النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
توضّأتَ فانتثر))، وهو حديث صحيح، وقد أشبعت الكلام في هذا في شرح
النسائيّ، فراجعه تستفد (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في غسل الوجه:
قال العلامة ابن رُشد ◌َّتُهُ في كتابه ((بداية المجتهد)): اتَّفَق العلماء على
أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾
الآية [المائدة: ٦]، واختلفوا منه في ثلاثة مواضع: في غَسْلِ البياض الذي بين
العِذَار والأذن، وفي غسل ما انسَدَل من اللحية، وفي تخليل اللحية.
فالمشهور من مذهب مالك أنه ليس البياض الذي بين العذار والأذن من
الوجه، وقد قيل في المذهب بالفرق بين الأمرد والملتحي، فيكون في المذهب
ثلاثة أقوال.
وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: هو من الوجه، وأما ما انسدل من اللحية،
فذهب مالك إلى وجوب إمرار الماء عليه، ولم يوجبه أبو حنيفة، ولا الشافعيّ
في أحد قوليه.
وسبب اختلافهم في هاتين المسألتين هو خفاء تناول اسم الوجه لهذين
الموضعين، أعني: هل يتناولهما أو لا يتناولهما؟، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في غسل اليدين إلى
المرفقين :
قال العلامة ابن رُشد كَغْلَتُهُ: اتَّفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين
من فروض الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية [المائدة: ٦]،
واختلفوا في إدخال المرافق فيها، فذهب الجمهور، ومالك، والشافعيّ، وأبو
حنيفة إلى وجوب إدخالها .
وذهب بعض أهل الظاهر، وبعض متأخري أصحاب مالك، والطبريّ إلى
أنه لا يجب إدخالها في الغسل.
والسبب في اختلافهم في ذلك الاشتراك الذي في حرف ((إلى))، وفي
(١) راجع ٣٥٧/٢ - ٣٦١.

١٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
اسم ((اليد)) في كلام العرب، وذلك أن حرف ((إلى)) مرّةً يدل في كلام العرب
على الغاية، ومرةً يكون بمعنى ((مع))، و((اليد)) أيضاً في كلام العرب تطلق على
ثلاثة معان: على الكف فقط، وعلى الكف والذراع، وعلى الكف والذراع
والعضد، فمن جَعَل ((إلى)) بمعنى ((مع))، أو فَهِمَ من اليد مجموع الثلاثة
الأعضاء، أوجب دخولها في الغسل، ومَن فَهِم من ((إلى)) الغاية، ومن ((اليد))
ما دون المرفق، ولم يكن الحدّ عنده داخلاً في المحدود لم يدخلهما في
الغسل .
وأخرج مسلم في ((صحيحه)) عن أبي هريرة رضيبه أنه غسل يده اليمنى حتى
أشرع في العضد، ثم اليسرى كذلك، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في
الساق، ثم غسل اليسرى كذلك، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله و اله يتوضأ.
وهو حجة لقول من أوجب إدخالها في الغسل؛ لأنه إذا تردد اللفظ بين
المعنيين على السواء، وجب أن لا يصار إلى أحد المعنيين إلا بدليل، وإن
كانت ((إلى)) في كلام العرب أظهر في معنى الغاية منها في معنى (مع))، وكذلك
اسم ((اليد)) أظهر فيما دون العضد منه فيما فوق العضد، فقول من لم يدخلها
من جهة الدلالة اللفظية أرجح، وقول من أدخلها من جهة هذا الأثر أبين، إلا
أن يُحْمَل هذا الأثر على الندب، والمسألة محتملة كما ترى.
وقد قال قوم: إن الغاية إذا كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه، وإن
لم تكن من جنسه لم تدخل فيه. انتهى كلام ابن رُشد كَثُهُ(١) .
وقال النوويّ تَخْذَتُهُ: وجوب غسل المرفقين مذهب العلماء كافّةً، إلا ما
حكاه أصحابنا عن زُفر، وأبي بكر بن داود أنهما قالا: لا يجب غسل المرفقين
والكعبين، واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية، فذكر
ابن قتيبة، والأزهريّ، وآخرون من أهل اللغة والفقهاء في كيفية الاستدلال
بالآية كلاماً مختصرُهُ أن جماعةً من أهل اللغة، منهم أبو العبّاس ثعلب،
وآخرون قالوا: ((إلى)) بمعنى ((مع))، وقال أبو العبّاس المبرّد، وأبو إسحاق
الزجّاج، وآخرون: ((إلى)) للغاية، وهذا هو الأصحّ والأشهر، فإن كانت بمعنى
(١) ((بداية المجتهد)) ١١/١ - ١٢.

١٠٣
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
((مع))، فدخول المرفق ظاهر، وإنما لم يدخل العضد للإجماع، وإن كانت
للغاية، فالحدّ يدخل إذا كان التحديد شاملاً للحدّ والمحدود، كقولك: قطعت
أصابعه من الخنصر إلى المسبِّحة، أو: بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه،
فإن الإصبعين والشجرتين داخلتان في القطع والبيع بلا شكّ؛ لشمول اللفظ،
ويكون المراد بالتحديد في مثل هذا إخراجَ ما وراء الحدّ مع بقاء الحدّ داخلاً،
فكذا هنا اسم اليد شاملٌ من أطراف الأصابع إلى الإبط، ففائدة التحديد
بالمرافق إخراج ما فوق المرفق مع بقاء المرفق.
ثم ذكر النوويّ حديث أبي هريرة رظُه المتقدّم، وقال: وفعله وَل بيان
للوضوء المأمور به، ولم يُنقل تركه ذلك. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح القول بوجوب
دخول المرفقين في الغسل؛ لأن الراجح أن الآية مجملة، وفعله وَل بيان لها،
فيكون ما فعله واجباً إلا لدليل، كعدم وجوب التثليث، ونحوه، وقد أشبعت
الكلام في هذا في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في مسح الرأس:
قال العلّامة ابن رُشد ◌َّتُهُ: اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض
الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه:
فذهب مالك إلى أن الواجب مسحه كله، وذهب الشافعيّ، وبعض
أصحاب مالك، وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض، ومن أصحاب
مالك من حَدّ هذا البعض بالثلث، ومنهم من حدّه بالثلثين، وأما أبو حنيفة
فحدّه بالربع، وحدّ مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح، فقال: إن
مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يُجزه، وأما الشافعيّ فلم يَحُدّ في الماسح، ولا
في الممسوح حدّاً.
وأصل هذا الاختلاف الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب، وذلك
أنها مرّةً تكون زائدة، مثل قوله تعالى: ﴿تَنَّبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ على قراءة من قرأ:
(١) ((المجموع)) ٣٨٥/١.

