النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(٩٣) - بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ نَّهِ لِأُمَّتِهِ، وَبُكَائِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ - حديث رقم (٥٠٥)
رَوَى عن عبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن جُبير المصريّ، وسعيد بن
المسيب، والزهريّ، وأبي فِرَاس مولى عمرو بن العاص، وأبي سلمة بن
عبد الرحمن، وغيرهم.
وروى عنه جعفر بن ربيعة، والليث، وابن لَهِيعة، وعمرو بن الحارث،
وغيرهم.
قال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به،
وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً إن شاء الله، تُؤُفّي في خلافة
هشام بن عبد الملك، وقال ابن يونس: تُوفّي بإفريقية، وقيل: بل غَرِقَ في
بحار الأندلس سنة (١٢٨).
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) من التابعين، ثم أعاده في أتباعهم، فقال:
يُخطئ، وقال ابن يونس: كان فقيهاً مفتياً، وقال أبو العرب في ((الطبقات)):
أرسله عمر بن عبد العزيز إلى أهل إفريقية ليفقهها، وقال النووي في ((شرح
المهذَّب)): لم يَسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص. انتهى.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا
الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٢٠٢)، وحديث (١٧٢٥): ((من آوى ضالّة،
فهو ضالّ ... ))، و(٢١٧٣): ((إن الله قد برّأها من ذلك ... ))، و(٢٩٦٢): ((إذا
فُتحت عليكم فارس والروم ... )).
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) المصريّ المؤذِّن الفقيه الفَرَضيّ العامريّ،
ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعُقبة بن عامر، وعمرو بن
غَيْلان بن سلمة الثقفيّ، وأبي الدرداء، والمستورد الفِهْريّ، وعمن خَدَم
النبيّ وَّر، وعن عمرو بن العاص، وقيل: بينهما أبو قَيْس، وغيرهم.
وروى عنه كعب بن علقمة، وعمران بن أبي أنس، وبكر بن سَوَادة،
الصحابة إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، مع أنه قيل: إنه لم يسمع منه، فهو إذن
من طبقة الأعمش، ونحوه، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وعبد الله بن هُبيرة، وعقبة بن مسلم، ويزيد بن أبي حبيب، والحارث بن
يعقوب، وآخرون.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن لَهِيعة: كان
عالِماً بالفرائض، وكان عبد الله بن عمرو به مُعْجَباً، وقال ابن يونس: كان
فقيهاً عالِماً بالقراءة، شَهِدَ فتح مصر، ووَثَّقه يعقوبُ بن سفيان.
وقال ربيعة الأعرج: تُوُفّي سنة (٩٧) وقال غيره: سنة ثمان وتسعين.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٢٠٢)، وحديث (٣٨٤): ((إذا سمعتم
المؤذّن، فقولوا مثل ما يقول ... ))، و(٢١٧٣): ((إن الله قد برّأها من
ذلك ... )).
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن
سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، مات في ذي
الحجة ليالي الْحَرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في ((المقدمة))
١٨/٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف وَّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله معظمهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين، من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بكر، عن عبد الرحمن.
٥ - (ومنها): أن بكر بن سوادة، وعبد الرحمن بن جبير هذا أول محلّ
ذكرهما في هذا الكتاب، وقد مرّ عدد مرويّهما فيه آنفاً.
٦ - (ومنها): أن عبد الرحمن بن جبير المصريّ هذا غير عبد الرحمن بن
جُبير الحمصيّ، وهو أيضاً تابعيّ، إلا أنه من الطبقة الرابعة، وكلاهما في
((صحيح مسلم))، ولا رواية لهما في ((صحيح البخاريّ))، فتنبّه.
٧ - (ومنها): أن ((الصَّدَفِيَ - بفتح الصاد والدال المهملتين، وبالفاء -:
منسوب إلى الصَّدِف - بفتح الصاد، وكسر الدال ـ: قبيلة معروفة، قال أبو

٤٠٣
(٩٣) - بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ وَِّ لِأُمَّتِهِ، وَبُكَائِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ - حديث رقم (٥٠٥)
سعيد بن يونس: دَعْوَتهم في الصَّدِف، وليس من أنفسهم، ولا من مواليهم،
قاله النوويّ تَخْذَّهُ(١) .
٨ - (ومنها): أن صحابيّه أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المكثرين من
الصحابة ظه، وأحد العبادلة الفقهاء الأربعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ ثَلَا) أي قرأ، قال
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ)
المجد نَّهُ: تلوت القرآن، أو كلّ كلام تلاوةً ككتابةٍ: قرأته. انتهى (٢).
وقوله: ((أو كلّ كلام)) إشارة إلى الخلاف في التلاوة، فقد جزم الأكثرون بأنها
خاصّة بالقرآن، وأصل التلاوة الاتّباع، قال الراغب: التلاوة تختصّ باتّباع
كلام الله المنزّل بالقراءة تارةً، وأخرى بالارتباط لما فيه من أمر، ونهي،
وترغيب، وترهيبٍ، أو ما يُتوهّم فيه ذلك، وهي أخصّ من القراءة، فكلّ تلاوة
قراءة، ولا عكس. انتهى(٣).
(قَوْلَ اللهِ رَّ) بنصب ((قولَ)) على المفعوليّة، وقوله: (فِي إِبْرَاهِيمَ) على
حذف مضاف، أي في سورة إبراهيم، أو مقالة إبراهيم (﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا
مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]) الضمير للأصنام المذكورة في قوله: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَيَتِىَ أَنْ
نَعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ولَمّا أُسند إليها ما يُسند إلى العقلاء ذكرها
بضمير العاقلات، فقال: ﴿إِنَّهُنَّ﴾، ونسبة الإضلال إليهنّ مجاز؛ لكونهنّ سبباً
فيه، وإلا فالله وَلَ هو الذي يُضلّ، ويهدي، كما قال الله رَى: ﴿يُضِلُّ مَنْ
يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ الآية [النحل: ٩٣] (﴿فَمَنْ تَبِّعَنِى﴾) أي فيما أدعو إليه من
التوحيد (﴿فَإِنَّهُ مِنِّ﴾) الكلام على حذف مضاف: أي فمن تبعَ دعوتي، فإنه
من أمّتي الناجين، وقيل: المعنى: فإنه كبعضي في عدم الانفكاك، وقوله:
(﴿وَمَنْ عَصَانِ﴾) أي لم يتّبعني فيما جئتُ به عن ربّي، وقوله: (﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]) دليل جواب الشرط المحذوف، وهو علّة له، أي من
(١) (شرح النوويّ)) ٧٧/٣ - ٧٨.
(٣) ((تاج العروس)) ١٠/ ٥٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١١٣٩.

