النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٦)
الميم، وهذه الرواية هي الموجودة في ((الجمع بين الصحيحين)) لعبد الحقّ،
وكلاهما صحيح، لكن الأول هو المشهور الظاهر، وهو بمعنى الروايات
السابقة: ((نَبَاتَ الْحِبَّة في حَمِيل السيل))، وأما ((نَبَاتُ الدِّمْن)): فمعناها أيضاً
كذلك، فإن الدِّمْنِ: الْبَعْرُ، والتقدير: نباتَ ذي الدِّمْن في السيل، أي كما يَنْبُت
الشيء الحاصل في الْبَعْر والْغُثَاء الموجود في أطراف النهر، والمراد التشبيه به
في السرعة والنَّضَارة، وقد أشار صاحب ((المطالع)) إلى تصحيح هذه الرواية،
ولكن لم يُنَفِّح الكلام في تحقيقها، بل قال: عندي أنها رواية صحيحة،
ومعناه: سُرْعة نبات الدِّمْن، مع ضعف ما يَنْبُت فيه، وحُسْن مَنْظَرَه، والله تعالى
أعلم. انتهى كلام النوويّ كَّهُ(١).
(وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ) بضم الحاء المهملة، وتخفيف الراء، وضميره يعود على
الْمُخْرَج من النار، ومعنى حُرَاقه: أَثَرَ النار.
(ثُمَّ يَسْأَلُ) الضمير للمخرج أيضاً: أي يسأل الله ﴿ أن يُعطيه من نعيم
الجنّة ما تهواه نفسه، وتتمنّاه (حَتَّى تُجْعَلَ) بالبناء للمفعول (لَهُ الدُّنْيَا، وَعَشَرَةُ
أَمْثَالِهَا مَعَهَا))) وقد تقدّم في الأحاديث الماضية أنه يقال ذلك بعد أن يتمنّى،
ويتمنّى، حتى تنقطع به الأمانيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله تها هذا من أفراد المصنّف ◌َذَتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٧٦/٩٠] (١٩١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٤٥/٣ و٣٨٣)، و(عبد الله بن أحمد) في ((السنّة)) (٢٦٩ و٢٧٠)،
و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٨٥٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٦٣ و٣٦٤)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٧٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) (شرح مسلم)) ٤٩/٣.

٢٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٧٧] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ نَّهِ بِأُذُنِهِ (١)، يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ
نَاساً مِنَ النَّارِ، فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عمرو) بن دينار الأثرم مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
(ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
والباقون تقدّموا قريباً.
ومن لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وهو أعلى ما
وقع له من الأسانيد، كما تقدّم غير مرّة، وهو (١٨) من رباعيات الكتاب، وأن
هذا الإسناد أصحّ أسانيد أهل مكّة، كما قال السيوطيّ تَُّ في ((ألفيّة الحديث)):
عَنْ جَابِرٍ وَلِلْمَدِينَةِ خُذَا
لِمَكَّةٍ سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو وَذَا
الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ
ابْنَ أَبِي حَكِيم عَنْ عَبِيدَةٍ
وقوله: (إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ نَاساً مِنَ النَّارِ) أي بالشفاعة، كما تفسّره الرواية التالية،
وتمام شرح الحديث يأتي في الحديث رقم [٤٨٠] - إن شاء الله تعالى - والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ظنًّا هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: هذا الحديث عدّه بعضهم (٢) في أفراد المصنّف تَُّ، وليس
كذلك، فقد أخرجه البخاريّ أيضاً، كما أوضحته في التخريج، غاية ما هنالك
أن الراوي عن عمرو بن دينار اختلف، فقد أخرجه البخاريّ من رواية حماد بن
(١) وفي نسخة: ((بأذنيه)).
(٢) هو الشيخ عبد الله بن صالح الْعُبَيلان، صاحب ((كتاب إرشاد القاري إلى أفراد
مسلم عن البخاري)).

٢٨٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٨)
زيد، عن عمرو، وهي الرواية الآتية للمصنّف بعد هذا، وأخرجه المصنّف هنا
من رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو، وهذا لا يُؤدّي إلى دعوى انفراد
المصنّف فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٧٧/٩٠ و٤٧٨ و٤٧٩]،
و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥٥٨)، وفي ((الأدب المفرد)) (٨١٨)، و(أبو داود
الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٧٠٣ و١٨٠٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٤٥)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٥/٣ و٣٨١ و٣٨٣)، و(عبد الله بن أحمد) في
((السنّة)) (٢٦٩ و٢٧٠)، و(ابن أبي عاصم) في ((السنّة)) (٨٣٩ و٨٤٠ و٨٤١)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٨٣١ و١٩٧٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٧٤٨٣)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٨٥٠)، و(الآجريّ) في ((الشريعة))
(٣٤٤)، و(الفسويّ) في ((التاريخ)) (٢١٢/٢)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٧٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ
لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ
يُخْرِجُ قَوْماً مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ))؟ قَالَ(١): نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: أربعة أيضاً:
١ - (أَبُو الرَّبِيع) هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ الزَّهْرانيّ البصريّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
(١) وفي نسخة: ((فقال)).