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وَتُنْبِتُ﴾ بضم التاء وكسر الباء، من أنبت، ومرةً تدلّ على التبعيض، مثل قول
القائل: أخذت بثوبه، وبعضده، ولا معنى لإنكار هذا في كلام العرب، أعني
كون الباء مُبَعِّضةً، وهو قول الكوفيين من النحويين.
فمن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله، ومعنى الزائدة ها هنا كونها
مؤكِّدةً، ومن رآها مُبَعِّضة أوجب مسح بعضه.
وقد احتَجّ مَن رَجَّح هذا المفهوم بحديث المغيرة نظراته: ((أن النبيّ
توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة))، أخرجه مسلم.
وإن سلمنا أن الباء زائدة بقي ها هنا أيضاً احتمال آخر، وهو: هل
الواجب الأخذ بأوائل الأسماء، أو بأواخرها؟ انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي مذهب من أوجب استيعاب الرأس
بالمسح؛ لثبوته من فعل النبيّ وَّه، وفعلُهُ بيان لمجمل الآية، والراجح أنها من
قبيل المجمل، كما قال به بعض أهل العلم، وعزاه الشوكانيّ إلى ابن الحاجب،
والزركشيّ، والزمخشريّ، ولم يصحّ في حديث واحد - كما قال ابن القيّم ◌َُّهُ -
أن النبيّ وَ﴿ اقتصر على مسح بعض الرأس البتّة، ولكن كان إذا مسح بناصيته
أكمل على العمامة، وأما حديث أنس حظيبه عند أبي داود، ((أنه بَّو أدخل يده من
تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة))، فمقصوده أنه وَلـ لم
ينقض عمامته حتى يستوعب مسّ الشعر كلّه، ولم يَنف التكميل على العمامة،
وقد أثبته حديث المغيرة بن شعبة مظلته عند مسلم، وغيره بلفظ: ((أنه وَالّ توضّأ،
فمسح بناصيته، وعلى العمامة))، على أن حديث أنس به في إسناده نظرٌ - كما
قال الحافظ نَّتُ - فلا يَقْوَى لِمُعارضة حديث المغيرة .
والحاصل أن الأرجح وجوب استيعاب الرأس بالمسح، وقد أشبعت
الكلام في هذا في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم تكرار مسح
الرأس :
(١) ((بداية المجتهد)) ١٢/١.

١٠٥
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
قال الإمام ابن المنذر رَّتُهُ: اختَلَف أهل العلم في عدد مسح الرأس،
فقالت طائفة: يمسح برأسه مرةً، هذا قول ابن عمر ﴿ًّا، وبه قال طلحة بن
مصرِّف، والْحَكَم، وحماد، والنخعيّ، وعطاء، وسعيد بن جبير، وسالم بن
عبد الله، والحسن البصريّ، ومجاهد، وأحمد، وأبو ثور.
وكان الشافعيّ يقول: يجزي مسحه مرةً، ويستحب أن يمسح ثلاثاً، وقال
أصحاب الرأي: يمسح برأسه مرة واحدة وأذنيه، وقد روينا عن محمد بن
سيرين أنه مسح رأسه مسحتين، وفيه قول ثالث، وهو أن يمسح برأسه ثلاثاً،
رُوي هذا القول عن أنس بن مالك، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير، وزاذان،
وميسرة، وقد روينا عن النبيّ وَّرَ أنه مسح برأسه مرتين، ورُوي عنه غير ذلك،
والثابت عنه أنه مسح برأسه، لم يذكر أكثر من مرة واحدة. انتهى كلام ابن
المنذر نََّتُهُ .
وقال ابن رُشد تَخْتُهُ: اختلفوا في تكرير مسح الرأس: هل هو فضيلة، أم
ليس في تكريره فضيلة؟ فذهب الشافعيّ إلى أنه من توضأ ثلاثاً ثلاثاً يمسح
رأسه أيضاً ثلاثاً، وأكثر الفقهاء يرون أن المسح لا فضيلة في تكريره.
وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في قبول الزيادة الواردة في الحديث
الواحد، إذا أتت من طريق واحد، ولم يروها الأكثر، وذلك أن أكثر الأحاديث
التي رُوي فيها أنه ◌َّه توضّأ ثلاثاً ثلاثاً من حديث عثمان وغيره لم يُنقل فيها
إلا أنه مسح واحدة فقط، وفي بعض الروايات عن عثمان رظريته في صفة وضوئه
أنه رَّ مسح برأسه ثلاثاً، وعَضَدَ الشافعيّ وجوب قبول هذه الزيادة بظاهر
عموم ما رُوي أنه رَسير توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وذلك أن
المفهوم من عموم هذا اللفظ، وإن كان من لفظ الصحابي هو حمله على سائر
أعضاء الوضوء، إلا أن هذه الزيادة ليست في ((الصحيحين))، فإن صحت يجب
المصير إليها؛ لأن من سكت عن شيء ليس هو بحجة على من ذكره. انتهى
كلام ابن رُشد كَثْهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح أن القول بعدم مشروعيّة تكرار مسح
(١) (بداية المجتهد)) ١٣/١.