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عصاني فلا أدعو عليه؛ لأنك غفور رحيم، أي بأن تتوب عليه، فيتوب عن
شركه؛ لأنه لا يغفر له مع شركه؛ لقوله رَبّت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكِ بِلَّهِ فَقَدِ أَفْتَرَ إِثْمًا عَظِيمًا (٣)﴾ [النساء: ٤٨]،
وقيل: إن مغفرة الشرك كانت في الأمم القديمة، وإنما امتنعت في شرعنا.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وهو قول باطلٌ مخالف لنصّ
كتاب الله وَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، وهو خبر لا يدخله النسخ،
فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَقَالَ عِيسَى عَلَّهُ) هكذا هو في الأصول: ((وقال عيسى))، قال القاضي
عياض ◌َخْذَلُهُ: قال بعضهم: قوله: ((قال)) هو اسم للقول، لا فعل، يقال: قال
قولاً، وقالاً، وقِيلاً، كأنه قال: وتلا قولَ عيسى. انتهى(١).
وحاصل ما أشار إليه أن ((قال)) ليس فعلاً ماضياً، وإنما هو مصدر مضاف
إلى ((عيسى))، معطوفٌ على قوله: ((قولَ الله))، فهو منصوب على المفعوليّة
لـ ((تلا))، والله تعالى أعلم.
وقوله: (﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكٌ﴾) قيل: جواب الشرط محذوف،
والتقدير: فإنهم يستحقّون ذلك؛ لأنهم عبادك، قد تركوا عبادتك، فعبدوا غيرك
(﴿﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]) قال الزجّاج ◌َظُّهُ: علم
عيسى ◌ِلَّا أن منهم من آمن، ومنهم من أقام على الكفر، فقال في جملتهم:
إن تعذّبهم: أي إن تعذّب من كفر منهم، فإنهم عبادك الذين عَلِمتَهُم جاحدین
لآياتك، مكذّبين لأنبيائك، وأنت العادل في ذلك، فإنهم قد كفروا بعد وجوب
الحجة عليهم، وإن تغفر لهم: أي لمن أقلع منهم، وآمن فذلك تفضّل منك،
وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك، أو عزيز قويّ قادر على
الثواب، حكيم لا يُعاقب إلا عن حكمة وصواب. انتهى(٢).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ تَّثُ في ((تفسيره)): اختلف في تأويل هذه
الآية، فقيل: قاله على وجه الاستعطاف لهم، والرأفة بهم، كما يُستَعطَف السيدُ
لعبده، ولهذا لم يقل: فإنهم عصوك، وقيل: قاله على وجه التسليم لأمره،
(١) ((إكمال المعلم)) ٨٨١/٢.
(٢) ((تفسير النسفيّ)) ٣١٠/١ - ٣١١.
.

٤٠٥
(٩٣) - بَابُ دُعَاءِ النَّبِّ نَّهِ لِأُمَّتِهِ، وَبُكَائِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ - حديث رقم (٥٠٥)
والاستجارة من عذابه، وهو يَعْلَم أنه لا يغفر لكافر، وقيل: الهاء والميم في
﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ﴾ لمن مات منهم على الكفر، والهاء والميم في ﴿وَإِن تَغْفِّرْ لَهُمْ﴾
لمن تاب منهم قبل الموت، وهذا حسنٌ.
وأما قول مَن قال: إن عيسى ظلّها لم يعلم أن الكافر لا يُغْفَر له، فقول
مجترئ على كتاب الله رَّت؛ لأن الأخبار من الله رَك لا تُنْسَخ.
وقيل: كان عند عيسى علّ أنهم أحدثوا معاصي، وعَمِلوا بعده بما لم
يأمرهم به، إلا أنهم على عَمُود دينه، فقال: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ما أحدثوا بعدي
من المعاصي، وقال: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ولم يقل: فإنك أنت الغفور
الرحيم على ما تقتضيه القصّة من التسليم لأمره، والتفويض لحكمه، ولو قال:
فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه، وذلك
مستحيل، فالتقدير: إن تبقهم على كفرهم حتى يموتوا، وتعذبهم، فإنهم
عبادك، وإن تَهْدِهم إلى توحيدك، وطاعتك، فتغفر لهم، فإنك أنت العزيز الذي
لا يمتنع عليك ما تريده، الحكيم فيما تفعله، تُضِلّ من تشاء، وتَهْدِي من
تشاء .
وقد قرأ جماعة: فإنك أنت الغفور الرحيم، وليست من المصحف، ذكره
القاضي عياض في ((كتاب الشفا)).
وقال أبو بكر الأنباريّ: وقد طَعَن على القرآن مَن قال: إن قوله: ﴿إِنَّكَ
أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ليس بمشاكل لقوله: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ لأن الذي يُشاكل
المغفرةَ، فإنك أنت الغفور الرحيم.
والجواب: أنه لا يَحْتَمِلُ إلا ما أنزله الله، ومتى نُقِل إلى الذي نقله إليه
ضَعُفَ معناه، فإنه ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني، فلا يكون له بالشرط
الأول تعلُّق، وهو على ما أنزله الله رَ، واجتَمَع على قراءته المسلمون،
مقرون بالشرطين كليهما، أولهما وآخرهما؛ إذ تلخيصه: إن تعذبهم فإنك أنت
العزيز الحكيم، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم في الأمرين كليهما، من
التعذيب والغفران، فكان العزيز الحكيم أليق بهذا المكان؛ لعمومه، فإنه يَجْمَع
الشرطين، ولم يصلح الغفور الرحيم؛ إذ لم يحتمل من العموم ما احتمله العزيز
الحكيم، وما شَهِدَ بتعظيم الله تعالى وعدله، والثناء عليه، في الآية كلها،

