النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٢)
(فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟) أي فما أعلى أهل الجنّة منزلةً؟، وفي رواية أبي عوانة في
((مسنده): ((أي ربّ، فأيّ أهل الجنّة أرفع منزلةً؟)) (قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ)
بضم التاء للمتكلّم، ومعناه: اخترتُ واصطفيتُ، قاله النوويّ، وفي رواية أبي
عوانة: ((قال: إياها أردتُ، وسأحدّثك عنهم)) (غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ
عَلَيْهَا) قال النوويّ تَخْذَُّ: معناه اصطفيتهم، وتوليتهم، فلا يتطَرَّق إلى كرامتهم
تغییر. انتهى.
(فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ) حُذِف مفعول
هذه الأفعال اختصاراً؛ للعلم به، تقديره: ((ما أكرمتهم به، وأعددته لهم)).
(قَالَ) الضمير للشعبيّ ◌َخْذَلُهُ، كما بيّنته رواية ابن منده، ولفظه: ((قال
الشعبيّ))، فبيانها في كتاب الله القرآن: ﴿فَلَا تَعْلَمُ﴾ الآية(١)، وستأتي الرواية في
التنبيه الآتي (وَمِصْدَاقُهُ) بكسر الميم: أي دليله، وما يُصَدِّقه (فِي كِتَابِ اللهِ رَّ)
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ الآية [السجدة: ١٧]) أي
فلا يعلم أحدٌ عظمة ما أخفى الله تعالى لهم في الجنّات من النعيم المقيم،
واللذات التي لم يطّلع على مثلها أحدٌ، لَمَّا أَخْفَوا أعمالهم أخفى الله لهم من
الثواب جزاءً وفاقاً، فإن الجزاء من جنس العمل، قال الحسن تَخْتُ: أخفى قوم
عملهم، فأخفى الله تعالى لهم ما لم تَرَ عينٌ، ولم يخطر على قلب بشر (٢).
ومعنى ((أُخِفي)): خُبِئ، وسُتِر، و((القرّة)): بمعنى: اسم الفاعل: أي ما
يَحصُلُ به القَرِير: أي الفَرَح والسرور، أي فلا يلتفتون إلى غيره.
فقوله: ﴿أُخْفِىَ﴾ فيه قراءتان سبعيّتان: قرأ حمزة ﴿أُخفِي﴾ فعلاً مضارعاً
مسنداً لضمير المتكلّم، فلذلك سُكّنت ياؤه؛ لأنه مرفوع، وقرأ الباقون
﴿أخفيَ﴾ فعلاً ماضياً مبنيّاً للمفعول، فمن ثَمّ فُتِحت ياؤه.
و((ما)) يَحْتَمِل أن تكون موصولةً: أي لا تَعلَم الذي أخفاه الله تعالى.
ويَحْتَمِلُ أن تكون استفهاميّةً معلِّقَةً ل﴿تَعْلَمْ﴾، فإن كانت متعدّيةً لاثنين
سدّت مسدّهما، أو لواحد سدّت مسدّه، وإذا كانت استفهاميّة فعلى قراءة من
(١) ((الإيمان لابن منده)) ٨٢٢/٢ رقم (٨٤٦).
(٢) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٩٨/١١.

٢٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قرأ ما بعدها فعلاً ماضياً تكون في محلّ رفع بالابتداء، والفعل بعدها الخبر،
وعلى قراءة من قرأه مضارعاً تكون مفعولاً مقدّماً، و﴿مِّن قُرَّةِ﴾ حال من ((ما))،
أفاده السمين الحلبيّ ◌َظُّهُ(١).
[تنبيه]: في معنى هذا الحديث ما أخرجه الشيخان من حديث أبي
هريرة ◌َاته عن النبي وَّر: يقول الله تعالى: ((أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا
عين رأت، ولا أذن سَمِعَت، ولا خَطَر على قلب بشر - ذُخْراً بَلْهَ ما أُطْلِعتُم
عليه - ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَّةٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
[السجدة: ١٧]))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شُعبة رُه هذا من أفراد
المصنّف تَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٧٢/٩٠ و٤٧٣] (١٨٩)،
و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣١٩٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٦١)،
و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٠٤/٢١)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص٧٠ -
٧١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢١٦ و٧٤٢٦)، و(ابن منده) في ((الإيمان))
(٨٤٥ و٨٤٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٨٩/٢٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٤٢٥)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٤٦٩ و٤٧٠)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء
والصفات)) (ص٣١٧ - ٣١٨)، وفوائد الحديث تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٤٧٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ عَبْدِ
سـ
(١) راجع: ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) ٨٧/٩ - ٨٨.