١٠٦
=
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
الرأس هو الصواب؛ للأحاديث الكثيرة الصحيحة بذلك، كحديث عثمان بن
عفان، وحديث عبد الله بن زيد طها، وكلاهما في ((الصحيحين))، وفي بعض
رواياتهما التصريح بأنه مسح مرّة واحدةً، وأما الأحاديث الواردة في التثليث
فكلها معلولة، لا تقاوم هذه الأحاديث الصحيحة. قال العلامة الشوكانيّ كَّتُهُ:
والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ درجة الاعتبار حتى يلزم التمسّك بها لما
فيها من الزيادة، فالوقوف على ما صحّ من الأحاديث الثابتة في ((الصحيحين))
وغيرهما من حديث عثمان، وعبد الله بن زيد ضيها، وغيرهما هو المتعيّن، لا
سيّما بعد تقييده في تلك الروايات بالمرة الواحدة.
ومما يؤيّد ذلك حديث: ((من زاد على هذا فقد أساء وظلم))، صححه ابن
خزيمة وغيره، فإنه قاضٍ بالمنع من الزيادة على الوضوء الذي قال بعده
النبيّ ◌َ﴿ هذه المقالة، كيف، وقد ورد في رواية سعيد بن منصور في هذا
الحديث التصريح بأنه مسح مرّة واحدةً، ثم قال: ((من زاد .. إلخ)).
قال الحافظ تَُّهُ: ويُحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن
صحّت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلّة لجميع الرأس؛
جمعاً بين الأدلة. انتهى(١).
والحاصل أن مسح الرأس مرّة واحدةً هو الحقّ؛ لما ذكرناه من الأدلّة،
وقد أشبعت الكلام في هذا في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ الماء
الجديد في مسح الرأس:
قال ابن المنذر كثّلهُ: قد اختلف أهل العلم في الرجل يمسح رأسه بما
يَفْضُل في يده، من بلل الماء عن فضل الذراع، فقالت طائفة: المسح به جائزٌ،
هذا قول الحسن، وعروة بن الزبير، ويجزئ ذلك عند الأوزاعيّ، ويُشبِه ذلك
قول مالك؛ لأنه قال: لا أحب ذلك.
وقالت طائفة: لا يجزئ أن يمسح رأسه بفضل بلل ذراعيه؛ لأنه ماء
(١) ((الفتح)) ٣٥٧/١.

١٠٧
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
مستعمل، هذا مذهب الشافعيّ، وهو يشبه مذهب أصحاب الرأي.
قال ابن المنذر كَّتُهُ: والذي أحب أن يأخذ لمسح رأسه ماءً جديداً، فإن
لم يفعل، ومسح رأسه بما في يده من فضل الماء الذي غَسَلَ به ذراعيه رجوت
أن يجزئه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بأخذ الماء الجديد للرأس هو الحقّ؛
لثبوته عن النبيّ وَ ﴿، فسيأتي للمصنّف ◌َذَتُهُ حديث عبد الله بن زيد، وفيه:
«ومسح برأسه بماءٍ غير فضل يده»، وأما ما استدلّ به ابن المنذر من حديث
الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّد بن عَفْراء ◌َ﴿هَ قالت: ((أتانا رسول الله وَ ◌ّه، فتوضأ، ومسح
رأسه بماءٍ بَقِي من وضوئه))، فحديث ضعيف؛ لأنه من رواية عبد الله بن
محمد بن عقيل عنها، وهو ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): في اختلاف أهل العلم في مسح الأذنين:
قال الإمام ابن المنذر تَّتُهُ: اختَلَف أهل العلم فيمن ترك مسح الأذنين،
فقالت طائفة: لا إعادة عليه، كذلك قال مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ،
والشافعيّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وقال إسحاق بن راهويه: وإن مسحت رأسك، ولم تمسح أذنيك عمداً
لم يجزك، وقال أحمد: إذا تركه متعمداً أخشى أن يعيد.
قال ابن المنذر تَّتُهُ: لا شيء عليه؛ إذ لا حجة مع من يوجب ذلك.
(٢)
انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله إسحاق، وأحمد هو الأرجح؛
لثبوته عن النبيّ وَّر، وقد قدّمنا أن الأرجح أن فعله وَل بيان لمجمل الآية،
فليُتَنَبَّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة عشرة): في اختلافهم في حكم أخذ الماء للأذنين:
قال ابن المنذر تَخْلَتُهُ: روينا عن ابن عمر ما أنه كان يُدخل إصبعيه
بعدما يمسح برأسه في الماء، ثم يدخلهما في الصِّمَاخ، وكان مالك، والشافعيّ
(١) ((الأوسط)) ٣٩٢/١.
(٢) ((الأوسط)) ٤٠٥/١.

١٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
يريان أن يأخذ المتوضئ ماءً جديداً لأذنيه، وكذلك قال أحمد.
قال ابن المنذر تَُّهُ: وغير موجود في الأخبار الثابتة التي فيها صفة
وضوء رسول الله وَ﴿ أخذه لأذنيه ماءً جديداً، بل في حديث ابن عباس ◌ًَّا أنه
غَرَف غَرْفَةً، فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر
أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما(١).
وقد كان ابن عمر يُشَدِّد على نفسه في أشياء، من أمر وضوئه، من ذلك
أخذه لأذنيه ماءً جديداً، ونضحه الماء في عينيه، وغسل قدميه سبعاً سبعاً،
وليس على الناس ذلك. انتهى كلام ابن المنذر تَّتُهُ، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
وحاصله أن مسح الأذنين يكون بماء الرأس، ولا حاجة لتجديد الماء له،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة عشرة): في اختلاف أهل العلم في غسل الرجلين إلى
الکعبین :
قال الإمام ابن المنذر تَخْشُهُ: قد أجمع عوام أهل العلم على أن الذي
يجب على من لا خُفّ عليه غسل القدمين إلى الكعبين، وقد ثبتت الأخبار
بذلك عن رسول الله وَلّ، وعن أصحابه ﴿ه، وبه قال ربيعة بن أبي
عبد الرحمن، ومالك، وأصحابه من أهل المدينة وغيرهم، وكذلك قال سفيان
الثوريّ، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي من أهل
الكوفة، والأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، ومن وافقهما من أهل الشام،
والليث بن سعد، ومن تبعه من أهل مصر، وهو قول عبيد الله بن الحسن، ومن
وافقه من أهل البصرة، وكذلك قال الشافعي وأصحابه، وأبو ثور وغيره، وهو
قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وكلِّ مَن حَفِظتُ عنه
من أهل العلم.
قال: فأما من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب، فلم يختلفوا أن معناه الغسل،
وقد اختَلَف الذين قرأوها بالخفض، فمنهم من قال: معناه المسح على
القدمين، ومنهم من قرأها كذلك، وأوجب غسلها بالسنة، وممن كان يقرأ
(١) حديث صحيحٌ، أخرجه أصحاب السنن.