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والشرطين المذكورين، أولى وأثبت معنًى في الآية، مما يَصْلُح لبعض الكلام
دون بعض. انتهى(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌّ، والله تعالى أعلم.
(فَرَفَعَ) ◌َِّ (يَدَيْهِ، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي))) أي ارحم أمتي، وكرّره
للتأكيد (وَبَكَى) وَّهِ شفقةً عليهم (فَقَالَ اللهُ رَّتِ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى
مُحَمَّدٍ) وَّهِ، وقوله: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ) جملة معترضة بين المعطوف، وهو ((اذهب))،
والمعطوف عليه، وهو قوله: (فَسَلْهُ) وفي نسخة: ((فاسأله)): (مَا يُبْكِيكَ؟) ((ما))
استفهاميّة، أيْ: أيُّ شيءٍ يجعلك باكياً؟ (فَأَتَاهُ) وَ (جِبْرِيلُ ◌َا، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ
رَسُولُ اللهِنَّهِ بِمَا قَالَ) أي بالشيء الذي قاله، وهو قوله: ((أمتي أمتي)) (وَهُوَ
أَعْلَمُ) قيل: في الكلام حذف، وأصله: فأخبره بما قال، فأخبر جبريل ربّه،
وهو أعلم به (فَقَالَ اللهُ﴾ ◌ََّ (يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ) وَ (فَقُلْ: إِنَّا
سَنُرْضِيكَ) بضم حرف المضارعة، من الإرضاء (فِي أَمَّتَِك) أي بإدخالهم الجنّة،
وهذا موافق لقول الله ريات: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ
۵
[الضحى: ٥].
(وَلَا نَسُوءُكَ))) أي لا نفعل ما تكرهه، قال المجد رَّتُهُ: ساءه سَوْءاً،
وسَوَاءاً، وسَوَاءَةً، وسَوَايَةً، وسَوائِيَةً، ومَسَاءَةً، ومَسَائِيَةً مقلوباً، وأصله
مَسَاوِئَةً، ومَسَايَةً، ومَسَاءً، ومَسَائِيَّةً: فَعَلَ به أو بمن يَعِزّ عليه ما يكرهه، فاستاء
هو. انتهى بزيادة يسيرة(٢) .
قال صاحب ((التحرير)): ((لا نسوءك)) تأكيد لمعنى ((سنرضيك))، أي لا
نَحْزُنُك؛ لأن الإرضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم، ويَدْخُل الباقي
النار، فقال تعالى: (نُرضيك، ولا نُدخل عليك حُزْناً، بل نُنْجِي الجميع))، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ◌ًا هذا من أفراد
المصنّف رَّلهُ .
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٧٨/٦ - ٣٧٩ ((تفسير سورة المائدة)).
(٢) (القاموس المحيط)» ص٤٢.

٤٠٧
(٩٣) - بَابُ دُعَاءِ النَّبِّ وَِّ لِأُمَّتِهِ، وَبُكَائِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ - حديث رقم (٥٠٥)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٥٠٥/٩٣] (٢٠٢)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٤١٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٠١)، و(ابن حبّان) في
((مسنده)) (٧٢٣٤ و٧٢٣٥)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٩٢٤)، و(الطبريّ) في
(تفسيره)) (٢٢٩/١٣)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (٣٤١/٢ - ٣٤٢)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٣٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كمال شفقة النبيّ ◌َّي على أمته، واعتنائه بمصالحهم،
واهتمامه بأمرهم، فهو مصداق قوله رَى: ﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (جَ)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٢ - (ومنها): كمال خُلقهِ وَلّ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
[القلم: ٤].
عَظِيمٍ
٣ - (ومنها): سعة شفقته ورحمته وَّه، وشمولها لجميع أمته، بل لجميع
[الأنبياء: ١٠٧].
١٠٧١
العالمين، كما قال ◌َالَ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
٤ - (ومنها): استحباب رفع اليدين في الدعاء.
٥ - (ومنها): البشارة العظيمة لهذه الأمة - زادها الله تعالى شرفاً - بما
وعدها الله تعالى بقوله: ((سنُرضيك في أمتك، ولا نَسُوءك))، وهذا من أرجى
الأحاديث لهذه الأمة، أو أرجاها.
٦ - (ومنها): بيان عظم منزلة النبيّ وَ﴾ عند الله تعالى، وعظيم لطفه
سبحانه به .
٧ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في إرسال جبريل ظلّله لسؤاله وَالله إظهار
شرف النبيّ وَّةِ، وأنه بالمحلّ الأعلى، فَسَيُرْضَى، ويُكْرَمُ بما يرضيه، أفاده
◌ٍ(١)
النوويّ تَخَّهُ(١).
(١) ((شرح النوويّ)) ٧٨/٣ - ٧٩.

