النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ)
رضىعنه .
◌َُّه هذا أورده المصنّف تَخَذَتُ هنا مطوّلاً من طريق
[تنبيه]: حديث أنس
أبي عوانة، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائيّ، ثلاثتهم عن قتادة عنه،
ومن طريق معبد بن هلال، عن أنس، وفيه زيادة للحسن، عن أنس، وأخرجه
أيضاً من حديث أبي هريرة ظه من رواية أبي زرعة، عنه، ومن رواية أبي
حازم، عنه، ومن رواية ربعيّ بن حِرَاش، عن حُذيفة
وأخرجه البخاريّ في ((الرقاق)) من طريق أبي عوانة، وفي ((التفسير)) من
رواية هشام الدستوائيّ، ومن رواية سعيد بن أبي عروبة، وفي ((التوحيد)) من
طريق هَمّام أربعتهم عن قتادة، وأخرجه أيضاً أحمد من رواية شَيْبان، عن
قتادة، وفي ((التوحيد)) من طريق معبد بن هلال، عن أنس، وفيه زيادة للحسن
عن أنس، ومن طريق حُمَيد، عن أنس باختصار.
وأخرجه أحمد من طريق النضر بن أنس، عن أنس، وأخرجه أيضاً من
حديث ابن عباس، وأخرجه ابن خزيمة، من طريق معتمر، عن حميد، عن
أنس، وعند الحاكم من حديث ابن مسعود، والطبرانيّ من حديث عبادة بن
الصامت، ولابن أبي شيبة من حديث سلمان الفارسيّ.
ورواه البخاريّ أيضاً في ((التفسير)) من حديث أبي هريرة لحظاته، من رواية
أبي زرعة عنه، وأخرجه الترمذيّ من رواية العلاء بن يعقوب عنه.
وأخرجه أيضاً في ((التوحيد)) من حديث أبي سعيد الخدريّ تَظُته، وله
طُرُق، عن أبي سعيد مختصرة.
وأخرجه أبو عوانة من رواية حذيفة، عن أبي بكر الصديق ظُه، وأخرجه
البخاريّ في ((الزكاة)) من حديث ابن عمر ﴿ًّا باختصار، وعند كلّ منهم ما
ليس عند الآخر، وسأنبّه تبعاً للحافظ تَُّهُ(١) ما عند كل منهم من فائدة،
مستوعباً - إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) رَظُه (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وفي
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٤٠/١١ (٦٥٦٥).

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رواية معبد بن هلال الآتية: ((إذا كان يومُ القيامة ماجَ الناسُ بعضهم في
بعض)).
وأول حديث أبي هريرة بظلاله: ((أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون
بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، يُسْمِعهم
الداعي، ويَنْفُذهم البصر، وتَدْنُو الشمس، فيبلُغُ الناسَ من الغمّ والكرب ما لا
يُطيقون، ولا يَحْتَملون))، وزاد في رواية إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن
عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة فيه: ((وتدنو الشمس من رؤوسهم، فَيَشْتَدُّ
عليهم حرُّها، ويَشُقّ عليهم دُنُوْها، فينطلقون من الضَّجَر والْجَزَع مما هم فيه))،
وهذه الطريق ستأتي للمصنّف تَّتُ عن زُهير بن حرب، عن جرير بن
عبد الحميد، لكن لم يَسُق لفظها .
وأول حديث أبي بكر رُه: «عُرِضَ عليّ ما هو كائن من أمر الدنيا
والآخرة، يَجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فَيُفْظَعُ الناسُ(١)
لذلك، والعَرَق كاد يُلجمهم))، وفي رواية معتمر: ((يَلْبَثون ما شاء الله من
الحبس))، وعند المصنّف من حديث المقداد نص به: ((أن الشمس تدنو حتى تصير
من الناس قدرَ مِیل)).
وفي حديث سلمان ربه: ((تُعْطَى الشمس يوم القيامة حَرّ عشر سنين، ثم
تدنو من جماجم الناس، فَيَعْرَقُون، حتى يَرْشَح العرق في الأرض قامةً، ثم
يرتفع الرجل حتى يقول: عق عق))، وفي رواية النضر بن أنس: (لِغَمّ ما هم
فيه، والخلق مُلْجَمون بالعرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزُّكْمَة، وأما الكافر
ضُيَتْهُ رفعه: ((إني لسيد الناس
فيغشاه الموت))(٢)، وفي حديث عبادة بن الصامت
(١) يقال: أُفْظِعِ يُقطَعُ بالبناء للمفعول: إذا نزل به أمرٌ شديد. اهـ. ((المصباح)) ٤٧٨/٢.
(٢) قال الإمام أحمد تَخَّتُهُ في ((المسند)): (١٢٣٥٩) حدثنا يونس بن محمد، حدثنا
حرب بن ميمون، أبو الخطاب الأنصاريّ، عن النضر بن أنس، عن أنس، قال:
حدثني نبي الله وَّ: ((إني لقائم أنتظر أمتي، تَعْبُر على الصراط، إذ جاءني عيسى،
فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد، يسألون، أو قال: يجتمعون إليك،
ويدعون الله وَك أن يُفَرِّق جمع الأمم إلى حيث يشاء الله؛ لِغَمِّ ما هم فيه، والخلق =

٣٠٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
يوم القيامة، بغير فخر، وما من الناس إلا مَن هو تحت لوائي، ينتظر الفَرَج،
وإن معي لواءَ الحمد)»، ووقع في رواية هشام، وسعيد، وهمام: ((يجتمع
المؤمنون، فيقولون))، وتبيّن من رواية النضر بن أنس أن التعبير بالناس أرجح،
لكن الذي يَطْلُب الشفاعة هم المؤمنون، قاله في ((الفتح))(١).
(فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ - وقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ : - فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ) قال النوويّ ◌َُّ:
معنى اللفظتين متقاربان، فمعنى الأولى: أنهم يَعْتَنُون بسؤال الشفاعة، وزوال
الْكَرْب الذي هم فيه، ومعنى الثانية: أن الله تعالى يُلْهِمهم سؤال ذلك،
والإلهام أن يُلْقِي الله تعالى في النفس أمراً يَحْمِل على فعل الشيء، أو تركه،
والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
(فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا) أي طلبنا الشفاعة، قال الطيبيّ تَّتُهُ: ((لو)) هي
المتضمّنة للتمنّي والطلب، قال في ((أساس البلاغة)): شَفَعْتُ له إلى فلان، وأنا
شافعه، وشَفِيعه، واستشفعني إليه، فَشَفْعتُ له، واستشفع بي، قال الأعشى [من
الطويل]:
مَضَى زَمَنٌ وَالنَّاسُ يَسْتَشْفِعُونَ بِي فَهَلْ لِي إِلَى لَيْلَى الْغَدَاةَ شَفِيعُ(٣)
(عَلَى رَبِّنَا) وفي رواية هشام الدستوائيّ، وسعيد بن أبي عروبة بلفظ:
((إلى ربنا))، وتُوَجَّه بأنه ضُمِّن معنى استشفعنا: سَعَينا؛ لأن الاستشفاع طلب
الشفاعة، وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى؛ ليستعين به على ما يَرُومه، وفي
= مُلْجَمون في العرق، وأما المؤمن فهو عليه كالزُّكمة، وأما الكافر فيتغشاه الموت،
قال: قال لعيسى: انتظر حتى أرجع إليك، قال: فذهب نبي الله وَل حتى قام تحت
العرش، فلقي ما لم يَلْقَ ملك مُصْطَفَى، ولا نبي مُرْسَلٌ، فأوحى الله رَكْ إلى
جبريل: اذهب إلى محمد، فقل له: ارفع رأسك، سل تعط، واشفع تُشَفَّع، قال:
فَشُفِّعتُ في أمتي، أن أُخرج من كل تسعة وتسعين إنساناً واحداً، قال: فما زلت
أتردد على ربي رَّت، فلا أقوم مقاماً إلا شُفِّعت حتى أعطاني الله رَ من ذلك أن
قال: يا محمد، أدخل من أمتك من خلق الله رَكَ مَن شَهِد أنه لا إله إلا الله يوماً
واحداً مخلصاً، ومات على ذلك))، وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال مسلم.
(١) ١١/ ٤٤٠ رقم (٦٥٦٥).
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥١٧/١١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣/ ٥٣.

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
حديث حذيفة وأبي هريرة ظه معاً الآتي: ((يَجْمَع الله الناس يوم القيامة، فيقوم
المؤمنون حتى تَنْزَلِف لهم الجنة، فيأتون آدم ... ))، و((حتى)) غاية لقيامهم
المذكور، ويؤخذ منه أن طلبهم الشفاعة يَقَع حين تَنزَلِف لهم الجنة، ووقع في
أول حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد، رفعه: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض
... )) الحديث، وفيه: ((فيفزع الناس ثلاث فَزَعَات، فيأتون آدم ... )) الحديث.
قال القرطبيّ تَظّفُهُ: كأن ذلك يقع إذا جيء بجهنم، فإذا زَفَرَت فَزِع الناس
حينئذ، وجَثَوا على ركبهم. انتهى.
(حَتَّى يُرِيحَنَا) بضمّ أوله، من الإراحة، يقال: أرحته: أي أسقطتُ عنه ما
يجد من تَعَبه(١)، وقال الطيبيّ: ونصبه بـ((أن)) المقدّرة بعد الفاء الواقعة جواباً
لـ(لو))، والمعنى: لو استشفعنا أحداً إلى ربّنا، فيشفع لنا، فيُخلّصنا مما نحن
فيه من الكرب والحبس. انتهى(٢).
(مِنْ مَكَانِتَا هَذَا) وفي حديث ابن مسعود رُّه عند ابن حبان: ((إن الرجل
لَيُلْجِمه العَرَق يوم القيامة، حتى يقول: يا رب أرحني ولو إلى النار))، وفي
رواية ثابت، عن أنس به: ((يطول يومُ القيامة على الناس، فيقول بعضهم
لبعض: انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر، فَلْيَشْفَع لنا إلى ربنا، فلْيَقْضِ بيننا))، وفي
حديث سلمان رظُه: ((فإذا رأوا ما هم فيه قال بعضهم لبعض: ائتوا أباكم
آدم))، وفي رواية حذيفة، وأبي هريرة ﴿يَا: ((فيقولون: يا أبانا استفتح لنا
الجنة)).
(قَالَ: فَيَأْتُونَ آدَمَ وَّ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ) هو من باب قوله: ((أَنَا أَبُو
النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي))، وهو مبهمٌ، فيه معنى الكمال، لا يُعلَم ما يُراد منه،
ففسّرَه بما بعده من قوله: ((أبو الخلق، خَلَقك الله بيده ... إلخ))، قاله
الطيبيّ كَْتُ (أَبُو الْخَلْقِ) المراد به البشر (خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ) فيه إثبات صفة
اليد لله ◌ُعَلَ على ما يليق بجلاله، ولا تؤوّل بالقدرة (وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ)
الإضافة فيه إضافة تشريف، كما بيت الله، وناقة الله، وزاد في رواية همام:
(١) ((المصباح)) ٢٤٤/١.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥١٧/١١.

٣٠٥
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
((وأسكنك جنته، وعَلَّمك أسماء كل شيء))، أي أسماء المسمّيات (وَأَمَرَ
الْمَلَائِكَةَ، فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ، حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا) أي
هذا المكان العظيم، والموقف الأليم (فَيَقُولُ) آدم لعلّها: (لَسْتُ هُنَاكُمْ) لفظة
(هنا)) موضوعة للمكان القريب المشار إليه، فإذا ألحقت بها كاف الخطاب
تكون للبعيد، فالمعنى هنا: أنا بعيد من مقام الشفاعة، فلست أهلاً لها، قال
البيضاويّ كَّثُ: أي يقول لهم آدم ظلَّه: لستُ في المكان والمنزل الذي
تحسبونني، يريد به مقام الشفاعة. انتهى.
وقال القاضي عياض ◌َخْلَتُهُ: هو كناية عن أن منزلته دون المنزلة المطلوبة،
قاله تواضعاً وإكباراً لما يسألونه، قال: وقد يكون فيه إشارة إلى أن هذا المقام
ليس لي، بل لغيري، وقد وقع في رواية معبد بن هلال: ((فيقول: لست لها»،
وفي رواية حذيفة: (لست بصاحب ذاك))، وهو يؤيد الإشارة المذكورة، قاله في
((الفتح))(١). (فَيَذْكُرُ) آدم علَّ اعتذاراً عن التقاعد عن الشفاعة، ومبيّناً سببه
(خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ) فيه حذف العائد إلى الموصول، تقديره: ((أصابها))، زاد
همام في روايته: ((أكلّهُ من الشجرة، وقد نُهِي عنها))، وهو بنصب ((أكلَهُ)) بدل
من قوله: ((خطيئته))، ويجوز أن يكون بياناً للضمير المبهم المحذوف، نحو قوله
تعالى: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾ الآية [فصلت: ١٢].
وفي رواية هشام: ((فيذكُر ذنبه، فيستحي))، وفي رواية ابن عباس: ((إني
قد أُخْرِجتُ بخطيئتي من الجنة))، وفي رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد: ((وإني
أذنبت ذنباً، فأُهْبِطت به إلى الأرض))، وفي رواية حذيفة، وأبي هريرة معاً:
(هل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟))، وفي رواية ثابت عند سعيد بن
منصور: ((إني أخطأت، وأنا في الفردوس، فإن يُغْفَرْ لي اليومَ حسبي))، وفي
حديث أبي هريرة ◌َظُه: ((إن ربي غَضِبَ اليومَ غَضَباً لم يغضب قبله مثله، ولن
يغضبَ بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، فعصيتُ، نفسي نفسي نفسي،
اذهبوا إلى غيري)) (فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا) أي تلك الخطيئة (وَلَكِنِ اثْتُوا نُوحاً، أَوَّلَ
رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ) زاد في رواية: ((إلى الأرض))، وفي رواية هشام: ((فإنه أول
(١) ٤٤١/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٦٥).