(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
١٠٩
﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالخفض، ويَرَى الغسل أنس بن مالك، وروينا عن ابن عمر أنه
قال: نزل جبريل بالمسح، وسَنَّ النبيّ ثَّ غسل القدمين، وقال الشعبيّ: نزل
القرآن بالمسح، والسنة الغسل.
وقد زعم بعض أهل العلم أن ليس في قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ على
الخفض ما يوجب المسح دون الغسل؛ لأن العرب ربما نَسَقَت الحرف على
طريقة المجاور له، قال الأعشى (من الطويل]:
لَقَدْ كَانَ فِي حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتَهُ تَقَضِّي لُبَانَاتٍ وَيَسْأَمُ سَائِمُ
قال: فخَفْضُ الثواءِ لمجاورته الحول، وهو في موضع رفع، قال: ولغةٌ
معروفة لتميم قولهم: جُحْرُ ضَبِّ خَرِبٍ، قال: والخرب صفة للجُحْر، فخفضوه
لمجاورته الضب.
قال ابن المنذر كَّتُهُ: وغَسْلُ رسول الله وَ ◌َّ رجليه، وقولُهُ: ((ويلٌ
للأعقاب من النار)) كفايةٌ لمن وفقه الله للصواب، ودليلٌ على أن الذي يجب
غسل القدمين، لا المسح عليهما؛ لأنه الْمُبَيِّنُ عن الله تعالى معنى ما أراد مما
فَرَضَ في كتابه. انتهى كلام ابن المنذر تَُّهُ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً، والله
تعالى أعلم.
وقال ابن رُشد كَخَّتُهُ: اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء،
واختلفوا في نوع طهارتهما، فقال قوم: طهارتهما الغسل، وهم الجمهور،
وقال قوم: فرضهما المسح، وقال قوم: بل طهارتهما تجوز بالنوعين: الغسل
والمسح، وإن ذلك راجع إلى اختيار المكلف.
وسبب اختلافهم القراءتان المشهورتان في آية الوضوء، أعني قراءة من
قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُ﴾ بالنصب عطفاً على المغسول، وقراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾
بالخفض عطفاً على الممسوح، وذلك أن قراءة النصب ظاهرة في الغسل،
وقراءة الخفض ظاهرة في المسح، كظهور تلك في الغسل، فمن ذهب إلى أن
فرضهما واحد من هاتين الطهارتين على التعيين، إما الغسل، وإما المسح،
ذهب إلى ترجيح ظاهر إحدى القراءتين على القراءة الثانية، وصَرَفَ بالتأويل
(١) («الأوسط)) ٤١٣/١ - ٤١٥.

١١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
ظاهر القراءة الثانية إلى معنى ظاهر القراءة التي ترجحت عنده.
ومن اعتقد أن دلالة كل واحدة من القراءتين على ظاهرها على السواء،
وأنه ليست إحداهما على ظاهرها أدَلَّ من الثانية على ظاهرها أيضاً جَعَل ذلك
من الواجب المخيّر، ككفارة اليمين وغير ذلك، وبه قال الطبريّ وداود.
وللجمهور تأويلات في قراءة الخفض، أجودها أن ذلك عطف على
اللفظ، لا على المعنى؛ إذ كان ذلك موجوداً في كلام العرب، مثل قول زهير
[من الكامل]:
لَعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا بَعْدِي سَوَافِي الْمُورِ (١) وَالْقَظْرِ
بالخفض، ولو عُطِف على المعنى لرفع ((القطرُ))، ولكنه جرّه بالجوار
لِلْمُؤْر.
وأما الفريق الثاني، وهم الذين أوجبوا المسح، فإنهم تأولوا قراءة النصب
على أنها عطف على الموضع، كما قال الشاعر [من الوافر]:
فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا
وقد رَجَّح الجمهور قراءتهم هذه بالثابت عنه وَّ؛ إذ قال في قوم لم
يَستوفُوا غسل أقدامهم في الوضوء: ((ويل للأعقاب من النار))، متّفقٌ عليه،
قالوا: فهذا يدلّ على أن الغسل هو الفرض؛ لأن الواجب هو الذي يتعلق بتركه
العقاب. انتهى كلام ابن رُشد تَظَتُهُ(٢).
وقال الحافظ أبو عمر تَُّ في ((الاستذكار)) عند شرح حديث: ((ويلٌ
للأعقاب من النار)): وفيه من الفقه غسل الرجلين، وفي ذلك تفسير لقوله
تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنَّ﴾ [المائدة: ٦]، فُرُويت بخفض
﴿أَرْجُلِكُمْ﴾، ونصبها، وفي هذا الحديث دليلٌ على أن المراد بذلك غسل
الأرجل، لا مسحها؛ لأن المسح ليس شأنه استيعاب الممسوح، فدلّ على أن
من جرّ الأرجل عطفها على اللفظ، لا على المعنى، والمعنى فيهما الغسل،
على التقديم والتأخير، كأنه قال: فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق،
(١) (السوافي)): جمع سافية، وهي الريح الشديدة، و((المور)) بالضمّ: التراب.
(٢) ((بداية المجتهد) ١٥/١ - ١٦.