٢٦٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٣)
الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ
عَلَى الْمِنْبَرِ: ((إِنَّ مُوسَى عَّا سَأَلَ اللهَ رَى عَنْ أَخَسِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْهَا حَظّاً))،
وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء المذكور في الباب الماضي.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ) هو: عبيد الله بن عُبيد الرحمن(١)، أبو
عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ، أثبتُ الناس كتاباً في الثوريّ، من كبار [٩]
(ت١٨٢) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٦/١٠.
والباقون تقدّموا في السند السابق.
وقوله: (عَنْ أَخَسِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ) قال النوويّ كَتُ: هكذا ضبطناه بالخاء
المعجمة، وبعدها السين المشدّدة، وهكذا رواه جميعُ الرواة، ومعناه: أدناهم،
كما تقدم في الرواية الأُخرى. انتهى(٢).
وقوله: (حَظّاً) منصوب على التمييز.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ) الضمير لعبيد الله الأشجعيّ، يعني أنه
ساق تمام الحديث بنحو رواية سفيان بن عيينة الماضية.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الرواية تخالف الرواية السابقة، حيث إنها
موقوفة على المغيرة بن شعبة ظُه، وقد رجّح العلماء المرفوع، قال الإمام
الترمذيّ تَخْتُ بعد إخراجه ما نصّه: ورواه بعضهم عن الشعبيّ، عن المغيرة،
ولم یرفعه، والمرفوع أصحّ. انتهى(٣).
وما قاله الترمذيّ موافق لصنيع المصنّف تَّتُهُ، حيث أخرجه في
((صحيحه، مقدّماً المرفوع إشارةً إلى ترجيحه، وإنما أخرج الموقوف بياناً
للاختلاف، قال الحافظ ابن منده ◌َّتُهُ بعد إخراج الحديث ما نصّه: أخرجه
(١) بتصغير اسمه، واسم أبيه.
(٣) راجع: ((جامع الترمذيّ)) في ((التفسير)) برقم (٣١٩٨).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٦/٣ - ٤٧.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مسلم، عن أبي كريب، في إِثْر حديث ابن عيينة؛ لِيُبَيِّن الحديث الموقوف من
المرفوع. انتهى(١).
وهذا الاختلاف لا يضرّ في الصحّة، وذلك لأن ابن عيينة أوثق من
الأشجعيّ، فزيادته مقبولة، وأيضاً إن الموقوف في مثل هذا له حكم المرفوع؛
لأن المغيرة بن شعبة ربه ليس ممن اشتهر بالرواية عن أهل الكتاب، فيكون
مما سمعه من النبيّ ◌َآلآ .
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعاً، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: رواية الأشجعيّ التي أحالها المصنّف تََّثُ هنا على رواية ابن
عيينة، أخرجها الحافظ ابن منده تَخْلَتُهُ في ((الإيمان)) (٨٢١/٢)، فقال:
(٨٤٦) أخبرني أبي، حدثني أبي، ثنا أبو كريب، ثنا عبيد الله بن عبيد
الرحمن(٢) الأشجعيّ، ثنا عبد الملك بن أبجر، قال: سمعت الشعبيّ يقول:
سمعت المغيرة بن شعبة، وهو على المنبر: ((إن موسى؛ سأل الله رحمك عن
أخس أهل الجنة منها حظّاً، فقيل له: ذاك رجل يُؤْتَى، وقد دخل الناس
الجنة، فيقال له: ادخل، فيقول: أين؟ وقد أخذ الناس أَخَذَاتهم، فيقال: اعْدُدْ
أربعةً من ملوك الدنيا، فيكون لك مثل الذي كان لهم، ولك أخرى شهوةُ
نفسك، فيقول: أشتهي كذا، وأشتهي كذا، ويقال: لك أخرى، لذةُ عينك،
فيقول: أَلَذُّ كذا، وألذّ كذا، فيقال: لك عشرة أضعاف، ومثل ذلك، وسأله عن
أعظم أهل الجنة فيها حظّاً، فقال: ذلك على ختمته عليه (٣) يوم خلقتُ
السموات والأرض، قال الشعبي: فبيانها في كتاب الله القرآنِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ
مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ الآية. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((الإيمان)) لابن منده ٢/ ٨٢٢ رقم (٨٤٦).
