النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٦)
وقوله: (لَسْتُ لَهَا) أي لست أهلاً للشفاعة، قال الطيبيّ تَخْتُهُ: اللام فيه
مثلها في قوله تعالى: ﴿أَمْتَحَنَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَىَّ﴾ الآية [الحجرات: ٣]، قال
في ((الكشّاف)): اللام متعلّقة بمحذوف، وهي في قولك: أنت لهذا الأمر: أي
كائنٌ له، ومختصّ به، وعلى هذا قوله: ((أنا لها))، وقوله: ((ليس ذلك لك))(١).
وقوله: (وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَّ*) أي الزموه، فالباء زائدة، أو
المعنى: تشفّعوا، وتوسّلوا به (٢).
وقوله: (فَأُوتَى) بالبناء للمفعول، أي يأتيني الناس.
وقوله: (بِمحَامِد) جمع حمد، علی غیر قیاس، کمحاسن، جمع حُسْن،
أو جمع محمدة(٣).
وقوله: (لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ) قال النوويّ تَخْتُهُ: هكذا هو في الأصول: ((لا
أقدر عليه))، وهو صحيح، ويعود الضمير في ((عليه)) إلى ((الحمد)). انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد النوويّ تَّتُهُ أن الظاهر أن يقول: ((عليها))
ليعود الضمير على المحامد، ولكن صحّت الرواية بالتذكير، فيؤوّل بأنه يعود
على الحمد المفهوم من ((أحمده))، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ أَخِرُّ) - بكسر الخاء المعجمة، وضمّها، وتشديد الراء، من
بابي ضرب، ونصر - ومصدره الْخَرّ بالفتح، والْخُرُور بالضمّ: وهو السقوط،
أو من عُلْو إلى سُفْل(٥).
وقوله: (أُمَّتِي أُمَّتِي) أي ارحمهم، واغفر لهم، وكرّره للتأكيد.
وقوله: (فَأَخْرِجْهُ) ثلاث مرّات، قال النوويّ تَخْذَتُهُ: أما الثاني، والثالث،
فاتَّفَقت الأصول على أنه: ((فأخرجه)) بضميره نَّه وحده، وأما الأول: ففي
بعض الأصول: ((فأخرجوه))، كما ذكرنا على لفظ الجمع، وفي بعضها:
((فأخرجه))، وفي أكثرها: ((فأخرجوا))، بغير هاء، وكله صحيح، فمن رواه:
((فأخرجوه)) يكون خطاباً للنبيّ وََّ، ومن معه من الملائكة، ومن حَذَفَ الهاء،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٢٢/١١.
(٢) ((المرقاة)) ٥٢٢/٩.
(٤) ((شرح مسلم)) ٣/ ٦٢.
(٣) ((المرقاة)) ٩/ ٥٢٢.
(٥) ((القاموس)) ص٣٤٦.

٣٤٢
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فلأنها ضمير المفعول، وهو فضلةٌ، يكثر حذفه (١)، كما قال في ((الخلاصة)):
وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ«مَنْ نَرْجُو يَهَبْ»
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ
وقوله: (أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى) قال النوويّ تَخْتُهُ: هكذا هو في الأصول مكَرَّرٌ
ثلاث مرات. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): قال الكرمانيّ: قوله: ((أدنى أدنى)) التكرير للتأكيد،
ويحتمل أن يراد التوزيع على الحبّة والخردل، أي أقلّ حبّة من أقلّ خردلة، من
الإيمان، ويُستفاد منه صحة القول بتجزّؤ الإيمان، وزيادته ونقصانه. انتهى (٣).
وقال النوويّ تَّتُهُ: فيه دلالة لمذهب السلف، وأهل السنة، ومن وافقهم
من المتكلمين، في أن الإيمان يزيد وينقص، ونظائره في الكتاب والسنة كثيرة.
(٤)
انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تحقيق هذه القاعدة، وتحرير القول
فيها، مستوفّى في أول ((كتاب الإيمان))، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ
التوفيق .
وقوله: (هَذَا حَدِيثُ أَنَسِ) هذا من قول معبد بن هلال العنزيّ ◌َُّهُ،
يعني أن هذا الذي تقدّم بطوله ما حدّثنا به أنس بن مالك رقُبه.
وقوله: (بِظَهْرِ الْجَبَّانِ) أي بظاهرها، وأعلاها المرتفع منها، قال أهل
اللغة: ((الْجَبّان))، و((الْجَبّانة)) - بفتح الجيم، وتشديد الباء -: هما الصحراء،
ويُسَمّى بهما المقابر؛ لأنها تكون في الصحراء، وهو من تسمية الشيء باسم
موضعه(٥) .
وقوله: (لَوْ مِلْنَا) أي عَدَلنا (إِلَى الْحَسَنِ) هو الحسن بن أبي الحسن
البصري الإمام المشهور.
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٣/٣.
(٣) ((الفتح)) ١٣/ ٤٨٣ رقم (٧٥١٠).
(٥) ((شرح النوويّ)) ٦٤/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦٣/٣.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٦٣/٣.