٢٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والباقيان تكلّمنا عنهما في السند الماضي، وهذا السند هو (١٩) من
رباعيات الكتاب.
وقوله: (قال: نعم) أي سمعته يقول ذلك، وأخرجه البخاريّ أطول مما
هنا في ((كتاب الرقاق)) من ((صحيحه))، فقال:
(٦٥٥٨) حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد، عن عمرو، عن جابر صله أن
النبيّ وَّه قال: ((يخرج من النار بالشفاعة، كأنهم الثَّعَارِير))، قلت: ما الثَّعَارير؟ قال:
الضَّغَابيسُ، وكان قد سَقَطَ فمه، فقلت لعمرو بن دينار: أبا محمد، سمعت جابر بن
عبد الله يقول: سمعت النبيّ وَل﴿ يقول: ((يَخْرُج بالشفاعة من النار))؟ قال: نعم. انتهى.
قوله: ((يَخْرُج من النار بالشفاعة)) كذا للأكثر، من رواة البخاريّ بحذف
الفاعل، وثبت في رواية أبي ذرّ، عن السرخسيّ، عن الْفَرَبْريّ: ((يَخْرُج قومٌ))، وكذا
للبيهقي في ((البعث)) من طريق يعقوب بن سفيان، عن أبي النعمان، شيخ البخاريّ
فيه، وكذا لمسلم، عن أبي الربيع الزهرانيّ، عن حماد بن زيد - يعني: هذه الرواية -
ولفظه: ((إن الله يُخرج قوماً من النار بالشفاعة))، وله من رواية سفيان بن عيينة، عن
عمرو، سمع جابراً - يعني الرواية الماضية - مثله، لكن قال: ((ناسٌ من النار،
فيدخلهم الجنة))، وعند سعيد بن منصور، وابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو،
فيه سند آخرُ أخرجاه، من رواية عمرو، عن عُبيد بن عُمير، فذكره مرسلاً، وزاد:
((فقال له رجل - يعني لعُبيد بن عُمير - وكان الرجلُ يُتَّهَم برأي الخوارج، ويقال له:
هارونُ أبو موسى: يا أبا عاصم، ما هذا الذي تُحَدِّث به؟ فقال: إليك عَنّي، لو لم
أسمعه من ثلاثين، من أصحاب محمد ◌ّله، لم أُحَدِّث به))(١).
وقوله: ((كأنهم الثعارير)) - بمثلثة مفتوحة، ثم مهملة - واحدها تُعْرُور، كعُصْفُور.
وقوله: (قال: الضغابيس)) - بمعجمتين، ثم موحدة، بعدها مهملة - أما
الثعارير: فقال ابن الأعرابيّ: هي قِّاءٌ صِغَارٌ، وقال أبو عبيدة مثله، وزاد:
ويقال: بالشين المعجمة، بدل المثلثة، وكأن هذا هو السبب في قول الراوي:
((وكان عمرو ذهب فمه)): أي سقطت أسنانه، فنطق بها ثاء مثلثة، وهي شين
معجمة، وقيل: هو نبت في أصول الثَّمَام، كالقطن، ينبت في الرَّمْل، ينبسط
(١) ((الفتح)) ٤٣٣/١١ - ٤٣٤ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٥٨).

٢٨٥
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٩)
عليه، ولا يطول، ووقع تشبيههم بالطَّرَائيث، في حديث حذيفة رَظُه، وهي
بالمهملة، ثم المثلثة، هي: الثُّمَام بضم المثلثة، وتخفيف الميم، وقيل:
التُّعْرُور: الأَقِطُ الرَّطْب، وأغرب القابسيّ، فقال: هو الصَّدف الذي يَخْرُج من
البحر، فيه الجوهر، وكأنه أخذه من قوله في الرواية الأخرى: ((كأنهم اللؤلؤ))،
ولا حجة فيه؛ لأن ألفاظ التشبيه تختلف، والمقصود الوصف بالبياض والدّقّة.
وأما الضغابيس: فقال الأصمعيّ: شيء يَنْبُت في أصول الثُّمام، يُشْبِه
الْهِلْيَوْن(١)، يُسْلَقُ، ثم يؤكل بالزيت والخلّ، وقيل: ينبت في أصول الشجر،
وفي الإذخِرِ، يَخرُج قدر شبر في دِقّة الأصابع، لا وَرَقَ له، وفيه حُمُوضة.
وفي ((غريب الحديث)) للحربي: الضّغْبُوس: شجرةٌ على طول الأصبع،
وشُبِّه به الرجل الضعيف، وأغرب الداوديّ، فقال: هي طيور صغار، فوق
الذباب، ولا مُستند له فيما قال.
[تنبيه]: هذا التشبيه لصفتهم بعد أن يَنْبُتوا، وأما في أول خروجهم من
النار، فإنهم يكونون كالفحم، كما تقدّم في حديث أبي سعيد الخدريّ تَظُه،
بلفظ: ((فيخرجون منها حُمَماً، قد امتَحَشُوا)).
وقوله: ((فقلت لعمرو)) القائل: حماد، وعمرو هو ابن دينار، وأراد به
الاستثبات في سماعه له من جابر رضيه، وسماع جابر له، ولعل سبب ذلك
رواية عمرو له عن عُبيد بن عُمَير مرسلاً، وقد حَدَّث سفيان بن عيينة بالطريقين،
كما سبق التنبيه عليه، أفاده في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٧٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ،
حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سُلَيْمِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ،
ء
(١) قال في ((القاموس)) (ص١١١٧): ((الْهِلْيَوْنُ)): كبِرْذَوْن: نبتٌ معروفٌ حارّ رَظْبٌ
باهيّ. انتهى.
(٢) ٤٣٧/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٥٨).

