النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
والصبر ضياء))، وفي بعض نسخ ((صحيح مسلم)): ((والصيام ضياء)).
فهذه الأنواع الثلاثة من الأعمال أنوار كلَّها، لكن منها ما يَختَصّ بنوع
من أنواع النور، فالصلاة نور مطلقٌ، ورُوي بإسنادين فيهما نظر، عن أنس
رضىعنه
عن النبيّ وَّر قال: ((الصلاة نور المؤمن))(١)، فهي للمؤمنين في الدنيا نور في
قلوبهم وبصائرهم، تُشرق بها قلوبهم، وتستنير بصائرهم، ولهذا كانت قُرّةَ عين
المتقين، كما كان النبيّ وَّهُ يقول: ((جُعِلت قرةُ عيني في الصلاة))، أخرجه
أحمد، والنسائيّ(٢) .
وفي رواية: ((الجائعُ يَشْبَع، والظمآن يَرْوَى، وأنا لا أشبع من حب
الصلاة))(٣).
وفي ((المسند)) (٤) عن ابن عباس ثها قال: قال جبريل للنبيّ وَّ: ((إن الله
قد حَبَّب إليك الصلاة، فخذ منها ما شئت)).
وأخرج أبو داود، من حديث رجل من خُزاعة: أن النبيّ وَّر قال: ((يا
بلال أقم الصلاة، وأرحنا بها))(٥).
قال مالك بن دينار: قرأت في ((التوراة)): يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين
يديّ في صلاتك باكياً، أنا الذي اقتربت بقلبك، وبالغيب رأيتَ نوري، يعني ما
يُفتح للمصلي في الصلاة، من الرقة والبكاء.
وأخرج الطبرانيّ، من حديث عبادة بن الصامت نظريته مرفوعاً: ((إذا حافظ
العبد على صلاته، فأقام وضوءها، وركوعها، وسجودها، والقراءة فيها، قالت
له: حَفِظَك الله كما حفظتني، وصُعِدَ بها إلى السماء، ولها نور تنتهي
إلى الله رَ، فتشفع لصاحبها))(٦).
(١) أخرجه أبو يعلى (٣٦٥٥)، والمروزيّ في ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٧٦ و١٧٧)، والقضاعيّ
(١٤٤) وإسناده ضعيف، وأخرجه ابن ماجه مطوّلاً (٤٢١٠) وإسناده ضعيف أيضاً.
(٢) صححه الحاكم ١٦٠/٢ ووافقه الذهبيّ.
(٣) لا يصحّ، فقد أورده الديلميّ في ((مسند الفردوس)) (٢٦٢٢) بلا سند.
(٤) ٢٤٥/١ و٢٥٥ و٢٥٦ وفيه علي بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف.
(٥) حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (٤٩٨٥ و٤٩٨٦).
(٦) أورده الحافظ أبو بكر الهيثميّ في ((المجمع)) ١٢٢/٢ وقال: رواه الطبرانيّ في =

٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وهي نور للمؤمنين، ولاسيما صلاة الليل، كما قال أبو الدرداء
رضى عنه .
((صَلُّوا ركعتين في ظُلَم الليل لظلمة القبور))، وكانت رابعة قد فَتَرَت عن وردها
بالليل مُدّةً، فأتاها آتٍ في منامها، فأنشدها :
صَلَاتُكِ نُورٌ وَالْعِبَادُ رُقُودُ وَنَوْمُكِ ضِدٌّ لِلصَّلَاةِ عَنِيدُ
وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط؛ فإن
الأنوار تُقْسَم لهم على حسب أعمالهم.
وفي ((المسند))(١)، و((صحيح ابن حبان))(٢) عن عبد الله بن عَمرو ◌ًَّا،
عن النبيّ وَّر أنه ذكر الصلاة، فقال: ((من حافظ عليها كانت له نوراً، وبرهاناً،
ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً، ولا برهاناً، ولا
نجاةً)) .
وأخرج الطبراني بإسناد فيه نظرٌ، من حديث ابن عباس، وأبي هريرة ◌ُّ،
عن النبيّ ◌َّ: ((من صلى الصلوات الخمس في جماعة، جاز على الصراط
كالبرق اللامع، في أول زمرة من السابقين، وجاء يوم القيامة، ووجهه كالقمر
ليلة البدر))(٣).
(المسألة السابعة): في قوله ◌َلجر: ((والصدقة برهان))، و((البرهان)): هو
الشعاع الذي يلي وجه الشمس، ومنه حديث أبي موسى رضيالله: ((أن روح
المؤمن تخرج من جسده لها برهان، كبرهان الشمس))، ومنه سُمِّيت الحجة
القاطعة برهاناً؛ لوضوح دلالتها على ما دَلَّت عليه، فكذلك الصدقة برهان على
صحة الإيمان، وطيبُ النفس بها علامةٌ على وجود حلاوة الإيمان وطعمه، كما
في حديث عبد الله بن معاوية العامريّ تَظُبه، عن النبيّ وَّ: «ثلاثٌ من فَعَلهنّ،
فقد طَعِم طَعْمَ الإيمان: مَن عَبَد الله وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأَدَّى زكاةَ
= ((الكبير))، والبزار بنحوه، وفيه الأحوص بن حكيم، وثّقه ابن المدينيّ، والعجليّ،
وضعّفه جماعة، وبقيّة رجاله موثقون. انتهى.
(١) ١٦٩/٢.
(٢) رقم (١٤٦٧).
(٣) رواه الطبرانيّ في ((الأوسط)). قال الهيثميّ في ((المجمع)) ٣٩/٢: وفيه بقية بن
الوليد، وهو مدلّسٌ، وقد عنعنه. انتهى.