١
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برؤوسكم، والقراءتان صحيحتان مستفيضتان،
ومعلوم أن الغسل مخالف للمسح، وغير جائز أن تَبطُل إحدى القراءتين
بالأخرى، فلم يبق إلا أن يكون المعنى الغسل، أو العطف على اللفظ، وكذلك
قال أشهب عن مالك أنه سئل عن قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالخفض، فقال:
هو الغسل، وهذا التأويل تعضده سنّة رسول الله وَّر المجمع عليها بأنه كان يغسل
رجليه في وضوئه مرّة، ومرّتين، وثلاثاً، وجاء أمره في ذلك موافقاً لفعله، فقال:
((ويلٌ للعراقيب من النار))، و((ويلٌ للعراقيب، وبطون الأقدام من النار)).
قال: وقد وجدنا العرب تَخفِض بالجوار، والإتباع على اللفظ، بخلاف
المعنى، والمراد عندها المعنى، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]:
كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلٍ(١)
فخفض بالجوار، وإنما المزَمَّل الرجلُ، والإعراب فيه الرفع، وكذلك
قوله أيضاً [من الطويل]:
صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلٍ(٢)
وكما قال زهير [من الكامل]:
لَعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا بَعْدِي سَوَافِي الْمُورِ(٣) وَالْقَظْرِ
قال أبو حاتم: كان الوجه ((والقَطْرُ)) بالرفع، ولكنه جرّه بالجوار
لـ(الْمُوْر))، كما قالت العرب: ((هذا جُحْرُ ضَبِّ خَرِبٍ))، ومن هذه قراءة أبي
عمرو: ﴿يُسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن ثَارٍ وَتُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] بالجرّ؛ لأن النحاس هو
الدخان، وقراءة يحيى بن وَثَّاب: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ﴾ بالخفض، ومن هذا أيضاً
قول النابغة [من البسيط]:
(١) صدره: كَأَنَّ ثَبِيراً فِي عَرَانِينِ وَبْلِهِ.
(ثبير)): اسم جبل، و((العرانين)) جمع عِرْنين بكسر، فسكون، وهو الأنف، أو
معظمه، و((الوبل)): المطر الشديد، وأراد بعرانين الوبل: أوائل المطر الغزير،
و((البجاد)»: كساء مخطّط، و((مزَمّل)): متلفّف.
(٢) صدره: فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ.
و((الصفيف)): المصفوف، و((القدير)): اللحم المطبوخ في القِدرِ.
(٣) ((السوافي)): جمع سافية، وهي الريح الشديدة، و((المور)) بالضمّ: التراب.

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
لَمْ يَبْقَ غَيْرُ طَرِيدٍ غَيْرٍ مُنْفَلِتٍ أَوْ مُوثَقٌ فِي حِبَالِ الْقَدِّ مَسْلُوبٍ
فخَفَضَ.
ومثله قول الآخر [من الخفيف]:
مِثْلُ مَا لَاحَ فِي الأَدِيمِ الْكِتَابِ
حَيِّ دَاراً أَعْلَامُهَا بِالْجَنَابِ(١)
فجرّ ((الكتاب)) بالجوار لـ((أديم))، وموضعه الرفع بـ((لاح))، وقد يكون
((الكتاب)) مخفوضاً ردّاً على ((ما)) بدلاً منه.
وقد يُراد بالمسح الغسل، من قول العرب: تمسّحتُ للصلاة، والمراد
الغسل، وعلى التأويل الذي ذكرنا في إيجاب غسل الرجلين جمهور العلماء،
وجماعة فقهاء الآثار، وإنما رُوي مسح الرجلين عن بعض الصحابة والتابعين،
وتعلّق به بعض المتأخّرين، ولو كان مسح الرجلين يُجزئ ما أتى الوعيد بالنار
على من لم يَغسِل عقبيه، وعرقوبيه، أو فاته شيء من بطون قدميه؛ لأنه معلوم
أنه لا يعذّب بالنار إلا على ترك الواجب، وقد أجمع المسلمون على أن من
غسل قدميه فقد أدّى الواجب عليه، من قال منهم بالمسح، ومن قال بالغسل،
فاليقين ما أجمعوا عليه. انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َُّهُ(٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْلُهُ بعد ذكره الخلاف، وأن سبب الاختلاف هو
اختلاف القراءة في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض والنصب، قال: وقد أكثر الناس في
تأويل هاتين الآيتين، والذي ينبغي أن يقال: إن قراءة الخفض عطفٌ على الرأس،
فهما يُمسحان، لكن إذا كان عليهما خفّان، وتلقّينا هذا القيد من فعل رسول الله وَلَه؛
إذ لم يصحّ عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفّان، والمتواتر عنه غسلهما، فبيَّن
النبيّ وَّ بفعله الحال الذي تُغسل فيه الرجل، والحال الذي تُمسح فيه، فليُكْتَفَ
بهذا، فإنه بلغ. انتهى كلام القرطبيّ تَّهُ(٣)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً.
وقال العلامة ابن أبي العزّ في ((شرح العقيدة الطحاوية)) (٤٣٥/١) - عند
قولها: ((ونرى المسح على الخفّين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر)) - ما
نصه :
(١) اسم موضع.
(٣) ((المفهم)) ٤٩٦/١.
(٢) ((الاستذكار)) ٢/ ٤٧ - ٥١.

١١٣
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
تواترت السنة عن رسول الله وَي بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين،
والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، فيقال لهم: الذين نقلوا عن النبيّ وَ ﴾
الوضوء قولاً وفعلاً، والذين تعلَّموا الوضوء منه، وتوضؤوا على عهده، وهو
يراهم، ويُقِرُّهم، ونقلوه إلى من بعدهم أكثرُ عدداً من الذين نقلوا لفظ هذه
الآية، فإن جميع المسلمين كانوا يتوضؤون على عهده، ولم يتعلموا الوضوء إلا
منه، فإن هذا العمل لم يكن معهوداً عندهم في الجاهلية، وهم قد رأوه يتوضأ
ما لا يُخْصِي عدده إلا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين في ما شاء الله
من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه في كتب الصحيح وغيرها، أنه قال:
((ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار))(١).
مع أن الفرض إذا كان مسح ظاهر القدم، كان غسل الجميع كُلُّفَةً لا تدعو
إليها الطباع، كما تدعو الطباع إلى طلب الرياسة والمال، فلو جاز الطعن في
تواتر صفة الوضوء، لكان في نقل لفظ آية الوضوء أقرب إلى الجواز، وإذا قالوا :
لفظ الآية ثبت بالتواتر الذي لا يمكن فيه الكذب، ولا الخطأ، فثبوت التواتر في
نقل الوضوء عنه أولى وأكمل، ولفظُ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإن
المسح كما يُطلَق ويراد به الإصابة، كذلك يطلق ويراد به الإسالة، كما تقول
العرب: تمسحت للصلاة، وفي الآية ما يدُلُّ على أنه لم يُرَدْ بمسح الرجلين
المسحُ الذي هو قَسِيم الغسل، بل المسح الذي الغسلُ قسم منه، فإنه قال: ﴿إِلَى
اُلْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، ولم يقل: إلى الكعاب، كما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فدلّ
على أنه ليس في كل رجل كعب واحد، كما في كلِّ يَدٍ مرفقٌ واحدٌ، بل في كل
رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو
الغسل، فإن من يمسح المسح الخاصّ يجعل المسح لظهور القدمين، وجَعْلُ
الكعبين في الآية غايةً يَرُدُّ قولهم، فدعواهم أن الفرض مسح الرجلين الى الكعبين
اللذين هما مُجْتَمَعُ الساق والقدم عند مَعْقِد الشِّرَاك مردودٌ بالكتاب والسنة.
(١) متّفقٌ عليه، دون قوله: ((وبطون الأقدام))، وهو عند أحمد في ((مسنده)) برقم
(١٧٢٥٣ و١٧٢٥٤ و١٧٢٥٨) بسند صحيح من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء
الزُّبيديّ ◌ُته. انتھی.