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ قَوْماً يُخْرَجُونَ(١) مِنَ النَّارِ، يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إِلَّا
دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج
الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٢ - (أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمَر بن
درهم الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أنه قد يُخطئ في حديث الثوريّ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في (الإيمان) ٣١٤/٥٠.
٣ - (قَيْسُ بْنُ سُلَيْم الْعَنْبَرِيُّ) التميميّ الكوفيّ، ثقة [٧].
رَوَى عن علقمة بنَ وائل بن حُجْر، ويزيد بن صُهَيب الفَقِير، وعُمير بن
سعيد، وأبي بكر بن حفص الزهريّ، والضحاك بن مُزاحِم، وجَوّاب التيميّ.
ورَوَى عنه ابن المبارك، وأبو أحمد الزُّبيريّ، وعبيد الله بن موسى،
والعلاء بن بَدْر، وأبو نعيم، وقبيصة، قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ما رَفَع رأسه للسماء تعظيماً لله.
أخرج له البخاريّ في ((جزء رفع اليدين))، والمصنّف، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث فقط، والنسائي حديثاً واحداً في الصلاة.
٤ - (يَزِيدُ الْفَقِيرُ) هو: يزيد بن صُهَيب الفقير - بفتح الفاء وكسر القاف -
قيل له ذلك؛ لأنه كان يشكو فَقَار ظهره(٢)، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن جابر، وأبي سعيد، وابن عمر.
وروى عنه سَيّار أبو الحكم، والحَكَم بن عُتيبة، وقيس بن سُليم، وبَسّام
الصيرفيّ، ومِسْعَر، والمسعوديّ، وأبو حنيفة، ومحمد بن أبي أيوب الثقفيّ،
والأعمش، وجعفر بن بُرْقان، وآخرون.
(١) وفي نسخة: ((يَخْرُجُونَ)) بالبناء للفاعل.
(٢) قال النوويّ كَّلُ في ((شرحه)): قيل له: الفقير؛ لأنه أصيب في فَقَار ظهره، فكان
یألم منه، حتی ینحني له. انتھی.

٢٨٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٠)
قال ابن سعد: تَحَوَّل من الكوفة، فنزل مكة، وقال ابن معين، وأبو
زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم، وابن خِرَاش: صدوقٌ، زاد ابن
خِرَاش: جليلٌ عزيز الحديث، وقال أبو زرعة أيضاً: يُكتَب حديثه، وقال غيره:
كان يشكو فَقَار ظهره، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٩١) وأعاده بعده، وحديث (٥٢١):
((أُعطيتُ خمساً لم يُعطهنّ أحد قبلي ... )).
وقوله: (إِلَّا دَارَاتٍ وُجُوهِهِمْ) جمع دَارَةٍ، وهي ما يُحيط بالوجه من
جوانبه، ومعناه: أن النار لا تأكل دارة الوجه؛ لكونها محل السجود، ووقع
هنا إلا دارات الوجوه، وسبق في الأحاديث السابقة: ((إلا مواضع السجود))،
وقد سبق هناك الجمع بينهما، فلتراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: (حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ)) هكذا هو في الأصول ((حتى يدخلون))
بالنون، وهو صحيح، وهي لغة، وذلك على اعتبار استحضار الصورة
المستقبلة؛ لأن شرط رفع المضارع بعد ((حتى)) أن يكون حالاً حقيقةً، أو
تقديراً، كما أشار ابن مالك تَخّْتُ إليه في ((الخلاصة))، حيث قال:
وَتِلْوَ ((حَتَّى)) حَالاً أَوْ مُؤَوَّلًا
بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
وتمام شرح الحديث، ومسائله تأتي في الحديث التالي - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٨٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ،
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ، قَالَ:
كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأٌْ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ، فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ، ذَوِي عَدَدٍ، نُرِيدُ أَنْ
نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ، قَالَ: فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ،
يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِوَِّ قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ

٢٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الْجَهَنَّمِيِّينَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدُِّونَ؟ وَاللهُ
يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وَ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ
يَخْرُجُوْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَتَقْرَأُ
الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامٍ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامِ؟، يَعْنِي: الَّذِي
يَبْعَثُهُ اللهُ فِيهِ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ نَّهِ الْمَحْمُودُ، الَّذِي يُخْرِجُ اللهُ
بِهِ مَنْ يُخْرِجُ، قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ، وَمَزَّ النَّاسِ عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَخَافُ أَنْ
لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ، قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ، أَنَّ قَوْماً يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، بَعْدَ أَنْ
يَكُونُوا فِيهَا، قَالَ: يَعْنِي: فَيَخْرُجُونَ، كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِم، قَالَ: فَيَدْخُلُونَ
نَهَراً مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ، فَرَجَعْنَا،
قُلْنَا (١): وَيْحَكُمْ، أَتْرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ؟ فَرَجَعْنَا، فَلاَ وَاللهِ مَا
خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْم).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ) هو: أبو نعيم، ودُكين لقب أبيه، واسمه:
عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول الْمُلائيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩]
(ت٢١٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩١.
٢ - (أَبُو عَاصِم مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) الثقفيّ الكوفيّ، وكان بعضهم يقول
فيه: محمد بن أيوبَ، فيُخطئ، ثقةٌ(٢) [٧].
رَوَى عن يزيد الفقير، وعامر الشعبيّ، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن
الْمُزَنيّ، ومحمد بن عبد الله بن قارب الثقفيّ، وقيس بن مسلم الْجَدَليّ، وأبي
عَوْن الثقفيّ، وهلال الوزان، وأبي صادق، والقاسم بن عبد الرحمن الشاميّ.
ورَوَى عنه وكيع، وعبد الله بن إدريس، وطلحة بن يحيى الزُّرَقيّ،
وخلاد بن يحيى، وأبو نعيم.
(١) وفي نسخة: ((فرجعنا، وقلنا)).
(٢) قال عنه في ((التقريب)): صدوق، والصواب ما ذكرته هنا، كما يظهر من أقوال
الأئمة فيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٢٨٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٠)
قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، ويعقوب بن سفيان: ثقة، وقال أبو
حاتم: صالحٌ، كان خلاد بن يحيى يَغْلَط في اسم أبيه، يقول: ثنا محمد بن
أيوب، وإنما هو ابن أبي أيوب.
تفرّد به المصنّف، وليس له عنده إلا هذا الحديث فقط.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه فبغداديّ، وجابر
فمكيّ.
٣ - (ومنها): أن جابراً ظ ◌ُله أحد المكثرين السبعة، كما سبق قريباً، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عن يَزِيدَ الْفَقِيرِ) بوزن عظيم، تقدّم أنه لُقّب بهذا لأنه كان يشكو فَقَار
ظهره، لا أنه ضدّ الغنيّ، أنه (قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي) هكذا هو في الأصول
والروايات: (شَغَفَنِي)) بالغين المعجمة، ومعناه: لَصِقَ بِشَغَاف(١) قلبي، وهو
غِلافه، وقيل: سُويداؤه، قال الله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠]،
ورُوِي أيضاً بالعين المهملة، وهو بمعناه، وقد قُرئ أيضاً: ((شَعَفَها))، وحقيقة
معناه: بَرَحَ بها، وقيل: معناه أخذ قلبها حبّه من أعلاه، وشَعَفُ كلّ شيء
أعلاه، وقيل: بلغ دخل قلبها، قاله القاضي عياض تَقَّتُهُ(٢).
(رَأْيٌّ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ) سُمّوا بذلك؛ لخروجهم على الناس، أو
لخروجهم عن طاعة الإمام، أو لخروجهم عن مذهب أهل السنّة والجماعة،
ورأيهم: هو أن أصحاب الكبائر يُخَلَّدون في النار، ولا يخرج منها أحدٌ ممن
(١) ((شَغَاف القلب)) بفتح الشين: غشاؤه، قاله في ((المصباح)) ٣١٦/١.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٨٤٥/٢ - ٨٤٦.

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
دخلها، وهو مذهبٌ باطلٌ؛ منابذ لنصوص الكتاب والسنّة، ومخالف لمذهب
أهل السنّة والجماعة (فَخَرَجْنَا) أي من الكوفة (فِي عِصَابَةٍ) بكسر العين
المهملة، هو في الأصل من الرجال والخيل والطير ما بين العشرة إلى
الأربعين، كالْعُصْب بضمّ، فسكون(١)، يعني أنهوا من بلادهم وهم جماعة
كثيرة، كما وصفهم بقوله: (ذَوِي عَدَدٍ) أي أصحاب عدد كثير (نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ)
بضم الحاء، من باب نصر (ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ) أي نقوم فيهم، مُظهِرين
مذهب الخوارج، داعين إليه، وحاثّين عليه (قَالَ) يزيد (فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ)
النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة، وأتمّ التسليم (فَإِذَا) هي الفُجائيّة (جَابِرُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ّ، وهو مبتدأ خبره جملة (يُحَدِّثُ الْقَوْمَ) وقوله: (جَالِسٌ) خبر خبر
(إِلَى سَارِيَةٍ) أي أُسْطُوانة، وجمعها سَوَارٍ، مثلُ جارية وجَوَارٍ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿)
متعلّق بـ((يُحدّث)) (قَالَ) يزيد (فَإِذَا هُوَ) أي جابر ◌َّهِ (قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ) أي
أصحاب جهنّم الذين دخلوا فيها بسبب ذنوبهم (قَالَ) يزيد (فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ
رَسُولِ اللهِ﴾ ﴿ ﴿مَا) استفهاميّةٌ، أي أيُّ شيء (هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟) بضمّ أوله،
وكسر الدال المشدّدة، من التحديث، وفيه حُذف العائد، أي به (وَاللهُ يَقُولُ:
﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾﴾ أي أذللته، وأهنته (وَ) يقول أيضاً (﴿كُلَّمَاً
أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا﴾) يعني الآيتين تدلّان على أن من أُدخل النار لا
يخرج منها أبداً، وأراد يزيد بذلك الاحتجاج على جابر وظيفته في إثباته
الشفاعة.
وقد اتّفق لجابر حظوته مثل هذا مع طلق بن حبيب، فقد أخرج الإمام
أحمد كَّلُ في ((مسنده)) بسنده عن طلق بن حبيب، قال: كنت من أشد الناس
تكذيباً بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كلَّ آية
ذكرها الله رَ، فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق أَتْرَاك أقرأ لكتاب الله
مني؟، وأعلم بسنة رسول الله وَّهَ؟، فاتَّضَعْتُ له، فقلت: لا والله بل أنت أقرأ
لكتاب الله مني، وأعلم بسنته منيٍ، قال: فإن الذي قرأتَ أهلُها هم
المشركون، ولكن قوم أصابوا ذنوباً، فعُذِّبوا بها، ثم أُخْرِجوا، صُمَّتًا - وأهوى
(١) راجع: ((القاموس)) ص ١٠٧.

