أخرجها أبو عوانة في ((مسنده)) (١٩٢/١)
من رواية محاضر بن المورّع، وأبي أسامة فرّق بينهما كلاهما عن هشام،
ولفظه :
(٦٠٨) حدثنا محمد بن يحيى، والصغانيّ قال: ثنا محاضر بن المورِّع
قال: ثنا هشام بن عروة عن أبيه (ح) وحدثنا محمد بن عبد الرحمن الجعفيّ،
قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران مولى عثمان بن
عفان، عن عثمان بن عفان، قال: توضأ عثمان بالمقاعد، ثم قال: سمعت
رسول الله وَلّ قال: ((من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلى، غفر الله له ما بينه
وبين الصلاة الأخرى)). انتهى.
وأما رواية وكيع فلم أجد من أخرجها منفردةً، بل أخرجها أبو نعيم في
(مستخرجه)) (٢٩٢/١ - ٢٩٣) وساقها بالتحويل مع رواية سفيان، وأبي أسامة،
فقال :
(٥٤١) حدثنا أبو عليّ، محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى،
ثنا عبد الله بن الزبير الحميديّ، ثنا سفيان بن عينية، ثنا هشام بن عروة، عن
أبيه (ح) وحدثنا الطلحي عبد الله بن يحيى، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن
أبي شيبة، ثنا وكيع بن الجراح، عن هشام بن عروة.
وحدثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أبو يعلى، ثنا أبو خيثمة، ثنا وكيع، عن
هشام بن عروة، وحدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق المعدّل، ثنا
محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب، ثنا أبو
أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حمران مولى عثمان، قال: توضأ

١٣٣
(٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٤٨)
عثمان على المقاعد ثلاثاً ثلاثاً، وقال: هكذا رأيت رسول الله وَ لقوم يتوضأ، ثم
قال: سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((ما من رجل يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم
يصلي، إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها)).
لفظ الحميديّ، وابن أبي عمر سواء. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٥٤٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا
أَبِي، عَنْ صَالِح، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا
تَوَضَّأَ عُثْمَانٌ قَالَ: وَاللهِ لَأُحَدَّثَنَّكُمْ حَدِيثاً، وَاللهِ لَوْلًا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ مَا
حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ،
ثُمَّ يُصَلِّيِ الصَّلَاةَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا))، قَالَ عُرْوَةُ: الْآيَةُ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَّآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَاَلْهُدَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الَّعِنُونَ﴾).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و((يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ)) هو الزهريّ
المدنيّ، ثم البغداديّ، وأبوه هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن
عوف الزهريّ المدنيّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه اجتمع فيه أربعةٌ تابعيون، مدنيون،
يروي بعضهم عن بعض: صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عروة، عن
حُمران.
وفيه أيضاً لطيفة أخرى، وهو أنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن
صالح بن كيسان أكبر سنّاً من الزهري، قاله النوويّ تَظُّهُ(١).
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٢/٣.

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) تُقَدِّرُ لفظة ((قال)) قبله، فتقول: ((قال: قال ابن
شهاب))، ففاعل ((قال)) الأول ضمير صالح، والثاني (ابنُ شهاب)).
وقوله: (وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ) ((لكن)) بتخفيف النون، ويجوز
تشديدها، وهذا الاستدراك متعلّق بحديث قبله وقع لابن شهاب بسند آخر، وقد
ساقه البخاريّ رَكْتُ في ((صحيحه))، فقال:
(١٦٠) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسيّ، قال: حدثني إبراهيم بن
سعد، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان
أخبره، أنه رأى عثمان بن عفان، دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار،
فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه
ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه
ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله وَلقول: ((من توضأ نحو
وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه، غُفِر له ما تقدم من
ذنبه)) .
وعن إبراهيم، قال: قال صالح بن كيسان: قال ابن شهاب: ولكن عروة
يحدث عن حمران، فلما توضأ عثمان قال: ألا أحدثكم حديثاً، لولا آية ما
حدثتكموه؟ سمعت النبيّ وَل و يقول: ((لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه، ويصلي
الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة، حتى يصليها)). قال عروة: الآية: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ [البقرة: ١٥٩]. انتهى.