١١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وفي الآية قراءتان مشهورتان: النصب والخفض، وتوجيه إعرابهما مبسوط
في موضعه، وقراءة النصب نصٌّ في وجوب الغسل؛ لأن العطف على المحل
إنما يكون إذا كان المعنى واحداً، كقوله:
فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا
وليس معنى مَسَحْتُ برأسي ورجلي، هو معنى مسحت رأسي ورجلي، بل
ذكر الباء يفيد مَعنّى زائداً على مجرد المسح، وهو إلصاق شيء من الماء
بالرأس، فتعين العطف على قوله: ﴿وَأَيَدِيَكُمْ﴾، فالسنة المتواترة تقضي على ما
يفهمه بعض الناس من ظاهر القرآن، فإن الرسول وَله بَيَّن للناس لفظ القرآن
ومعناه، كما قال أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ: حدّثنا الذين كانوا يُقرِئونا القرآن:
عثمانُ بنُ عَفّان، وعبدُ الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلّموا من
النبيّ وَلّر عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها.
وفي ذكر المسح في الرجلين تنبيهٌ على قلة الصبِّ في الرجلين، فإن
السَّرَفَ يُعتاد فيهما كثيراً، والمسألة معروفة، والكلام عليها في كتب الفروع.
انتهى كلام ابن أبي العزّ كَّفُ(١)، وهو كلام بحثٌ نفيسٌ أيضاً.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ، والصواب هو
مذهب الجمهور القائلين بأن فرض الرجلين لمن لم يلبس الخفّين الغَسْلُ،
ولا يُجزئ المسح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
[تنبيه]: ينبغي أن أذكر بعض ما اختلفوا فيه من مسائل الوضوء، وإن لم
يكن مذكوراً في هذا الحديث؛ تكميلاً للفوائد، ونشراً للعائدة، فأقول:
(المسألة السادسة عشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب النيّة في
الوضوء:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر تَُّ في كتابه ((الأوسط)) (٣٦٨/١):
قد اختَلَف أهل العلم فيمن توضأ، وهو لا ينوي بوضوئه الطهارة، فقالت
طائفة: لا يُجزيه، كذلك قال الشافعيّ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك،
(١) ((شرح العقيدة الطحاويّة)) ص٣٨٦ - ٣٨٧.

١١٥
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وليس بين الوضوء والتيمم عندهم في
ذلك فرق.
وفَرَّقَت طائفة بين الوضوء والتيمم، فقالت: يجزي الوضوء بغير نية، ولا
يجزي التيمم إلا بنية، هذا قول سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، قال الثوريّ:
إذا عَلَّمتَ رجلاً التيممَ، فلا يجزيك أن تصلي بذلك التيمم، إلا أن تكون
نويت أنك تَمَّمُ لنفسك، فإذا عَلَّمته الوضوء أجزأك.
وفيه قول ثالثٌ، حُكِي عن الأوزاعيّ، أنه قال في الرجل يُعَلِّم الرجل
التيمم، وهو لا ينوي أن يتيمم لنفسه، إنما علّمه، ثم حضرت الصلاة، قال:
يصلي على تيممه، كما أنه لو توضأ وهو لا ينوي الصلاةَ كان طاهراً، هذه
حكاية أبي المغيرة عنه، وبه قال الحسن بن صالح، وحَكَى الوليد بن مسلم عن
الأوزاعيّ أنه قال: لا يجزيه في التيمم، ويجزيه في الوضوء، وحَكَى الوليد
مثله عن مالك، والثوريّ.
قال ابن المنذر تَّتُهُ: أما حكايته عن الثوريّ فكما حَكَى؛ لموافقته
حكاية الأشجعي، والْعَدَنيّ، وعبد الرزاق، والفاريابيّ عنه، وأما ما حكاه عن
مالك، فما رواه أصحاب مالك عنه: ابنُ وهب، وابنُ القاسم أصحّ، والله
أعلم .
قال ابن المنذر وَُّهُ: دَلّ قول رسول الله وَله: ((إنما الأعمال بالنية)) لَمّا عَمّ
جميع الأعمال، ولم يَخُصّ منها شيئاً أن ذلك في الفرائض والنوافل، ثم بَيَّن
تصرف الإرادات، فقال: ((من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله
ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما
هاجر إليه))، فغير جائزٍ أن يكون مؤدِّياً إلى الله ما فَرَضَ عليه مَن دَخَل الماء، يُعَلِّم
آخر السِّبَاحة بدرهم أَخَذه، أو مريدٌ للتبريد، أو مريدٌ لتأدية فرض؛ لأنه لم يُرِد الله
قط بعمله، قال الله: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا تُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾ الآية [الشورى: ٢٠].
قال ◌َخْذُّهُ: وإذا توضأ طهارةً مِن حَدَثٍ، أو طهارةً لصلاة فريضة أو
نافلة، أو قراءةٍ، أو صلاةٍ على جنازة، فله أن يصلي به المكتوبة في قول
الشافعيّ، وأبي عبيد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم من أصحابنا، وكذلك
نقول. انتهى كلام ابن المنذر تَخَّتُهُ .

