النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ مَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ﴾ - حديث رقم (٥٠٧)
التجافي، والتفرّق باليبس استعاروا البلل بمعنى الوصل، واليبس بمعنى
القطيعة.
والمعنى: أصلكم في الدنيا، ولا أُغني عنكم من الله شيئاً. انتهى(١).
وقوله: (بِلَالِهَا) قال في ((القاموس)): بِلالٌ ككتاب: الماء، ويُثُلّث، وكلّ
ما يُبلّ به الحلقُ، وفي ((المجمع)): البِلالُ بكسر الباء، ويُروى بفتحها، قيل:
شَبَّهَ القطيعةَ بالحرارة، تُطفأ بالماء، وفي ((النهاية)): البِلال جمع بَلَلٍ، وقيل:
هو كلّ ما بَلّ الحلق من ماء، أو لبن، أو غيره (٢). انتهى.
وقال النوويّ: ضبطناه بفتح الباء الثانية، وكسرها، وهما وجهان
مشهوران، ذكرهما جماعات من العلماء، قال القاضي عياض: رويناه بكسر
الباء، قال أبو عمرو: يقال: بَلَلتُ رحمي بَلّاً، وبِلالاً، وبَلَلاً، قال الأصمعيّ:
أي وَصَلْتُها، ونَدّيتها بالصلة، وإنما شُبّهت قطيعة الرحم بالحرارة تُطفأ بالْبَرْد،
كما يقال: سقيته شَرْبةً بَرّدت عَطَشه، قال: ورأيت للخطّابيّ أنه ((بَلالها))
بالفتح، كالْمَلال، وقال الهرويّ: الْبِلال جمعُ بَلَل، كجَمَل وجِمَال، وقيل:
معنى هذا ما ورد في مثله من قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
[لقمان: ١٥]. انتهى(٣) .
وقال صاحب ((المطالع)): رويناه بكسر الباء، وفتحها، مِن بلّه يُبُلّه،
والبِلال: الماء.
ومعنى الحديث: سأصلها، شُبّهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها
بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه: ((بُلُّوا أرحامكم)) أي صلوها. انتهى(٤).
[تنبيه]: هذه الرواية تردّ زعم من يزعُم أن المصنّف يذكر في أول الباب
أقوى الروايات فإن الرواية الرابعة أقوى من هذه بكثير، فإن هذه من رواية
عبد الملك بن عمير، وهو متكلّم فيه، بل ضعّفه بعضهم، والظاهر أن
المصنّف نَّتُهُ قدّمها لأجل هذه الزيادة، والله تعالى أعلم.
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٩٨/١١.
(٢) ((النهاية)) ١٥٣/١.
(٤) راجع: ((شرح النوويّ)) ٨٠/٢.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٨٨٢/٢ - ٨٨٣.

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[تنبيه آخر]: قوله: ((غير أن لكم رَحِماً ... إلخ))، هذه الزيادة محلّ
نظر؛ لأنها من رواية عبد الملك بن عمير، وهو وإن وثّقه بعضهم، إلا أنه
ضعّفه أحمد جدّاً، وقال ابن معين: مُخَلِّط، وقال أبو حاتم: لم يوصف
بالحفظ(١)، وقد خالفه معاوية بن إسحاق، فأرسله، فقد رواه النسائيّ من
طريقه، عن موسى بن طلحة، قال: قال رسول الله وَ لجر ... ، ولم يذكر أبا
هريرة رضيه، وقد روى الحديث عن أبي هريرة ر ◌ُه الثقات، كما يأتي بعد
حديثين من رواية ابن المسيّب، وأبي سلمة، كليهما عن أبي هريرة، وليست فيه
هذه الزيادة.
والحاصل أن المصنّف صحح هذه الزيادة، مع ما ذُكر من العلة، وكذا
قال الترمذيّ: حديث حسنٌ غريب من هذه الوجه فليُتأمّل، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُه هذا من طريق موسى بن
طلحة، عنه من أفراد المصنّف نَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٥٠٧/٩٥ و٥٠٨] (٢٠٤)،
و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٨٥)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٣٦١٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٣/٢ و٣٦٩ و٣٦١ و٥١٩)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٦٤٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٦٩ و٢٧٠)، و(أبو نُعيم) في
(مستخرجه)) (٥٠٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائد حديث الباب(٢):
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، وامتثال النبيّ وَّ الأمر،
فبلّغ عشيرته، وأنذرهم.
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٦٢٠/٢ - ٦٢١.
(٢) فيه إشارة إلى أن هذه الفوائد ليست خاصّة بهذه الرواية فقط، وإنما هي لجميع
الروايات في الباب، فتنبّه.