٤٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال القرطبيّ كَّهُ: وأمر الله تعالى جبريل ،فَلَّا أن يسأل نبينا وَله عن
سبب بكائه؛ ليعلم جبريل تمكّن نبيّنا وَله في مقام الفتوّة(١)، وغاية اعتنائه
(٢)
بأمته ◌َ. انتهى (٢).
٨ - (ومنها): ما قاله أبو العباس القرطبيّ كَخَّلهُ: معنى هاتين الآتين: أن
كلّ واحد من إبراهيم وعيسى - بَّهِ - لم يَجزما في الدعاء لعُصاة أممهما،
ولم يُجهدا أنفسهما في ذلك، ولم يكن عندهما من فرط الشفقة ما كان عند
نبيّنا ◌َِّ(٣)، ألا ترى أنهما في الآيتين كأنهما تبرّءا من عصاة أممهما، ولَمّا
فَهِمَ نبيّنا نَّر ذلك، انبعث بحكم ما يجده من شدّة شفقته ورأفته وكثرة حرصه
على نجاة أمته، وبحكم ما وهبه الله تعالى من رِفْعَة مقامه على غيره جازماً في
الدعاء لأمته، مجتهداً فيه لهم، متضرِّعاً، باكياً، مُلِحّاً، يقول: ((أمتي أمتي))،
فِعْلَ المحبّ المستهتِر (٤) بمحبوبه، الحريص على ما يُرضيه، الشفيق عليه،
اللطيف به، ثم لم يزل كذلك حتى أجابه الله تعالى فيهم، وبشّره بما بشّره من
مآل حالهم، حيث قال الله تعالى: ((إنا سنُرضيك في أمتك))، وهو معنى قوله
تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرَضَ جَ﴾ [الضحى: ٥].
قال بعض العلماء: والله ما يَرضى محمد رَّ، وواحد من أمته في النار،
وهذا كلّه يدلّ على أن الله تعالى خصّ نبيّنا وَّهِ مِن كَرَم الْخُلُق، ومن طيب
النفس، ومن مقام الْفُتُوّة بما لم يخُصّ به أحداً غيره، وإليه الإشارة بقوله
تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤]، وبقوله: ﴿لَقَدْ جَكُمْ
رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
[التوبة: ١٢٨]، صلّى الله عليه أفضل ما صلّى على أحد من خليقته،
(SA)
رَحِيمٌ
وجازاه عنّا أفضل ما جازى نبيّاً عن أمته. انتهى كلام القرطبيّ تَذَتُهُ(٥).
(١) ((الْفُتُوَّةُ)): الْكَرَمُ، قاله في ((القاموس)» ص١١٨٨.
(٢) ((المفهم)) ١/ ٤٥٥.
(٣) كان في الأصل: ((ما كان ينبغي لهما))، وهي عبارة لا ينبغي أن تطلق على
، فأبدلتها، فتبصّر.
الأنبياء
(٤) أي الْمُولَع.
(٥) «المفهم)) ٤٥٤/١ - ٤٥٥.

٤٠٩
(٩٤) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٦)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتَّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٩٤) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، فَهُوَ فِي النَّارِ،
وَلَا تَتَالُهُ شَفَاعَةٌ، وَلَا تَنْفَعُهُ قَرَابَةٌ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْلَتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٥٠٦] (٢٠٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟
قَالَ: ((فِي النَّارِ))، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَبِي وَأَبَكَ فِي النَّارِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٣٥) تقدم في ((المقدمة))
١/١.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠]
(ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في
ثابت، من كبار [٨] (ت١٦٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت سنة
بضع ١٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٥ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ المشهور بظلاله تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢،
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ .

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه أيضاً، فكوفيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أنساً ظُله من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ) رَبُهُ (أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟) أي في أيّ
مكان هو؟ أفي الجنّة، أم في النار؟ (قَالَ) بَّهِ ((فِي النَّارِ))) متعلّق بمحذوف،
خبر لمبتدأ مقدّر: أي هو كائن في النار (فَلَمَّا قَفَّى) وفي نسخة: ((قال: فلما
قَفَّى)): أي أدبر الرجل، وولّى من مجلس رسول الله مَّل منصرفاً، وقال ابن
الأثير تَّثُ: أي ذهب مولِّياً، وكأنه من القفا: أي أعطاه قفاه وظهره.
انتهى (١). (دَعَاهُ، فَقَالَ) وَرِ ((إِنَّ أَبِي وَأَبَكَ فِي النَّارِ))) هذا من حسن عِشرته ◌َّ؛
للتسلية بالاشتراك في المصيبة.
قال القرطبيّ تَظّفُ(٢): هذا جبر للرجل مما أصابه، وأحاله على التأسّي
به، حتى تهون عليه مصيبته بأبيه، وذلك لَمّا حفظ الحرمة، ولم يقل: أين
أبوك؟ بخلاف من قال ذلك للنبيّ وَله، فقال له: ((حيثما مررت بقبر مشرك،
فبشّره بالنار))، وذلك فيما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، عن ابن عمر
،
قال: جاء أعرابي إلى النبيّ ◌َ﴿، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان يَصِلُ
الرحم، وكان، وكان، فأين هو؟ قال: ((في النار))، قال: فكأنه وَجَدَ من ذلك،
فقال: يا رسول الله، فأين أبوك؟ قال رسول الله وَ ليقول: ((حيثما مررت بقبر
مشرك، فبشّره بالنار))، قال: فأسلم الأعرابي بعدُ، وقال: لقد كَلَّفني
رسول الله وَ تَعَباً، ما مررت بقبر كافر إلا بشّرته بالنار. انتهى(٣)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((النهاية)) ٩٤/٤.
(٢) راجع: ((المفهم)) ١/ ٤٦١.
(٣) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) برقم (١٥٧٣).