٣٤٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٦)
وقوله: (وَهُوَ مُسْتَخْفٍ) يعني أنه كان مُتَغَيِّباً؛ خوفاً من الحجاج بن يوسف
الجائر الظالم.
وقوله: (فِي دَارٍ أَبِي خَلِيفَةَ) وفي رواية البخاريّ: ((وهو متَوَارٍ في منزل
أبي خَلِيفة))، واسم أبي خليفة: حجّاج بن عتّاب العبديّ البصريّ، والد عمر بن
أبي خليفة، سماه البخاريّ في ((تاريخه))، وتبعه الحاكم أبو أحمد في ((الكنى))،
قاله في ((الفتح)) (١).
وقوله: (يَا أَبَا سَعِيدٍ) كنية الحسن البصريّ تَخْشُ.
وقوله: (هِيَهِ) بكسر الهاء، وإسكان الياء، وكسر الهاء الثانية، قال أهل
اللغة: يقال في استزادة الحديث: إِيهِ، ويقال: هِيهِ بالهاء بدل الهمزة، قال
الجوهريّ: إِيهِ اسمٌ سُمِّي به الفعل؛ لأن معناه: الأمر، تقول للرجل إذا
استزدته من حديث، أو عَمَلِ: إِيهِ بكسر الهاء، قال ابن السِّكِّيت: فإن وصلتَ
نَوَّنتَ، فقلتَ: إِيهِ حدِّثْنا، قالَ: وقول ذي الرُّمّة [من الطويل]:
وَقَفْنَا فَقُلْنَا إِبِهِ عَنْ أُمِّ سَالِمٍ وَمَا بَالُ تَكْلِيمِ الدِّيَارِ الْبَلَاقِعِ
فلم يُنوِّن، وقد وصل؛ لأنه قد نوى الوقف.
قال ابن السّرِيّ: إذا قلت: إيهِ يا رجلُ، فإنما تأمره بأن يزيدك من
الحديث المعهود بينكما، كأنك قلت: هات الحديث، وإن قلت: إِيهٍ بالتنوين،
كأنك قلت: هات حديثاً ما؛ لأن التنوين تنكيرٌ، وذو الرُّمّة أراد التنوين، فتركه
للضرورة، فإذا أسكتَّه، وكففته، فإنك تقول: إيهاً عنّا. انتهى(٢).
وقوله: (وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ) - بفتح الجيم، وكسر الميم - ومعناه: مُجْتَمِع
القوّة والحفظ، قاله النوويّ، وقال في ((الفتح)): مجتمع العقل، وهو إشارة إلى
أنه كان حينئذ لم يدخل في الكبر الذي هو مظِنّة تفرّق الذهن، وحدوث اختلاط
الحفظ. انتهى (٣).
وقوله: (أَنَسِيَ الشَّيْخُ) أراد بالشيخ أنساً
طوعية .
(١) ٤٨٤/١٣ ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٥١٠).
(٢) ((الصحاح)) ١٧٨٢/٥ - ١٧٨٣.
(٣) ((الفتح)) ١٣ / ٤٨٤.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: (فَتَتَّكِلُوا) أي تعتمدوا على هذا الحديث، فتتركوا الاجتهاد في
العمل .
وقوله: (فَضَحِكَ) فيه أنه لا بأس بضحك العالم بحضرة أصحابه، إذا
كان بينه وبينهم أَنْسٌ، ولم يَخْرُجِ بضحكه إلى حدٍّ يُعَدّ تركاً للمروءة.
وقوله: (وَقَالَ: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]) فيه جواز
الاستشهاد بالقرآن في مثل هذا الموطن، وقد ثبت في ((الصحيح)) مثله من فعل
رسول الله وَ﴿ لَمّا طَرَقَ فاطمة وعليّاً ﴿ّا ثم انصرَفَ، وهو يقول: ﴿وَكَنَ آلْإِنسَنُ
أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، ونظائر هذا كثيرة، قاله النوويّ تَخْذَتُهُ(١).
وقوله: ((ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ))) قال النوويّ تَُّ: هكذا هو في
الروايات، وهو الظاهر، وتَمّ الكلام على قوله: ((أحدثكموه))، ثم ابتداء تمام
الحديث، فقال: ((ثم أَرْجِعُ))، ومعناه: قال رسول الله وَّل: ((ثم أرجع إلى
ربي ... إلخ)).
وقوله رم: (وَجِبْرِيَائِي) - بكسر الجيم -: أي عظمتي، وسلطاني، أو
قهري.
وقوله: (لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) معناه: لأتفضلنّ عليهم
بإخراجهم من غير شفاعة، كما تقدم في الحديث السابق: ((شَفَعَت الملائكةُ،
وشَفَع النبيون، وشَفَع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين)).
وقوله: (فَأَشْهَدُ عَلَى الْحَسَنِ، أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ ...
إلخ) إنما ذكره تأكيداً، ومبالغةً في تحقيقه وتقريره في نفس المخاطب، وإلا
فقد سبق هذا في أول الكلام، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): قال ابن التين: قال هنا: ((لستُ لها))، وفي
غيره: (لست هناكم))، قال: وأسقط هنا ذكر نوح، وزاد: ((فأقول: أنا لها))،
وزاد: ((فيقول: أمتي أمتي))، قال الداوديّ: لا أراه محفوظاً؛ لأن الخلائق
اجتمعوا، واستشفعوا، ولو كان المراد هذه الأمة خاصّةً، لم تذهب إلى غير
نبيها، فدَلَّ على أن المراد الجميع، وإذا كانت الشفاعة لهم في فصل القضاء،
(١) ((شرح مسلم)) ٦٥/٣.

٣٤٥
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةٌ فِيهَا - حديث رقم (٤٨٧)
فكيف يَخُصّها بقوله: ((أمتي أمتي))، ثم قال: وأوّلُ هذا الحديث ليس متصلاً
بآخره، بل بقي بين طلبهم الشفاعة، وبين قوله: ((فأشفع)) أمور كثيرة من أمور
القيامة .
وقد أجاب القاضي عياض عن هذا الاستشكال بأن معنى الكلام: فيؤذن
له في الشفاعة الموعود بها في فصل القضاء، وقوله: ((ويلهمني)) ابتداءُ كلام
آخر، وبيانٌ للشفاعة الأخرى الخاصة بأمته، وفي السياق اختصار، وقد تقدّم
الجواب بأتمّ من هذا في شرح الحديث الطويل، فراجعه تستفد(١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أُولَ الكتاب قال:
[٤٨٧] (١٩٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرٍ، وَاتَّفَقَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، إِلَّا مَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْحَرْفِ بَعْدَ الْحَرْفِ،
قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: أَتِيَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَوْماً بِلَحْمِ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ
مِنْهَا نَهْسَةً، فَقَالَ: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَّوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاَكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ
الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَمَا لَا
يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ
بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ (٢) إِلَى رَبَّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ:
اثْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ
فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ، فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى
مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟(٣) فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ
(١) راجع: فتح الباري ج: ١٣ ص: ٤٧٦.
(٢) وفي نسخة: ((ألا تنظرون إلى من يشفع لكم)).
(٣) وفي نسخة: ((ألا ترى ما قد بلغنا)).