٣٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رسول بعثه الله إلى أهل الأرض))، وفي حديث أبي بكر نصرالله: ((انطلقوا إلى
أبيكم بعد أبيكم، إلى نوح، ائتوا عبداً شاكراً))، وفي حديث أبي هريرة رظُته :
((اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل
الأرض، وقد سَمّاك الله عبداً شكوراً))، وفي حديث أبي بكر بنظُه: ((فينطلقون
إلى نوح، فيقولون: يا نوح اشفَعْ لنا إلى ربك، فإن الله اصطفاك، واستجاب
لك في دعائك، ولم يَدَعْ على الأرض من الكافرين دَيّاراً)).
ويُجْمَع بينهما بأن آدم سبق إلى وصفه بأنه أول رسول، فخاطبه أهل
الموقف بذلك.
[تنبيه]: قد استُشْكِلت هذه الأولية بأن آدم نبيٌّ مرسلٌ، وكذا شيثٌ،
وإدريس، وهم قبل نوح عليهم الصلاة والسلام.
[وأجيب]: بأنّ الأولية مقيَّدة بقوله: ((أهل الأرض))؛ لأن آدم، ومن ذكر
معه عليّ، لم يُرْسلوا إلى أهل الأرض جميعاً.
واستُشْكِل أيضاً بحديث جابر ظه عند البخاريّ مرفوعاً: ((أُعطِيتُ خمساً
لم يُعطهنّ أحد ... )) الحديث، وفيه: ((وكان النبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً،
وبُعثتُ إلى الناس كافّةً ... )).
أُجيب بأن العموم لم يكن في أصل بعثة نوح علَّلا، وإنما اتّفق باعتبار
حصر الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما بعثة نبيّنا محمد دَله
فهي في أصلها عامّة لقومه، ولغير قومه، أو الأولية مقيدة بكونه أُهلك قومه،
أو إن الثلاثة كانوا أنبياء، ولم يكونوا رسلاً، والى هذا جنح ابن بطال في حقّ
آدم، وتعقّبه عياض بما صححه ابن حبّان من حديث أبي ذرّ ◌َظُه، فإنه
كالصريح في أنه كان مرسلاً، وفيه التصريح بإنزال الصحف على شيث، وهو
من علامات الإرسال، وأما إدريس، فذهبت طائفة إلى أنه كان في بني
إسرائيل، وهو إلیاس.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي ذر ◌ُبه، وإن صححه ابن حبّان،
إلا أنه ضعيف، فلا يصلح للاحتجاج به، على أنه فلا يلزم من إنزال الصحف
أن يكون المنزل عليه رسولاً؛ لاحتمال أن يكون ليعمل به في خاصّة نفسه، أو

٣٠٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
لا يكون فيه أمر ونهي، بل مواعظ ونصائح تختصّ به، فتنبّه(١).
ومن الأجوبة أيضاً أن رسالة آدم لعلَّ كانت إلى بنيه، وهم مُؤَخِّدون؛
ليعلمهم شريعته، ونوح كانت رسالته إلى قوم كفار، يدعوهم إلى التوحيد، قاله
في ((الفتح))(٢).
(قَالَ: فَيَأْتُونَ نُوحًّ ◌َِّ، فَيَقُولُ) نوحٍ عَلَِّ (لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ) نوح
(خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا) في رواية هشام: ((ويذكر سؤال ربه ما
ليس له به علم))، وفي رواية شيبان: ((سؤال الله))، وفي رواية معبد بن هلال
مثل جواب آدم، لكن قال: ((وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي))، وفي
حديث ابن عباس ◌ًّا: ((فيقول: ليس ذاكم عندي))، وفي حديث أبي
هريرة رَُّه: ((إني دعوت بدعوة أغرَقَتْ أهلَ الأرض)).
وُجْمَع بینه وبین الأول بأنه اعتذر بأمرين:
[أحدهما]: نَهْيُ الله تعالى له أن يسأل ما ليس له به علم، فَخَشِي أن
تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك.
[ثانيهما]: أن له دعوةً واحدةً محققَةَ الإجابة، وقد استوفاها بدعائه على
أهل الأرض، فخَشِيَ أن يطلُبَ، فلا يجابَ.
وقال بعض الشراح: كان الله وَعَدَ نوحاً أن ينجيه وأهله، فلما غَرِقَ ابنه
ذكر لربه ما وعده، فقيل له: المراد مِن أهلك مَن آمن، وعمل صالحاً، فخرج
ابنك منهم، فلا تسأل ما ليس لك به علم.
(١) هو ما أخرجه ابن حبّان في (صحيحه)) ٧٦/٢ - ٨١ من حديث أبي ذرّ رَضُه، وهو
حديث طويل جدّاً، أوله: ((دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﴿ ﴿ جالسٌ وحده ... ))
وفيه: ((قلت: يا رسول الله كم كتاباً أنزل الله؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب، أُنزل
على شيث خمسون صحيفة ... )) الحديث، وفي سنده إبراهيم بن هشام بن يحيى
الغسّانيّ، وهو متروك الحديث، وكذّبه أبو زرعة وغيره، وتفرّد بروايته. انظر:
((ميزان الاعتدال)) ٧٢/١ - ٧٣، و((لسان الميزان)) ١٨٠/١ - ١٨١.
(٢) ٤٤٢/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٦٥).

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[تنبيهان]:
(الأول): سقط من حديث حذيفة المقرون بأبي هريرة ها الآتي بعد ستة
أحاديث ذكرُ نوح، فقال في قصة آدم: ((اذهبوا إلى ابني إبراهيم))، وكذا سقط
من حديث ابن عمر، والعمدة على مَن حَفِظَ .
(الثاني): ذكر أبو حامد الغزالي في ((كشف علوم الآخرة»: أن بين إتيان
أهل الموقف آدم وإتيانهم نوحاً ألف سنة، وكذا بين كل نبي ونبي إلى نبيّا وَّل،
قال الحافظ تَّتُهُ: ولم أقف لذلك على أصل، ولقد أكثر في هذا الكتاب من
إيراد أحاديث لا أصول لها، فلا يُغْتَرّ بشيء منها. انتهى، وهو بحثٌ مفيدٌ،
والله تعالى أعلم.
(وَلَكِنِ اثْتُوا إِبْرَاهِيمَ وَلِ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلاً) وفي رواية معبد بن
هلال: ((ولكن عليكم بإبراهيم، فهو خليل الله)).
قال القاضي عياض تَخْتُ: أصل الْخُلّةِ(١) الاختصاص، والاستصفاء،
وقيل: أصلها الانقطاع إلى مَن خاللت، مأخوذ من الْخَلّة، وهي الحاجة،
فسُمّي إبراهيم وَّهَبذلك؛ لأنه قَصَرَ حاجته على ربه ◌َلَ حين أتاه الملك، وهو
في الْمَنْجَنيق؛ ليُرمى به في النار، فقال: ألك حاجة؟، قال: أما إليك فلا(٢)،
وقيل: الخلة صَفَاء المودّة التي توجب تَخَلُّل الأسرار، وقيل: معناها المحبة
والإلطاف، قال الشاعر [من الخفيف]:
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي
وَلِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
انتهى كلام القاضي ◌َّهُ(٣) .
وقال ابن الأنباريّ: الخليل معناه: المحب الكامل المحبة، والمحبوب
الْمُوفِّي بحقيقة المحبة اللذان ليس في حبهما نقص ولا خَلَلٌ، قال الواحديّ:
هذا القول هو الاختيار؛ لأن الله رَ خليل إبراهيم وإبراهيم خليل الله، ولا
(١) بالضم والكسر: المصادقة، أفاده في ((ق)).
(٢) هذا أثر غير صحيح، أخرجه الطبريّ موقوفاً على من لم يُسمّ من أصحاب معتمر بن
سليمان، راجع: ((تفسير الطبريّ)) ٤٥/١٧.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٨٥٨/٢ - ٨٥٩.