٤٣
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
ماله، طيبةً بها نفسه، رافدً عليه في كل عام))، وذكر الحديث، أخرجه أبو
داود(١).
وقد تقدّم قريباً حديث أبي الدرداء ظُبه فيمن أَدَّى زكاة ماله طَيِّبَةً بها
نفسه، قال: وكان يقول: لا يفعل ذلك إلا مؤمنٌ.
وسبب هذا أن المال تُحِبّه النفوس، وتَبْخَل به، فإذا سَمَحَت
بإخراجه لله رَّ دَلَّ ذلك على صحة إيمانها بالله، ووعده ووعيده، ولهذا مَنَعَت
العربُ الزكاةَ بعد النبيّ ◌َّه، وقاتلهم الصديق رَُّه على منعها، والصلاة أيضاً
برهان على صحة الإسلام.
وأخرج الإمام أحمد(٢)، والترمذيّ من حديث كعب بن عُجْرَة نَظُه، عن
له،
النبيّ وَّ قال: ((الصلاة برهان))(٣).
وقد تقدّم في شرح حديث: ((أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن
لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) متّفق
عليه، أن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإسلام والإيمان، وهي أيضاً أولُ ما
يُحاسب به المرء يوم القيامة، فإن تمّت صلاته فقد أفلح وأنجح، وقد سبق
حديث عبد الله بن عمرو رضيله فيمن حافظ عليها أنها تكون له نوراً، وبرهاناً،
ونجاةً يوم القيامة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في قوله ◌َلّ: ((والصبر ضياء))، والضياء هو النور الذي
يَحصل فيه نوع حرارة وإحراق، كضياء الشمس، بخلاف القمر، فإنه نورٌ
محضٌ، فيه إشراق بغير إحراق، قال الله رَى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءُ
(١) رجاله ثقاتٌ، ولكن في سنده انقطاع بين يحيى بن جابر، وبين جُبير بن نُفير،
ورواه موصولاً بسند صحيح الطبرانيّ في ((الصغير)) (٥٥٥)، والفسويّ في («المعرفة
والتاريخ)) ٢٦٩/١، ومن طريقه البيهقيّ ٤ /٩٥ - ٩٦.
(٢) ليس عند أحمد من حديث كعب بن عجرة، وإنما هو من حديث جابر نظراته بسند
صحيح، (١٤٠٣٢) وهو حديث طويل، وفيه أنه وَ ◌ّ﴾ قال: (يا كعب بن عجرة
الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان)).
(٣) أخرجه الترمذيّ (٦١٤) وقال: حسنٌ غريب.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]، ومن هنا وَصَف الله شريعة موسى؛ بأنها ضياء، كما
٤٨) [الأنبياء:
قال: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَّةُ وَذِكْرًاً لِلْمُنَّقِينَ
٤٨]، وإن كان قد ذَكَر أن في التوراة نوراً، كما قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا
هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، لكن الغالب على شريعتهم الضياء؛ لما فيها من
الآصار والأغلال والأثقال.
ووَصَفَ شريعة محمد نَّهِ بأنها نورٌ؛ لما فيها من الحنيفية السمحة، قال الله
تعالى: ﴿قَدّ جَاءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وقال:
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ
وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَِّبَتِ وَيُحَرِمُ عَلَيْهِمُ
الْخَبَيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِذَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ
[الأعراف: ١٥٧].
٨١٥٧
وَنَصَرُوهُ وَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
ولما كان الصبر شاقّاً على النفوس يَحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها،
وكفّها عما تهواه، كان ضياءً، فإن معنى الصبر في اللغة الحبس، ومنه قتل
الصبر، وهو أن يُحْبَس الرجل حتى يُقْتَل، والصبر المحمود أنواع: منه صبر
على طاعة الله رَ، ومنه صبر عن معاصي الله رَك، ومنه صبر على
أقدار الله رَّك، والصبر على الطاعات، وعن المحرمات أفضل من الصبر على
الأقدار المؤلمة، صَرَّح بذلك السلف، منهم سعيد بن جبير، وميمون بن
مِهْران، وغيرهما، وقد رُوي بإسناد ضعيف من حديث عليّ رُْه مرفوعاً: ((إن
الصبر على المعصية يُكتب به للعبد ثلاثمائة درجة، وإن الصبر على الطاعة
يُكتب به ستمائة درجة، وإن الصبر عن المعاصي يُكتب له به تسعمائة درجة)»،
وقد أخرجه ابن أبي الدنيا، وابن جرير الطبريّ(١).
وأفضل أنواع الصبر الصيامُ، فإنه يَجمَع الصبر على الأنواع الثلاثة؛ لأنه
صبر على طاعة الله رَ، وصبر عن معاصي الله؛ لأن العبد يترك شهواته لله،
(١) وأورده ابن الجوزيّ في ((الموضوعات)) ١٨٤/٣ وقال: هذا حديث موضوع،
والمتّهم فيه عبد الله بن زياد، وهو ابن سمعان، قال مالك، ويحيى: كان كذّاباً،
وقال النسائيّ، والدارقطنيّ: متروك الحديث.