١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه الإمام ابن المنذر تَظّتُهُ من
وجوب النيّة في الوضوء والغسل، والتيمّم، وأنه إذا تطهّر بنية صلاة، أو رفع
حدث، يصلّي ما يشاء فرضاً ونفلاً هو الحقّ؛ لظهور حجّته، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة عشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب التسمية في
الوضوء:
قال الإمام ابن المنذر تَخْتُ: قد اختلف أهل العلم في وجوب التسمية
عند الوضوء، فاستحبّ كثير من أهل العلم للمرء أن يُسَمِّي الله تعالى إذا أراد
الوضوء، كما استحبوا أن يسمي الله عند الأكل والشرب والنوم، وغير ذلك؛
استحباباً لا إيجاباً، وقال أكثرهم: لا شيء على من ترك التسمية في الوضوء،
عامداً أو ساهياً، هذا قول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبي
عبيد، وأصحاب الرأي، واغتسل عمر بن الخطاب رضيُبه، ويعلى بن أمية يستر
عليه بثوب، فقال: بسم الله.
وكان أحمد يقول: لا أعلم له حديثاً له إسناد جيدٌ، وضَعَّف حديث ابن
حرملة، وقال: ليس هذا حديثاً أَحْكُم به، وكان إسحاق بن راهويه يقول في
التسمية: إذا نسي أجزأه، وإذا تعمد أعاد لما يصح(١) ذلك عن النبيّ وَّ،
وحَكَى آخر عن إسحاق أنه قال: الاحتياط الإعادة، من غير أن يبين إيجاب
الإعادة.
قال ابن المنذر كَّلُهُ: ليس في هذا الباب خبر ثابتٌ يوجب إبطال وضوء
من لم يذكر اسم الله عليه، فالاحتياط أن يُسمى الله من أراد الوضوء
والاغتسال، ولا شيء على من ترك ذلك. انتهى(٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله
تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: أحاديث التسمية على الوضوء كلّها ضعاف، كما
سبق عن أحمد، وغيره، ولكن بعض العلماء يرى لها قوّة بمجموع طرقها، قال
(١) هكذا النسخة، ولعله: ((لم يصحّ))، والله أعلم.
(٢) ((الأوسط)) ٣٦٧/١ - ٣٦٨.

١١٧
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
الحافظ في ((التلخيص الحبير)): والظاهر أن مجموع الأحاديث يَحدُث منها
قوّة، تدلّ على أن له أصلاً، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبيّ وَّه
قاله، وقال البزّار: لكنه مؤوّلٌ، ومعناه أنه لا فضل لوضوء من لم يذكر
اسم الله، لا على أنه لا يجوز وضوء من لم يسمّ. انتهى.
واستدلّ البيهقيّ تَُّ على عدم وجوب التسمية بحديث رفاعة بن
رافع ظُه، مرفوعاً: ((لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء، كما أمر الله،
فيغسل وجهه ... )) الحديث(١)، قال البيهقيّ: فهذا الحديث ليس فيه ذكر
التسمية، فلو كان واجباً لبيّنه بَّ. انتهى.
والحاصل أن أحاديث التسمية على فرض صحّتها محمولة على
الاستحباب بدليل هذا الحديث، ولا يرد عليه القول بوجوب المضمضة،
والاستنشاق، والاستنثار؛ لأنها داخلة في غسل الوجه، وقد أشبعت الكلام في
هذا الموضوع في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم تخليل اللحية:
ذهب مالك إلى أنه ليس بواجب، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ في
الوضوء، وأوجبه ابن عبد الحكم من أصحاب مالك.
قال ابن رُشد كَخَّتُهُ: سبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الآثار
التي ورد فيها الأمر بتخليل اللحية، والأكثر على أنها غير صحيحة، مع أن
الآثار الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه ◌َّيّ ليس في شيء منها التخليل.
انتهى كلام ابن رُشد ◌َّهُ(٢).
وقال الإمام ابن المنذر كظُّهُ: اختلف أهل العلم في تخليل اللحية،
وغسل باطنها، فُرُوي عن جماعة من أصحاب رسول الله وكلّ، وغيرهم أنهم
كانوا يُخَلِّلون لحاهم، فممن رُوي ذلك عنه عليّ بن أبي طالب، وابن عباس،
والحسن بن عليّ، وابن عمر، وأنس، وهو قول عبد الرحمن بن أبي ليلى،
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٨٥٦).
(٢) ((بداية المجتهد، ونهاية المقتصد)) ١/ ١١.

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وعطاء بن السائب، وأبي ميسرة، ومجاهد، ومحمد بن سیرین.
ورُوي عن غير واحد أنهم رَخّصوا في ترك تخليل اللحية، رُوي ذلك عن
ابن عمر، والحسن بن عليّ، وهذا قول طاوس، والنخعيّ، وأبي العالية،
والشعبيّ، ومحمد بن عليّ، ومجاهد، والقاسم، وقال سعيد بن عبد العزيز،
والأوزاعيّ: ليس عَرْك العارضين، وتشبيك اللحية بواجب في الوضوء، وكان
سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، لا يرون تخليل
اللحية واجباً، وهذا قول أصحاب الرأي، وعوامّ أهل العلم أنّ ما مرّ على
ظاهر اللحية من الماء يكفي. وأوجبت طائفة بَلَّ أصول شعر اللحية، وأوجب
بعضهم غسل بشرة موضع اللحية، كان عطاء بن أبي رباح يَرَى بَلَّ أصول شعر
اللحية.
قال ابن المنذر: غسل ما تحت شعر اللحية غير واجب؛ إذ لا حجة تدل
على إيجاب ذلك، بل الخبر والنظر يدلان على أن ذلك غير واجب، فأما
الخبر فقد ثبت أن رسول الله وَ ﴿ توضأ مرة مرة، يَغْرِف غرفة لكل عضو، وكان
رسول الله ( عظيم اللحية، ومعلوم أنه إذا كان كذلك أن غسل ما تحت
اللحية غير ممكن بغرفة واحدة، وكان يتوضأ بالمد، والمتوضئ بالمدّ غير قادر
على غسل أصول شعر اللحية، قال: وفي إجماع أهل العلم فيما أعلم أن
المتيمم لا يجب عليه إمساس باطن اللحية الغبارَ دليلٌ على صحة ما قلنا،
وذلك أن الوجه الذي أُمر المتيمم أن يمسحه بالصعيد، هو الوجه الذي أُمر
المتوضئ أن يغسله بالماء، والأخبار التي رُويت عن النبي وَلّ أنه خَلَّل لحيته
قد تُكُلِّم في أسانيدها، وأحسنها حديث عثمان، ثم أخرج بسنده عن عامر بن
شقيق بن سَلَمَة، أن عثمان رَظُّه توضأ، فخلل لحيته، ثم قال: رأيت
رسول الله وَل يفعله(١).
قال ابن المنذر: ولو ثبت هذا لم يدُلّ على وجوب تخليل اللحية، بل
(١) في إسناده عامر بن شقيق: ضعفه الأكثرون، ووثقه ابن حبّان، وقال النسائيّ: لا
بأس به، وصحح حديثه هذا الترمذيّ، ونقل عن البخاريّ أنه قال: أصحّ شيء في
هذا الباب.