٢٩١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٠)
بيديه إلى أذنيه - إن لم أكن سمعت رسول الله ﴿ ﴿ يقول: ((يَخْرُجون من النار))،
ونحن نقرأ ما تقرأ. انتهى(١).
وأخرج ابن حبان في ((صحيحه)) بسند صحيح، عن عمرو بن دينار،
يقول: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: سمعت رسول الله صل* يقول: بأذنيّ
هاتين، وأشار بيده إلى أذنيه، يُخْرِج الله قوماً من النار، فيدخلهم الجنة، فقال
له رجل في حديث عمرو: إنّ الله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم
◌ِخَرِحِينَ مِنْهَا﴾ الآية [المائدة: ٣٧]، فقال جابر بن عبد الله: إنكم تجعلون
الخاصّ عاماً، هذه للكفار، اقرؤوا ما قبلها، ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ
أَنَّ لَهُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُم لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابِ يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ مَا
ثُقُبِّلَ مِنْهُوٌّ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (®َ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِمِينَ
مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٦، ٣٧] هذه للكفّار(٢).
(فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟) أي فأيُّ شيء حديثكم هذا في الشفاعة؟ المنافية
- في زعمهم - لما دلّت عليه الآيتان (قَالَ) يزيد (فَقَالَ) جابر ◌َُهُ (أَتَقْرَأُ
الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامٍ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامِ؟، يَعْنِي) به
المقام (الَّذِي يَبْعَثُهُ اللهُ فِيهِ) حيث وعده ووعده الحقّ بقوله: ﴿عَسٌَ أَنْ يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) جابر نَّهِ (فَإِنَّهُ) أي ذلك
المقام (مَقَامُ مُحَمَّدٍ وََّ الْمَحْمُودُ) أي يَحمده فيه الأولون والآخرون (الَّذِي
يُخْرِجُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإخراج رباعيّاً (اللهُ بِهِ) أي بسبب
شفاعته وَ﴾ (مَنْ يُخْرِجُ) ((من)) موصولة مفعول ((يُخرِج)) (قَالَ) يزيد (ثُمَّ نَعَتَ)
جابر ◌َُّه (وَضْعَ الصِّرَاطِ) أي على متن جهنّم (وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ) بفتح الميم،
وتشديد الراء مصدر مرّ، من باب نصر، أي مرورهم على ذلك الصراط (قَالَ)
يزيد (وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاَكَ) أي ما قاله جابر نَظُه في وصف
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) رقم (١٤١٢٥) وفي سنده سعيد بن المهلّب، روى عنه
اثنان، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال أبو حاتم: لا أعرف من هو؟. راجع:
((تهذيب التهذيب)) ٤٦/٢ - ٤٧.
(٢) ((صحيح ابن حبّان)) (٥٢٦/١٦) رقم (٧٤٨٣) تحقيق شعيب الأرنؤوط.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الصراط، ومرور الناس عليه؛ لكونه كلاماً طويلاً، لكنّه يحفظ بعض ما تضمّنه،
كما أشار إليه بقوله: (قَالَ) يزيد (غَيْرَ أَنَّهُ) أي جابراً تَظُبُه (قَدْ زَعَمَ) أي قال؛
لأن زعم، وإن كان الغالب فيها أن تستعمل للباطل، لكنها قد تُستعمل للحقّ،
كما سبق بيان ذلك مستوفّى غير مرّة. (أَنَّ) بالفتح؛ لسدّها مسدّ المصدر، حيث
وقعت مفعولاً لـ((زعم))، كما قال في ((الخلاصة)):
وَهَمْزَ ((إِنَّ) افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرٍ
(قَوْماً يَخْرُجُونَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من الخروج ثلاثيّاً (مِنَ النَّارِ،
بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا) أي بعد دخولهم في النار (قَالَ: يَعْنِي فَيَخْرُجُونَ) هذه
العناية من المصنّف، أو من شيخه؛ لأن أبا نعيم أخرجه في ((مستخرجه))، من
طريق عليّ بن عبد العزيز، وسهل بن بحر، كليهما عن الفضل بن دُكين، فلم
يذكراها، ولفظه: ((قال: فيخرجون ... إلخ))، فلم يذكراها (كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ
السَّمَاسِم) قال النوويّ رَّتُهُ: هو بالسينين المهملتين: الأولى مفتوحة، والثانية
مكسورةَ، وهو جَمْعُ سِمْسِم، وهو هذا السِّمْسِم المعروف الذي يُسْتَخْرَج منه
الشَّيْرَج، قال الإمام أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزريّ
المعروف بابن الأثير رَُّهُ: معناه - والله أعلم - أن السماسم جمع سِمْسِم،
وعِيدانه تراها إذا قُلِعَت، وتُرِكت في الشمس؛ لِيُؤخَذ حَبُّها دِقَاقاً سُوداً، كأنها
مُخْترِقةٌ، فشُبِّه بها هؤلاء، قال: وطالما طَلَبت هذه اللفظة، وسألت عنها، فلم
أجد فيها شافياً، قال: وما أشبه أن تكون اللفظة مُحَرَّفةً، وربما كانت عِيدان
السّاسَمُ، وهو خَشَبٌ أسود، كالأبنوس، هذا كلام أبي السعادات.
و((السّاسَمُ)) الذي ذكره هو بحذف الميم، وفتح السين الثانية، كذا قاله
الجوهريّ وغيره.
وأما القاضي عياض: فقال: لا يُعْرَف معنى السَّمَاسم هنا، قال: ولعله
صوابه عِيدان السّاسَم، وهو أشبه، وهو عُود أسود، وقيل: هو الأبنوس.
وأما صاحب ((المطالع))، فقال: قال بعضهم: السماسم: كلُّ نبت
ضعيف، كالسمسم، والْكُزْبُرة(١).
(١) بضم الكاف، والباء، وقد تفتح الباء. اهــ ((ق)).