(٢) لفظ ((الرحمن)) ساقط من النسخة.
(٣) كذا بالأصل ((على ختمته))، ووقع في رواية عنده سابقة على هذه بلفظ: ((ختمت
عليها))، ولعل ما في هذه الرواية دخله التصحيف، والله تعالى أعلم.

٢٦٥
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٤)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٧٤] (١٩٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنِّي
لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْنَى بِهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ
عَلَيْهِ (١) صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا
وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ،
أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ قَدْ
عَمِلْتُ أَشْيَاءَ، لَا أَرَاهَا هَا هُنَا))، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ
نَوَاجِذُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سُنّيّ،
من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران المذكور في الباب الماضي.
٤ - (الْمَعْرُورُ(٢) بْنُ سُوَيْدٍ) الأسديّ، أبو أُميّة الكوفيّ، ثقةٌ [٢] عاش
مائة وعشرين سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٩/٤٢.
٥ - (أَبُو ذَرٍّ) الْغِفَاريّ، جُندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ
رضوانه سنة
المشهور، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدراً، مات
(٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩، والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((فيعرض الله عليه)).
(٢) بالعين المهملة، والراء المكرّرة.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الْغِفَارِيّ ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنِّي لَأَعْلَمُ
آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ) أي فيها (وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا، رَجُلٌ) خبر
المحذوف، أي هو رجلٌ (يُؤْتَى بِهِ) بالبناء للمفعول (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ) بالبناء
للمفعول أيضاً، أي يقول الله نَّلَ لملائكته (اعْرِضُوا عَلَيْهِ) بوصل الهمزة،
وكسر الراء، من العرض ثلاثيّاً، قال المجد دَخْذُ: عَرَضَ له كذا يَعْرِضُ - من
باب ضرب ـ: ظهر عليه وبدا، كَعَرِضَ، كَسَمِعَ، وعَرَضَ له الشيءَ: أظهره له،
وعَرَضَ عليه الشيءَ: أراه إيّاه. انتهى(١). والمعنى الأخير هو المناسب هنا،
أي أَرُوهُ (صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا) أي أخفوها عنه، واستروها عليه؛
لئلا يشتدّ خوفه، ويَقنط من رحمة الله تعالى، وفي رواية لأبي عوانة: ((ويُخْبأ
عنه كبارها)) (فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: ((فَيَعْرِضُ الله عليه))
(صِغَارُ ذُنُوبِهِ) وقوله: (فَيُقَالُ) بيان لمعنى العرض، وكيفيّته (عَمِلْتَ) بفتح أوله،
وكسر ثانيه (يَوْمَ كَذَا وَكَذَا) أي في الوقت الفلانيّ، فالمراد باليوم مطلق الوقت
(كَذَا وَكَذَا) أي من عمل السيّئات (وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا) أي من
ترك الطاعات، وفي رواية لأبي عوانة: ((فيقال: عملت يوم كذا كذا وكذا،
وعمِلت يوم كذا وكذا، وعمِلت يوم كذا وكذا(٢) ثلاث مرّات)) (فَيَقُولُ) أي في
كلّ منهما، أو بعدهما جميعاً، قاله القاري ◌َّقُ(٣). (نَعَمْ) أي عَمِلته (لَا
(١) ((القاموس المحيط)) ص ٥٨٠.
(٢) هكذا النسخة، والظاهر أن فيه سقطاً، إذ حقّه أن يكون لفظه ((عملت يوم كذا، كذا
وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا))، والله تعالى أعلم.
(٣) ((المرقاة)) ٩/ ٥٥٢.