٤٢٣
(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ مَعْلَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾ - حديث رقم (٥٠٧)
٢ - (ومنها): استحباب القيام على شيء عالٍ، أو مرتفع من الأرض؛
لإبلاغ الدعوة إذا كثُر العدد، كما فعل بَِّّ، حيث صَعِد على الصفا؛ لأن فيه
انتشارَ الصوت مع تمكّن السامعين من مشاهدة المتكلّم، وذلك مما يساعد على
استقرار الكلام في النفوس .
٣ - (ومنها): بيان أن الأقرب للرجل من كان يَجمعه هو وجدٌّ أعلى،
وكلُّ من اجتمع معه في جدّ دون ذلك كان أقرب إليه.
٤ - (ومنها): مشروعيّة الْهِتَاف بـ((يا صباحاه)) ونحوها مما اعتاده الناس
لجمعهم، وقد ورد عند الطبريّ أن النبيّ وَّ وَضَعَ أصابعه في أذنه، ورفع
صوته .
٥ - (ومنها): وُضوح بيانه وَله، وقوّة حجته؛ إذ أخذ إقرارهم أوّلاً على
صدقه في مهامّ أمورهم، وأخطرها قبل أن يُخبرهم، ويُنذرهم، فقال لهم:
((أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرُج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ؟)).
٦ - (ومنها): بيان صبره وَ﴿ على أذى قومه، بل على أذى من هو أقرب
الناس إليه، وهو عمه، حيث قال له أبو لهب: ((تبّاً لك ألهذا جمعتنا؟)) بل
رُوي: أنه أخذ بيديه حجراً؛ ليرمي بها رسول الله وَ له قبل قوله: ((تَّاً لك)).
٧ - (ومنها): أن السرّ في تخصيص عشيرته * الأقربين بالإنذار مع
عموم رسالته، دفعُ توهّم المحاباة، وأن الاهتمام بشأنهم أهمّ، وأن البداءة
تکون بمن یلي، ثم بمن بعده، وهكذا.
وقال في ((الفتح)): والسرّ في الأمر بإنذار الأقربين أوّلاً أن الحجة إذا
قامت عليهم تعدّت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علّة للأبعدين في الامتناع، وأن لا
يأخذه ما يأخذ القريب للقريب، من العطف، والرأفة، فَيُحابيهم في الدعوة
والتخويف، فلذلك نصّ له على إنذارهم.
٨ - (منها): أن إفراده - ﴿ فاطمة، وصفيّة، وعبّاساً ﴿ه في الروايات
الآتية؛ لشدّة قرابتهم، وشدّة صلته بهم من بين قراباته، وفاطمة يؤيّا كانت
أصغر أولاده وَّ، وللصغير زيادة محبّة، فإذا انتفى نفعه لمن يُحب من أقاربه،
ومن يحرص على نفعه انتفى عن غيره من باب أولى.
٩ - (ومنها): ما استنبطه الإمام النسائيّ كَّلُهُ، وترجمه عليه، فقال:

٤٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
((بابٌ إذا أوصى لعشيرته الأقربين))، وبيان ذلك أنه إذا أوصى لأقارب فلان،
(19) عمّم
يعمّ القبيلة كلها؛ لأنه وَ ل﴿ لَمّا قيل له: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ الْأَقْرَبِنَ
قبيلته كلّها .
١٠ - (ومنها): أنه استدلّ بعض المالكيّة بقوله: ((يا فاطمة بنت محمد،
سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنكِ من الله شيئاً))، أن النيابة لا تدخل في
أعمال البرّ، إذ لو جاز ذلك لكان يتحمّل عنها وَله بما يخلّصها، فإذا كان عمله
لا ينفع نيابةً عن ابنته، فغيره أولى بالمنع.
وتُعُقّب بأن هذا كان قبل أن يُعلمه الله وَلقول بأنه يَشفَع فيمن أراد، وتُقبل
شفاعته، حتى يُدخل قوماً بغير حساب، ويَرفَع درجات قوم، ويُخرِج من النار
من دخلها بذنوبه، أو كان المقام مقام التخويف والتحذير.
أو أنه أراد المبالغة في الحضّ على العمل، ويكون في قوله: ((لا أغني
شيئاً)) إضمار إلا إن أذن الله لي بالشفاعة. قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا التعقّب نظرٌ لا يخفى؛ لأن
الشفاعة المذكورة ليست ملكاً للنبيّ وَلفي، ولذلك احتاج إلى الاستئذان فيها،
وهي محدودة فيمن يأمره الله تعالى بأن يشفع فيهم، لا في جميع أمته، كما
تقدم في قوله وَالر: ((فيحُدّ لي حدّاً، فأخرجهم من النار، فأُدخلهم الجنة)).
والحاصل أن شفاعته ﴿ ثابتة دون شكّ، إلا أنها ملك الله لل، كما
قال ◌َالَ: ﴿قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، فتبيّن أن قولهِ وَلِّ هنا: ((لا
أملك لكم من الله شيئاً)) على ظاهره، ففيه الحثّ على التمسّك بأسباب الشفاعة
حتى يدخلوا في شفاعته وَل ؛ لأنه لا تكون إلا لمن رضي الله عنه، كما قال قال:
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
١١ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض رَّتُهُ: قد استُدِلّ بالحديث وبسورة
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] على جواز تكنية الكافر، وقد اختَلَف العلماء
في ذلك، واختلفت الرواية عن مالك في جواز تكنية الكافر بالجواز والكراهة،
وقال بعضهم: إنما يجوز من ذلك ما كان على جهة التألّف، وإلا فلا؛ إذ في
(١) ((فتح)) ٩/ ٤٥١ ((تفسير سورة الشعراء)).