٤١١
(٩٤) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٦)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظبه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٥٠٦/٩٤] (٢٠٣)، و(أبو داود) في
((السنة)) (٤٧١٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٩/٣ و٢٦٨)، و(ابن منده) في
((الإيمان)) (٩٢٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٧٨)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٢٨٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥٠٢ و٥٠٣).
[تنبيه]: ورد في الباب حديث سعد بن أبي وقّاص ◌َظ ◌ُبه أن أعرابيّاً أتى
النبيّ وَّة، فقال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: ((في النار))، قال: فأين أبوك؟
قال: ((حيثما مررت بقبر كافر، فبشّره بالنار))، أخرجه البزّار (٩٣)، والطبرانيّ
في ((الكبير)) (٣٢٦)، وزاد: ((فأسلم الأعرابيّ، فقال: لقد كلّفني رسول الله وَلـ
بعناء، ما مررت بقبر كافر إلا بشّرته بالنار))، ورواه البيهقيّ في ((دلائل النبوّة))
(١٣٩/١ - ١٤٠)، وابن السنّيّ في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٨٨)، والضياء في
((المختارة)) (٣٣٣/١)، وأورده الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) (١١٧/١ - ١١٨)
وقال: رواه البزّار، والطبرانيّ في ((الكبير))، ورجاله رجال الصحيح(١).
وفي الباب أيضاً حديث عمران بن حُصين ظُله: أن أباه الحصين أتى
النبيّ ◌َّ﴿، فقال: أرأيت رجلاً كان يَقري الضيف، ويَصِلُ الرحم مات قبلك؟
وهو أبوك، فقال: ((إن أبي وأباك وأنت في النار))، فمات حُصين مشركاً، رواه
الطبرانيّ في ((الكبير)) (٥٤٨/١٨ و٥٤٩)، أورده الهيثميّ في ((المجمع)) (١/
١١٧)، وقال: رواه الطبرانيّ في ((الكبير))، ورجاله رجال الصحيح. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح أن حصيناً والد عمران أسلم، وقد
أشبع الكلام في إسلامه في ((الإصابة))(٢)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم
بالصواب.
(١) تقدّم أنه حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) من حديث ابن عمر ثا برقم
(١٥٧٣).
(٢) دونك نصّ ((الإصابة)) (٧٦/٢ - ٧٧): (١٧٣٧) حُصَين بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعِيّ، =

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
= والد عمران، اختُلِف في إسلامه، فروى أحمد، والنسائيّ بإسناد صحيح، عن
رِبْعِيّ، عن عمران بن حُصين أن حُصيناً أَتَى النبيِ نَّهِ قبل أن يُسْلِم ... الحديث،
وفيه: ثم إن خُصیناً أسلم.
ورواه النسائي من وجه آخر، عن رِبْعيّ، عن عمران بن حُصين، عن أبيه، أنه أَتَى
النبيّ ◌َّ، فقال: يا محمد كان عبد المطلب خيراً لقومك منك ... الحديث، وفيه:
فلما أراد أن ينصرف قال: ما أقول؟ قال: ((قل: اللهم قني شَرَّ نفسي، واعْزِم لي على
أرشد أمري)»، فانطَلَق، ولم يكن أسلم، ثم أسلم، فقال: يا رسول الله، فما أقول الآن
حين أسلمت؟ قال: ((قل: اللهم قني شر نفسي، واعزم لي أرشدَ أمري، اللهم اغفر لي
ما أسررت، وما أعلنت، وما أخطأت، وما عَمَدت، وما عَلِمت، وما جَهِلتُ))، وفي
رواية للنسائيّ: فما أقول الآن، وأنا مسلم؟ وسنده صحيح من الطريقين.
ورَوَى ابن السكن، والطبرانيّ من طريق داود بن أبي هند، عن العباس بن ذَرِيح،
عن عمران بن حصين، قال: أتى أبي حُصَين بن عُبيد إلى النبيّ وَّ﴿، فقال: يا
محمدُ، أرأيت رجلاً كان يَصِلُ الرحم، ويَقْرِي الضيف، ويصنع كذا وكذا، لم
يدركك، هل ينفعه ذلك؟ فقال: ((لا ... )) الحديث، وفيه قال: فما مضت عشرون
ليلةً حتى مات مشركاً .
قال الطبرانيّ: الصحيح أن حُصَيناً أسلم.
وقال ابن خزيمة: حدثنا رَجاء الْعُذريّ، حدثنا عمران بن خالد بن طليق بن
محمد بن عمران بن حُصين، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده: أن قريشاً جاءت
إلى الحصين، وكانت تُعَظّمه، فقالوا له: كَلِّم لنا هذا الرجل، فإنه يَذْكُر آلهتنا،
ويَسُبُّهُم، فجاءوا معه حتى جَلَسوا قريباً، من باب النبيّ وَّر، فقال: ((أوسعوا
للشيخ))، وعمران وأصحابه متوافرون، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك، إنك
تشتم آلهتنا، وتذكرهم، وقد كان أبوك حُصَين خيراً، فقال: ((يا حصين إن أبي
وأباك في النار، يا حصين كم تعبد من إله؟)) قال: سبعاً في الأرض، وواحداً في
السماء، قال: ((فإذا أصابك الضرّ من تدعو؟)) قال: الذي في السماء، قال: ((فإذا
هلك المال مَن تدعو؟)) قال: الذي في السماء، قال: ((فيستجيب لك وحده،
وتُشركهم معه، أرضيته في الشكر، أم تخاف أن يَغْلب عليك؟)) قال: ولا واحدةً
من هاتين، قال: وعلمتُ أني لم أكلم مثله، قال: ((يا حصين أَسْلِم تَسْلَم)) قال: إن
لي قوماً وعشيرةً، فماذا أقول؟ قال: ((قل: اللهم إني أستهديك لأرشد أمري،
وزدني علماً ينفعني))، فقالها حصين، فلم يَقُم حتى أسلم، فقام إليه عمران، فقبَّل =