فأشار ابن شهاب تَخْلُهُ بقوله: ((ولكن عروة يُحدّث .. إلخ)) إلى أن شيخيه
اختلفا في روايتهما له عن حمران، عن عثمان، فحدّثه عطاء بن يزيد على
صفة، وحدّثه عروة على صفة أخرى.
قال الحافظ تَّتُهُ: وليس هذا اختلافاً، وإنما هما حديثان متغايران، وقد
رواهما معاذ بن عبد الرحمن، فأخرج البخاريّ من طريقه نحو سياق عطاء،
ومسلم من طريقه نحو سياق عروة، وأخرجه أيضاً من طريق هشام بن عروة،
عن أبيه - يعني الرواية السابقة -. انتهى كلام الحافظ تَّهُ(١).
(١) ((الفتح)) ٣١٤/١.

١٣٥
(٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٤٩)
وقوله: (لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ) وأشار في نسخة محمد ذهني إلى أنه وقع في
بعض النسخ: ((لا يتوضّأُ رجلٌ مسلم)).
وقوله: (ثُمَّ يُصَلِّ الصَّلَاةَ) يعني المكتوبة، كما تقدّم بيانه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٥٤٩] (٢٢٨) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، كِلَاهُمَا عَنْ
أَبِي الْوَلِيدِ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ
سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ، فَدَعَا بِطَّهُورٍ،
فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَا مِنَ امْرِئٍ مُسْلِم، تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ،
فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَّةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ،
مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) أبو محمد الْكِسِّيُّ، ثقة حافظ [١١] (٢٤٩) (خت م
ت) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج
الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٣ - (أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الباهليّ مولاهم الطيالسيّ
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٢٧) (ع) ٦٢/٥.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) الأمويّ السعيديّ
الكوفيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن أبيه، وعكرمة بن خالد، ويحيى بن الحكم بن أبي العاص.
ورَوَى عنه ابن عيينة، وأبو داود الطيالسيّ، ووكيع، وأبو النضر،
وأحمد بن يعقوب المسعوديّ، وأبو نعيم، وأبو الوليد الطيالسيّ، وغيرهم.
قال أحمد: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: شيخٌ، وهو أحبّ إليّ من

١٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
أخيه خالد، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال الدارقطنيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)) في الطبقة الرابعة.
قال أبو داود: مات سنة (١٧٠)، وقال البخاريّ: يقال: مات سنة
(١٧٦) .
أخرج له البخاريّ، والمصنّف له عنده هذا الحديث فقط، وأبو داود
والترمذيّ، وابن ماجه.
٥ - (أَبُوه) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن
أمية، أبو عثمان، ويقال: أبو عنبسة الأُمويّ، كان مع أبيه إذ غَلَب على
دمشق، ثم سكن الكوفة، ثقةٌ، من صغار [٣].
أرسل عن النبيّ وَّر، وعن الحكم، وخالد ابني أبي أُحيحة سعيد بن
العاص، ورَوَى عن أبيه، وعن معاوية، والعبادلة الأربعة، وأبي هريرة،
وعائشة، وأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص رضيه، وغيرهم.
ورَوَى عنه أولاده: خالد، وإسحاق، وعمرو، وحفيده: عمرو بن
يحيى بن سعيد، والأسود بن قيس، وشعبة، وغيرهم.
قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال الزبير:
كان من علماء قريش بالكوفة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكر ابنُ عساكر
أنه بقي إلى أن وَفَد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وقال الكنانيّ عن أبي
حاتم: هو ثقة.
أخرج ه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٢٨)، وحديث (١٠٨٠): ((إنا أمة أميّة لا
نكتب، ولا نحسُبُ ... )).