٤٢٥
(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ وَالَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقَْنَ﴾ - حديث رقم (٥٠٨)
التكنية تعظيم وتكبير، وأما تكنية الله تعالى لأبي لهب، فليست من هذا، ولا
حجة فيه؛ لأن ترك اسمه لقبحه؛ إذْ كان اسمه عبد العزى، وهذه تسمية باطلة،
فلهذا كُنِي عنه، وقيل: لأنه إنما كان يُعْرَف بها، وقيل: إن أبا لهب لَقَبٌّ،
وليس بكنية، وكنيته أبو عُثْبَة، وقيل: إنما ذُكر بكنيته؛ للإشارة إلى ما يؤول إليه
أمره من لَهَب جهنّم، وذهب بعضهم إلى أن الكنية لا تدلّ بمجرّدها على
التعظيم، بل قد يكون الاسم أشرف من الكنية، ولهذا ذكر الله تعالى الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم دون كناهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٠٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا (١) عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ،
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَحَدِيثُ جَرِيرٍ أَتَمُّ وَأَشْبَعُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧٥/٦.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، مشهور
بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
وعبد الملك سبق في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي الإسناد الماضي، وهو عن عبد الملك بن
عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة رقڅبه.
وقوله: (وَحَدِيثُ جَرِيٍ أَتَمُّ وَأَشْبَعُ) يعني أن متن حديث جرير بن
عبد الحميد الماضي أتمّ، وأشبع من متن حديث أبي عوانة.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة هذه التي أحالها المصنّف تَخْذَثُ على رواية
جرير، أخرجها الحافظ أبو عوانة تَخّْتُهُ في ((مسنده)) (٨٨/١)، فقال:
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

٤٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(٢٦٨) حدثنا محمد بن يحيى، وإبراهيم بن مرزوق، وأبو أمية، قالوا:
ثنا أبو الوليد (ح)، وحدثنا الزعفرانيّ، قال: ثنا عَفّان، قالا: ثنا أبو عوانة،
عن عبد الملك بن عُمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، قال: لَمّا
نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرَبِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قام رسول الله وَّل،
فنادى: ((يا بَنِي كعب بن لُؤَيّ أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف،
أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني
عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من
النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رَحِماً سَأَبُلُّها ببلالها)»،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٥٠٩] (٢٠٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِبٌ،
وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا
(﴿4﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قَامَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَلَى
نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرِنَ
الصَّفَا، فَقَالَ: ((يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفي الحافظ تقدّم قريباً.
٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفي الحافظ، تقدّم قبل
بابین.
٣ - (يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ) بن واصل الشيبانيّ، أبو بكر، ويقال: أبو بُكَير
الْجَمّال الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٩].
رَوَى عن خالد بن دينار السَّعْديّ، وخالد بن دينار النِّيليّ، وطلحة بن
يحيى بن طلحة، وأسباط بن نصر، وهشام بن عروة، ومحمد بن إسحاق،
وعمر بن ذَرّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عبد الله، ويحيى بن معين، وسعيد بن سليمان، وأبو

٤٢٧
(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ وَالَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾ - حديث رقم (٥٠٩)
خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وعبيد بن يعيش،
وأبو كريب، وغيرهم.
قال مضر بن محمد، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين:
كان صدوقاً، وقال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: ثقةٌ، قال عثمان: يخالف
في يونس، وقال عثمان أيضاً: لا بأس به، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن
معين: كان ثقةً صدوقاً، إلا أنه كان مع جعفر بن يحيى، وكانٍ موسراً، فقال له
رجل: إنهم يرمونه بالزندقة، فقال: كَذَبَ، ثم قال يحيى: رأيت ابنيْ أبي شيبة
أتياه، فأقصاهما، وسألاه كتاباً، فلم يُعطهما، فذهبا يتكلمان فيه، قال يحيى بن
معين: قد كتبت عنه، وقال أبو خيثمة: قد كتبت عنه، وقال العجليّ: بَكْر بن
يونس بن بُكير لا بأس به، كان أبوه على مظالم جعفر، وبعض الناس
يضعّفونهما، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة، أيُّ شيء يُنْكَر عليه؟ قال:
أما في الحديث فلا أعلمه، وسئل عنه أبي، فقال: محله الصدق، وقال
الآجريّ، عن أبي داود: ليس هو عندي بحجة، كان يأخذ كلام ابن إسحاق،
فيوصله بالأحاديث، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال مرةً: ضعيف، وقال
إبراهيم بن داود: سألتُ محمد بن عبد الله بن نمير عنه، فقال: ثقةٌ رَضِيٍّ،
وقال عُبيد بن يَعِيش: ثنا يونس بن بُكير، وكان ثقةً، وقال ابن عمار: هو اليوم
ثقة عند أصحاب الحديث، وقال الْجُوزَجانيّ: ينبغي أن يُتَثَبَّتَ في أمره، وقال
الساجيّ: كان ابن المدينيّ لا يُحَدِّث عنه، وهو عندهم من أهل الصدق، وقال
أحمد بن حنبل: ما كان أزهد الناسَ فيه، وأنفَرَهم عنه، وقد كتبت عنه، قال
الساجيّ: وحدثني أحمد بن محمد - يعني ابن مُحْرِز - قال: قلت ليحيى
الْحِمَّانيّ: ألا تروي عن يونس بن بكير؟ قال: لم يكن ظاهراً، قال رجاء لابن
أبي شيبة: ألا تروي عنه؟ قال: كان فيه لِينٌ، قال الساجيّ: وكان صدوقاً، إلا
أنه كان يَتْبَع السلطان، وكان مرجئاً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال مُطَيَّن وغيره: مات سنة تسع وتسعين ومائة.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، أخرج له هذا الحديث،
مقروناً بوكيع، وليس له عنده غيره، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه.
٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس

٤٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[٥] (ت٥ أو١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٥٠.
٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن الْعَوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت٩٤) على الأصحّ (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين، الصدّيقة بنت الصدّيق ظيًّا تقدمت في
((شرح المقدمة)) ج١ ص٣١٥، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بُكير، كما مرّ آنفاً.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن عائشة ؤها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)
أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِؤُنا أنها (قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ الْأَقْرِينَ
(٢٤)
[الشعراء: ٢١٤]، قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى الصَّفَا) بفتح الصاد المهملة، مقصوراً،
هو في الأصل: الحجارة، ويقال: الحجارة الْمُلْسُ، والواحدة صَفَاةٌ، والمراد
هنا: الموضع المعروف بمكة، وهو مبدأ السعي، ويجوز تذكيره باعتبار
المكان، وتأنيثه باعتبار البقعة، قاله الفيّوميّ ◌َظُّهُ(١).
. (فَقَالَ) ◌ِ ((يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) قال النوويّ تَخْلُ: يجوز نصب ((فاطمة))، و((صفية))، و((عباس))،
وضمّهم، والنصب أفصح وأشهر، وأما ((بنت))، و((ابن)) فمنصوبان لا غير؛
لأنهما مضافان تابعان للمنادى، وهذا وإن كان ظاهراً معروفاً، فلا بأس بالتنبيه
عليه لمن لا يحفظه، وإفراده وَير هؤلاء؛ لشدة قرابتهم. انتهى بزيادة(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى: وإلى ما ذكره النوويّ تَُّ من نصبٍ وضمِّ
(١) ((المصباح المنير)) ٣٤٤/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٨٠/٣ - ٨١.

(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ مَ﴿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِينَ﴾ - حديث رقم (٥٠٩)
٤٢٩
فاطمةَ، وما بعدها، أشار ابن مالك تَخّْتُهُ في ((الخلاصة))، حيث قال:
وَنَحْوَ ((زَيْدٍ) ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ نَحْوِ ((أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ))
أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنَ عَلَمَا
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((يا صفيّةُ عمّةَ رسول الله وَلَ))،
فعليه يجب ضمّ ((صفيّة))؛ لكونه علماً مفرداً، وأما ((عمّةَ)) فمنصوب لا غير،
وقد أشار إلى ذلك ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال:
تَابِعَ ذِي الضَّمِّ الْمُضَافَ دُونَ ((أَنْ)) أَلْزِمْهُ نَصْباً كَـ(أَزَيْدُ ذَا الْحِيَلْ))
فما وقع في ((الفتح)) ٤٥٢/٩ من قوله: ((ويجوز في )) صفيّة)) الرفع
والنصب))(١)، فليس بصواب، وإنما اشتبه عليه هذا بقوله: ((يا فاطمة بنت
محمد (وَ﴾))، فإنه هو الذي يجوز فيه ما ذُكِر، كما أسلفناه آنفاً، فتبصّر، وراجع
شروح ((الخلاصة)) وحواشيها في ((باب النداء))(٢)، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئاً، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ))) أي فإني أُعطيكم
ما أقدر عليه مما تسألون، ولكن لا تسألوني دفاعاً عنكم من عذاب الله تعالى،
إن لم تُسلموا، وتفعلوا الخير، فإني لا أستطيع أن أنفعكم في ذلك.
وقال الطيبيّ نَّثُ: قوله: ((من مالي))، أرى أنه ليس من المال المعروف
في شيء، إنما عبّر به عما يملكه من الأمر، ويَنْفُذ تصرّفه فيه، ولم يثبت عندنا
أنه وَ لّ كان ذا مالٍ، لا سيّما بمكة.
ويَحْتَمِل أن الكلمتين أعني: ((مِنْ))، و((ما)) وقع الفصل فيهما من بعض من
لم يُحقّقه من الرواة، فکتبهما منفصلتين. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الطيبيّ ◌َظُبته، وإن كان وجهاً لا
بأس به، إلا أنه لا يبعُدُ حمله على المال المعروف؛ لأن المال غادٍ ورائح،
يحصل تارةً، ولا يحصل أخرى، فقوله: ((سلوني ... إلخ)) أي ليُعطيهم ما حَصَل
لديه، ويَعِدَهم فيما يُستَقبل إذا لم يكن عنده، كما فُسِّر بذلك قوله رَّ: ﴿وَإِنَّا
[الإسراء: ٢٨]، قال
تُعْرِضَنَ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا
(١) ((فتح)) ٩/ ٤٥٢ ((تفسير سورة الشعراء)).
(٢) راجع: ((شرح ابن عقيل)) مع ((حاشية الخضريّ)) ١١٩/٢ - ١٢٢.