٣٠٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
يجوز أن يقال: الله تعالى خليل إبراهيم من الْخَلّة التي هي الحاجة، والله تعالى
أعلم (١).
(فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ وَّ) زاد أبو هريرة ◌َلُه في حديثه: ((فيقولون: يا
إبراهيم، أنت نبيّ الله، وخليله من أهل الأرض، قُمْ اشفع لنا إلى ربك))، وذكر
مثل ما لآدم قولاً وجواباً، إلا أنه قال: قد كنت كذبت ثلاث كذبات، وذكرهُنّ
(فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْنِي رَبَّهُ مِنْهَا) وفي
حديث أبي بكر تَظُه: ((ليس ذاكم عندي))، وفي رواية هَمّام: ((إني كنت كذبت
ثلاث كذبات))، زاد شيبان في روايته: ((قوله: إني سقيم، وقوله: فعله كبيرهم
هذا، وقوله لامرأته: أخبريه أني أخوك))، وفي رواية أبي نضرة، عن أبي
سعيد رُهُ: ((فيقول: إني كَذَبْتُ ثلاث كذبات، قال رسول اللهِ وَله: ما منها
كذبة إلا مَاحَلَ بها عن دين الله))، و((مَاحَلَ)) - بمهملة - بوزن جادَلَ، ومعناه.
ووقع في رواية حُذيفة ظُهُ المقرونة: ((لستُ بصاحب ذاك، إنما كنت
خليلاً من وراء وراء))، وضُبِطَ بفتح الهمزة، وبضمها، واختَلَف الترجيحُ فيهما،
قال النوويّ: أشهرهما الفتح بلا تنوين، ويجوز بناؤهما على الضم، وصوّبه أبو
البقاء، والكنديّ، وصوّب ابن دِحْية الفتح، على أن الكلمة مركبة، مثل شَذَرَ
مَذَرَ، وإن ورد منصوباً منوناً جاز، ومعناه: لم أكن في التقريب والإدلال بمنزلة
الحبيب، قال صاحب ((التحرير)): كلمة تقال على سبيل التواضع: أي لست في
تلك الدرجة، قال: وقد وقع لي فيه معنى مَلِيحٌ، وهو أن الفضل الذي أُعطيته
كان بسِفَارة جبريل، ولكن ائتوا موسى الذي كلّمه الله بلا واسطة، وكرر ((وراء))
إشارةً إلى نبيّنا وَّر؛ لأنه حصلت له الرؤية والسماع بلا واسطة، فكأنه قال: أنا
من وراء موسی الذي هو من وراء محمد.
صَلىاللّه
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الصحيح عدم ثبوت الرؤية للنبيّ :
وشيَلـ
ببصره؛ لأنه صحّ عنه ذلك، فالقول به ضعيف، وما نُقل عن ابن عبّاس
وغيره يُحمل على أنه رآه بقلبه، لا ببصره، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال البيضاوي: الحقّ أن الكلمات الثلاث إنما كانت من معاريض
(١) راجع: ((شرح مسلم)) للنوويّ ٥٥/٣ - ٥٦.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها؛ استصغاراً لنفسه عن
الشفاعة، مع وقوعها؛ لأن من كان أعرف بالله، وأقرب إليه منزلةً كان أعظم
خوفاً. انتهى.
(وَلَكِنِ اثْتُوا مُوسَى نَّهِ الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ) قال النوويّ ◌َظُّهُ: هذا بإجماع
أهل السنّة على ظاهره، وأن الله تعالى كلّم موسى حقيقةً كلاماً سمعه بغير
واسطة، ولهذا أكّده بالمصدر، أي في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾
[النساء: ١٦٤]، فالكلام صفة ثابتةٌ لله تعالى لا يُشبه كلام غيره. انتهى(١).
(وَأَعْطَاهُ الثَّوْرَاةَ) وفي رواية معبد بن هلال: ((ولكن عليكم بموسى، فهو كليم
الله))، وفي رواية الإسماعيليّ: ((عبداً أعطاه الله التوراة، وكلَّمه تكليماً))، زاد
همام في روايته: ((وقرَّبه نجيّاً))، وفي رواية حُذيفة المقرونة بأبي هريرة الآتية:
«اعمِدُوا إلی موسی)).
(قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى وََّ) وفي حديث أبي هريرة ◌َظُه: ((فيقولون: يا
موسى، أنت رسول الله، فَضَّلَك الله برسالته وكلامه على الناس، اشفع لنا،
فذكر مثل آدم قولاً وجواباً، لكنه قال: إني قتلت نفساً لم أُومَرْ بقتلها».
(فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا)
وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور: ((إني قتلت نفساً بغير نفسٍ، وإن يَغْفِر
لي اليوم حسبي))، وفي حديث أبي هريرة: «إني قتلت نفساً، لم أُومر بقتلها،
وذكر مثل ما في آدم))، (وَلَكِنِ اثْتُوا عِيسَى، رُوحَ اللهِ، وَكَلِمَتَهُ) وفي رواية
هشام: ((عبد الله، ورسوله، وكلمته، ورُوحه))، وفي حديث أبي بكر: ((فإنه كان
يُبْرِئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى)) (فَيَأْتُونَ عِيسَى، رُوحَ اللهِ، وَكَلِمَتَهُ،
فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ) وفي حديث أبي هريرة: ((فيقولون: يا عيسى أنت
رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكَلَّمت الناس في المهد
صبيّاً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه))، مثل آدم قولاً وجواباً،
لكن قال: ولم يذكر ذنباً، لكن وقع في رواية الترمذيّ من حديث أبي نضرة،
عن أبي سعيد ظُه: ((إني عُبِدت من دون الله))، وفي رواية أحمد، والنسائيّ،
(١) ((شرح مسلم)) ٣/ ٥٧.