٤١٣
(٩٤) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، ... إلخ - حديث رقم (٥٠٦)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن من مات على الكفر، فهو في النار، ولا تنفعه قرابة
المقربين .
٢ - (ومنها): أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة
الأوثان، فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذةً قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء
كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء - صلوات الله تعالى وسلامه
عليهم -.
٣ - (ومنها): أن فيه بيان ما كان في النبيّ وَّل من حسن العشرة، والخلق
الكريم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤]؛ لأنه لما
رأى الرجل عَظُمت عليه المصيبة، أراد أن يُهَوّن عليه، ويُخفّف عنه، فأخبره
بأن مصيبته كمصيبته، فعليه أن يتأسّی به.
٤ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن حبّان ◌َّثُ: فيه استحباب استمالة قلب
أخيه المسلم بما لا يَحْظُرُ الكتاب والسنّة. انتهى(١).
[تنبيه]: إن تعجب، فعجبٌ بعد ثبوت هذه الأحاديث الصحاح محاولة
بعض العلماء المتأخّرين، كالسيوطيّ في ادّعاء نجاة أبوي النبيّ وَّو، وردّ هذه
الأحاديث الصحيحة بضرب من التأويل المتعسّف به، والاستدلال على ادّعائهم
بالحكايات الواهية، وغيرها من الأساطير التي لا ينبني عليها شرعنا الشريف،
بل هي مصادمة للنصوص الصحيحة، كقوله:
رأسه ويديه ورجليه، فلما رأى ذلك النبيّ وَّ بَكّى، وقال: ((بكيت من صنيع
=
عمران، دخل حُصين، وهو كافر، فلم يَقُمِ إليه عمران، ولم يتلفت ناحيته، فلما
أسلم قضى حقه، فدخلني من ذلك الرقّة))، فلما أراد حصين أن يخرج، قال
لأصحابه: ((قوموا، فشيِّعُوه إلى منزله))، فلما خرج من سُدَّة الباب رأته قريشٌ،
فقالوا: صبأ، وتفرقوا عنه. انتهى. ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٧٦/٢ - ٧٧.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذه الروايات أن الصحيح - كما قال الطبراني -:
أن حصيناً أسلم، والله تعالى أعلم.
(١) ترجم عليه، فقال: ((ذكرُ الاستحباب للمرء استمالة قلب أخيه المسلم بما لا يحظره
الكتاب والسنّة)). راجع: ((صحيح ابن حبّان)) ٣٤٠/٢ رقم (٥٧٨).

٤١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عَلَى فَضْلِ وَكَانَ بِهِ رَؤُوفَا
حَبَا اللهُ النَّبِيَّ مَزِيدَ فَضْلٍ
لإِيمَانٍ بِهِ فَضْلاً لَّطِيفًا
فَأَحْيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاءُ
وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفًا
فَسَلِّمْ فَالْقَدِيمُ بِذَا قَدِيرٌ
وقد ألّف السيوطيّ في ذلك رسالة سمّاها ((مسالك الحنفا في والدي
المصطفى))، وحشد فيه الأحاديث الضعيفة، والأخبار الواهية، وحاول في رد
الأحاديث الصحيحة، كأحاديث هذا الباب، وحديث أبي هريرة مظ لته مرفوعاً:
(استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذن
لي))، رواه مسلم، وفي رواية أحمد، وأبي داود: زار النبيّ وَّ قبر أمه،
فبكى، وبكى من حوله، فقال رسول الله وَله: ((استأذنت ربي في أن أستغفر
لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي ... )) الحديث،
فعارض هذه الأحاديث الصحيحة بتلك الأخبار الواهية، بل ادّعى أن آباءه
من آدم إلى والده كلّهم على التوحيد، وكلّهم ناجون.
ومن أغرب ما تراه وتسمعه في ذلك الكتاب، محاولته في حمل قصّة
والد إبراهيم بنعليّله الذي جاء في عدّة آيات من الكتاب العزيز بأنه أبوه، على أنه
عمّه، وليس أباه، وهذا من أعجب العجاب.
وبالجملة فذلك الكتاب فيه عجائب وغرائب من صرف النصوص
الصحيحة الصريحة إلى غير ما دلّت عليه بتأويلات سخيفة، ومعارضتها
بالروايات الضعيفة التي اعترف السيوطيّ نفسه بأنها ضعيفة.
ولقد أجاد شُرّاح هذا الكتاب، كالقاضي عياض، والقرطبيّ، والنوويّ
رحمهم الله تعالى، حيث لم يتعرّضوا لهذه التأويلات السخيفة، سوى الأبيّ،
فإنه قد حاد عن الجادّة، ولذا اعتمد عليه السيوطيّ في رسالته، وأعرض عما
ذهب إليه هؤلاء، وصرّحوا به، فقالوا: في هذا الحديث أن من مات على
الكفر، فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقرّبين، وأن من مات في الفترة على ما
كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو في النار.
وهذا هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وأما ما عداه فمن الغلوّ الذي يَحمِل
على الانحراف عن الجادّة بصرف النصوص عن ظواهرها، فتبصّر بالإنصاف،
ولا تتهوّر بتقلید ذوي الاعتساف، وقل:

٤١٥
(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ مَالَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرَّنَ﴾ - حديث رقم (٥٠٧)
اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين
عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك
تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت،
وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت؛ إنك تقضي، ولا يُقضى عليك،
وإنه لا يَذِلُّ من واليت، لا يَعِزُّ مَن عاديتَ، تباركتَ ربَّنا وتعاليت، آمين آمين
آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٩٥) - (بَابٌ فِي قَوْلِهِ مَعَالَ:
[الشعراء: ٢١٤])
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٥٠٧] (٢٠٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
لَمَّا (١) أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ
[الشعراء: ٢١٤]، دَعًا
٣١٤
رَسُولُ اللهِ نَّهِ قُرَيْشاً، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ، وَخَصَّ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي كَعْبٍ بْنِ لُؤَيٍّ،
أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي
عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ
النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِم، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا
أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، بََّ فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ
شَيْئاً، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِماً سَأَبْلُّهَا بِبَلَالِهَا))).
(١) وفي نسخة: ((فلما)).