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الحافظ ابن كثير تَّتُهُ: أي إذا سألك أقاربك، ومن أمرناك بإعطائهم، وليس
عندك شيء، وأعرضت عنهم لفقد النفقة، ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ أي عِدْهم
وعداً بسهولة ولِين، إذا جاء رزق الله، فسنصِلُكُم، إن شاء الله. هكذا فَسَّرَ قولَهُ
تعالى: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ بالوعد مجاهدٌ، وعكرمةُ، وسعيد بن جبير،
والحسن، وقتادة، وغير واحد. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخرجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٥٠٩/٩٥] (٢٠٥)، و(الترمذيّ) في
((الزهد)) (٢٣١٠)، و((التفسير)) (٣١٨٤)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٣٦٧٥)،
وفي ((الكبرى)) (٦٤٧٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٥٢٣ و٢٥٠٠٨)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢٧٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٠٥)، وفوائده
تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥١٠] (٢٠٦) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ (٢) ﴿وَأَنْذِرْ
[الشعراء: ٢١٤]: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ،
٢١٤
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِنَ
لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا
عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ لَا
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٨/ ٤٧٥ - ٤٧٦.
(٢) وفي نسخة: ((حين أنزل الله عليه)).

٤٣١
(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ وَالَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرِينَ﴾ - حديث رقم (٥١١)
أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللّهِ شَيْئاً، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ(١)، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي
عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئاً)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد المخزوميّ المدنيّ، أحد العلماء الأثبات،
والفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
والباقون تقدّموا قبل بابين، وكذا شرح الحديث، تقدّم قبل حديثين.
وقوله: (سَلِينِي بِمَا شِئْتِ) في الرواية السابقة عدّاه بنفسه، فقال: ((سلوني
ما شئتم))، وعدّاه هنا بالباء؛ لأن ((سأل)) يتعدّى بنفسه، وبـ((عن))، وبالباء، قال
المجد تَخْشُهُ: سأله كذا، وعن كذا، وبكذا بمعْنَى. انتهى (٢). ووقع في بعض
النسخ: ((سليني ما شئت))، بحذفها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة وظبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٥١٠/٩٥ و٥١١] (٢٠٦)،
و(البخاريّ) في ((الوصايا)) (٢٧٥٣)، و(المناقب) (٣٥٢٧)، و((التفسير)) (٤٧٧١)،
و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٨٥)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٣٦٧٣)، و(أحمد)
في («مسنده)) (٣٥٠/٢ و٣٩٨)، و(الدارميّ) في («مسنده)) (٢٧٣٥)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٢٧٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٠٦)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥١١] (.) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا
(١) وفي نسخة: ((يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئتِ)).
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ٩١١.

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ نَحْوَ
هَذَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّقِدُ) هو: عمرو بن محمد البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو) بن الْمُهَلَّب بن عمرو بن شَبيب الأزديّ الْمَعْنيُّ -
بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر النون - أبو عمرو البغداديّ، ويُعرَف
بابن الْكِرْمانيّ، ثقةٌ، من صغار [٩].
رَوَى عن زائدة بن قُدامة، والمسعوديّ، وجرير بن حازم، وزهير بن
معاوية، وأبي إسحاق الْفَزَارِيّ، وإسرائيل، وفضيل بن مرزوق، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، وَرَوَى هو والباقون له بواسطة عبد الله بن محمد
الْمُسْنَديّ، وأحمد بن أبي رجاء الْهَرَويّ، ومحمد بن عبد الرحيم البزار،
ومحمد بن حاتم بن ميمون، وعمرو الناقد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة
زهیر بن حرب، وغيرهم.
قال حنبل، عن أحمد: صدوق ثقةٌ، وقال مهنا بن يحيى: سألت أبا
عبد الله، عن خَلَف بن تميم، قلت له: كان مثل معاوية بن عَمْرو؟ قال: لا،
فإنه أتقن في الحديث منه، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: كان شجاعاً، وكان
يقال له: ابن الْكِرْمانيّ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، في جمادى الأولى، وقيل: سنة أربع
عشرة، وفيها أَرّخّه ابن سعد في ((الصغير))، وقال في ((الطبقات الكبرى)): رَوَى
عن زائدة مصنفاته، وعن أبي إسحاق الفزاري كتاب السير، ونزل بغداد، وتُوُفي
بها سنة خمس عشرة، أو أربع عشرة، وقال أبو غالب، علي بن أحمد بن
النضر: مات جدي معاوية بن عمرو سنة أربع عشرة ومائتين، وكان مولده سنة
ثماني وعشرين ومائة، وكان أسنّ من وكيع بسنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا
(٢٠٦)، وحديث (٣١٦): ((اغتَسَلَ من الجنابة ... ))، و(٣٦٠): ((إن شئتَ