٢٦٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٤)
يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ) شيئاً مما سئل عنه، والجملة مستأنفة، أو في محلّ نصب على
الحال، وفي رواية أبي عوانة: ((وهو مقرّ ليس بمنكر)) (وَهُوَ مُشْفِقٌ) أي خائف،
والجملة في محلّ نصب على الحال (مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ، أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ) ((أن))
مصدريّة، والفعل مبنيّ للمفعول، والمصدر المؤوّل بدل من ((كبار))، أي من
عرضها عليه؛ لأن العذاب المترتّب عليها أكبر وأشدّ (فَيُقَالُ لَهُ) وفي رواية أبي
عوانة: ((فإذا أراد الله به خيراً قال: أعطوه مكان كلّ سيّئة حسنة)) (فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ
كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً) أي يبدّل الله تعالى بفضله، وكريم عفوه سيئاتك هذه حسنات،
فتُعطى بدل كلّ سيّئة حسنةً.
قال القاري تَخْذَتُهُ: هذا إما لكونه تائباً إلى الله تعالى، وقد قال الله تعالى:
﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ
[الفرقان: ٧٠].
اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
قال: لكن يُشكل بأنه كيف يكون آخر أهل النار خروجاً؟، ويمكن أن
يقال: فَعَلَ بعد التوبة ذنوباً استحقّ بها العقاب، وأما وقوع التبديل له فمن باب
الفضل من ربّ الأرباب، قال: والثاني أظهر، ويؤيّده أنه حينئذ لمِعَ في
كَرَم الله ◌َ. انتهى(١).
(فَيَقُولُ) الرجل لَمّا رأى سعة فضل الله تعالى، وعظيم إحسانه، مع كثرة
إساءته إليه (رَبِّ) بحذف حرف النداء، أي يا رب، كما قال الحريريّ تَخْتُهُ في
((ملحة الإعراب)):
وَحْذْفُ (يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ: ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي))
(قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ) أي من كبار الذنوب (لَا أَرَاهَا هَا هُنَا))) أي في
صحائف الأعمال، أو في مقام التبديل، قال أبو ذرّ ◌َظُه (فَلَقَدْ رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَلِ ضَحِكَ حَتَى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) زاد في رواية لأبي عوانة: ((ثم تلا
رسول الله وَله: ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾)) [الفرقان: ٧٠].
و((النواجذ)): جمع نَاجِذٍ، وهو السنّ بين الضِّرْس والناب، قال ثعلب:
المراد الأنياب، وقيل: الناجذ آخر الأضراس، وهو ضِرسُ الْحُلُم؛ لأنه ينبُتُ
(١) ((المرقاة)) ٥٥٣/٩.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
بعد البلوغ، وكمال العقل، وقيل: الأضراس كلَّها نواجذ، قال في ((البارع)):
وتكون النواجذ للإنسان، والحافر، وهي من ذوات الخفّ الأنياب. انتهى(١).
وإنما ضَحِك النبيّ وَلّ تعجّباً من طمع الرجل في أن يعوّض من كبائره
حسنات، بعد أن كان مشفقاً أشدّ الإشفاق على المؤاخذة بها، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ به هذا من أفراد المصنّف وَُّ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٧٤/٩٠ و٤٧٥] (١٩٠)،
و(الترمذيّ) في ((صفة جهنّم)) (٢٥٩٦)، وفي ((الشمائل)) (٢٢٩)، و(أحمد) في
(«مسنده)) (١٥٧/٥ و١٧٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٣٧٥)، و(أبو عوانة)
في («مسنده)) (٤٣٤ و٤٣٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٧١)، و(ابن منده)
في ((الإيمان)) (٨٤٧ و٨٤٨ و٨٤٩)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات))
(ص٥٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٣٦٠)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٧٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا(٢) ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ (ح)،
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا قريباً، و((ابن نمير)): هو محمد بن عبد الله بن نُمير،
و((أبو معاوية)): هو: محمد بن خازم الضرير، و((وكيع)): هو ابن الجرّاح،
و((أبو بكر بن أبي شيبة)): هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، و((أبو
(١) ((المصباح المنير)) ٥٩٣/٢.
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثناه)).

٢٦٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٥)
كريب)): هو محمد بن العلاء، و((الأعمش)): هو سليمان بن مِهْران، والله
تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: [إن قلت]: لم لم يجمع المصنّف تَُّ بين
الأسانيد الثلاثة، فيقول: حدثنا ابن نمير، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب،
كلهم عن أبي معاوية، ووكيع، كلاهما عن الأعمش؟.