٤٥
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
ونفسه قد تنازعه إليها، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: ((إن الله رَبَك يقول:
كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به؛ لأنه ترك شهوته
وطعامه وشرابه من أجلي))(١)، وفيه أيضاً صبر على الأقدار المؤلمة، بما قد
يَحصُل للصائم من الجوع والعطش، وكان النبيّ وَّرِ يُسَمِّي شهر الصيام شهر
الصبر، وقد جاء في حديث الرجل من بني سُليم، عن النبيّ وَّر أن الصوم
نصف الصبر، وربما عَسُر الوقوف على سِرِّ كونه نصف الصبر أكثر من عُسْر
الوقوف على سرّ كون الطهور شطر الإيمان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في قوله وَلجر: ((والقرآن حجةٌ لك، أو عليك))،
قال الله رَّ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْفُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا
﴾ [الإسراء: ٨٢]، قال بعض السلف: ما جالس أحدٌ القرآن، فقام
خَسَارًا (2)
عنه سالِماً، بل إما أن يَرْبَح، أو أن يَخسر، ثم تلا هذه الآية.
ورُوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ وَلّ قال:
((يُمَثَّل القرآن يوم القيامة رجلاً، فيؤتى بالرجل، قد حمله، فخالف أمره،
فيتمثل له خصماً، فيقول: يا رب حَمّلته إياي، فشرّ حامل، تعدَّى حدودي،
وضَيّع فرائضي، ورَكِب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يَقْذِف عليه
بالحجج، حتى يقال: شأنَكَ به، فيأخذه بيده فما يرسله حتى يَكُبّه على مَنخِره
في النار، ويؤتى بالرجل الصالح، كان قد حَمَله، فيَتَمَثّل خصماً دونه،
فيقول: يا رب حَمّلته إياي، فخير حامل، حَفِظَ حدودي، واجتنب معصيتي،
واتَّبَع طاعتي، فما يزال يَقْذِف له بالحجج، حتى يقال: شأنَك به، فيأخذه
بيده، فما يرسله حتى يُلْبِسِه حُلَّة الإستبرق، ويَعْقِد عليه تاج الملك، ويسقيه
کأس الخمر))(٢).
(١) متفقٌ عليه.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) ٤٩١/١٠ - ٤٩٢، والبزار في ((مسنده)) (٢٣٣٧).
قال الهيثميّ في ((المجمع)) ١٦١/٧: وفيه ابن إسحاق، وهو ثقةٌ، ولكنه مدلس،
وبقية رجاله ثقات.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وقال ابن مسعود رُْه: ((القرآن شافع مشفَّع، وماحلٌ مُصَدَّق، فمن جعله
أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره قاده إلى النار))(١).
وعنه ◌َظُه قال: ((يجيء القرآن يوم القيامة، فيَشْفَع لصاحبه، فيكون قائداً
إلى الجنة، أو يشهد عليه، فيكون سائقاً إلى النار)).
وقال أبو موسى الأشعريّ ◌َُّله: ((إن هذا القرآن كائن لكم أجراً، وكائن
عليكم وزراً، فاتبعوا القرآن، ولا يتبعكم القرآن، فإنه من اتَّبَع القرآن هَبَط به
على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زَخٌّ في قفاه، فقذفه في النار))(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): في قوله وَ لّ: ((كلُّ الناس يَغْدُو، فبائع نفسه فمعتقها،
أو موبقها)».
وأخرج الإمام أحمد، وابن حبان من حديث كعب بن عجرة تظ له
عن النبيّ وَّ﴾ قال: ((الناس غاديان: فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها))، وفي
رواية أخرى، أخرجها الطبرانيّ: ((الناس غاديان: فبائع نفسه فموبقها، وقائد
نفسه فمعتقها))، وقال الله رَّ: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ﴿ فَأَْمَهَا ◌ُرَهَا وَتَقْوَنُهَا
(١) رواه الطبرانيّ في ((الكبير)) (٨٦٥٥) ورجاله رجال الصحيح.
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ١/ ٢٥٧.
(٣) أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله ظه، ونصّه:
(١٤٨٦٠) حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن
عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله، قال: حدثنا أن رسول الله وَ ل قال:
((يا كعب بن عجرة، أعيذك بالله من إمارة السفهاء))، قال: وما ذاك يا رسول الله؟
قال: ((أمراء سيكونون من بعدي، مَن دخل عليهم فصدقهم بحديثهم، وأعانهم على
ظلمهم، فليسوا مني، ولست منهم، ولم يردوا علي الحوض، ومن لم يدخل
عليهم، ولم يصدقهم بحديثهم، ولم يُعنهم على ظلمهم، فأولئك مني، وأنا منهم،
وأولئك يردون علي الحوض، يا كعب بن عجرة، الصلاة قُربان، والصوم جنة،
والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كعب بن عجرة، لا يدخل الجنة
من نبت لحمه من سُخْت، النار أولى به، یا کعب بن عجرة، الناس غادیان، فغادٍ
بائع نفسه، وموبق رقبته، وغادٍ مبتاع نفسه، ومعتق رقبته)).
وهذا إسناد صحيح.

٤٧
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
[الشمس: ٧ - ١٠].
قَدْ أَفَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا ﴿﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَنُهَا
٨
والمعنى قد أفلح من زَكَّى نفسه بطاعة الله، وخاب من دسّاها بالمعاصي،
فالطاعة تُزكي النفس، وتطهرها، فترتفع بها، والمعاصي تُدَسِّي النفس،
وتقمعها، فتنخفض، وتصير كالذي يُدَسّ في التراب.
ودَلّ الحديث على أن كل إنسان إما ساع في هلاك نفسه، أو في
فَكاكها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسه لله، وأعتقها من عذابه، ومن
سعى في معصية الله تعالى، فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة
لغضب الله وعقابه، قال الله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ يُقَئِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْثُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّاً
فِى التَّوْرَةِ وَالْإِنِلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِّ فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ
الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ١١١]، وقال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
[البقرة: ٢٠٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]، وفي ((الصحيحين))، عن أبي هريرة ◌َظُه
٢١٤
قال: قال رسول الله رب له حين أنزل الله عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ
[الشعراء: ٢١٤]: ((يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله
شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئاً))، وفي رواية البخاريّ:
(يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم
من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد
اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئاً))، وفي رواية لمسلم: أنه
دعا قريشاً فاجتمعوا، فعَمّ وخَصّ، فقال: ((يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم
من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس
أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني
هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار،
يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً)).
وأخرج الطبرانيّ، والخرائطيّ، من حديث ابن عباس رُّه مرفوعاً: ((مَن
قال إذا أصبح: سبحان الله وبحمده، ألف مرة، فقد اشترى نفسه من الله،