٤٣٣
(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ مَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرِينَ﴾ - حديث رقم (٥١٢)
فتوضّأ ... ))، و(٩٢٠): ((إن الروح إذا قُبض تبعه البصر ... ))، و(٢٥٤٩):
((أحيٍّ والداك؟ قال: نعم ... )).
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ ذَكْوَانَ) هو: أبو الزناد القرشيّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥]
(ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٥ - (الْأَعْرَجُ) هو: عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيةٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
وقوله: (نحو هذا) أي نحو حديث ابن المسيِّب، وأبي سلمة، عن أبي
هريرة
[تنبيه]: رواية الأعرج هذه التي أحالها المصنّف تَّتُهُ على رواية ابن
المسيِّب، وأبي سلمة، أخرجها الحافظ أبو عوانة تَُّهُ في ((مسنده)) (٩٠/١)،
فقال :
(٢٧٤) حدثنا محمد بن حيويه بن موسى، قال: أنبا أبو اليمان، قال:
أنبا شعيب، قال: حدثني أبو الزناد (ح)، وحدثنا محمد بن كثير، قال: ثنا
إسماعيل بن أبي كَرِيمة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم،
عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن ذکوان (ح) وحدثنا طاهر بن خالد بن نزار،
قال: ثنا أبي، قال: ثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن موسى بن عقبة، عن أبي
الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَاليه:
((يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب، اشتروا
أنفسكم من الله، يا أم الزبير، يا عمة النبي وَله، يا فاطمة بنت رسول الله وَله
اشتَرِيَا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئاً، سلاني من مالي ما
شئتما)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥١٢] (٢٠٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع،
حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقٍ، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَّاً:

٤٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[الشعراء: ٢١٤] قَالَ: انْطَلَقَ
لَمَّا نَزَلَتْ(١) ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ الْأَقْرَبِنَ
نَبِيُّ اللهِ وَّهِ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ، فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَراً، ثُمَّ نَادَى: ((يَا بَنِي
عَبْدِ مَنَافَاهْ، إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ
أَهْلَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاهْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ
حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ [٨]
(ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٣ - (التَّيْمِيُّ) هو: سليمان بن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ
[٤] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) هو: عبد الرحمن بن مِلّ بن عمرو النَّهْديّ، أبو عثمان
الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ مخضرمٌ، من كبار [٢] (ت٩٥) أو بعدها،
وهو ابن (١٣٠) أو أكثر (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٥ - (قَبِيصَةُ بْنُ الْمُخَارِقِ) - بضمّ الميم، وتخفيف المعجمة - بن
عبد الله بن شَدّاد بن معاوية بن أبي رَبِيعة بن نَهِيك بن هلال بن عامر بن
صعصعة الهلاليّ البصريّ، وَفَدَ على النبيّ وََّ، ورَوَى عنه، ورَوَى عنه ابنه
قَطَن، وكِنَانة بن نُعَيم، وهلال بن عامر البصريّ، وأبو عثمان النَّهْديّ، وأبو
قِلابة الْجَرْميّ، وكنيته أبو بِشْر فيما ذكر ابن عبد البرّ، وقال البخاريّ: له
صحبةٌ، ويقال له: الْعِجْليّ، وقال ابن أبي حاتم: بصريّ من قيس عَيْلان، له
صحبة، وقال ابن حبّان: له صحبةٌ، سكن البصرة، وقال خليفة في ((الطبقات)):
كانت له دار بالبصرة، وقال ابن الكلبيّ: كان قَطَنُ بن قَبِيصة شَرِيفاً، وقد وَلِيَ
سِجِسْتان(٢).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا
(١) وفي نسخة: ((لَمّا أنزلت)).
(٢) ((الإصابة)) ٣١٢/٥ - ٣١٣.

(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ فَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِنَ﴾ - حديث رقم (٥١٢)
٤٣٥
الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٠٧)، وحديث (١٠٤٤): ((إن المسألة لا تحلّ إلا
لأحد ثلاثة ... )).
٦ - (زُهَيْرُ بْنُ عَمْرٍو) الهلاليّ، رَوَى عن النبيّ ◌ََّ هذا الحديث فقط،
ورَوَى عنه أبو عثمان النَّهَديّ، مقروناً بقبيصة بن المخارق، قال الأزديّ: تفرَّد
عنه أبو عثمان، وقال العسكريّ: نزل البصرة، له بها دارٌ، وقال البغويّ: لا
أعلم له إلا حديث الإنذار، ونقل ابن السكن عن البخاريّ أنه لم يُصَحِّح
صحبته؛ لأنه لم یذکر السماع. انتهى.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث،
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَُّ .
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، عن صحابيين.
٤ - (ومنها): أن صحابيَّيْه من المقلّين في الرواية، فأما زهير، فليس له
إلا هذا الحديث فقط عند المصنّف، والنسائيّ في ((الكبرى))(١)، وأما قَبِيصة،
فله نحو خمسة أحاديث فقط، وليس له في البخاريّ وابن ماجه شيء (٢)، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرِو) ◌ِّ أنهما (قَالَا: لَمَّا نَزَلَتْ(٣)
[الشعراء: ٢١٤] قَالَ)، قال النوويّ دَّتُهُ: معناه:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِنَ
قالا؛ لأن المراد أن قبيصة وزهيراً قالا، ولكن لما كانا متفقين، وهما كالرجل
الواحد أفرد فعلهما، ولو حَذَفَ لفظة ((قال)) كان الكلام واضحاً منتظماً، ولكن
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ١٣١/٣ - ١٣٢.
(٢) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٥١٢/٧ - ٥١٤.
(٣) وفي نسخة: ((لَمّا أنزلت)).