٦ - (أَبُوهُ) هو: عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن
عبد شمس، أبو أمية المدنيّ المعروف بالأشدق، وهو الأصغر، وعمرُو بن
سعيد بن العاص الأكبر صحابيّ، قديم، وعمرو بن سعيد هذا يقال: إن له
رؤية، والصحيح أنه تابعيّ من الطبقة [٣].
رَوَى عن النبيّ ◌َّ﴿ مرسلاً، وعن أبيه، وعن عمر، وعثمان، وعليّ،
وعائشة.

١٣٧
(٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٤٩)
ورَوى عنه أولاده: سعيد، وموسى، وأمية، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ،
وعبد الكريم أبو أمية البصريّ.
وَلِيَ المدينة لمعاوية، وليزيد بن معاوية، ثم طَلَب الخلافة، وغَلَب على
دمشق، ثم قتله عبد الملك بن مروان بعد أن أعطاه الأمان، وقال الزبير بن
بكّار: أمه أم البنين بنت الحكم، أخت مروان، وقال البخاريّ: كان غزا ابنَ
الزبير، يعني في عهد يزيد بن معاوية، ثم قتله عبد الملك، وقال الْعُثْبِيّ: قال
عبد الملك بن مروان بعد أن قَتَلَ عمرو بن سعيد: إن كان أبو أمية لأحبّ إليّ
من زهر النواظر، ولكن والله ما اجتمع فَحْلان في شَوْل قط إلا أخرج أحدهما
صاحبه.
قال يحيى بن بكير، عن الليث: قتل سنة (٦٩)، وقال أبو سعيد بن
يونس: قتله عبد الملك بن مروان، يقال: بيده سنة (٧٠)، وفي سنة (٧٠)
أرّخه غالب أهل التاريخ، من أهل الحديث وغيرهم، والصواب أن مخالفته،
وحِصَار عبد الملك لدمشق، وهو بها كان سنة (٦٩) وقتله كان سنة (٧٠).
وقد أخطأ من زعم أن له رؤيةً، فإن أباه لا تصح له صحبة، بل يقال:
إن له رؤيةً، وأن النبيّ ◌ََّ لَمّا مات كان له نحو ثمان سنين، وقال أبو حاتم:
ليست له صحبة، ويقال: كان يُلَقَّب لَطِيم الشيطان، وكان مروان بن الحكم لَمّا
طلب الخلافة عاضده عمرو هذا، وكان محبوباً إلى أهل الشام، فشَرَط له
مروان أن يُوَلِّيه الخلافة بعده، فلما استقرت قَدَم مروان في الملك دعا عمرو بن
سعيد إلى أن يبايع لعبد الملك بن مروان، ثم لعمرو بعده، فأجاب عمرو على
كُرْه، ثم مات مروان، وولي عبد الملك، فبايعه عمرو على أنه الخليفة بعده،
فلما أراد عبد الملك خلعه، وأن يبايع لأولاده نَفَر عمرو من ذلك، واتّفق
خروج عبد الملك إلى قتال ابن الزبير، فخالفه عمرو إلى دمشق، فغَلَب عليها،
وبايعه أهلها بالخلافة، فذكر الطبريّ أنه لما صَعِد المنبر خَطَب الناس، فقال:
إنه لم يقم أحد من قريش قبلي على هذا المنبر إلا زعم أن له جنةً وناراً،
يدخل الجنة من أطاعه، والنار من عصاه، وإني أخبركم أن الجنة والنار بيد الله،
وأنه ليس إلي من ذلك شيء، وأن لكم عليّ حسن المواساة، قال: فرجع
عبد الملك، وحاصره، ثم خَدَعه، وآمنه، ثم غدر به فقتله، فيقال: إنه ذبحه

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
بيده، وكان عمرو بن سعيد والياً قبل ذلك على المدينة، زمن يزيد بن معاوية،
وهو الذي كان يجهز الجيوش إلى قتال ابن الزبير، فقام إليه أبو شُرَيح
الْخُزاعيّ، فحدثه بأن مكة حرام، فأجابه عمرو بأن الحرم لا يعيذ عاصياً ...