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وكان من آخر يومه عتيقاً من النار))(١).
وقد اشترى جماعة من السلف أنفسهم من الله رَ بأموالهم، فمنهم من
تصدّق بماله كله، كحبيب بن أبي محمد، ومنهم من تصدق بوزنه فضةً ثلاث
مرات، أو أربعاً، كخالد الطحان، ومنهم من كان يجتهد في الأعمال
الصالحة، ويقول: إنما أنا أسير، أسعى في فَكاك رقبتي، منهم عمرو بن عُتبة،
وكان بعضهم يسبّح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة بقدر ديته، كأنه قد قَتَل
نفسه، فهو يفتگّها بدیتها .
قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن
شيئاً حتى يلقى الله ربك، وقال: ابنَ آدم، إنك تغدو وتروح في طلب الأرباح،
فليكن همك نفسك، فإنك لن تربح مثلها أبداً .
قال أبو بكر بن عياش: قال لي رجل مرةً، وأنا شابّ: خَلِّص رقبتك ما
استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبداً، قال:
فوالله ما نسيتها بعدُ.
وكان بعض السلف يبكي، ويقول: ليس لي نفسان، إنما لي نفس
واحدة، إذا ذهبت لم أجد أخرى.
وقال محمد ابن الحنفية: إن الله مك جعل الجنة ثمناً لأنفسكم، فلا
تبيعوها بغيرها، وقال أيضاً: من كَرُمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر،
وقيل له: من أعظم الناس قدراً؟ قال: من لم ير الدنيا كلها لنفسه خطراً.
وأنشد بعض المتقدمين [من الطويل]:
وَلَيْسَ لَهَا فِي الْخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنْ
أُثَامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّهَا
بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا فَذَاكَ هُوَ الْغَبَنْ
بِهَا تُمْلَكُ الأُخْرَى فَإِنْ أَنَا بِعْتُهَا
لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسِي وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنْ
لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنْیَا أُصِيبُهَا
انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب تَُّ ببعض تصرّف(٢). وهو تحقيقٌ
(١) أورده الهيثميّ في ((المجمع)) ١١٣/١٠ - ١١٤ وقال: رواه الطبرانيّ في ((الأوسط))،
وفيه من لم أعرفه. انتهى.
(٢) راجع ((جامع العلوم والحكم)) ٥/٢ - ٣١.

٤٩
(١) - بَابُ فَضْلِ الْوُضُوءِ - حديث رقم (٥٤٠)
نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم: هل توزن الأعمال، أم
ثوابها؟ :
ذكر الإمام ابن كثير تَخْتُ في («تفسيره)) ٢٠٣/٢ اختلافهم في ذلك،
فقال تَخْتُ عند قوله رَتْ: ﴿وَاَلْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقّ﴾ الآية [الأعراف: ٨] ما نصّه:
والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال، وإن كانت أعراضاً،
إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساماً، قال البغوي: يُرْوَى نحو هذا عن
ابن عباس ◌ًا، كما جاء في ((الصحيح)) من ((أن البقرة، وآل عمران، يأتيان
يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف)).
ومن ذلك في ((الصحيح)) قصة القرآن، وأنه ((يأتي على صاحبه في صورة
شابّ شاحبِ اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك،
وأظمأت نهارك)).
وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر: ((فيأتي المؤمن شابٌّ، حسنُ
اللون طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح))، وذكر عكسه
في شأن الكافر والمنافق. وقيل: يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث
البطاقة في الرجل الذي يؤتى به، ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سِجِلّاً، كل
سِجِلّ مدّ البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا الله، فيقول: يا رب وما
هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك
البطاقة في كفة الميزان، قال رسول الله وَله: ((فطاشت السجلات، وثقلت
البطاقة))، رواه الترمذي بنحو من هذا، وصححه.
وقيل: يوزن صاحب العمل، كما في الحديث: ((يؤتى يوم القيامة بالرجل
السمين، فلا يَزِن عند الله جناح بعوضة، ثم قرأ: ﴿فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾،
وفي مناقب عبد الله بن مسعود نظره، أن النبي وَ لّ قال: ((أتعجبون من دقة
ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أُحد)).
وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحاً، فتارةً توزن
الأعمال، وتارةً توزن مَحَالّها، وتارة يوزن فاعلها، والله تعالى أعلم. انتهى
كلام ابن كثير رحمه الله تعالی.

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الوجه الذي ذكره الإمام ابن كثير تَّهُ
في وجه الجمع حسنٌ جدّاً؛ إذ به تجتمع النصوص المذكورة ونحوها، دون
تعارض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ .
(٢) - (بَابُ وَجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٤١] (٢٢٤) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلِ
الْجَحْدَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ
مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ، وَهُوَ
مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَلَا تَدْعُو اللهَ لِي يَا ابْنَ عُمَرَ؟، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلـ
يَقُولُ: ((لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ))، وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الخراسانيّ، نزيل مكة، تقدّم قريباً.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ)(١) فُضيل بن حُسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧]
(ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٥ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) بن أوس بن خالد الذّهْليّ، أبو المغيرة الكوفيّ،
صدوقٌ، مضطرب في عكرمة خاصّةً، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت١٢٣)
(خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
(١) ((الْجَحدريّ)) - بفتح الجيم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الدال ـ: نسبة إلى جدّ له
اسمه جَحْدَر.