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
غَضَباً، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ،
فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوح (١)، فَيَأْتُونَ نُوحاً،
فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الْأَرْضِ، وَسَمََّكَ اللهُ عَبْداً شَكُوراً، اشْفَعْ
لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي
قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ
كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ، دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَِّ،
فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ، وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى
رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ:
إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ
كَذَبَاتِهِ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَىَّ وَّهِ،
فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالَاتِهِ (٢) وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى
النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟(٣) فَيَقُولُ
لَهُمْ مُوسَى وََّ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ
يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْساً، لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى
عِيسَى وَّةِ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ
فِي الْمَهْدِ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى
مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى وَِّ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ
الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْباً،
نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ نَِّ، فَيَأْتُونِي، فَيَقُولُونَ: يَا
مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا
(١) وفي نسخة: ((نفسي نفسي اذهبوا إلى نوح)).
(٢) وفي نسخة: ((برسالته)).
(٣) وفي نسخة: ((ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا))، بزيادة ((إلى)) في
الموضعين، وفي نسخة بزيادتها في الأول دون الثاني.

٣٤٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٧)
تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآَتِي
تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِداً لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ، وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ
الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، شَيْئاً لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ،
اشْفَعْ تُشَفَّعْ(١)، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلِ
الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ
شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ
الْمِصْرَاعَيْنِ، مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكّةَ وَبُصْرَى))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، واسمه
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريباً أيضاً.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
٤ - (أَبُو حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتانيّة - هو: يحيى بن
سعيد بن حَيّان التيميّ، أبو حيّان الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦] (ت١٤٥) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٦/١.
٥ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل:
اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير،
ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٦/١.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابي الشهير ◌َظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه شيخان، قرن بينهما .
(١) وفي نسخة: ((واشفع)) بالواو.

٣٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بمن اشتَهَر بالكنى، أبو حيّان، عن أبي زرعة،
عن أبي هريرة ◌ُه.
٥ - (ومنها): أن قوله: ((واتّفقا في سياق الحديث)) فيه إشارة إلى مسألة
اصطلاحيّة، قد تقدّم بيانها غير مرّة، وذكرها السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث))،
حيث قال:
تَوَافَقَا مَعْنَى وَلَفْظُ مَا اتَّحَدْ
وَلَوْ رَوَى مَتْناً عَنَ اشْيَاخِ(١) وَقَدْ
يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
مُقْتَصِراً بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ
وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا
أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ
مَعْ ((قَالَ)) أَوْ ((قَالَا)) فَذَاكَ أَحْسَنُ
وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ
٦ - (ومنها): أن المراد بالحرف في قوله: ((إلا ما يزيد أحدهما من
الحرف بعد الحرف)) ما يشمل الكلمة، والجملة؛ إذ يُطلق الحرف على ذلك
كلّه، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن أبا هريرة له رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه أنه (قَالَ: أُتِّيَ) بالبناء للمفعول (رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَوْماً
بِلَحْم، فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول أيضاً (إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) قال الفيّومِيّ كَذَتُهُ: الذراع:
اليد مَّن كلّ حَيَوَان، لكنها من الإنسان من الْمِرْفَق إلى أطراف الأصابع، وذراع
القياس أنثى في الأكثر، ولفظ ابن السّكّيت: والذراع أُنثى، وبعض العرب
يُذكِّر، قال ابن الأنباريّ: وأنشدنا أبو العبّاس، عن سَلَمَة، عن الفرّاء شاهداً
على التأنيث قول الشاعر:
(١) المراد بالجمع ما فوق الواحد، بدليل قوله: ((توافقا))، فتنبه.