٣١١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
من حديث ابن عباس: ((إني اتُّخِذتُ إلهاً من دون الله))، وفي رواية ثابت عند
سعيد بن منصور نحوه، وزاد: ((وإن يَغْفِر لي اليومَ حسبي)) (١). (وَلَكِنِ اْتُوا
مُحَمَّداً وَّهِ عَبْدَاً قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) وفي رواية معتمر عند ابن
خزيمة: ((انطلقوا إلى مَن جاء اليوم مغفوراً له، ليس عليه ذنبٌ))، وفي رواية
ثابت أيضاً: ((خاتم النبيين قد حَضَرَ اليوم، أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد خُتِم
عليه، أكان يُقْدَر على ما في الوعاء حتى يُفَضّ الخاتم؟))، وعند سعيد بن
منصور من هذا الوجه: ((فيرجعون إلى آدم، فيقول أرأيتم ... إلخ))، وفي
حديث أبي بكر: ((ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم، فإنه أول مَن تَنْشَقّ عنه
الأرض)).
[تنبيه]: قال القاضي عياض كَّتُهُ: اختلفوا في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ
لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، فقيل: المتقدم ما قبل النبوة،
والمتأخر العصمة بعدها، وقيل: ما وقع عن سهو أو تأويل، وقيل: المتقدم
ذنب آدم، والمتأخر ذنب أمته، وقيل: المعنى أنه مغفور له غير مؤاخذ لو وقع
ذلك.
قال الحافظ: واللائق بهذا المقام القول الرابع، وأما الثالث فلا يتأتى هنا.
ويستفاد من قول عيسى لعلّ* في حق نبيّنا وَّر هذا، ومن قول موسى
فيما تقدم: ((إني قتلت نفساً بغير نفس، وإن يَغْفِر لي اليوم حسبي))، مع أن الله
قد غَفَر له بنص القرآن التفرقة بين مَن وقع منه شيء، ومن لم يقع شيء أصلاً،
فإن موسى ظلّلا مع وقوع المغفرة له لم يرتفع إشفاقه من المؤاخذة بذلك،
ورأى في نفسه تقصيراً عن مقام الشفاعة، مع وجود ما صَدَر منه بخلاف
نبيّنا نَّر في ذلك كله، ومن ثَمَّ احتَجَّ عيسى بأنه صاحب الشفاعة؛ لأنه قد غُفِر
له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بمعنى أن الله أَخْبَر أنه لا يؤاخذه بذنب لو وقع
منه، وهذا من النفائس التي فتح الله بها في ((فتح الباري))، فله الحمد. انتهى
كلام الحافظ تَُّهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره الحافظ تَّتُهُ من أن المراد أنه
(١) راجع: ((الفتح)) ١١/ ٤٤٢ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٦٥).

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مغفور له، غير مؤاخذ أن لو وقع هو الذي لا يترجّح عندي غيره، وأما ما
اختاره بعضهم من أن المراد ما وقع منه عن سهو وغَفْلة وتأويل، ففيه نظرٌ لا
يخفى؛ إذ لا فرق حينئذ بينه وبين موسى وغيره من الأنبياء لل*؛ لأنهم ما
يفعلون شيئاً يخالفون فيه مراد الله تعالى إلا عن سهو، أو تأويل، فلم يوجد
الفرق بينه وَل وبينهم، حتى يوصف بأنه يحقّ له أن يشفع؛ لأنه غفر له ما تقدّم
من ذنبه، وما تأخر، كما وصفه عيسى ◌ُلَّه بذلك إلا بالمعنى الذي تقدّم،
فتبّصر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ) أنس ◌َُّبُهُ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: فَيَأْتُونِي) وفي رواية النضر بن
أنس، عن أبيه: ((حدثني نبي الله وَّ قال: إني لقائم أنتظر أمتي تَعْبُر الصراط؛
إذ جاء عيسى، فقال: يا محمد هذه الأنبياء قد جاءتك، يسألون لتدعو الله أن
يُفَرِّق جمع الأمم إلى حيث يشاء؛ لِغَمِّ ما هم فيه))، فأفادت هذه الرواية تَعْيِين
موقف النبيّ ◌َ﴿ حينئذ، وأن هذا الذي وُصِفَ من كلام أهل الموقف كلّه يقع
عند نصب الصراط بعد تساقط الكفار في النار، كما تقدّم بيانه قريباً، وأن
عيسى لعلّل هو الذي يخاطب النبيّ وَلّه، وأن الأنبياء جميعاً يسألونه في ذلك.
وقد أخرج الترمذيّ وغيره من حديث أُبَيّ بن كعب رَظُه في نزول القرآن
على سبعة أحرف، وفيه: ((وأَخَّرتُ الثالثةَ ليوم يَرْغَبُ إليّ فيه الخلق، حتى
بَلاء)).
إبراهيم
ووقع في رواية معبد بن هلال: ((فيأتوني، فأقول: أنا لها، أنا لها»، زاد
عقبة بن عامر ظته عند ابن المبارك في ((الزهد)): ((فَيَأْذَن الله لي، فأقوم، فيثور
من مجلسي أطيب ريح شَمَّها أحدٌ))، وفي حديث سلمان عظُ عند أبي بكر بن
أبي شيبة: ((يأتون محمداً، فيقولون: يا نبي الله، أنت الذي فَتَحَ الله بك،
وخَتَمَ، وغَفَرَ لك ما تقدم وما تأخر، وجئت في هذا اليوم آمناً، وترى ما نحن
فيه، فقُمْ فاشفع لنا إلى ربنا، فيقول: أنا صاحبكم، فيجوش الناس حتى ينتهي
إلى باب الجنة))، وفي رواية معتمر: ((فيقول: أنا صاحبها))(١).
(فَأَسْتَأْذِنُ) وفي رواية هشام: ((فأنطلق حتى أستأذن)) (عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي)
(١) المصدر السابق.