٥١
(٢) - بَابُ وَجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ - حديث رقم (٥٤١)
٦ - (مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقاص الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ،
ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، وعليّ، وطلحة، وعكرمة بن أبي جهل، وعديّ بن حاتم،
وابن عمر.
وروى عنه مجاهدٌ، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وسماك بن حرب،
وعبد الملك بن عمير، وعاصم بن بهدلة، والزبير بن عديّ، والحكم بن عتيبة،
وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال: كان ثقةً كثيرَ
الحديث، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال
البخاري في ((التاريخ الصغير)): لم يسمع من عكرمة بن أبي جهل، وقال
البيهقيّ في ((المدخل)): حديثه عن عثمان منقطع، قال الحافظ: ووقفت في
(كتاب المصاحف)) لابن أبي داود على ما يدلّ على صحة سماعه منه. انتهى.
وقال عمرو بن عليّ وغير واحد: مات سنة ثلاث ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثاً.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌ِّ الصحابيّ الشهير تقدم في
((الإيمان)) ١٠٢/١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وأبو كامل، وسماك بن حرب
علّق لهما البخاريّ، وأخرج لهما الباقون.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سماك، عن مصعب.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى
(٢٦٣٠) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص، أنه (قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ
عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿هَا (عَلَى ابْنِ عَامِرٍ) هو: عبد الله بن عامر بن كُرَيز

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
- بالتصغير - ابن رَبِيعة بن حَبيب بن عبد شمس بن عبد مناف الْقُرشيّ الْعَبْشميّ،
ابن خال عثمان رظُه؛ لأنّ أمّ عثمان هي أَرْوَى بنت كُرَيز، واسمُ أم عبد الله بن
عامر: دَجَاجة بنت أسماء بن الصَّلْت السُّلَميّة.
ذكره ابن مَنْدَهْ في ((الصحابة))، وقال: مات النبيّ ◌َّ، وله ثلاث عشرة.
وتعقّبه الحافظ، قال: هو غلط، فقد ذكر عُمَر بن شَبَّة في أخبار البصرة،
أن النبيّ وَّ لَمّا فَتَحَ مكة وَجَد عند عُمير بن قتادة الليثيّ خمس نسوة، فقال:
فارق إحداهنّ، ففارق دَجاجة بنت الصَّلْت، فتزوجها عامر بن كُرَيزِ، فَوَلَدت له
عبد الله، فعلى هذا كان له عند الوفاة النبوية دون السنتين.
وأثبت ابنُ حبان له الرُّؤْيَة، وأورد له ابن مندة حديثاً، من طريق حنظلة بن
قيس، عن عبد الله بن الزبير، وعبدِ الله بن عامر أنّ رسول الله وَّه قال: ((مَن
قُتِل دون ماله، فهو شهيد)).
وذَكَرَ غير واحدٍ أنه أُتِيَ به النبيُّ نََّ لَمّا وُلِد، فقال: ((هذا يُشْبِهُنا))،
وجَعَل يَتْفُل في فيه، ويعود، فَجَعَلَ يتبلع ريق النبيّ وَِّ، فقال النبيّ ◌ِّ: ((إنه
لَمَسْقِيٍّ)»، فكان لا يُعَالج أرضاً إلا ظَهَر له الماء، وهو صاحب نهر ابن عامر،
وكان ابن عامر جواداً، شُجاعاً، ولاه عثمان البصرةَ بعد أبي موسى الأشعريّ
سنة تسع وعشرين، وضمّ إليه فارس بعد عثمان بن أبي العاص، فافْتَتَحَ في
إمارته خُرَاسان كلَّها، وسِجِسْتان، وكِرْمان، حتى بلغ طَرَفَ غَزْنَةَ، وفي إمارته
قُتِلَ يَزْدَجْرِد آخر ملوك الفرس، وأحرم ابن عامر من خُراسان، فَقَدِم على
عثمان رضُّه فلامه، وقال: غَرَّرتَ بنفسك.
وقال البخاريّ في (صحيحه): وكره عثمان أن يُحرم من خُراسان، وکِرْمان.
فذكر الحافظ في ((تغليق التعليق)) أن سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة،
أَخرجا من طريق الحسن، وعبد الرزاق من طريق ابن سيرين جميعاً: أن
عبد الله بن عامر أَحْرَم من خُراسان، فلما قَدِمَ على عثمان لامَهُ فيما صَنَعَ،
وكرهه، زاد ابن سيرين: وقال له: غَرَّرْتَ بنفسك.
وأخرج حديثه البيهقيّ من طريق داود بن أبي هند، لَمّا فَتَحَ خراسان
قال: لأَجْعَلَنّ شُكري أن أُحْرِم من موضعي، فأَحْرَم من نيسابور، فلما قَدِمَ على
عثمان لامه .

٥٣
(٢) - بَابُ وَجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ - حديث رقم (٥٤١)
وقال أبو عمر: قَدِم ابنُ عامر بأموال عظيمة، فَفَرَّقها في قريش
والأنصار، قال: وهو أول مَن اتَّخَذ الحياض بِعَرَفَةَ، وأجرى إلى عرفة العين،
وشَهِدَ الجمل مع عائشة رؤيتها، ثم اعتَزَل الحرب بصفين، ثم ولاه معاوية
البصرة، ثم صرفه بعد ثلاث سنين، فتَحَوَّل إلى المدينة، حتى مات بها سنة
سبع، أو ثمان وخمسين.
وليس له في الكتب الستة رواية، وإنما ذكره الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) للتمييز، ولأن البخاري أشار إلى قصته المذكورة(١)، والله تعالى
أعلم.
(يَعُودُهُ) أي يزوره، قال الفيّوميّ تَخُْهُ: وعُدتُ المريضَ عِيَادةً: زُرْتُهُ،
فالرجلُ عائدٌ، وجمعه عُوّاد، والمرأة عائدةٌ، وجمعها عُوَّدٌّ بغير ألف، قال
الأزهريّ: هكذا كلام العرب. انتهى (٢). وإلى هذا أشار ابن مالك تَخْتُهُ في
(الخلاصة) حيث قال:
وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ
وَذَانٍ فِي الْمُعَلِّ لَاماً نَدَرَا
وِمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا
وجملة ((يعوده)) في محلّ نصب حالٌ من ((عبد الله))، وقوله: (وَهُوَ مَرِيضٌ)
جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير النصب في ((يعوده)) (فَقَالَ) ابن
عامر (أَلَا) أداة تحضيض (تَدْعُو اللهَ لِي يَا ابْنَ عُمَرَ؟) أي بأن يشفيه من مرضه
(قَالَ) عبد الله بن عمر ضيًّا (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿) وفي رواية أبي عوانة
في (مسنده)) من طريق شعبة، عن سماك: ((جعل الناسُ يُثنون على ابن عامر
عند موته، فقال ابن عمر: أما إني لستُ بأغشّهم لك، ولكني سمعت
رسول الله وَل﴿ يقول: ((إن الله لا يقبل صلاةً ... ))، فذكره(٣).
وعند أبي نعيم في ((مستخرجه)): ((قال: دخل ابن عمر على عبد الله بن
عامر يعوده، فجعل الناس يُثنون على ابن عامر، وابن عمر ساكتٌ، فقال ابن
(١) راجع (تهذيب التهذيب)) ٢ / ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٣٦/٢ - ٤٣٧.
(٣) ((مسند أبي عوانة)) ١٩٨/١ رقم (٦٣٥).