٣٤٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٧)
أَرْمِي عَلَيْهَا وَهْيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ وَهْيَ ثَلَاثُ أَذْرُعِ وَإِصْبَعُ
وعن الفرّاء أيضاً: الذراع أُنثى، وبعض عُكْلٍ يُذَكِّر، فيقول: خمسة
أذرُع، قال ابن الأنباريّ: ولم يَعْرِف الأصمعيّ التذكير، وقال الزجّاج: التذكير
شاذّ غير مختار، وجمعها أَذْرُع، وذُرْعَان، حكاه في ((الْعُبَابِ))، وقال سيبويه:
لا جمع لها غير أَذْرُع. انتهى(١).
(وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ) قال القاضي عياض ◌َخْتُهُ: محبته ◌ََّ للذراع، وإعجابه
بها؛ لِنُضْج لحمها، وسُرْعة استمرائه له، مع زيادة لَذَّته، وحلاوة مَذَاقه على
سائر لحم الشاة، وبُعْده عن مواضع الأذى الذي كان يتّقيه وَّهِ. انتهى(٢).
وقد رَوَى الترمذيّ بإسناده عن عائشة ◌ّا قالت: ما كانت الذراع أحب
اللحم إلى رسول الله وَل﴿، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غِبّاً، فكان يَعْجَل
إليها؛ لأنها أعجلها نُضْجاً .
(فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً) هو بالسين المهملة، قال القاضي عياض نَّتُهُ: أكثر
الرواة رووه بالمهملة، ووقع لابن ماهان بالمعجمة، وكلاهما صحيح، بمعنى:
أَخَذَ بأطراف أسنانه، قال الهرويّ: قال أبو العباس: النَّهْسُ بالسين المهملة
بأطراف الأسنان، وبالشين المعجمة بالأضراس، قال القاضي: قال غيره: هو
نَشْرُ اللحم، قال النضر: نُهِشَتْ عَضُداه: أي دُقّتا. انتهى (٣).
(فَقَالَ: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ) قال القرطبيّ تَخْتُهُ: أي المقدّم عليهم، والسيّد:
هو الذي يسود قومه، أي يفوقهم بما جَمَعَ من الخصال الحميدة بحیث يلجؤون
إليه، ويُعوِّلون عليه في مهمّاتهم، قال الشاعر:
فَإِنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدتَنَا
وَإِنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخُلْ
وقد تحقّق كمال تلك المعاني كلّها لنبيّنا محمد بَّ في ذلك المقام الذي
يَحمَده، ويَغْبِطه فيه الأولون والآخرون، ويَشهَد له بذلك النبيّون والمرسلون،
وهذه حكمة عَرْض الشفاعة على خيار الأنبياء للّه، فكلَّهم تبرّأ منها، ودلّ
على غيره إلى أن بلغت محلّها، واستقرّت في نصابها (٤) .
(١) ((المصباح المنير)) ٢٠٧/١ - ٢٠٨.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢/ ٨٧٢ - ٨٧٣.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٨٧٤/٢.
(٤) ((المفهم)) ٤٢٦/١.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال القاضي عياض نَّهُ: قيل: السيد الذي يفوق قومه، والذي يُفْزَع
إليه في الشدائد، والنبيّ وَ ﴿ سيدهم في الدنيا والآخرة، وإنما خص يوم
القيامة؛ لارتفاع السؤدد فيها، وتسليم جميعهم له ذلك، ولكون آدم تعلَّله،
وأولاده تحت لوائه بَ ل﴿ كما قال الله تعالى: ﴿لَّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمِّ لِلَّهِ الْوَحِدِ اٌلْقَهَّارِ﴾
[غافر: ١٦]: أي انقطعت دَعَاوَى الدُّعاة في الْمُلك في ذلك اليوم، وبقي الْمُلك
الحقّ لله وحده الذي قَهَر جميع الجبابرة، والمدَّعين الملكَ، وأفناهم، ثم
أعادهم، وحَشَرَهم عُرَاةً فُقَراء. انتهى(١).
وقال النوويّ تَخَّتُهُ: إنما قال هذا ◌ََّ تَحَدُّثاً بنعمة الله تعالى، وقد أمره الله
تعالى بهذا، ونصيحةً لنا بتعريفنا حقه ێ .
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف لـ(سيّد))، قال في ((الفتح)): وخصّه بالذكر؛ لظهور
ذلك له يومئذ، حيث تكون الأنبياء كلّهم تحت لوائه، ويبعثه الله تعالى المقام
(٢)
المحمود. انتهى
(وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَالَكَ؟) أي هل تعلمون بأيّ شيءٍ كنت سيّد الناس؟
وقوله: (يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) جملة استئنافيّة استئنافاً بيانيّاً،
وهو ما وقع جواباً عن سؤال مقدّر، والتقدير هنا: كيف ذاك؟ وقد جاء هذا
السؤال مصرَّحاً به في رواية عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة الآتية: ((فلما
رأى أصحابه لا يسألونه، قال: ألا تقولون: كيفه؟ قالوا: كيفه يا رسول الله؟
قال: يقوم الناس لربّ العالمين ... )). (فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) المراد بـ(«الصّعِيد)):
الأرض الواسعة المستوية (فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ) بفتح الياء،
وبالذال المعجمة، وذكر الْهَرَويّ، وصاحب ((المطالع))، وغيرهما أنه رُوي بضم
الياء، وبفتحها، قال صاحب ((المطالع)): رواه الأكثرون بالفتح، وبعضهم
بالضم، وقال الهرويّ: قال الكسائيّ: يقال: نَفَذَني بصرُهُ: إذا بلغني،
وجاوزني، قال: ويقال: أنفذتُ القومَ: إذا خَرَقْتَهُم، ومشيتَ في وسطهم، فإن
جُزْتهم حتى تُخَلِّفَهم، قلت: نَفَذتهم بغير ألف، وقيل: يقال فيها: بالألف.
(١) ((إكمال المعلم)) ٨٧٣/٢ - ٨٧٤.
(٢) ((الفتح)) ٤٢٩/٦ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٣٤٠ - ٣٣٤١).