الحديث في ((الصحيحين))، وكان عمرو أوّلَ من أسرّ البسملة في الصلاة؛
مخالفةً لابن الزبير؛ لأنه كان يجهر بها، رَوَى ذلك الشافعيّ وغيره بإسناد
صحيح، وقال في ((التقريب)): وكان عمرو مسرفاً على نفسه، من الثالثة.
انتھی .
أخرج له المصنّف هذا الحديث فقط، وأبو داود في ((المراسيل))،
والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه.
شرح الحديث:
عن عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أنه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ) بن عفّان
رضىعنه
(فَدَعَا بِطَهُورٍ) - بفتح الطاء المهملة -: أي بماء يتطهّر به (فَقَالَ) عثمان بعدما
توضّأ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ يَقُولُ: ((مَا) نافية (مِنِ امْرِئٍ مُسْلِم) ((من)) زائدةٌ؛
لتأكيد النصّ على العموم، كما قال في ((الخلاصة)):
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـ ((مَا لِبَاغِ مِنْ مَفَرْ))
(تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ) أي يأتيه وقتها، أو يقرب دخوله (مَكْتُوبَةٌ) أي مفروضة،
من كتب كتاباً: إذا فرض، وهو مجازٍ، فإن الحاكم إذا كتب شيئاً كان ذلك
حكماً، وإلزاماً (١) (فَيُحْسِنُ) - بضم أوله، وكسر ثالثه - مبنيّاً للفاعل، من
الإحسان (وُضُوءَهَا) منصوب على المفعوليّة، ومعنى إحسان الوضوء أن يأتي
بفرائضه، وسننه وآدابه (وَخُشُوعَهَا) معنى خشوعها أن يأتي بكلّ أركانها وسننها
على وجه هو أكثر تواضعاً وإخباتاً، أو خشوعها خشية القلب، وإلزام البصر
موضع السجود، وجمع الهمّة لها، والإعراض عما سواها، ومن الخشوع أن
يستعمل الآداب، فيتوقَّى كفّ الثوب، والالتفاتَ، والعبَثَ بجسده وثيابه،
والتثاؤب، والتمّي، وتغميض البصر، ونحوها، وفيه إيماء إلى قوله ريمات: ﴿قَدْ
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٤٥/٣.

(٤) - بَابُ فَضْلِ إِحَسَانِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ - حديث رقم (٥٤٩)
١٣٩
®﴾ [المؤمنون: ١- ٢] (١)
أَفَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ
(وَرُكُوعَهَا) قال التوربشتيّ تَخْشُهُ: اكتفى بذكر الركوع عن السجود؛ لأنهما
ركنان متعاقبان، فإذا حثّ على إحسان أحدهما حثّ على الآخر، وفي
تخصيصه بالذكر تنبيه على أن الأمر فيه أشدّ، فافتقر إلى زيادة توكيد؛ لأن
الراكع يَحْمِل نفسه في الركوع، ويتحامل في السجود على الأرض، وقيل:
الأولى أن يقال: إنما خصّ الركوع بالذكر دون السجود؛ لاستتباعه السجود؛
إذ لا يستقلّ عبادةً وحده، بخلاف السجود، فإنه يستقلّ عبادةً، كسجدة
التلاوة، وسجد الشكر(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: وأما ما قيل: إن تخصيص الركوع؛ لأنه من
خصائص المسلمين، فيردّه قوله تعالى ﴿وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ [آل عمران:
٤٣]، وتأويله بأن المراد: انقادي، وصلّ مع المصلين غير صحيح؛ لمخالفته
ظاهر النصّ.
والحاصل أن الركوع ليس من خصائص هذه الأمة، كما هو نصّ الآية
الكريمة، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(إِلَّا كَانَتْ) أي الصلاة (كَفَّارَةً) أي ساترةً (لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ) أي
لجميع ما قبلها من المعاصي (مَا لَمْ يُؤْتِ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه مبنيّاً للفعل،
من الإيتاء، وقيل: هو مبنيّ للمفعول؛ أي ما لم يَعْمَل، وُضِع الإيتاء موضع
العمل.