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بن سُوَيد اللَّخْميّ، حَلِيف بني عديّ الكوفيّ
الْفَرَسيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦.
٢ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عُبيد الله التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد
المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت١٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٣/٤.
والباقون تقدّموا قبل بابین.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما .
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه، والصحابيّ، كما تقدّم
قريباً .
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُبه، وسيأتي أيضاً من حديث ابن عباس ﴿ًا، قال في
((الفتح)): هذا يعتبر من مراسيل الصحابة، وبذلك جزم الإسماعليّ؛ لأن أبا
هريرة ربه إنما أسلم بالمدينة، وهذه القصّة وقعت بمكّة، وابن عبّاس كان
حينئذ إما لم يولد، وإما طفلاً، ويؤيّد الثاني نداء فاطمة، فإنه يُشعر بأنها كانت
حينئذ بحيث تُخاطَب بالأحكام.
ويحتمل أن تكون هذه القصّة وقعت مرّتين، لكن الأصل عدم تكرار
النزول، وقد صرّح في هذه الرواية بأن ذلك وقع حين نزلت.
نعم وقع عند الطبرانيّ من حديث أبي أمامة ﴿به، قال: لما نزلت:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمع رسول الله وَّل بني هاشم، ونساءه،
وأهله، فقال: ((يا بني هاشم، اشتروا أنفسكم من النار، واسْعَوْا في فَكَاك
رقابكم، يا عائشةُ بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أم سلمة))، فذكر
حديثاً طويلاً، فهذا إن ثبت دلّ على تعدّد القصّة؛ لأن القصّة الأولى وقعت
بمكة؛ لتصريحه في حديث ابن عباس به أنه صَعِد الصفا، ولم تكن عائشة،

٤١٧
(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ نَّ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ - حديث رقم (٥٠٧)
وحفصة، وأم سلمة عنده، ومن أزواجه إلا بالمدينة، فيجوز أن تكون متأخّرةً
عن الأولى، فيمكن أن يحضرها أبو هريرة، وابن عبّاس ﴿ه أيضاً، ويُحمل
قوله: (لَمّا نزلت ... جَمَعَ»: أي بعد ذلك، لا أن الجمع وقع على الفور،
ولعلّه كان نزل أوّلاً: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَّنَ ﴾﴾، فجَمَع قريشاً، فعمّ،
وخصّ، كما سيأتي، ثم نزل ثانياً: ((ورهطك منهم المخلصين))، فخصّ بذلك
بني هاشم، ونساءه، والله أعلم. انتهى(١).
(قَالَ: لَمَّا (٢) أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرِنَ (٣)﴾)، زاد في
حديث ابن عباس ﴿ه الآتي من طريق عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير،
عنه: ((ورهطك منهم المخلصين))، وهذه الزيادة وصلها الطبريّ من وجه آخر
عن عمرو بن مرّة أنه كان يقرؤها كذلك، قال القرطبيّ تَخُّ: لعل هذه الزيادة
كانت قرآناً، فنُسخت تلاوتها .
ثم استشكل ذلك بأن المراد إنذار الكفّار، والْمُخْلِص صفة المؤمن.
والجواب عن ذلك أنه لا يمتنع عطف الخاصّ على العامّ، فقوله:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ عامّ فيمن آمن منهم، ومن لم يؤمن، ثم عطف عليه الرهط
المخلصين، تنويهاً بهم، وتأكيداً.
ومعنى ﴿عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ﴾: أي ذوي القرابة القريبة، و((العشيرة)): رهط
الرجل الأَدْنَوْن، أو هم أهل الرجل الذين يتكثّر بهم: أي يصيرون له بمنزلة
العدد الكامل، وهو العشرة.
(دَعَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ قُرَيْشاً) بصيغة التصغير، هو النضر بن كنانة، ومن لم
يلده فليس بقرشيّ، وقيل: قريش، هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من
قريش، نقله السُّهَيليّ وغيره، وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ كَّتُهُ في ((ألفية
السيرة))، حيث قال:
أَمَّا قُرَيشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ جَمَّاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ
ويُنسب إلى قُريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشيّ، وربّما نُسب إليه في
(١) ((فتح)) ٩/ ٤٥٠٠ - ٤٥٠١ ((تفسير سورة الشعراء)).
(٢) وفي نسخة: ((فلما)).

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الشعر من غير تغيير، فيقال: قُريشيّ، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفَّى.
وقال في ((الفتح)): نداؤه وَّله قبائل قريش قبل عشيرته الأدنين؛ ليُكرّر
إنذار عشيرته، ولدخول قريش كلّها في أقاربه، ولأن إنذار العشيرة يقع بالطبع،
وإنذار غيرهم يكون بطريق الأولى. انتهى(١).
(فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ) أي عمّهم بالإنذار، يقال: عمّهم بكذا: أي شَمِلَهم
(وَخَصَّ) أي خَصّ من كان أهلاً لذلك بالخطاب والنداء.
والمعنى: أنه وَلِ يل عمّ قريشاً بالدعوة وشملها، فقال: يا معشر قريش،
وخصّ بعض بُطونها، فقال: يا بني كعب ... إلخ، فالفاء في قوله: ((فعمّ))
للتفصيل، مثلها قوله: ((توضّأ، فغسل وجهه ... إلخ)).
وفي حديث ابن عباس رضيها: ((فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عديّ،
لبطون قريش))، ووقع عند البلاذريّ من وجه آخر عن ابن عباس أبين من هذا،
ولفظه: ((فقال: يا بني فهر، فاجتمعوا، ثم قال: يا بني غالب، فرجع بنو
مُحارب، والحارث ابنا فهر، فقال: يا بني لؤيّ، فرجع بنو الأدرم بن غالب،
فقال: يا آل كعب، فرجع بنو عديّ، وسَهْم، وجُمَح، فقال: يا آل كلاب،
فرجع بنو مخزوم، وتيم، فقال: يا آل قُصيّ، فرجع بنو زُهْرة، فقال: يا آل
عبد مناف، فرجع بنو عبد الدار، وعبد العزّى، فقال له أبو لهب: هؤلاء بنو
عبد مناف عندك))، وعند الواقديّ أنه قصر الدعوة على بني هاشم والمطّلب،
وهم يومئذ خمسة وأربعون رجلاً، وفي حديث عليّ مظلته عند ابن إسحاق،
والطبريّ، والبيهقيّ في ((الدلائل)) أنهم كانوا حينئذ أربعين، يزيدون رجلاً، أو
ينقصون، وفيه عمومته: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب. ولابن أبي
حاتم من وجه آخر عنه أنهم يومئذ أربعون غير رجل، أو أربعون ورجل، وفي
حديث عليّ ◌َّهِ من الزيادة: صَنَعَ لهم شاةً على ثريد، وقَعْب لَبَن، وأن
الجميع أكلوا من ذلك، وشَرِبوا، وفَضَلَت فَضْلَة، وقد كان الواحد منهم يأتي
على جميع ذلك. قاله في ((الفتح))(٢).
(١) ((الفتح)) ٦٣٧/٦ ((كتاب المناقب)) رقم (٣٥٢٧).
(٢) ((الفتح)) ٨/ ٣٦١ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٧٧٠).