٣٥١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٧)
وقال الهرويّ: قال أبو عبيد: معناه: ينفذهم بصر الرحمن تبارك وتعالى،
حتى يأتي عليهم كلِّهم، وقال غير أبي عبيد: أراد: تَخْرِقُهم أبصار الناظرين؛
الاستواء الصعيد، والله تعالى قد أحاط بالناس أولاً وآخراً. انتهى.
وقال صاحب (المطالع)): معناه: أنه يُحيط بهم الناظر، لا يخفى عليه
منهم شيءٌ؛ لاستواء الأرض، أي ليس فيها ما يَستتر به أحدٌ عن الناظرين،
قال: وهذا أولى من قول أبي عبيد: يأتي عليهم بَصَرُ الرحمن تُعَلَ؛ لأن
رؤية الله تعالى تُحيط بجميعهم في كل حال، في الصعيد المستوي وغيره.
انتھی .
وقال ابن الأثير الجزريّ كَُّهُ بعد أن ذكر الخلاف في أن المراد بصر
الرحمن 38، أو بصر الناظر من الخلق: قال أبو حاتم السِّجستانيّ: أصحاب
الحديث يَرْوُونه بالذال المعجمة، وإنما هو بالمهملة: أي يبلغ أوّلَهُم وآخرَهم
حتى يراهم كلَّهم، ويستوعبهم، مِنْ نَفَدَ الشيء، وأنفدته، قال: وحمل الحديث
على بَصَر الناظر أولى من حمله على بصر الرحمن. انتهى (١).
قال النوويّ ◌َخْلُهُ بعد ذكر ما تقدّم: فَحَصَلَ خلافٌ في فتح الياء وضمها،
وفي الذال والدال، وفي الضمير في ((ينفذهم))، والأصح فتح الياء، وبالذال
المعجمة، وأنه بَصَرُ المخلوق. انتهى كلامه(٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى
أعلم.
وقال القرطبيّ تَظُّهُ: معناه أنهم مُجتمعون مهتمّون بما هم فيه، لا يخفى
منهم أحدٌ، بحيث إن دعاهم داع أسمعهم، وإن نظر إليهم ناظرٌ أدركهم،
ويَحْتَمِلُ أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العرض والحساب، أو أمر
آخر، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ ذُكُرٍ﴾ [القمر: ٦]. انتهى(٣).
(وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ) بالنصب مفعولاً مقدّماً، وفاعله ((ما لا
يُطيقون))، ولو رفع ((الناس)) على الفاعليّة، و((ما لا يطيقون)) مفعوله لكان له
وجه، وقوله: (مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبٍ) بيان لـ((ما)) مقدّم عليها (مَا) موصولة (لَا
(١) ((النهاية)) ٩١/٥.
(٣) ((المفهم)) ١/ ٤٢٧.
(٢) ((شرح مسلم)) ٦٦/٣.

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
يُطِيقُونَ) أي لا يستطيعون الصبر عليه (وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ) أي لا يقدرون تحمّله،
ولو بكُلفة ومشقّة (فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِيَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟، أَلَا تَرَوْنَ مَا
قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ) أي ألا تتأملون، وَتَتفكّرون، أو ألا تُبصرون (مَنْ يَشْفَعُ
لَكُمْ إِلَى رَبَّكُمْ؟) وفي نسخة: ((إلى من يشفع لكم إلى ربكم)) بزيادة ((إلى)).
والشفاعة أصلها الضمّ والجمع، ومنه ناقةٌ شَفُوعُ: إذا جَمَعت بين حَلْبتين
في حلبة واحدة، وناقة شافعٌ إذا اجتمع لها حملٌ وولدٌ يتبعها، والشفع ضمّ
واحد إلى واحد، والشُّفعة ضمّ ملك الشريك إلى ملكك، فالشفاعة إذن ضمّ
غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهارٌ لمنزلة الشفيع عند
المشفَّع، وإيصال منفعة إلى المشفوع له، قاله القرطبيّ كَذَهُ(١).
(فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضِ: اثْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ
أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد لله تعالى حقيقةً، على ما يليق
بجلاله ين، ولا نقول كما قال الشرّاح كالقرطبيّ: اللائق حملها هنا على
القدرة؛ لأن هذا تأويل غير صحيح؛ لأن الله تعالى خلق آدم وغيره من
المخلوقات بقدرته، فما وجه تخصيص آدم بها؟ وأيضاً فإن الذي أدّاهم إلى
هذا التأويل هو ظنهم التشبيه، بالمخلوق، وهو موجود في القدرة المؤوّل بها،
فإن القدرة يوصف بها المخلوق كما يوصف بها الله تعالى، فهم فرّوا من
ورطة، فوقعوا في أخرى، والحقّ الذي عليه السلف إثبات ما أثبت الله تعالى
من الصفات على الحقيقة، لا على المجاز، بلا تمثيل، ولا تحريف، ولا
تعطيل، قال ◌َلَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]،
فتبصّر، ولا تتهوّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) قال القرطبيّ: الروح هنا هو المذكور في قوله
تعالى: ﴿نَّلُ الْمَئِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ آلْأَمِينُ
١٩٣)
[الشعراء: ١٩٣]، وشرّفه بالإضافة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن
رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]، وهو جبريل ظلّها على قول أكثر المفسّرين: أي كان كلّ
واحد منهما من نفخة الملك، فصار المنفوخ فيه ذا روح من ريح نفخته، ولا
(١) ((المفهم)) ٤٢٨/١.