٣١٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
قال القاضي عياض نَظّتُهُ: معناه - والله أعلم - فيؤذن لي في الشفاعة الموعود
بها، والمقام المحمود الذي ادّخره الله تعالى له، وأعلمه أنه يبعثه فيه، قال:
وجاء في حديث أنس، وحديث أبي هريرة ابتداء النبيّ وَّ بعد سجوده وحمده،
والإذن له في الشفاعة بقوله: ((أمتي أمتي))، وقد جاء في حديث حذيفة بعد هذا
في هذا الحديث نفسه: قال: فيأتون محمداً بَّلتر، فيقوم، ويؤذن له، وترسل
الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً، فيمرّ أولهم كالبرق،
وساق الحديث، وبهذا يتصل الحديث؛ لأن هذه هي الشفاعة التى لجأ الناس
إليه فيها، وهي الإراحة من الموقف، والفصل بين العباد، ثم بعد ذلك حَلّت
الشفاعة في أمته و ﴿ وفي المذنبين، وحَلّت الشفاعة للأنبياء والملائكة، وغيرهم
- صلوات الله وسلامه عليهم - كما جاء في الأحاديث الأُخَر، وجاء في
الأحاديث المتقدّمة في الرؤية، وحشر الناس اتّباعُ كل أمة ما كانت تعبد، ثم
تمييز المؤمنين من المنافقين، ثم حلول الشفاعة، ووضع الصراط، فيحتمل أن
الأمر باتباع الأمم ما كانت تعبد هو أول الفصل والإراحة من هول الموقف،
وهو أول المقام المحمود، وأن الشفاعة التي ذُكِر حلولها هي الشفاعة في
المذنبين على الصراط، وهو ظاهر الأحاديث، وأنها لنبينا محمد وَّله ولغيره
كما نُصّ عليه في الأحاديث، ثم ذكر بعدها الشفاعة فيمن دخل النار، وبهذا
تجتمع متون الحديث، وتترتب معانيها - إن شاء الله تعالى - هذا آخر كلام
القاضي، والله تعالى أعلم(١).
وتعقّب في ((الفتح)) قول عياض: ((فيؤذن لي في الشفاعة الموعود بها))،
بأن ظاهر ما تقدم أن استئذانه الأول، والإذن له إنما هو في دخول الدار، وهي
الجنة، وأضيفت إلى الله تعالى إضافة تشريف، ومنه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارٍ
السَّلَمِ﴾ الآية [يونس: ٢٥] على القول بأن المراد بالسلام هنا: الاسم العظيم،
وهو من أسماء الله تعالى.
قيل: الحكمة في انتقال النبيّ وَل﴿ من مكانه إلى دار السلام أن أرض
الموقف لَمّا كانت مقام عرض وحساب، كانت مكان مخافة وإشفاق، ومقام
(١) ((إكمال المعلم)) ٢ /٨٦٥ - ٨٦٧.

٣١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الشافع يناسب أن يكون في مكان إكرام، ومن ثَمَّ يُسْتَحَبّ أن يتحرى للدعاء
المكان الشريف؛ لأن الدعاء فيه أقرب للإجابة.
قال الحافظ تَخّتُهُ: وتقدم في بعض طرقه أن من جملة سؤال أهل
الموقف استفتاحَ باب الجنة، وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) أنه أوّلُ من يستفتح
باب الجنة، وفي رواية علي بن زيد، عن أنس ظُه عند الترمذيّ: ((فآخذ حلقة
باب الجنة، فأقعقعها، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد، فيفتحون لي،
ويُرَحِّبون، فأَخِرُّ ساجداً))، وفي رواية ثابت، عن أنس، عند مسلم: ((فيقول
الخازن: مَنْ؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك))، وله
من رواية المختار بن فلفل، عن أنس، رفعه: ((أنا أوّلُ من يَقْرَع باب الجنة))،
وفي رواية قتادة، عن أنس: ((آتي بابَ الجنة، فأستفتح، فيقال: من هذا؟
فأقول: محمد، فيقال: مرحباً بمحمد))، وفي حديث سلمان: ((فيأخذ بحلقة
الباب، وهي من ذهب، فيقرَعُ الباب، فيقال: مَن هذا؟ فيقول: محمد، فيفتح
له، حتى يقوم بين يدي الله، فيستأذن في السجود، فيؤذن له))، وفي حديث أبي
بكر الصديق رضيه: ((فيأتي جبريل ربه، فيقول: ائذن له))(١).
(فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ، وَقَعْتُ سَاجِداً) وفي رواية أبي بكر ظُه: ((فآتي تحت
العرش، فأقعُ ساجداً لربي))، وفي رواية لابن حبان، من طريقٍ ثوبان، عن
أنس: ((فيتجلى له الربّ، ولا يتجلى لشيء قبله))، وفي حديث أُبَيّ بن كعب
عند أبي يعلى، رفعه: ((يُعَرِّفني الله نفسه، فأسجد له سجدةً يرضى بها عني، ثم
أمتدحه بمدحةٍ يرضى بها عني)) (فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ) زاد في رواية: ((أن
يَدَعَني))، وفي حديث عبادة بن الصامت: ((فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً
شاكراً له))، وفي رواية معبد بن هلال: ((فأقوم بين يديه، فَيُلْهِمني مَحَامِدَ لا
أقدر عليها الآنَ، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخِرّ له ساجداً))، وفي حديث أبي
بكر الصديق: «فينطلق إليه جبريل، فيخرّ ساجداً، قدر جمعة)) (فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ
ارْفَعْ رَأْسَكَ) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية النضر بن أنس: ((فأوحى الله
إلى جبريل أن اذهب إلى محمد، فقل له: ارفع رأسك))، فعلى هذا فالمعنى:
(١) المصدر السابق ١١ / ٤٤٤ - ٤٤٥.

٣١٥
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
يقول لي على لسان جبريل (قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ) بالبناء للمفعول، وبالهاء
الساكنة، وهي هاء السكت تزاد للوقف، كما قال في ((الخلاصة)):
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ((أَعْطِ مَنْ سَأَلْ))
(اشْفَعْ تُشَفَّعْ) بالبناء للمفعول: أي تكون مقبول الشفاعة، وفي رواية:
((وسَلْ تعطه، وقل تسمع، واشفع تشفع)) بالواو، ووقع في حديث أبي بكر:
(«فيرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربه خَرّ ساجداً قدر جمعة))، وفي حديث سلمان:
((فَيُنَادَى: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، وادْعُ تُجَبْ)) (فَأَرْفَعُ
رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ، يُعَلَّمُنِيهِ رَبِّي) وفي رواية ثابت: ((بمحامد لم يَحْمَده
بها أحدٌ قبلي، ولا يحمده بها أحدٌ بعدي))، وفي حديث سلمان: ((فيفتح الله له
من الثناء والتحميد والتمجيد ما لم يفتح لأحد من الخلائق))، وكأنه وَ لَهُ يُلْهَم
التحميد قبل سجوده، وبعده، وفيه، ويكونُ في كل مكان ما يليق به، وقد ورد
ما لعله يُفَسِّر به بعض ذلك لا جميعه، ففي النسائيّ، ومُصَنَّف عبد الرزاق،
ومُعْجَم الطبرانيّ من حديث حذيفة رَظُه رفعه: ((قال: يجمع الناس في صعيد
واحد، فيقال: يا محمد، فأقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والْمَهْدِيّ
من هَدَيت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، تباركت وتعاليت، سبحانك، لا
مَلْجَأ ولا منجا منك إلا إليك))، زاد عبد الرزاق: ((سبحانك رب البيت))، فذلك
قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، قال ابن منده في
(كتاب الإيمان)): هذا حديث مُجْمَعٌ على صحة إسناده، وثقة رواته. انتهى.
(ثُمَّ أَشْفَعُ) وفي رواية معبد بن هلال: ((فأقول: ربِّ أمتي أمتي أمتي))،
وفي حديث أبي هريرة نحوه (فَيَحُدُّ لِي حَدّاً) أي يُبَيِّن لي في كل طَوْر من أطوار
الشفاعة حدّاً أَقِف عنده، فلا أتَعَدّاه، مثل أن يقول: شَفّعتُك فيمن أخلّ
بالجماعة، ثم فيمن أخلّ بالصلاة، ثم فيمن شرب الخمر، ثم فيمن زنى،
وعلى هذا الأسلوب، كذا حكاه الطيبيّ ◌َُّهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الطيبيّ في بيان معنى قوله: ((فَحدّ لي
حدّاً))، والأولى فيه - كما حقّقه الحافظ تَُّهُ - ما دلّ عليه سياق الأخبار، أن
المراد به تفضيل مراتب الْمُخْرَجين في الأعمال الصالحة، كما وقع عند أحمد،
عن يحيى القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في آخر هذا الحديث