٤١٩
(٩٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ وَالَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَينَ﴾ - حديث رقم (٥٠٧)
ثم بيّن معنى قوله: ((فعمَّ وخصّ)) بقوله: (فَقَالَ: ((يَا بَنِي كَعْبٍ بْنِ لُؤَيّ)
بضم اللام، وفتح الهمزة، وقد تُبدل واواً، فتحتيّةً مشدّدةً، وقال صاحب
((المطالع)): (لُؤَيّ) يُهْمَز، ولا يهمز، والهمز أكثر. انتهى(١)، وهو ابن غالب بن
فهر (أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ) أمر من الإنقاذ رباعيّاً: أي خلّصوها من النار
بترك أسبابها، والاشتغال بأسباب الجنّة.
وفي الرواية الآتية: ((اشتروا أنفسكم من الله)): أي باعتبار تخليصها من
النار، كأنه قال: أسلموا تَسلَموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم
جعلوا الطاعة ثمن النجاة، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، فهناك المؤمن بائع، باعتبار تحصيل الثواب،
والثمن الجنّة، وفيه إشارة إلى أن النفوس كلّها ملك لله تعالى، وأن من أطاعه
حقّ طاعته في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وفّى ما عليه من الثمن، وبالله
تعالى التوفيق.
(يَا بَنِي مُرَّةَ) بضم الميم، وتشديد الراء (بنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ
الثَّارِ، يَا بَنِي عَبْدٍ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنُ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا
أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِيَّ هَاشِم، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،
أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَأَطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ) قال النوويّ ◌َُّهُ:
هكذا وقع في الأصول: ((فاطمة))، وفي بعضها، أو أكثرها: (يا فاطم)) بحذف
الهاء على الترخيم، كما قال في ((الخلاصة)):
تَرْخِيماً احْذِفْ آخِرَ الْمُنَادَى كـ«يَا سُعَا)) فِيمَنْ دَعَا ((سُعَادَا))
وعلى هذا فيجوز ضمّ الميم، وفتحها، ويسمّى الأول لغة من ينتظر،
والثاني لغة من لا ينتظر، وإليه أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
فَالْبَاقِيَ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ
وَإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ
لَوْ كَانَ بِالآخِرِ وَضْعاً تُمِّمَا
وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُوفاً كَمَا
ثَمُو)) و((يَا ثَمِي)) عَلَى الثَّانِي بِيَا
فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي ((ثَمُودَ)) ((يَا
وإنما ختم بفاطمة ﴿ّا؛ لأنها خلاصة قومها، ثم عمّ في تبرّي إنقاذه
(١) ((شرح النوويّ)) ٧٨/٣.

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
إياهم من النار بغير الإيمان، والعمل الصالح بقوله: (فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ) أي
لجميعكم، عامّكم وخاصّكم (مِنَ اللهِ شَيْئاً) أي من رحمته، أو دفع عذابه، أو
غير ذلك.
وقال النووي: معناه: لا تتكلوا على قرابتي، فإني لا أقدر على دفع
مكروه يريده الله تعالى بكم. انتهى(١).
وقال القاريّ تَظُّ: المعنى: أني لا أقدر أن أدفع عنكم من عذاب الله
شيئاً إن أراد الله أن يعذّبكم، وهو مقتبسٍ من قوله {َالَ: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ
مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ الآية [الفتح: ١١]، بل قال الله
تعالى: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٨٨].
[فإن قلت]: هذا يعارض ما تقدّم من ثبوت الشفاعة له وَله.
[أجيب]: أن ثبوتها لا يوجب أنه يملك شيئاً، ولا سيّما وهو محتاج فيها
إلى الإذن من الله تعالى، فقد أحكم الله تعالى شأنها، وجعل أمرها إليه وحده
لا شريك، فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ"﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال:
﴿قُل لِلّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا﴾ الآية [الزمر: ٤٤].
والحاصل أنه وَ﴿، وإن كان ينفع المؤمنين بشفاعته، غير أن ذلك ليس
بكونه مالكاً لها، وإنما هو بطلب من الله تعالى، واستئذان عليه، ثم يقول الله
تعالى له: ((سل تُعطه، واشفع تُشَفَّع))، والله تعالى أعلم.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِماً) استثناء منقطع (سَأَبُلَّهَا) بضم الباء
الموحّدة، مِن بلّ الرحم، من باب نصر: إذا وصلها: أي سأصلها في الدنيا،
ولا أغني من الله شيئاً، كذا في ((النهاية)). وقال السنديّ: أو بالشفاعة في
الآخرة، أي إن آمنتم، لكن الوصل المشهور هو وصل الدنيا، لا وصل
الآخرة، واستُعير الْبَلُّ لوصل الرحم؛ لأن بعض الأشياء تتصل بالنداوة، وتتفرّق
بالييس، فاستُعير البلّ للوصل، واليبس للقطيعة.
وقال الطيبيّ تَُّهُ: تُطْلِقِ العرب النداوة على الصلة كما تُطْلِقِ اليبس على
القطيعة؛ لأنهم لَمّا رأوا بعض الأشياء يتّصل بالنداوة، ويَحصُل بينهما
(١) (شرح مسلم)) ٢/ ٨٠.