وأشار في هامش نسخة محمد ذهني إلى أنه يوجد في بعض النسخ بلفظ:
((ما لم يَأْتِ كبيرةً))، وهو الذي في ((مستخرج أبي نعيم)) (٢٩٤/١)، فيكون
مضارعَ أَتَى ثلاثيّاً، وهو أوضح، يقال: أَتَى حدّاً، أو منكراً: إذا فعله.
ووقع في نسخة ((شرح الأبيّ))، و((السنوسيّ)) بلفظ: ((ما لم تُؤْتَ كبيرةٌ))
بالتاء، وعليه فهو مبنيّ للمفعول، و((كبيرةٌ)) مرفوع على أنه نائب فاعله.
وذكر التوربشتيّ أن إثبات ((يَأْتِ)) على بناء الفاعل في ((كتاب المصابيح))
(١) راجع ((الكاشف)) ٧٤٥/٣، و((المرقاة)) ١٤/٢.
(٢) راجع ((المرقاة)) ١٥/٢.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
غير سديد؛ لأن الحديث من مفاريد مسلم، ولم يُروَ إلا من الإيتاءُ(١)، وإن
كان ((لم يأت)) أوضح معنًى، من قولهم: أتى فلانٌ حدّاً، وأتى منكراً، لكن
الذي يُعتمد عليه من جهة الرواية هو من الإيتاء، ومنهم من يرويه على بناء
المفعول، والمعنى: ما لم يَعْمَل كبيرةً، وُضِعَ الإيتاء موضع العمل؛ لأن العامل
يُعطي العملَ من نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ
الْفِتْنَةَ لَنَوَّهَا﴾ الآية [الأحزاب: ١٤]: أي لأعطوها ذلك من أنفسهم.
ويَحْتَمِل أن يكون معنى بناء المفعول: ما لم يُصَبْ بكبيرة، من قولهم:
أُتِي فلانٌ في بدنه: أي أصابته علٌّ. انتهى(٢).
وقوله: (كَبِيرَةً) بالنصب على المفعوليّة؛ لأنه يقال: آتاه: أي أتى به،
ومنه قوله تعالى: ﴿َائِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] أي ائتنا به؛ قاله الجوهريّ(٣).
و((ما)) على الروايتين مصدريّة ظرفيّة: أي مدّة دوام عدم الإتيان بكبيرة.
(وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ) اسم الإشارة مبتدأ، و((الدهرَ)) منصوب على الظرفيّة،
متعَلِّقٌ بخبر المبتدأ، و((كلَّه)) بالنصب توكيد لـ(الدهر))؛ أي وذلك مستمرّ في
جميع الدهر.
وقال الطيبيّ تَّثُ: الواو في قوله: ((وذلك الدهر كله)) للحال، وذو
الحال الضمير المستترُ في خبر ((كانت))، وهو قوله: ((كفّارةً)) .
وقال أيضاً نقلاً عن الأشرف: المشار إليه إما تكفير الذنوب؛ أي تكفير
الصلاة المكتوبة الصغائر لا يختصّ بفرض واحد، بل فرائض الدهر تُكفّر
صغائره، وإما معنى (لم يؤت كبيرة))، وهو عدم الإتيان بالكبيرة؛ أي عدم إتيان
الكبيرة في الدهر كلِّهِ مع الإتيان بالمكتوبة كفّارةٌ لما قبلها. انتهى(٤).
وقال النوويّ كَُّ: معنى قوله: ((كانت كفّارةً لما قبلها)): أن الذنوب
كلَّها تُغْفَر إلا الكبائر، فإنها لا تُغْفَر، وليس المراد أن الذنوب تُغفَر ما لم تكن
(١) تقدّم أنه ثبت في بعض نسخ ((صحيح مسلم)) بلفظ: ((ما لم يَأْتِ)) ثلاثيّاً، وهو الذي
في «مستخرج أبي عوانة))، فتنّه.
(٢) راجع ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧٤٥/٣.
(٣) ((الصحاح)) ١٨٠٨/٥.
(٤) ((الكاشف)) ٧٤٦/٣.