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بعينه قال: ((فيُخْرِج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير
ما يَزِنُ شعيرةً، ثم يُخرِج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من
الخير ما يزن بُرّة، ثم يُخرِج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه
من الخير ما يزن ذَرّة)).
وفي رواية ثابت عند أحمد أيضاً: ((فأقول: أي رب أمتي أمتي، فيقول:
أَخْرِج من كان في قلبه مثقال شعيرة)) ثم ذكر نحو ما تقدم، وقال: ((مثقال
ذَرّة))، ثم قال: ((مثقال حبة من خردل))، ولم يذكر بقية الحديث.
ووقع في طريق النضر بن أنس قال: ((فَشُفِّعْتُ في أمتي أن أُخرج من كل
تسعة وتسعين إنساناً واحداً، فما زِلْتُ أتردّد على ربي، لا أقوم منه مقاماً إلا
شُفِعْتُ)).
وفي حديث سلمان رُه: ((فيشفع في كل من كان في قلبه مثقال حبة من
حنطة، ثم شعيرة، ثم حبة من خردل، فذلك المقام المحمود)).
(فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ) قال في ((الفتح)): قال الداوديّ تَُّهُ:
كأن راوي هذا الحديث رَكَّب شيئاً على غير أصله، وذلك أن في أول الحديث
ذكرَ الشفاعة في الإراحة من كَرْب الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في
الإخراج من النار، يعني وذلك إنما يكون بعد التحول من الموقف، والمرور
على الصراط، وسقوط مَن يسقط في تلك الحالة في النار، ثم يقع بعد ذلك
الشفاعة في الإخراج، وهو إشكال قويّ.
وقد أجاب عنه النووي وغيره بأنه قد وقع في حديث حذيفة ظه المقرون
بحديث أبي هريرة به بعد قوله: ((فيأتون محمداً، فيقوم، ويؤذن له، أي في
الشفاعة، وتُرْسَل الأمانة والرحم، فيقومان جَنْبَي الصراط يميناً وشمالاً، فَيَمُرّ
أوّلكم كالبرق ... )) الحديث، قال القاضي عياض نَّتُهُ: فبهذا يَتَّصِل الكلام؛
لأن الشفاعة التي لَجَأَ الناس إليه فيها هي الإراحة من كَرْب الموقف، ثم تجيء
الشفاعة في الإخراج.
وقد وقع في حديث أبي هريرة ◌ُه المتقدّم(١) بعد ذكر الجمع في
(١) تقدّم في الباب (٨٨) برقم (٤٦٦).

٣١٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
الموقف الأمرُ باتّباع كلّ أمة ما كانت تعبد، ثم تمييز المنافقين من المؤمنين،
ثم حُلُول الشفاعة بعد وضع الصراط، والمرور عليه، فكان الأمر باتباع كلِّ أمة
ما كانت تعبد هو أولَ فصل القضاء، والإراحة من كرب الموقف، قال: وبهذا
تجتمع متون الأحاديث، وتترتب معانيها .
وخلاصة القول: إنه يُحمل على أن بعض الرواة حَفِظَ ما لم يحفظه
الآخر.
فظهر من هذا أنه وَ﴿ أوّل ما يَشفَع لِيُقضَى بين الخلق، وأن الشفاعة فيمن
يخرج من النار، ممن سقط تقع بعد ذلك، وقد وقع ذلك صريحاً في حديث
ابن عمر ﴿ّ اختَصَرَ في سياقه الحديث الذي ساقه أنس وأبو هريرة مُطَوَّلاً(١)
من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه بلفظ: ((إن الشمس تدنو حتى يبلغ
العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد،
فَيَشْفَع لِيُقْضَى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيؤمئذ يبعثه الله
مقاماً محموداً، يحمده أهل الجمع كلهم)).
ووقع في حديث أَبَيّ بن كعب ◌َُّّه عند أبي يعلى: ((ثم أمتدحه بمدحة
يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تَمُرّ أمتي على الصراط، وهو
منصوب بين ظهراني جهنم، فيمرُّون)).
وفي حديث ابن عباس ﴿ها من رواية عبد الله بن الحارث عنه، عند
أحمد: فيقول ريك: ((يا محمد ما تريد أن أصنع في أمتك؟ فأقول: يا رب
(١) هو ما أخرجه البخاريّ في ((كتاب الزكاة)) من ((صحيحه))، فقال: (١٤٧٥) حدثنا
يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، قال: سمعت حمزة بن
عبد الله بن عمر، قال: سمعت عبد الله بن عمر ظ﴿ه قال: قال النبيّ وَل قول: ((ما يزال
الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزْعَة لحم))، وقال: ((إن
الشمس تدنو يوم القيامة، حتى يَبْلُغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا
بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد (صَ﴾)) - وزاد عبد الله بن صالح: حدثني الليث،
حدثني ابن أبي جعفر - ((فيشفع ليقضى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة
الباب، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً، يحمده أهل الجمع كلهم)). انتهى، وأخرجه
مسلم أيضاً في ((الزكاة)) (١٠٤٠) مختصراً على المسألة.

٣١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عَجِّلْ حسابهم))، وفي رواية عن ابن عباس عند أحمد، وأبي يعلى: ((فأقول:
أنا لها، حتى يَأْذَن الله لمن يشاء ويرضى، فإذا أراد الله أن يفرغ من خلقه،
نادى منادٍ أين محمد وأمته؟ ... )) الحديث.
وقد سبق بيان ما يقع في الموقف قبل نصب الصراط في شرح حديث
أبي هريرة ربه الطويل.
وتَعَرَّض الطيبي للجواب عن الإشكال بطريق آخر، فقال: يجوز أن يراد
بالنار الحبس، والكرب، والشدّة التي كان أهل الموقف فيها، من دُنُوّ الشمس
إلى رؤوسهم، وكربهم بِحَرِّها، وسَفْعِها، حتى أَلجمهم العرق، وأن يراد
بالخروج منها خلاصهم من تلك الحالة التي كانوا فيها .
قال الحافظ: وهو احتمال بعيدٌ إلا أن يقال: إنه يقع إخراجان، وقع ذكر
أحدهما في حديث الباب على اختلاف طرقه، والمراد به الخلاص من كرب
الموقف، والثاني في حديث أبي هريرة ظه الماضي، ويكون قوله فيه:
فيقول: ((مَن كان يعبد شيئاً فليتبعه)) بعد تمام الخلاص من الموقف، ونصب
الصراط، والإذن في المرور عليه، ويقع الإخراج الثاني لمن يسقط في النار
حال المرور، فيتحدا .
وأجاب القرطبي تَّتُهُ عن أصل الإشكال بأن في قوله آخرَ حديث أبي
زرعة، عن أبي هريرة، بعد قوله وَله: ((فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال:
أَدْخِل من أمتك من الباب الأيمن من أبواب الجنة من لا حساب عليه ولا
عذاب))، قال: في هذا ما يدلّ على أن النبيّ وَلّ يشفع فيما طُلِب من تعجيل
الحساب، فإنه لَمّا أُذن له في إدخال من لاحساب عليه، دلّ على تأخير من
عليه حساب ليحاسب.
ووقع في حديث الصور الطويل عند أبي يعلى: ((فأقول: يا رب وعدتني
الشفاعة، فَشَفِّعني في أهل الجنة، يدخلون الجنة، فيقول الله: وقد شَفَّعتك
فيهم، وأذنت لهم في دخول الجنة))، وفيه إشعار بأن العرض، والميزان،
وتطاير الصحف يقع في هذا الموطن، ثم يُنَادي المنادي: لِيَتَبعْ كلُّ أمة من
كانت تعبد، فيسقط الكفار في النار، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان
بالسجود عند كشف الساق، ثم يؤذن في نصب الصراط، والمرور عليه، فَيُطفَأُ