٤٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لما حَصَلَ في الكلام بعض الطول حَسُنَ إعادة ((قال))؛ للتأكيد، ومثله في القرآن
(٣٥)﴾ [المؤمنون:
العزيز: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِثُمْ وَكُنْتُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ
٣٥]، فأعاد: ﴿أَنَّكُمْ﴾، وله نظائر كثيرة في القرآن العزيز والحديث، وقد تَقَدَّم
بيانه في مواضع من هذا الكتاب. انتهى كلامه نَّتُهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله
تعالى أعلم.
(انْطَلَقَ) أي ذهب (نَبِيُّ اللهِنَّهِ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ) ((الرَّضْمَةُ)) بفتح
الراء، وإسكان الضاد المعجمة، وبفتحها، لغتان، حكاهماً صاحب ((المطالع))
وغيره، واقتصر صاحب ((العين))، والجوهريّ، والْهَرَويّ، وغيرهم على
الإسكان، وابنُ فارس، وبعضُهم على الفتح، قالوا: ((الرَّضْمَة)): واحدة
الرَّضْم، والرِّضَام، وهي: صخورٌ عِظامٌ، بعضها فوق بعض، وقيل: هي دون
الْهِضَاب، وقال صاحب ((العين)): الرَّضْمَةُ: حِجارة مجتمعةٌ، ليست بثابتة في
الأرض، كأنها منثورة. انتهى(١).
وقال المازريّ: الرَّضْمةُ: هي صُخُور بعضها على بعض، يقال: بَنَّى داره
يَرْضِمُ فيه الحجارةَ رَضْماً، ومنه الحديث: ((وكان البناءُ الأول من الكعبة
رَضْماً))(٢). انتهى(٣).
(فَعَلَا أَعْلَاهَا) أي صَعِدَ وَلَّ أعلى تلك الرضمة (حَجَراً) منصوب على
التمييز المحوّل من الفاعل، كما قال في ((الخلاصة)):
وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصِبَنْ بِ (أَفْعَلَا)) مُفَضِّلاً كَـ((أَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلَا))
ويَحْتَمل أن يكون ((حجراً)) مفعولاً به لـ ((علا))، و(«أعلاها)) حال منه،
وأصله صفة، فلما قُدّم أُعرب حالاً؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّمت
تُعرَب حالاً، والوجه الأول أولى، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ نَادَى: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهْ) هذا هو المسمَّى عند النحاة بالندبة، وهو
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٢/٣.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنّفه)) ١٠٢/٥ ضمن حديث طويل، وأحمد ٤٥٥/٥
مختصراً، وحسّن إسناده بعضهم.
(٣) راجع: ((إكمال المعلم)) ٢/ ٨٨٣.

٤٣٧
(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ مَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَفْرَينَ﴾ - حديث رقم (٥١٢)
نوع من النداء يزيد عليه بكون المنادى فيه متفجّعاً عليه، كـ ((وازيداه))، أو
متوجَّعاً منه، كـ ((وا ظهراه))، وتلحق آخره ألف الندبة، ويجوز إلحاق هاء
السكت، للوقف، قال في ((الخلاصة)):
وَوَاقِفاً زِدْ هَاءَ سَكْتٍ إِنْ تُرِدْ
وَإِنْ تَشَأُ فَالْمَدُّ وَالْهَا لَا تَزِدْ
(إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلِ رَأَى الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ)
بفتح الياء، وإسكان الراء، وبعدها باء موحدة، ثم همزة، على وزن ((يَقْرَأُ))
ومعناه: يحفظهم، ويَتَطَلَّع لهم، ويقال لفاعل ذلك: رَبِيئَة، وهو العين،
والطَّلِيعة الذي يَنظُر للقوم؛ لئلا يَذْهَمهم العدوّ، ولا يكون في الغالب إلا على
جبلٍ، أو شَرَفٍ، أو شيءٍ مرتفع؛ لينظر إلى أبْعَدَ، قاله النوويّ رَّتُهُ. انتهى.
وقال المازريّ تَخْذَتُهُ: ((الرَّبِيئة)): الطّلِيعةُ والعينُ، وأنشد أبو عمرو:
فَأَرْسَلْنَا أَبَا عَمْرٍ رَبِيئاً
وقال القاضي عياض تَخْتُ: هكذا الرواية الصحيحة، كما ضبطه، وفَسَّره
المازريّ، وكذا كان عند شيخنا الْخُشَنيّ، وكان عند الْعُذريّ وغيره من الرواة:
(يَرْتَأُ))، ولا وجه له هنا. انتهى كلام القاضي كَذَفُهُ(١).
وقال في ((القاموس)): رَبَأَهم، ولهم، كمَنَعَ: صار ربيئةً لهم، أي طَلِيعةً،
وعلا، وارتفع، ورَفَعَ، وأصلح، وأذهب، وجَمَعَ من كلّ طعام، وتثاقل في
مِشْيته، وأشرف، کارْتَباً. انتهى(٢) .
(فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ) أي أن يسبق الأعداء ذلك الرجل (فَجَعَلَ) أي أخذ،
وشرع (يَهْتِفُ) - بفتح الياء، وكسر التاء - ومعناه: يَصِيحِ، ويَصْرُخ، وقوله: (بَا
صباحاه))، مقول لقول مقدّر منصوب على الحال، أي حال كونه قائلاً : يا صباحاه،
كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم، فيقولونها؛ ليجتمعوا، ويتأهّبوا له(٣).
وهي مضافة إلى ياء المتكلّم، فأصلها: يا صباحي، فقلبت الياء ألفاً في
النداء، أو حُذفت من أجل ألف الندبة، والهاء للسكت، كما تقدّم في ((يا
عبد منافاه)).
(١) ((إكمال المعلم)) ٨٨٣/٢ - ٨٨٤.
(٣) راجع: ((شرح النوويّ)) ٨٢/٣.
(٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ص ٤٠.