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
عامر: يا أبا عبد الرحمن ما يَمنعُك أن تقول؟ قال: إني سمعت
رسول الله وَ﴾ ... ، فذكره.
(يَقُولُ: ((لا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها، وهو قوله: (تُقْبَلُ) بالبناء
للمفعول، ونائب فاعله قوله: (صَلَاةٌ) إنما نكّرها؛ ليعمّ الفرض والنفل، قال
السنديّ: قبول الله تعالى رضاه به، وثوابه عليه، وعدم القبول أن لا يُتيبه عليه.
(١)
انتھی
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير القبول بالرضا تفسير باللازم، وهو غير
صحيح، بل الصواب أن القبول، كالرضا، والمحبّة، وسائر صفات الله تعالى
على ظاهر معناه المعروف من لغة العرب، فهي صفات الله تعالى ثابتة له كما
أثبتتها النصوص الصحيحة، على ما يليق بجلاله رَّت، فتُثبتها له إثباتاً بلا تمثيل،
وتنزيهاً بلا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]،
فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال العلامة ابن الملقّن تَخَّلُهُ: القبول يراد في الشرع: حصول الثواب،
وقد تتخلّف الصحّة عن الثواب، بدليل صحّة صلاة العبد الآبق، ومن أتى
عرّافاً، وشارب الخمر إذا لم يَسكر ما دام في جسده شيء منها، وكذا الصلاة
في الدار المغصوبة على الصحيح عندنا - يعني الشافعيّة -.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: بدليل صحّة صلاة العبد الآبق .. إلخ فيه
نظر لا يخفى، فأين دليل صحّة صلاة هؤلاء؟، وكذا قوله: ((بصحّة الصلاة في
الدار المغصوبة»، فالراجح عندي ما ذهب إليه الإمام أحمد ◌َّهُ من عدم
صحّتها، وقد حقّقت هذا في شرح ((التحفة المرضيّة)) في الأصول، فراجعه
تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: فأما ملازمة القبول للصحّة، ففي قوله وله: ((لا يقبل الله صلاة
حائض إلا بخمار))، صححه الأئمة: ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم.
والمراد بها مَنْ بَلَغت سنّ الحيض، فإنه لا تُقبل صلاتها إلا بسترتها،
ولا تصحّ، ولا تُقبل مع انكشاف عورتها .
(١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٨٨/١.

٥٥
(٢) - بَابُ وَجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ - حديث رقم (٥٤١)
والقبول مفسّر بترتّب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال:
قَبِلَ فلان عذر فلان: إذا رتّب على عذره الغرض المطلوب منه، وهو محو
الجناية والذنب، فقوله وَ﴾: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضّأ)
هو عامّ في عدم القبول من جميع الْمُحْدِثين في جميع أنواع الصلاة.
والمراد بالقبول وقوعُ الصلاة مُجزئةً بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من
القبول الصحّة في الظاهر والباطن، ومتى ترتّب القبول ثبتت الصحّة، ومتى
ثبتت الصحّة ثبت القبول.
ونُقِل عن بعض المتأخّرين أن القبول عبارة عن ترتّب الثواب والدرجات
العلى على العبادة، والإجزاءَ عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما
أخصّ من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخصّ نفي الأعمّ، فالقبول على هذا
التفسير أخصّ من الصحّة، فكلّ مقبول صحيح، ولا عكس، وهذا إن نفع في
نفي القبول مع بقاء الصحّة فيما سَلَف ضرّ في نفي القبول مع نفي الصحّة، كما
هو محكيّ عن الأقدمين، إلا أن يقال: دلّ الدليل على كون القبول من لوازم
الصحّة، فإن انتفى انتفت، فيصحّ الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحّة،
ويُحتاج في نفيه مع بقائها في تلك الأحاديث إلى تأويل، أو تخريج جواب،
ويَرُدّ على من فسّر القبول بكون العبادة مثاباً عليها، أو مرضيّةً، مع أن قواعد
الشرع تقتضي أن العبادة إذا أتى بها مطابقةً للأمر كانت سبباً للثواب في ظواهر
لا تُحصى. انتهى(١).
قال الجامع: قد سبق أن نبّهت أن عدم ثبوت الصحّة مع القبول مما لا
دليل عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(بِغَيْرِ طُهُورٍ) بضمّ الطاء؛ لأن المراد به فعل الطهارة، وأما بفتحها فهو
اسم لما يُتطهّر به من الماء، والتراب، وقيل: بالفتح يُطلق على الفعل والماء،
فيجوز هنا الوجهان، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفَى في المسألة الخامسة من
المسائل المتقدّمة أول ((كتاب الطهارة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
قيل: المعنى: لا تُقبل صلاةٌ بلا ظُهُور، وليس المعنى صلاة ملتبسةً
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢١٦/١ - ٢١٨.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
بشيء مغاير للظُهُور؛ إذ لا بدّ من ملابسة الصلاة بما يُغاير الطهور، بل المراد
ضدّ الطهور؛ حملاً لمطلق المغايرة على الكامل، وهو الحدث(١).
والمراد بالطهور ما هو أعمّ من الوضوء والغسل، قاله في (الفتح))(٢).
(وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ) أي ولا تُقبل صدقة من مالٍ حرام، و((الصدقة)):
هي العطيّة التي يريد صاحبها الثواب من الله تعالى، وهي نكرةٌ في سياق
النفي، فتعمّ الفرض والنفل، والغرض منها طهارة النفس من رَذِيلة البخل
والقسوة، وعودُ البركة على المال، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣](٣) .
و((الْغُلُول)) - بضم الغين المعجمة - مصدر غَلَّ يَغُلّ، من باب قَعَد، وأغلّ
بالألف لغةٌ: إذا خان في المغنم وغيره، وقال ابن السّكّيت: لم نسمع في المغنم
إلا غَلَّ ثلاثِيّاً، وهو متعدّ في الأصل، لكن أُميت مفعوله، فلم يُنطَق به. انتهى(٤) .
وقال بعضهم: ((الغلول)): السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، ويُطلق
أيضاً على أخذ مال الغير خُفْيَةً مُطلقاً، من غنيمة، أو غيرها، والمراد هنا مطلق
المال الحرام، أُخذ خُفيةً أم لا؟، وسُمّ غُلُولاً؛ لأن الأيدي يُجعَل فيها الغلّ
بسببه، و((الغُلُّ)): الحديدة التي تَجمَع يد الأسير إلى عنقه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد أن كلّ مال يأخذه الشخص من غير
حلّه، ثم يتصدّق به لا تُقبل منه تلك الصدقة، ولو نوى التصدّق عن صاحبها،
ولا تسقط عنه تبعته - اللهم إلا إذا رَضي صاحبه، وجعله في حلّ من ذلك(٥).
(وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ) أي كنت والياً عليها، ومعنى كلام ابن عمر ◌َظ ◌ُه
هذا أنك لست بسالم من الغلول، فقد كنتَ والياً على البصرة، وتعَلَّقت بك
تَبِعاتٌ من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد، ولا يُقْبَل الدعاء لمن هذه صفته،
كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلا من مُتَصَوِّن.
(١) راجع ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٨٨/١.
(٢) ((الفتح)) ٢٨٣/١.
(٣) راجع ((المنهل العذب المورود)) ٢٠٧/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٥٢/٢.
(٥) راجع ((شرحي للنسائي)) ٣١٨/٣.