٣١٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
نور المنافقين، فيسقطون في النار أيضاً، ويمر المؤمنون عليه إلى الجنة، فمن
العصاة من يَسْقُط، ويوقف بعضُ مَن نجا عند القنطرة للمقاصّة بينهم، ثم
يدخلون الجنة.
قال الحافظ بعد ذكر ما سبق: ثم وقفت في تفسير يحيى بن سلام
البصريّ، نزيل مصر، ثم إفريقية - وهو في طبقة يزيد بن هارون - وقد ضعفه
الدار قطنيّ، وقال أبو حاتم الرازيّ: صدوق، وقال أبو زرعة: رُبّما وَهِمَ، وقال
ابن عديّ: يُكتب حديثه مع ضعفه، فَتَقَل فيه عن الكلبيّ، قال: ((إذا دخل أهل
الجنة الجنة، وأهل النار النار، بقيت زُمْرَةٌ من آخر زمر الجنة، إذا خرج
المؤمنون من الصراط بأعمالهم، فيقول آخر زمرة من زمر النار لهم، وقد بَلَغَت
النار منهم كُلَّ مبلغ: أما نحن فقد أخذنا بما في قلوبنا من الشكّ والتكذيب،
فما نفعكم أنتم توحيدكم؟ قال: فَيَصْرُخُون عند ذلك، يدعون ربهم، فَيَسْمَعُهم
أهل الجنة، فيأتون آدم ... ))، فذكر الحديث في إتيانهم الأنبياء المذكورين قبلُ
واحداً واحداً إلى محمد ◌َّ، فينطلق، فيأتي رب العزة، فيسجد له، حتى يأمره
أن يرفع رأسه، ثم يسأله: ما تريد؟ وهو أعلم به، فيقول: ربِّ أُناس من عبادك
أصحاب ذنوب، لم يُشركوا بك، وأنت أعلم بهم، فَعَيَّرهم أهل الشرك
بعبادتهم إياك، فيقول: وعزتي لأُخرجنَّهم، فيُخْرِجهم قد احتَرَقُوا، فينضح
عليهم من الماء، حتى ينبتوا، ثم يدخلون الجنة، فيسمون الجهنميين، فيغبطه
عند ذلك الأولون والآخرون، فذلك قوله: ﴿عَسَ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾
[الإسراء: ٧٩].
قال: فهذا لو ثَبَتَ لرفع الإشكال، لكن الكلبيّ ضعيف، ومع ذلك لم
يُسْنِده، ثم هو مخالف لصريح الأحاديث الصحيحة أن سؤال المؤمنين الأنبياء
واحداً بعد واحد إنما يقع في الموقف، قبل دخول المؤمنين الجنة، والله تعالى
أعلم.
قال: وقد تمسّك بعض المبتدعة من المرجئة بالاحتمال المذكور في
دعواه أن أحداً من الموحدين لا يدخل النار أصلاً، وإنما المراد بما جاء من
أن النار تَسْفَعُهم، أو تَلْفَحهم، وما جاء في الإخراج من النار جميعه محمول
على ما يقع لهم من الكرب في الموقف، وهو تمسك باطلٌ، وأقوى ما يُرَدّ به
.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عليه ما سيأتي للمصنّف في ((كتاب الزكاة)) من حديث أبي هريرة نظره في قصة
مانع الزكاة: ((ما من صاحب إبل، لا يؤدّي حقّها منها، إلا إذا كان يوم القيامة
بُطِحَ لها بقاع قَرْقَر أوفر ما كانت، تطؤه بأخفافها، وتَعَضّه بأفواهها، في يوم
كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد، فَيَرَى سبيله إما إلى
الجنة، وإما إلى النار ... )) الحديث بطوله، وفيه ذكر الذهب، والفضة، والبقر،
والغنم، وهو دالٌّ على تعذيب من شاء الله من العصاة بالنار حقيقةً، زيادة على
کرب الموقف.
وورد في سبب إخراج بقية الموحدين من النار ما تقدم أنّ الكفار يقولون
لهم: ما أغنى عنكم قول: لا إله إلا الله، فَيَغْضَب الله لهم، فيخرجهم، وهو
مما يُرَدُّ به على المبتدعة المذكورين. انتهى(١).
(ثُمَّ أَعُودُ، فَأَقَعُ سَاجِداً، فَيَدَعُنِي) أي يتركني ساجداً، (مَا شَاءَ اللهُ أَنْ
يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ بَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ،
فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدّاً، فَأُخْرِجُهُمْ
مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ)، قَالَ: فَلَا أَدْرِي، فِي الثَّالِثَةِ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ)، وفي
رواية هشام: ((فَأَحُدّ لهم حدّاً، فأُدخلهم الجنة، ثم أرجع ثانياً، فأستأذن)) إلى
أن قال: ((ثم أحدّ لهم حدّاً ثالثاً، فأدخلهم الجنة، ثم أرجع»، هكذا في أكثر
الروايات، ووقع عند أحمد، من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: ((ثم
أعود الرابعة، فأقول: يا ربّ ما بقي إلا من حبسه القرآن))، ولم يشكّ، بل
جَزَم بأن هذا القول يقع في الرابعة، ووقع في رواية معبد بن هلال، عن أنس:
أن الحسن حَدَّث معبداً بعد ذلك بقوله: ((فأقوم الرابعة))، وفيه قول الله له:
((ليس ذلك لك، وأن الله يُخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وإن لم يعمل
خيراً قط))، فعلى هذا فقوله: ((حبسه القرآن)) يتناول الكفار، وبعض العصاة،
ممن وَرَد في القرآن في حقّه التخليد، ثم يُخرج العصاة في القبضة، ويبقى
الكفار، ويكون المراد بالتخليد في حقّ العصاة المذكورين البقاء في النار بعد
إخراج من تقدمهم.
(١) ((الفتح)) ٤٤٧/١١ - ٤٤٨ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٦٥).