٢٩٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٠)
وقال آخرون: لعله السّأَسِم مهموز، وهو الأبنوس، شَبَّهَهم به في سَوَاده،
فهذا مختصر ما قالوه فيه، والمختار أنه السِّمْسِم كما قدمناه على ما بيّنه
أبو السعادات، والله أعلم.
(واعلم): أنه وقع في كثير من الأصول والكتب: ((كأنها عِيدان
السماسم))، بألف بعد الهاء، والصحيح الموجود في معظم الأصول والكتب:
((كأنهم)) بميم بعد الهاء، وللأول أيضاً وَجْهٌ، وهو أن يكون الضمير في ((كأنها))
عائداً على الصُّوَر، أي كأن صورهم عِيدان السماسم. انتهى كلام
النوويّ كَُّ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): المراد بعيدان السماسم: ما يَنْبُت فيه السمسم، فإنه
إذا جُمِع، ورُمِيت العيدان تصير سُوداً دِقَاقاً، وزعم بعضهم أن اللفظة مُحَرَّفة،
وأن الصواب السَّاسَمُ بميم واحدة، وهو خشب أسود، والثابت في جميع طُرُق
الحدیث بإثبات المیمین، وتوجيهه واضح. انتهى (٢).
(فَيَدْخُلُونَ نَهَراً) بفتح الهاء، وسكونها، قال الفيّوميّ تَخْذُ:
(قَالَ) جابر
((النّهْرُ)): الماء الجاري المتّسِعُ، والجمع: نُهُرٌ بضمّتين، وأَنْهُرٌ، و((النَّهَرُ)) بفتحتين
لغةٌ، والجمع: أنهار، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى(٣). (مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَغْتَسِلُونَ
فِيهِ) أي في ذلك النهر (فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ) بالفتح: جمع قِرْطَاس بكسر
القاف، وضمها، لغتان، وهو الصحيفة التي يُكْتَب فيها، شَبَّهَهُم بالقراطيس؛
لشدّة بياضهم بعد اغتسالهم، وزوال ما كان عليهم، والله تعالى أعلم (٤) .
(فَرَجَعْنَا، قُلْنَا) وفي نسخة: ((وقلنا)) (وَيْحَكُمْ) قال ابن الأثير تَخْتُهُ: هي
كلمة ترحّم، وتوجّع، تقال لمن وقع في هَلَكَة لا يستحقّها، وقد تقال بمعنى
المدح والتعجّب، وهي منصوبة على المصدر، وقد تُرفع، وتضاف، ولا
تُضاف، يقال: وَيْحَ زيدٍ، وويْحاً له، وونْحٌ له. انتهى(٥) .
(١) (شرح مسلم)) ٥١/٣ - ٥٢.
(٢) ((الفتح)) ٤٣٧/١١ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٥٨).
(٣) ((المصباح المنير)) ٦٢٧/٢.
(٥) ((النهاية)) ٢٣٥/٥.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٥٢/٣.

٢٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال الجوهريّ تَّتُهُ: ((ويحٌ)) كلمةُ رحمة، و((ويلٌ)) كلمة عذاب، وقيل:
هما بمعنى واحد، وهما مرفوعتان بالابتداء، يقال: ويحٌ لزيد، وويلٌ له، ولك
أن تقول: ويْحاً لزيد، وويلاً له، فتنصبهما بإضمار فعل، وكأنك قلت: ألزمه الله
ويحاً، وويلاً، ولك أن تقول: ويحك، وويح زيد، وويلك، وويل زيد
بالإضافة، فتنصبهما أيضاً بإضمار فعل. انتهى(١).
(أَثْرَوْنَ) بالبناء للفاعل، بمعنى تعلمون، ويحتمل أن يكون بمعنى أتظنّون،
وعلى هذا فيكون الفعل أن يكون مبنيّاً للمفعول، ومعناه معلوم، ويجوز أن
يكون مبنيّاً للفاعل، ومعناه أيضاً أتَظُنّون (الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَليه)
المراد بالشيخ جابر بن عبد الله ﴿يا، وهو استفهام إنكار وجَحْد: أي لا يُظَنُّ
به الكذب بلا شك (فَرَجَعْنَا، فَلَ وَاللهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ) قال النوويّ كَذَتُ:
معناه: رَجَعْنا من حجّنا، ولم نَتَعَرَّض لرأي الخوارج، بل كَفَفْنا عنه، وتُبْنا منه،
إلا رجلاً منّا، فإنه لم يوافقنا في الانكفاف عنه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ويحتمل أن يكون معنى رجعنا: أي مما
اعتقدناه من رأي الخوارج، وعزمنا عليه من دعوة الناس إليه، والحثّ عليه،
والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْم) هو من كلام حجّاج بن الشاعر شيخ
المصنّف، والمراد بأبي نُعيم هو: أَلفضل بن دُكين - بضم الدال المهملة -
المذكور في أول الإسناد، وهو شيخ شيخه، وهذا الذي فَعَلَه أدبٌ معروف، من
آداب الرُّواة، وهو أنه ينبغي للراوي إذا رَوَى بالمعنى أن يقول عقب روايته:
((أو كما قال))؛ احتياطاً، وخوفاً من تغيير وقع فيه، وإلى ذلك أشار السيوطيّ
في ((ألفيّة الحدیث))، حيث قال:
وَقُلْ أَخِيراً ((أَوْ كَمَا قَالَ)) وَمَا أَشْبَهَهُ كَالشَّكٌ فِيمَا أَبْهَمَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
(١) ((الصحاح)) ٣٦٤/١.