[قلت]: إنما لم يفعل ذلك؛ لأن شيوخه الثلاثة لم يتّفقوا في الرواية عن
أبي معاوية، ووكيع كليهما، فابن أبي شيبة، لا يروي عن أبي معاوية، وأبو
كريب لا يروي عن وكيع، وابنُ نمير روى عنهما جميعاً، فصنيع المصنّف ◌َظُّ
هو الذي يفصّل هذا التفصيل، فلو سلك مسلك الجمع لأدّى إلى ظنّ أن الثلاثة
يروون عنهما جميعاً مع أنه خلاف الواقع، وهذا من دقائق صنيع المحدّثين
رحمهم الله، ولا سيّما المصنّف، فإن له منه الأحظّ الأوفرَ، كما أقرّ له بذلك
الحفّاظ الجهابذة، حتى فضّلوه على البخاريّ في هذا الجانب، ولبعضهم في
هذا المعنى [من الطويل]:
لأَيِّهِمَا فِي الْفَضْلِ كَانَ التَّقَدُّمُ
تَنَازَعَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِي وَمُسْلِم
كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ
فَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً
وقد أسلفت تحقيق هذا البحث في ((شرح المقدّمة)) مستوفَى، فارجع إليه
تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ) الضمير لأبي معاوية، ووكيع.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش الماضي، وهو: عن المعرور بن
سُويد، عن أبي ذرّ ◌ُه.
[تنبيه]: رواية وكيع، التي أحالها المصنّف تَخَّتُهُ هنا على رواية عبد الله بن
نمير، أخرجها الحافظ أبو عوانة تَخُّْ في («مسنده)) (١٤٦/١)، فقال:
(٤٣٥) حدثنا ابن أبي رجاء الْمِصِّيصيّ، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا
الأعمش، عن المعرور بن سُوَيد، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله وَلّه:
((يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: اعرِضُوا عليه صغار ذنوبه، ويُخْبَأُ عنه
كِبَارها، فيقال: عَمِلت يوم كذا كذا وكذا، وعَمِلت يوم كذا وكذا، وعملت يوم

٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
كذا وكذا (١)، ثلاث مرات، قال: وهو مُقِرٌّ، ليس بمنكر، وهو مُشْفِقٌ من
الكبائر أن تجيء، قال: فإذا أراد الله به خيراً، قال: أعطوه مكانَ كلِّ سيئة
حسنةً، فيقول: يا رب إن لي ذنوباً ما رأيتها ها هنا))، فلقد رأيت رسول الله وَله
يضحك حتى بَدَت نواجذه، ثم تلا رسول الله وَّهِ: ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠].
وأخرجه أيضاً ابن منده في ((الإيمان))، (٨٢٢/٢)، فقال:
(٨٤٨) أنبأ الحسين بن عليّ، ثنا الحسن بن عامر، ثنا عبد الله بن
محمد بن إبراهيم الْعَبْسيّ، (ح) وأنبأ أحمد بن إسحاق بن أيوب، ثنا يوسف بن
يعقوب، ثنا محمد بن أبي بكر المقَدَّميّ، قالا: ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن
المعرور بن سُويد، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول ربَّ: ((إني لأعلم أول أهل
الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاً من النار، يُؤْتَى بالرجل يوم
القيامة، فيقال: اعرِضُوا عليه صغار ذنوبه، ويُخَفى عنه كبارها، فيقال: عملت
يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيُقِرُّ، لا ينكره، وهو مُشْفِقٌّ من الكبائر، فيقال:
أعطوه مكان كلّ سيئة عَمِلها حسنةً، فيقول: إن لي ذنوباً ما أراها ها هنا))،
قال: فلقد رأيت رسول الله وَه وضحك(٢) حين ذكر هذا الحديث، حتى بَدَت
نواجذه. انتهى.
وأما رواية أبي معاوية، فأخرجها ابن منده في ((الإيمان)) (٨٢٣/٢)
أيضاً، فقال:
(٨٤٩) أنبأ محمد بن إبراهيم بن الفضل، ومحمد بن يعقوب، قالا: ثنا
أحمد بن سلمة، ثنا هناد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المعرور بن
سُوَيد، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله وَله: ((إني لأعرف آخر أهل النار
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن فيه سقطاً، إذ حقّه أن يكون لفظه: ((عملت يوم كذا كذا
وكذا، وعملت يوم كذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا كذا وكذا))، فليحرر، والله
تعالى أعلم.