١١٩
(٣) - بَابُ صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَكَمَالِهِ - حديث رقم (٥٤٤)
يكون ندباً كسائر السنن في الوضوء. انتهى كلام ابن المنذر كَذته(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد كنت رجّحت في شرح النسائيّ عدم وجوب
تخليل اللحية كما يراه ابن المنذر وغيره، لكن الآن ترجّح عندي وجوبه؛
لثبوت الأحاديث بمجموع طرقها، كما بينت ذلك هناك، وفعله وَ ل بيان لآية
الوضوء؛ لأن الراجح أنها مجملة، ودلالة الآية على الوجوب واضح، فيكون
فعله وَلَه واجباً؛ لكونه بياناً لها، ولا يُخْرَج عن هذه القاعدة إلا إذا ثبت نصٌّ،
أو إجماع يدلّ على الاستحباب، كتثليث الغَسَلات، وهذه المسألة ليس فيها
إجماع، كما سبق في كلام ابن المنذر، فقد أوجب التخليل بعض السلف،
فيكون قولهم أرجحَ؛ لرجحان حجتهم، فتبصّر، والله تعلى أعلم بالصواب.
وكذلك يجب تخليل أصابع اليدين والرجلين؛ لحديث لقيط بن
صبرة ره، قال: «قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ
الوضوء، وخَلِّل بين الأصابع)» (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة التاسعة عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم تفريق غسل
الأعضاء:
قال ابن المنذر كظّتُهُ: اختَلَف أهل العلم في تفريق الوضوء والغسل،
فقالت طائفة: لا يجوز ذلك، حتى يُتْبِع بعضه بعضاً، روينا عن عمر بن
الخطاب أنه رأى رجلاً يصلي، وقد ترك مثل موضع الظفر، فأمره أن يعيد
الوضوء والصلاة، وكان قتادة، والأوزاعيّ يقولان: إذا ترك غسل عضو من
الأعضاء حتى جَفّ الوضوء أعاد الوضوء، وكان ربيعة يقول: تفريق الغسل مما
يُكره، وإنه لا يكون غسلاً حتى يُتبع بعضه بعضاً.
وقال مالك: من تعمد ذلك، فإني أرى عليه أن يُعيد الغسل، وقال
الليث بن سعد كذلك، مع أن قول مالك مختلف في هذا الباب، وقد
حَكَى ابن القاسم عنه أنه قال: إن قام لأخذ الماء، وكان قريباً بنى على
(١) ((الأوسط)) ٣٨١/١ - ٣٨٦.
(٢) حديث صحيح أخرجه أبو داود، وغيره بإسناد صحيح.

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وضوئه، وإن تطاول ذلك وتباعد، فأرى أن يعيد الوضوء من أوله.
وقال أحمد: إذا جَفّ وضوؤه يعيدُ، وذكر حديث عمر.
وأجازت طائفة تفريق الوضوء والغسل. ثبت أن ابن عمر توضأ بالسوق،
فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دُعي لجنازة، فدخل المسجد ليصلي
عليها، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها .
وكان عطاء لا يرى بتفريق الوضوء بأساً، وأباح ذلك النخعيّ في الغسل،
وكان الحسن، والنخعيّ لا يريان بأساً للجنب أن يغسل رأسه، ثم يوخر غسل
جسده بعد ذلك، ورُوي معنى ذلك عن سعيد بن المسيب، وطاوس، وهذا
على مذهب الثوريّ، وممن رأى ذلك جائزاً الشافعيّ، وأصحاب الرأي.
قال ابن المنذر: وكذلك نقول؛ لأن الله جل ذكره أوجب في كتابه غسل
أعضاء، فمن أَتى بغسلها، فقد أتى بالذي عليه، فَرّقها، أو أتى بها نَسَقاً
متتابعاً، وليس على من جعل حدَّ ذلك الجفوف حجة، وذلك يختلف في الشتاء
والصيف. انتهى كلام ابن المنذر تَّتُهُ، وهو تحقيقٌ حسنٌّ.
وحاصله أنه يجوز التفريق بين أعضاء الوضوء في الغسل؛ إذ ليس لإيجابه
حجة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العشرون): في اختلافهم في وجوب الترتيب في غسل
الأعضاء :
قال ابن المنذر تَخّْتُهُ: اختَلَف أهل العلم في رجل توضأ فبدأ، فغسل يديه
أو رجليه قبل وجهه، أو قدَّم عضواً على عضو، فقالت طائفة: وضوؤه تامّ،
وروينا عن علي بن أبي طالب به أنه قال: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي
أعضائي بدأت، وعن عبد الله بن مسعود رضيله أنه قال: لا بأس أن تبدأ
برجليك قبل يديك في الوضوء.
وممن رأى تقديم الأعضاء بعضها على بعض جائزاً عطاء بن أبي رباح،
والحسن البصريّ، وسعيد بن المسيب، وقد رَوَينا في هذا الباب عن علي بن
أبي طالب، وعطاء، والنخعيّ، والحسن، ومكحول، والزهريّ، والأوزاعيّ
فيمن نَسِي مسحَ رأسه، فوجد في لحيته بللاً، قالوا: يمسح رأسه، ويستقبل
الصلاة، ولم يأمروه بإعادة غسل الرجلين، وفي قول الثوريّ، وأصحاب الرأي