٥٧
(٢) - بَابُ وَجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ - حديث رقم (٥٤١)
قال النوويّ تَخْتُ: والظاهر - والله أعلم - أن ابن عمر ثّا قَصَدَ زجر ابن
عامر، وحَثَّه على التوبة، وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات، ولم يُرِد
القطع حقيقةً بأن الدعاء للفساق لا يَنفع، فلم يزل النبيّ ◌ِّ، والسلف
والخلف، يدعون للكفار، وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة. انتهى (١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ها هذا من أفراد
المصنّف نَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة)) [٥٤١/٢ و٥٤٢] (٢٢٤)،
و(الترمذيّ) في ((الطهارة)) (١)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٢٧٢)، و(أبو داود
الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٨٧٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤/١ - ٥)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩/٢ - ٢٠ و٣٧ و٣٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦٣٥ و٦٣٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٥٣٥ و٥٣٦ و٥٣٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٣٦٦)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٤٢) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عدم قبول الصلاة بلا طهارة.
٢ - (ومنها): وجوب الطهارة للصلاة مطلقاً، فرضاً كانت أو نفلاً، ولا
فرق بين صلاة الجنازة وغيرها؛ خلافاً لما حُكي عن الشعبيّ، والطبري، من
إجازتهما صلاة الجنازة بلا طهارة، وهو مذهب باطلٌ؛ لأحاديث الباب،
وإجماع أهل العلم على خلافه.
وقال الكرمانيّ ◌َّتُهُ: فيه أن الطواف لا يُجزئ بغير ◌ُهُور؛ لأن النبيّ وَّ
سمّاه صلاةً، فقال: ((الطواف صلاة، فأقلّوا فيه من الكلام))(٢)، وتعقّبه العينيّ،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٤/٣.
(٢) حديث صحيح، أخرجه الطبرانيّ من حديث ابن عباس ظُه، وأخرجه ابن خزيمة=

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
وحمل الحديث على التشبيه، وقال: الطواف كالصلاة في الثواب دون الحكم،
ثم قال: ألا ترى أن الانحراف، والمشي في الطواف لا يُفسده. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الكرمانيّ من الاستدلال بهذا
الحديث على وجوب الطهارة للطواف هو الحقّ عندي؛ لوضوحه، وأما ردّ
العينيّ عليه، ففيه نظر لا يخفى؛ إذ لا دليل على حمله على الثواب، بل
الظاهر حمله على الحكم والثواب معاً، بل حمله على الحكم أوضح؛ لقوله:
((إلا أنكم تتكلمون))، فاستثناؤه إباحة الكلام من أحكامه دليل على أنه أراد
الحكم، وأما قوله: ((ألا ترى أن الانحراف .. إلخ))، فليس بشيء؛ لأن
الانحراف والمشي يجوز في الصلاة في بعض حالاتها، مثل حالة الخوف،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أنه يدلّ على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه
اختياراً، أم اضطراراً؛ لعدم تفريقه وَله بين حالة وحالة، وقد حُكي عن مالك،
والشافعيّ في القديم، وغيرهما أنه إذا سبقه الحدث يتوضّأَ، ويَبني على صلاته،
لكن إطلاق الحديث يردّه(١)، فتأمله، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): بطلان الصدقة من الغلول، وعدم قبولها، فإذا بطلت
الصدقة بسبب ما يقارنها من المعاصي بنصّ قوله رَّ: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ
بِأَلْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فلأن تبطل بكونها مالاً حراماً من بابٍ أولى؛ إذ
التصدّق من غُلول يجعل الصدقة عين المعصية؛ لأن الغالّ في دفعه المال
للفقير غاصبٌ معتدٍ بتصرّفه في ملك الغير بغير إذنه، فهو آثم باستيلائه على
المال، وآثم بتصرّفه بالتصدّق؛ لأن الواجب على من أخذ مال غيره بغير إذن
شرعيّ أن يردّه إليه، أو إلى ورثته، ولا يُغني عنه التصدّق به شيئاً، والله تعالى
أعلم.
٥ - (ومنها): تحريم الطاعة بالمال الحرام مطلقاً، وهو كلّ ما أخذ من
= في ((صحيحه)) عن طاوس، عن ابن عباس، رفعه إلى النبيّ وَل ◌ّر بلفظ: ((إن الطواف
بالبيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير)).
(١) راجع ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٢٤/١.