(٢) هكذا النسخة: ((وضحك)) بالواو، والظاهر إن صحّت النسخة تكون الجملة حالاً
بتقدير ((قد))، أي والحال أنه قد ضحك، والله تعالى أعلم.

٢٧١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٦)
خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة، يؤتى برجل، فيقال: سلوه
عن صغار ذنوبه، وتُخْفَى كبارها، فيقال له: عَمِلت كذا وكذا، وعملت كذا
وكذا يوم كذا وكذا، فيقال له: إن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: يا رب
قد عملت أشياء لا أراها ها هنا))، قال: فلقد رأيت رسول الله مَ له ضَحِكَ حتى
بَدَت نواجذه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٧٦] (١٩١) - (حَدَّثَنِي(١) عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
مَنْصُورٍ، كِلَاهُمَا عَنْ رَوْحٍ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِّي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُسْأَلُ عَنِ
الْوُرُودِ، فَقَالَ: ((نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ، أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ
النَّاسِ، قَالَ: فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا، وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْنِينَا
رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟، فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ،
فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَلُكُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ، وَيَتَّبِعُونَهُ،
وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ نُوراً، ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ، وَعَلَى جَسْرِ جَهَنَّمَ
كَلَالِيبُ، وَحَسَلْكَ، تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو
الْمُؤْمِنُونَ، فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرٍ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، سَبْعُونَ أَلْفاً، لَا
يُحَاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَأْ نَجْم فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَحِلُّ
الشَّفَاعَةُ، وَيَشْفَعُونَ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِي
قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ، وَيَجْعَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ
عَلَيْهِمُ الْمَاءَ، حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْءٍ فِي السَّيْلِ، وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ
حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا))).
(١) وفى نسخة: ((حدّثنا)).

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى الْيَشْكُريّ، أبو قُدَامة السّرَخسيّ، نزيل
نيسابور، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٣ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ) هو: رَوْحُ بن عُبَادة بن العلاء بن حَسّان
الْقَيْسِيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيفُ [٩].
رَوَى عن أيمن بن نابل، ومالك، والأوزاعيّ، وابن جريج، وابن عون،
وابن أبي ذئب، وحبيب بن الشهيد، وابن أبي عَروبة، وشعبة، وحجاج بن أبي
عثمان، وعوف، والسفيانين، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو خيثمة، وأحمد بن حنبل، وأبو قُدَامة السَّرَخْسيّ، وبندار،
وابن نُمَير، وأبو موسى، وهارون الحمال، وعبد الله الْمُسْنَديّ، وعلي بن
المدينيّ، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن منيع، والْجُوزَجانيّ، والحارث بن
أبي أسامة، ومحمد بن يونس الْكُدَيميّ، وبشر بن موسى، وخلق كثير.
قال ابن المدينيّ: نظرت لرَوْح بن عُبادة في أكثر من مائة ألف حديث،
كتبت منها عشرة آلاف، وقال يعقوب بن شيبة: كان أَحَدَ مَن يَتَحَمَّل
الْحَمَالات، وكان سَرِيّاً مَرِيّاً كثير الحديث جدّاً، صدوقاً، سمعت علي بن