٣٥٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٧)
يُلتفت إلى ما يقال غير هذا. انتهى(١).
(وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ) أي بأن يسجدوا لك (فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ،
أَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟) وفي نسخة: ((ألا ترى ما
قد بَلَغَنا)) بحذف ((إلى))، قال النوويّ تَخْتُ: هو بفتح الغين، هذا هو الصحيح
المعروف، وضَبَطه بعض الأئمة المتأخرين بالفتح والإسكان، وهذا له وجه،
ولكن المختار ما قدمناه، ويدلّ عليه قوله في هذا الحديث قبل هذا: ((ألا تَرَوْن
ما قد بَلَغَكم))، ولو كان بإسكان الغين لقال: بَلَغْتُمْ. انتهى(٢).
(فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ
يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ) فيه إثبات صفة الغضب لله تعالى على ما يليق بجلاله، وأما
قول الشرّاح كالنوويّ وغيره: إن المراد بغضب الله تعالى ما يَظْهَر من انتقامه،
ممن عصاه، وما يرونه من أليم عذابه، وما يشاهده أهل المجمع من الأهوال
التي لم تكن، ولا يكون مثلها، ولا شك في أن هذا كله لم يتقدم قبل ذلك
اليوم مثله، ولا يكون بعده مثله، فهذا معنى غضب الله تعالى، كما أن رضاه
ظهور رحمته ولطفه، بمن أراد به الخير والكرامة؛ لأن الله تعالى يستحيل في
حقه التغير في الغضب والرضاء. انتهى، فغير صحيح، فإن هذا تفسير باللازم،
وليس معنى الغضب والرضا على الحقيقة، وقد تقدّم غير مرّة أن ما ثبت في
الكتاب والسنّة الصحيحة مما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله وَله
فمذهب السلف، وهو الحقّ أنه على ظاهره على الحقيقة، لا على المجاز،
فالرضا والغضب، والرحمة والمحبّة، والكراهة، وغيرها ثابتة لله تعالى حقيقة
لا مجاز فيه، على ما يليق بجلاله، بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا
تمثيل، فتمسّك بهدي السلف، تنج من التلف، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
(وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ) أي عن أكلها (فَعَصَيْتُهُ) أي خالفت نهيه،
فأكلتها (نَفْسِي نَفْسِي) ((نفسي)) الأولى مبتدأ حُذف خبره، أي نفسي هي التي
تستحقّ أن يُشْفَع لها، أو خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي المستحقّ للشفاعة نفسي،
(١) ((المفهم)) ١/ ٤٢٧ - ٤٢٨.
(٢) ((شرح مسلم)) ٦٧/٣ - ٦٨.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
و((نفسي)) الثانية تأكيد عليهما، وأعربهما بعضهم بأنهما مبتدأ وخبر، من باب
(شِعْري شِعْري))؛ للمبالغة، ويؤيّد الأول تكرير ((نفسي)) في بعض الروايات
ثلاث مرّات، والله تعالى أعلم.
(اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي) وفي بعض النسخ بإسقاط هذه الجملة (اذْهَبُوا إِلَی
نُوح، فَيَأْتُونَ نُوحاً، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرْضِ) استُشكل
هذاً بأن آدم فعاليَّ* كان نبيّاً، وبالضرورة يُعلم أنه كان على شريعة من العبادة،
وأن أولاده أخذوا ذلك منه، فعلى هذا فهو رسول إليهم، فيكون هو أول
رسول.
وأجيب بأنه يحتمل أن تكون الأوليّة في قول أهل الموقف لنوح
مقيّدةً بقولهم: إلى أهل الأرض؛ لأنه في زمن آدم لم يكن للأرض أهلٌ، أو
لأن رسالة آدم علَّه إلى بنيه كانت كالتربية للأولاد، ويحتمل أن يكون المراد
أنه رسول أُرسل إلى بنيه وغيرهم من الأمم الذين أرسل إليهم مع تفرّقهم في
عدّة بلاد، وآدم فِلَّه إنما أُرسل إلى بنيه فقط، وكانوا مجتمعين في بلدة
واحدة.
واستشكله بعضهم بإدريس ليلا، وأجيب بأنه مختلف في کونه قبل نوح،
وقد تقدّم هذا البحث مستوفى في شرح حديث أنس ظُته، فراجعه. (وَسَمَّاكََ اللهُ
عَبْداً شَكُوراً) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا
شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٣]، قال في ((الفتح)): وفي الحديث ردّ على من زعم أن
الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ لموسى عَلَّا، وقد صحح ابن
حبان من حديث سلمان الفارسيّ ◌َظُه: ((كان نوح إذا طَعِمَ، أو لَبِسَ حَمِدَ الله،
فسُمِّي عبداً شكوراً))، وله شاهد عند ابن مردويه، من حديث معاذ بن أنس،
وآخر من حديث أبي فاطمة(١) .
وأخرج عبد الرزاق بسند مقطوع: ((أن نوحاً كان إذا ذهب إلى الغائط
قال: الحمد لله الذي رزقني لذّته، وأبقى فيّ قُوّته، وأذهب عنّي الأذى))(٢).
(١) راجع: ((الفتح)) ٢٤٨/٨ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٧١٢).
(٢) راجع: ((الفتح)) ٤٣٠/٦ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) (٣٣٤١).

٣٥٥
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٧)
وقال القرطبيّ كَّلهُ: الشكور: الكثير الشكر، وهو من أبنية المبالغة،
وأصل الشكر: الظهور، ومنه دابّة شَكورٌ: إذا كانت يظهر عليها من السِّمَن فوق
ما تأكله من الْعَلَف، وأَشْكَرَ الضرعُ: إذا ظهر امتلاؤه باللبن، والسماء بالمطر،
فكأن الشاكر يُظهر القيام بحقّ المنعِم، ولذلك قيل: الشكور هو الذي ظَهَر منه
الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة، وملازمة الحرمة. انتهى(١).
(اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ
لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ،
وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ، دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي) قال القرطبيّ كَُّهُ: يريد قوله:
﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦](٢). (نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى
إِبْرَاهِيمَ وََّ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ، وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ)
قال القرطبيّ نَّثهُ: إبراهيم بالسريانيّة: هو الأب الرحيم، حكاه المفسّرون،
و((الخليل)): الصَّدِيق المخلص، و((الْخُلّة)) بضم الخاء: الصداقة والمودّة، ويقال
فيها أيضاً: خُلالة بالضمّ والفتح، والكسر، و((الْخَلّةُ)) بفتح الخاء: الفقر
والحاجة، و((الْخِلّة)) بكسرها: واحدة خِلَل السيوف، وهي بطائن أغشيتها،
و ((الْخَلَلُ)) الفُرْجة بين الشيئين، والجمع الخلال.
واختلف في الخليل اسم إبراهيم ظلّ: من أيّ هذه المعاني، والألفاظ
أُخذ؟ فقيل: إنه مأخوذ من الْخُلّة بمعنى: الصداقة، وذلك أنه صَدَقَ في محبّة الله
تعالى، وأخلص فيها حتى آثر محبّته على كلّ محبوباته، فبذل ماله للضيفان، وولده
للقُربان، وجسده للنيران، وقيل: من الْخَلَّة التي بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه
افتقر إلى الله تعالى في حوائجه، ولجأ إليه في فاقته حتى لم يلتفت إلى غيره،
بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل، وهو في الهواء حين رُمي في المنجنيق:
ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا(٣)، وقيل: من الخلل بمعنى الْفُرْجة بين الشيئين،
وذلك لِمَا تخلّل قلبه من معرفة الله تعالى، ومحبّته ومراقبته حتى كأنه مُزجت أجزاء
قلبه بذلك، وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء، فقال [من الخفيف]:
(١) «المفهم)) ٤٢٨/١.
(٣) تقدّم أن هذا حديث ضعيف.
(٢) ((المفهم)) ٤٢٩/١.