٥٩
(٢) - بَابُ وَجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ - حديث رقم (٥٤١)
غير وجه شرعيّ، قيل: ويدخل فيه صدقة المرأة من مال زوجها بغير رضاه،
وصدقة العبد من مال سیّده بغير إذنه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا فيما إذا كان على وجه الإفساد، بأن كان
كثيراً، لا يُتسامح فيه، أو كان الزوج والسيّد محتاجاً إليه؛ لفقره، ونحوه، وإلا
فلا يحرم؛ لما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة نظرته، مرفوعاً: ((إذا
أنفقت المرأة من بيت زوجها عن غير أمره، فلها نصف أجره)).
وأخرجا أيضاً من حديث عائشة ها، مرفوعاً: ((إذا أنفقت المرأة من
بيت زوجها، غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما
كسب، وللخازن مثل ذلك، لا يَنقُص بعضهم من أجر بعض))، والله تعالى
أعلم.
ويدخل أيضاً صدقة الوكيل من مال موكّله، والشريك من مال شريكه،
والوصيّ الذي وُكِل إليه التصدّق بمال، فأنفقه على نفسه، أو أخرجه في غير
مصرفه، ونُظّار الأوقاف الذين يتناولون من رَيعِها من غير استحقاق، ثم
يتصدّقون بها، أو يَصرِفون ريعها في غير مصرفه.
ومن هذا قالوا: إن من أخذ مال غيره بلا وجه شرعيّ لزمه ردّه لصاحبه
إن كان حيّاً، وإلا ردّه على ورثته، فإن لم يكن له ورثةٌ يتصدّق به عنه، ويُرجَى
له الخلاص يوم القيامة، وكذا إذا لم يَدْرِ صاحبه، أو استولی علیه بعقد فاسد،
ولم يتمكّن من فسخه، فإنه يتصدّق به على الفقراء تخلّصاً من الحرام، لا طمعاً
في الثواب؛ إذ لا ثواب فيه؛ لهذا الحديث، ولقوله رغمت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ
مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧](١) .
٦ - (ومنها): ما قيل: الحكمةُ في جمعه وَّهِ بين الصلاة والصدقة في
هذا الحديث أن العبادة نوعان: بدنيّ، وماليّ، فاختار من البدنيّ الصلاةَ؛
لكونها تالية الإيمان في الكتاب والسنّة، ولكونها عماد الدين، والفارقة بين
الإسلام والكفر، واختار من الماليّ الصدقة؛ لكثرة نفعها، وعموم خيرها،
ولكون كلّ منهما محتاجاً إلى الطهارة، أما الصلاة فلاحتياجها إلى طهارة
(١) راجع ((المنهل العذب المورود)) ٢٠٧/١ - ٢٠٨.

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطّهارة
الثوب والبدن والمكان، وأما الصدقة فلاحتياجها إلى طهارة القلب عن الرياء
ونحوه، والمال عن الغلول ونحوه(١).
٧ - (ومنها): طلب الدعاء من أهل الصلاح والخير؛ إذ لم يُنكر ابن
عمر، ولا غيره في طلب ابن عامر من ابن عمر أن يدعو له، وإنما لم يدع له؛
لما ذكره من الموانع، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): شدّة ابن عمر ﴿ها في الدين، وقيامه بالأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر خير قيام، دون مجاملة، أو مداراة، فقد قام بتخويف ابن
عامر بأن مظالمه التي ارتكبها قد تمنع من قبول الدعاء، والظاهر أنه أراد بذلك
زجره، وحثّه على التوبة منها، والإقلاع عن المخالفات كلها لا إقناطه عن
رحمة الله تعالى.
وقال الأبيّ: لعل مذهب ابن عمر رضيًّا أنه لا يُدعى للمتلبّس بالمخالفة،
وإلا فهو جائز. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قدّمته من أنه أراد الزجر، لا الإقناط، هو
الظاهر؛ لأن فقه ابن عمر رضيؤها، وفهمه يدلّ عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أن فيه إشارة إلى أن تناول الحرام مما يمنع قبول الدعاء،
وهو ما دلّ عليه حديث أبي هريرة ظُه قال: قال رسول الله وَله: ((أيها الناس
إن الله طَيّبٌ، لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين،
٥١
فقال: ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُوْ صَِحًا إِى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
[المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ الآية
[البقرة: ١٧٢]، ثم ذَكَر الرجلَ، يُطيل السفرَ، أشعثَ، أغبرَ، يَمُدّ يديه إلى
السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ
بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟))، أخرجه المصنّف تَذْتُ(٣).
١٠ - (ومنها): تحريم الغلول، وأن ما أُخذ به من المال مال خبيثٌ،
(١) ذكر نحوه في ((المنهل العذب المورود)) ٢٠٩/١.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٨/٢.
(٣) سيأتي للمصنّف ◌َظْلَهُ في ((كتاب الزكاة)) برقم (١٠١٥) - إن شاء الله تعالى -.