(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٠)
٢٩٥
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿ّ هذا من أفراد
المصنّف رَحْدَثُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٨٠/٩٠] (١٩١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٥٥/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن طائفة من عصاة المؤمنين يدخلون النار.
٢ - (ومنها): إثبات عدم خلود أصحاب الكبائر في النار، بل يخرُجون
منها .
٣ - (ومنها): إثبات الشفاعة لأصحاب الكبائر، وقد أخرج أحمد،
والترمذيّ، وأبو داود، عن أنس نظ ◌ُبه قال: قال رسول الله وَله: ((شفاعتي لأهل
الكبائر من أمتي))، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح غريب (١).
٤ - (ومنها): أن فيه الردّ على ثلاث طوائف من المبتدعة، فهو ردّ على
الخوارج والمعتزلة الذين يقولون: بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وأن من
دخلها لا يخرُج منها، على خلاف بينهما في حكمه، وهو أن الخوارج
يقولون: بأنه كافر، والمعتزلة يقولون: بأنه في منزلة بين المنزلتين، ولكن
النتيجة واحدة، وهي التخليد في النار، وهذا اعتقاد باطلٌ مصادم للنصوص
وإجماع أهل السنة والجماعة.
وهو أيضاً ردٌّ على المرجئة الذين يقولون: إن الموحّد لا يدخل النار،
وإنه لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهذا أيضاً
ضلال مبين .
والحقّ الذي دلّت عليه آيات الكتاب، والسنن الصحيحة، وهو الذي عليه
أهل السنّة والجماعة وسطّ بين الإفراط والتفريط، فمرتكب الكبيرة مؤمن
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٢٨١٠)، وأبو داود في ((سننه))
(٤٧٣٩)، والترمذيّ في ((جامعه)) (٢٣٥٩).

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته، وهو تحت مشيئة الله ◌ُعَلَ، إن شاء عفا عنه، وغفر له،
وأدخله الجنّة ابتداءً، وإن شاء أدخله النار، ثم أخرجه منها، إما بعفوه، وإما
بشفاعة الشافعين، ولا يُخلَّد أحد من أهل التوحيد في النار، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٨١] (١٩٢) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ،
عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، وَثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((يَخْرُجُ مِنَ
النَّارِ أَرْبَعَةٌ، فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللهِ، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، إِذْ أَخْرَجْتَنِي
مِنْهَا، فَلَا تُعِدْنِي فِيهَا، فَيُنْجِيهِ اللهُ مِنْهَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ) هو: هُذْبة - بضم الهاء، وسكون الدال ـ
ابن خالد بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ
بتليينه، من صغار [٩] (ت٢٣٠) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٥١/١١.
[تنبيه]: اختلف في ((هدّاب، وهُدبة)) أيهما الاسم، وأيهما اللقب، فقيل:
هذّاب لقبٌّ، واسمه هُذْبة، وقيل: هذّاب اسمه، وهُدبة لقبه، وذكره
المصنّف تَّتُهُ في (٣٤) موضعاً من هذا الكتاب، وذكره في كلّها بـ((هذّاب))،
والظاهر أنه يرى أنه اسمه، وخالفه البخاريّ، فذكره في (١٨) موضعاً من
((صحيحه)) فلم يذكره إلا بـ((هدبة))، والظاهر أنه يرى أنه الاسم، والله تعالى
أعلم.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) المذكور في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو عِمْرَانَ) هو: عبد الملك بن حبيب الْجَوْنيّ البصريّ، ثقةٌ، من
كبار [٤] (ت١٢٨) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٥/٨٦.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم البنانيّ المذكور قبل باب.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) الصحابيّ المشهور ظُه تقدّم قبل باب.

٢٩٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨١)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف دَّثُهُ، وهو (٢٠) من رباعيات
الكتاب، وهو أعلى أسانيده، كما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وحماد بن سلمة أخرج له
البخاريّ حديثاً واحداً في ((الرقاق)).
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن أنساً ظهبه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً،
وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وهو من المعمّرين، ونال البركة
العظمى بخدمة النبيّ وَّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
رُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((يَخْرُجُ) بالبناء
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) .
للفاعل، و((أربعة)) فاعله، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، و((أربعة)) نائب
فاعله (مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ) وأخرجه ابن حبّان في ((صحيحه)) من رواية حماد بن
سلمة، عن ثابت، عن أنس، ولفظه: قال: قال رسول الله وَليقول: ((يَخرج رجلان
من النار، فيُعرَضان على الله، ثم يؤمر بهما إلى النار، فيلتفت أحدهما،
فيقول: يا ربّ ما كان هذا رجائي، قال: وما رجاؤك؟ قال: كان رجائي إذ
أخرجتني منها أن لا تُعيدني، فيرحمه الله، فيُدخله الجنّة)).
وأخرجه البغويّ في ((شرح السنّة))، من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت،
وأبي عمران الْجَونيّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَيار: ((يُخرَج
قوم من النار - قال أبو عمران: أربعةٌ، وقال ثابتٌ: رجلان - فيُعرَضون على
ربّهم ... )) الحديث، فتبيّن بهذه الرواية أن الذي وقع عند المصنّف هنا بلفظ
أربعة، هو رواية أبي عمران.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يُذكَر في هذا الحديث مآل غير هذا
الرجل الواحد الذي أدخله الله الجنّة، هل دخلوا الجنة، أم لا؟.
وقد أخرج الترمذيّ عن أبي هريرة به عن رسول اللهِ وَّ﴾ قال: ((إن
رجلين ممن دخل النار اشتدّ صياحهما، فقال الرب رم: أخرجوهما، فلما