٣٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وَلِذَا سُمِّي الْخَلِيلُ خَلِيلًا
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي
ولقد جمع إبراهيم بنعليّ هذه المعاني كلّها، وأحسن من قال في الْخُلّة:
إنها صَفَاءُ المودّة التي توجب الاختصاص بتخلّل الأسرار، والغنى عن الأغيار.
انتھی(١).
(اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبَّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟
فَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا
يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ) قال القرطبيّ تَُّهُ: قد فسّرها في الرواية
الأخرى بما ليس كذباً على التحقيق، ونحن نذكرها، ونبيّنها - إن شاء الله
تعالى - فمنها قوله في الكوكب: ﴿هَذَا رَبِّ﴾ [الأنعام: ٧٦] ذكر المفسّرون أن
ذلك كان في حال الطفوليّة في أول حال استدلاله، ثم إنه لَمّا تكامل نظره،
وتمّ على السداد وضح له الحقّ، قال: ﴿إِنِ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّوَتِ
وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ [الأنعام: ٧٩].
قال القرطبيّ كَّتُهُ: وهذا لا يليق بالأنبياء لها؛ لأن الله تعالى خصّهم
بكمال العقل، والمعرفة بالله ريك، وسلامة الفطرة، والحماية عن الجهل بالله
تعالى، والكفر من أول نشأتهم، وإلى تناهي أمرهم؛ إذ لم يُسمَع عن أحد منهم
أنه اعتقد مع الله إلهاً آخر، ولا اعتقد مُحالاً على الله تعالى، ولا ارتكب شيئاً
من قبائح أُممهم الذين أُرسلوا إليهم، لا قبل النبوّة، ولا بعدها، ولو كان شيء
من ذلك لقَرَعهم بذلك أُممهم لَمّا دعوهم إلى التوحيد، ولاحتجّوا عليهم
بذلك، ولم يُنقَل شيء من ذلك، وأما بعد إرسالهم فكلّ ذلك محالٌ عليهم
عقلاً على ما نبيّنه.
وقيل: إنه علَل* قال ذلك لقومه على جهة الاستفهام الذي يُقصد به
التوبيخ لهم، والإنكار عليهم، وحُذفت همزة الاستفهام؛ اتّساعاً كما قال
الشاعر [من الطويل]:
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَاسِبٌ
بِسَبْعِ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ
وقال آخر [الطويل]:
(١) ((المفهم)) ٤٢٩/١.

٣٥٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٧)
رَفَوْنِي(١) وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أي: أُهُم هم؟.
وقيل: إنما قال ذلك على طريق الاحتجاج على قومه، تنبيهاً على أن ما
يتغيّر لا يصلح للربوبيّة.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول هو الأرجح في تأويل الآية، قال
الإمام ابن كثير تَخْلُ في ((تفسيره) :
وقد اختَلَفَ المفسرون في هذا المقام: هل هو مقامُ نظر، أو مناظرة؟
فَرَوَى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ما يقتضي أنه
مقام نظر، واختاره ابن جرير، مُستدلاً بقوله: ﴿لَيِنِ لَّمْ يَهْدِنِ رَبِ﴾ [الأنعام: ٧٧]
الآية، ثم قال ابن كثير رَّتُهُ :
والحقّ أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان في هذا المقام مناظراً
لقومه، مُبَيِّناً لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل، والأصنام، فَبَيَّن في
المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور
الملائكة السماوية؛ ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذي هو عند أنفسهم
أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته؛ ليشفعوا لهم عنده في
الرَّزق والنصر وغير ذلك، مما يحتاجون إليه، وبَيَّن في هذا المقام خطأهم
وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السّيّارة السبعة المتحيرة، وهي
القمر، وعُطارد، والزُّهْرة، والشمس، والْمِرِّيخ، والمشتري، وزُحَل، وأشدهنّ
إضاءةً وأشرفهنّ عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فَبَيَّن أولاً - صلوات الله
وسلامه عليه - أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مُسَخّرة مُقَدَّرة بسير
معين، لا تزيغ عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تملك لنفسها تصرفاً، بل هي جِرْم
من الأجرام، خلقها الله مُنِيرةً لما له في ذلك من الْحِكَم العظيمة، وهي تَظْلُع
من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب، حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم
تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل
إلى القمر، فَبَيَّن فيه مثل ما بيّن في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما
(١) أي سكّنوني من الرعب.