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال ابن الأثير تَخْذُ: هذه كلمةٌ يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا
للغارة؛ لأنهم أكثرَ ما يُغيرون عند الصباح، ويُسمُّون يوم الغارةِ يوم الصباح،
فكأن القائل: يا صباحاه يقول: قد غَشِيَنا العدوّ، وقيل: إن المتقاتلين كانوا إذا
جاء الليل يرجعون عن القتال، فإذا عاد النهار عاودوه، فكأنه يريد بقوله: يا
صباحاه: قد جاء وقت الصباح، فتأهّبوا للقتال. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث قَبِيصة بن الْمُخارق، وزُهير بن عمرو ◌ِّ هذا
من أفراد المصنّف تَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٥١٢/٩٥ و٥١٣] (٢٠٧)،
و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٧٩ و٩٨١ و٩٨٢)، و((التفسير))
(١١٣٧٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦٠/٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٦٥ و
٢٦٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٠٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥١٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ،
حَدَّثَنَا (٢) أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ زُهَيْرٍ بْنِ عَمْرٍو، وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَلـ
بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ البصريّ، تقدّم قريباً.
والباقون تقدّموا في السند السابق، وأبو المعتمر هو سليمان بن طَرْخان.
(١) ((النهاية)) ٦/٣ - ٧.
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٤٣٩
(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ وَعْلَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ﴾ - حديث رقم (٥١٤)
وقوله: (بِنَحْوِهِ) يعني أن رواية المعتمر عن أبيه، نحو رواية يزيد بن
زُریع، عنه.
[تنبيه]: رواية المعتمر هذه التي أحالها المصنّف على رواية يزيد بن
زُريع، أخرجها أبو نُعيم تَخْذَتُ في ((مستخرجه)) (٢٧٧/١)، فقال:
(٥٠٨) وحدثنا أبو محمد بن حبان، ثنا ابن أبي عاصم، ثنا عبيد الله بن
معاذ، ثنا المعتمر بن سليمان، ثنا أبي، ثنا أبو عثمان النَّهْديّ، عن زُهير بن
٢١٤
عمرو، وقَبِيصة بن الْمُخَارق، قال: لَمّا نَزَلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ
[الشعراء: ٢١٤] انطَلَق نبي الله وَّ إلى رَضْمَةٍ من جَبَل على أعلاها حجر، فَجَعَل
ينادي: ((يا بني عبد مناف، إنما أنا نذيرٌ، إنما مَثَلِي ومَثَلُكم، كرَجُل رأى
العدوّ، فذَهَب يَرْبَأُ (١) على أهله، فَخَشِي أن يُسْبَقَ، فجَعَل ينادي، أو يَهْتِف: یا
صباحاه)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥١٤] (٢٠٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا
[الشعراء: ٢١٤]، وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ
٢١٤
نَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ الْأَقْرِينَ
الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: ((يَا صَبَاحَاْ))،
فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي فُلَانٍ،
يَا بَنِي فُلانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ))، فَاجْتَمَعُوا
إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ
مُصَدِّقِيَّ؟) قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِباً، قَالَ: ((فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ
شَدِيدٍ))، قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبِ: تَبَأَّ لَكَ، أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ، فَزَلَتْ هَذِهِ
السُّورَةُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ﴾، كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ).
(١) وقع في الأصل: ((يربؤ)) والظاهر أنه تصحيف، والله تعالى أعلم.

٤٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (الْأَعْمَشرُ) سليمان بن مِهْرَان الإمام المشهور، تقدّم قريباً.
٤ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ الْمُراديّ، أبو عبد الله
الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، لا يُدلِّسُ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت١١٨) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٤٥٢/٨٥.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
[٣] (ت٩٥) ولم يكمل الخمسين من عمره (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله الحبر البحر ◌َّا (ت٦٨) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رَّلهُ.
٢ - (ومنها): أنّ رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب
السّة بلا واسطة.
لضرِعَبْه،
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، سوى الصحابيّ
فمدنيّ، ثم بصريّ، ثم مكيّ، ثم طائفيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض:
الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، ورواية الأولين من رواية
الأقران؛ لأن كلّاً منهما من الطبقة الخامسة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ظُله أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين
السبعة، روى (١٦٩٦) حديثاً، وأحد المشهورين بالفتوى، وكان يلقّب بالحبر،
والبحر؛ لسعة علمه، وهو آخر من مات بالطائف من الصحابة رضيه، مات سنة
(٦٨)، والله تعالى أعلم.