٢٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أُخرجا قال لهما: لأي شيء اشتدّ صياحكما؟ قالا: فَعَلْنا ذلك لترحمنا، قال:
إن رحمتي لكما أن تنطلقا، فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار، فينطلقان،
فيُلْقِي أحدهما نفسه، فيجعلها عليه برداً وسلاماً، ويقوم الآخر، فلا يُلقي
نفسه، فيقول له الرب ربك: ما منعك أن تُلقي نفسك، كما ألقى صاحبك؟
فيقول: يا رب إني لأرجو أن لا تعيدني فيها بعدما أخرجتني، فيقول له الرب:
لك رجاؤك، فيدخلان جميعاً الجنة برحمة الله))، قال أبو عيسى: إسناد هذا
الحديث ضعيف؛ لأنه عن رشدين بن سعد، ورشدين بن سعد هو ضعيف عند
أهل الحديث، عن ابن أنعم، وهو الإفريقيّ، والأفريقيّ ضعيف عند أهل
الحدیث. انتهى(١).
فلو صحّ هذا الحديث لتبيّن أن الرجل الآخر أيضاً دخل الجنّة، إلا أنه
ضعيف، كما قال الترمذيّ، فالله تعالى أعلم بأحوال عباده.
(فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللهِ) ببناء الفعل للمفعول، يقال: عَرَضتُ الشيء على
فلان: إذا أريته إيّاه(٢). (فَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ) أي بعد أن يؤمر به إلى النار امتحاناً،
كما بيّنته رواية ابن حبّان المذكورة (فَيَقُولُ: أَيْ) حرف نداء (رَبِّ، إِذْ) تعليليّةً،
فهو تعليل مقدّم على المعلَّل، وهو قوله: ((فلا تُعدني))، أي لأنك (أَخْرَجْتَنِي
مِنْهَا، فَلَا تُعِدْنِي فِيهَا) بضم التاء، من الإعادة (فَيُنْجِيهِ) من الإنجاء، أو من
التنجية (اللهُ مِنْهَا) أي بعد إعادته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
نصُّه هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
المصنّف تَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٩٠/ ٤٨١] (١٩٢)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (٦٣٢)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٧٦٠)، و(أبو عوانة) في
(١) راجع: ((جامع الترمذيّ)) رقم (٢٥٩٩).
(٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ص ٥٨٠.

٢٩٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٨٢)
((مسنده)) (٤٦١ و٤٦٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٧٧)، وفي ((الحلية))
(٣١٥/٢ و٢٥٣/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٣٦٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٨٢] (١٩٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِبُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ - وقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ : - فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى
رَبِّنَا، حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، قَالَ: فَيَأْتُونَ آدَمَ رَِّ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ، أَبُو
الْخَلْقِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيَكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ، فَسَجَدُوا لَكَ،
اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ، حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ
خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ اثْتُوا نُوحاً، أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ،
قَالَ: فَيَأْتُونَ نُوحً ◌َّةِ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ،
فَيَسْتَحْبِي رَبَّهُ مِنْهَا، وَلَكِنِ اثْتُوا إِبْرَاهِيمَ وَ الَّذِي اَنَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلاً، فَيَأْتُونَ
إِبْرَاهِيمَ وََّ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ
مِنْهَا، وَلَكِنِ اثْتُوا مُوسَىنَّهِ الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ، وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، قَالَ: فَيَأْتُونَ
مُوسَى بَّةِ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْهَا،
وَلَكِنِ اثْتُوا عِيسَى، رُوحَ اللهِ، وَكَلِمَتَهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، رُوحَ اللهِ، وَكَلِمَتَهُ، فَيَقُولُ:
لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ اثْتُوا مُحَمَّدًّ ◌َّهِ عَبْدَاً قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ،
وَقَعْتُ سَاجِداً، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ
تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ، يُعَلِّمُنِيهِ رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ،
فَيَحُدُّ لِي حَدّاً، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَقَعُ سَاجِداً،
فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ
لِي حَدّاً، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ))، قَالَ: فَلَا أَدْرِي، فِي الثَّالِئَةِ، أَوْ
فِي الرَّابِعَةِ، قَالَ: ((فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَيْ
وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ))، قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ
الْخُلُودُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو كَامِل، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ)(١) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٣٧) (ختّ م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) (٢) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٨) (م د س)
تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله الْيَشكريّ الواسطيّ البزّاز، مشهور
بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/ ٤.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس
الطبقة [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَبُّه المذكور في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخُّْ، وهو (٢١) من رباعيات
الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، كالسند الماضي،
والله تعالى أعلم.
(١) بفتح الجيم، وبعدها حاء مهملة ساكنة، ثم دال مهملة مفتوحة: نسبة إلى جدّ له
اسمه جَخْدر. اهـ. ((شرح النوويّ)) ٥٣/٣.
(٢) بضم الغين المعجمة، وتخفيف الموحّدة المفتوحة: منسوب إلى غُبَر، جدّ قبيلة.
اهـ. (شرح النوويّ)) ٥٣/٣.