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع على الأبصار، وتَحَقَّق
ذلك بالدليل القاطع، قال: ﴿يَقَوْمِ إِنِّ بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨]: أي أنا
بريء من عبادتهنّ وموالاتهنّ، فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعاً، ثم لا تنظرون،
٧٩
﴿إِنِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى نَظَرَ اُلَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[الأنعام: ٧٩]: أي إنما أعبد خالق هذه الأشياء، ومُختَرِعها، ومسخرها،
ومقدرها، ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء، وربه،
ومليكه، وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِ
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَظْلُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ
[الأعراف: ٥٤]، وكيف
مُسَخََّتٍِ بِأَمَِّهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
يجوز أن يكون إبراهيم ناظراً في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه:
وَلَقَدْ ءَانَيْنَآَ إِنَزَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِينَ ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَّوْمِهِ، مَا هَذِهِ
: [الأنبياء: ٥١، ٥٢] الآيات، وقال تعالى: ﴿إِنَّ
التَّمَائِلُ الَِّ أَنْتُمْ لَمَا عَكِفُونَ (19)،
إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلِّ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٢٥) شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةِ اجْتَبَهُ وَهَدَنهُ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿ وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ (٣) ثُمَّ أَوْحَيْنَاً
[النحل: ١٢٠ - ١٢٣] وقال
٨٢٣
إِلَيْكَ أَنِ أَتَّعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
تعالى: ﴿قُلّ إِنَّنِ هَدَيْنِ رَقٍ إِلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا مِلَّةَ إِنْزَهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
﴾ [الأنعام: ١٦١]؟ وقد ثبت في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة رَظُه عن
الْمُشْرکینَ
رسول الله وَلّ أنه قال: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة ... )) الحديث، وفي ((صحيح
مسلم))، عن عياض بن حمار ظُه: ((أن رسول الله وَ له قال: قال الله: إني خلقت
عبادي حنفاء ... )) الحديث، وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ
ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِّرْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَلَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]،
ومعناه على أحد القولين كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ .
قال: فإذا كان هذا في حقّ سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم
الخليل الذي جعله الله أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يكن من المشركين ناظراً في
هذا المقام؟ بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسّجِيّة المستقيمة بعد
رسول الله بلا شك ولا ريب. انتهى المقصود من كلام ابن

٣٥٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٧)
كثير تَخْذُهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
ومنها(٢): قوله لآلهتهم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]،
إنما قاله ممهّداً للاستدلال على أنها ليست آلهةً، وقطعاً لقومه في قولهم: إنها
تضرّ وتنفع، وهذا الاستدلال، والذي قبله يتحرّر من الشرط المتّصل، ولذلك
أردف على قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ﴾ قوله: ﴿فَيْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ﴾
[الأنبياء: ٦٣]، وعند ذلك قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]،
فقال لهم: ﴿أَفَتَعَبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء:
٦٦]، فحَقّت كلمته، وظهرت حجته.
ومنها: قوله: ﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وهذا تعريضٌ، وحقيقته أنه
سيسقم، واسم الفاعل بمعنى المستقبل كثير، ويَحْتَمِل أن يُريد به أنه سقيم
الحجة على الخروج معكم؛ إذ كان لا يصحّ على جواز ذلك حجّة.
ومنها: ما جاء في حديث إبراهيم ظلَّلا أنه قال لزوجه سارة حين دخل
أرض الجبّار، فسُئل عنها، فقال: إنها أختي، وصَدَقَ، فإنها أخته في الإسلام،
وكذلك جاء عنه منصوصاً أنه قال: إنما أنتِ أختي في الإسلام.
وبالجملة فأوجه الأمور واضحة، وصِدْقها معلومٌ على الأوجه المذكورة،
فليس في شيء منها ما يقتضي ◌ِتاباً، ولا عقاباً، لكنّ هولَ المقام، وشدّة الأمر
حَمَله على الخوف منها .
وأيضاً فلْنتبيَّن درجة من يقول: ((نفسي نفسي)) من درجة من يقول: ((أمّتي
أُمتي)). انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّ(٣).
(نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى) قيل: سُمّي بذلك؛
لأنه وُجد بين ((مو))، وهو بالعبرانيّة الماء، و(شى))، وهو الشجر، فعُرّب، والله
تعالى أعلم.
(١) ((تفسير ابن كثير)) ٦ / ٩٧ - ٩٩.
(٢) أي من تلك الكذبات التي قالها إبراهيم ظلّ*، فهو من تَتِمّة كلام القرطبيّ السابق،
فتنبه .
(٣) ((المفهم)) ٤٣١/١ - ٤٣٣.

٣٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(فَيَأْتُونَ مُوسَى وَّةِ، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ
بِرِسَالَاتِهِ) وفي نسخة: ((برسالته)) (وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ) هذا إشارة إلى قوله
تعالى: ﴿إِنِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَِّى﴾ [الأعراف: ١٤٤]، قال القرطبيّ:
لا خلاف بين أهل السنّة في أن موسى عليّ سمع كلام الله الذي لا يُشبهه كلام
البشر الذي ليس بصوت ولا حرف، ولو سمعه بالحرف والصوت لَمَا صحّت
خُصُوصيّة الفضيلة لموسى بذلك؛ إذ قد سمع كلامه تعالى بواسطة الحرف
والصوت المشرِكُ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى
يَسْمَعَ كَلَمَ اْللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ليس بصوت ولا حرف)) غیر صحیح؛
لأن مذهب أهل السنّة والجماعة من السلف الصالح أن الله تعالى يتكلّم بصوت
وحرف متى شاء (٢)، وأما خصوصيّة موسى ظلَّا فليست من هذا الوجه، بل من
جهة أنه سمع كلامه بلا واسطة، وأما سائر الناس، فإنما سمعوه بواسطة
جبريل فظلّها، ثم بواسطة النبيّ وَلّ، وهذا مما لا يخفى على من له أدنى فهم،
فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟) وفي نسخة:
((ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا)) بزيادة ((إلى)) في موضعين، وفي
أخرى بزيادتها في الأول دون الثاني (فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى وَّهِ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ
الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْساً، لَمْ أُومَرْ
بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ◌َّهِ، فَيَأْتُّونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى،
أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) أي صغيراً في الحال التي يُمهد لك فيها
موضعك؛ لتضطجع عليه؛ لصغرك (وَكَلِمَةٌ مِنْهُ) قال ابن عبّاس ◌ِّهَا: سمّاه كلمة؛
لأنه بكلمة ((كن)) من غير أن يتقلّب في أطوار الخلق كما تقلّب غيره(٣)، (أَلْقَاهَا
(١) ((المفهم)) ٤٣٣/١.
(٢) راجع: ((شرح العقيدة الطحاويّة))، فقد أبان المذاهب كلها، وحقّقها تحقيقاً بالغاً
ص١٦٨ - ١٨٨.
(٣) ((المفهم)) ٤٣٥/١.