عبد الله يقول: من المحدثين قومٌ لم يزالوا في الحديث، لم يُشْغَلُوا عنه،
نَشَأوا، فطلبوا، ثم صَنَّفوا، ثم حدّثوا، منهم: رَوْجُ بن عُبادة، قال: وحدثني
محمد بن عُمر، قال: سألت ابن معين عن رَوْح، فقال: ليس به بأس،
صدوقٌ، حديثه يدل على صدقه، قال: قلت ليحيى: زَعَمُوا أن يحيى القطان
كان يتكلم فيه، فقال: باطلٌ، ما تكلم يحيى القطان فيه بشيء، هو صدوقٌ،
قال يعقوب: وسمعت علي ابن المديني، يذكر هذه القصة، فلم أَضبطها عنه،
فحدثني عبد الرحمن بن محمد عنه، قال: كانوا يقولون: إن يحيى بن سعيد
كان يتكلم في روح بن عبادة، قال عليّ: فإني لَعِند يحيى بن سعيد يوماً، إِذْ
جاءه رَوْح بن عُبادة، فسأله عن شيء من حديث أشعث، فلما قام، قلت
ليحيى: تعرفه؟ قال: لا، قلت: هذا رَوْح بن عُبادة، قال: ما زلت أَعْرِفه

٢٧٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٦)
بطلب الحديث، وبكَتْبِهِ، قال علي: لقد كان عبد الرحمن يَطْعَن عليه في
أحاديث ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، مسائل كانت عنده، قال عليّ: فقَدِمْتُ
على مَعْن بن عيسى، فسألته عنها، فقال: هي عند بصريّ لكم، قال عليّ:
فأتيتُ ابن مهديّ، فأخبرته، فأحسبه قال: اسْتَحِلَّهُ لي، قال يعقوب بن شيبة:
وقال محمد بن عُمر: قال ابن معين: الْقَوَاريريُّ يحدث عن عشرين شيخاً من
الكذّابين، ثم يقول: لا أُحَدِّث عن رَوح بن عُبادة، قال يعقوب: وكان عَفّان لا
يرضى أمر رَوْح بن عُبادة، قال: فحدثني محمد بن عمر، قال: سمعت عفّان
يقول: هو عندي أحسن حديثاً من خالد بن الحارث، وأحسن حديثاً من يزيد بن
زُريع، فَلِمَ تركناه؟، يعني: كأنه يَطْعَنُ عليه، فقال له أبو خيثمة: ليس هذا
بحجة، كلُّ من تركته أنت ينبغي أن يُتْرَك، أما رَوْحٌ فقد جاز حديثه الشأن فيمن
بقي، قال يعقوب: وأحسب أن عفان لو كان عنده حجة، مما يَسْقُط بها رَوْح بن
عُبادة لاحتج بها في ذلك الوقت، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان
القواريريّ لا يُحَدِّث عن رَوح، وأكثرُ ما أنكره عليه تسعمائة حديث حَدَّث بها
عن مالك سماعاً، وقال: وسمعت الْحُلْوانيّ يقول: أوّلُ من أظهر كتابه رَوح بن
عُبادة، وأبو أسامة، يريد أنهما رَوَيا ما خولفا فيه، فَأَظْهَرا كتبهما حجةً لهما؛
إذ روايتهما موافقةٌ لما في كُتبهما، وقال أبو مسعود الرازيّ: ◌ُعِن على رَوْح بن
عبادة ثلاثة عشر، أو اثنا عشر، فلم يَنْفُذ قولهم فيه، وقال الخطيب: كان كثير
الحديث، وصَنَّفَ الكتب في السنن والأحكام، وجمع التفسير، وكان ثقةً،
وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: روحٌ، والْخَفّاف، وأبو زيد النحويّ، أيهم
أحب إليك في ابن أبي عروبة؟ فقال: روح، وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى:
صدوقٌ ثقةٌ، وذكره أبو عاصم، فأثنى عليه، وقال: كان ابن جريج يَخُصّه كلَّ
يوم بشيء من الحديث، وقال رَوْح: سمعت عن سعيد قبل الاختلاط، ثم
غِبْتُ، وقَدِمُت، فقيل: إنه اختلط، وقال الدارميّ، عن ابن معين: ليس به
بأس، وقال أبو بكر البزار في («مسنده)): ثقةٌ مأمونٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً
إن شاء الله، وقال ابن عَمّار: جئت إلى ابن مهديّ، فقيل له: کتبتَ عن روح،
عن شعبة، عن أبي الفيض، عن معاوية، حديث: ((مَن كذب عليّ))، فقال:
أخطأ، وتكلم في روح، ثم قال: حدّثنا شعبة، عن رجل، عن أبي الفيض،

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال أبو خيثمة: لم أسمع في روح شيئاً أشدّ عندي من شيء دَفَعَ إليّ محمد بن
إسماعيل صاحبنا كتاباً بخطه، فكان فيه: حدثنا عفّان، ثنا غلام من أصحاب
الحديث، يقال له: عُمارة الصيرفيّ، أنه كان يكتب عن رَوْح بن عبادة،
وعلي ابن المدينيّ، فحدّثهم بشيء عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، فقال
له: هذا عن الحكم، فقال روح لعليّ: ما تقول؟ فقال: صدق، هو عن
الحكم، فقال: فأخذ القلم، فَمَحَى منصوراً، وكَتَبَ الحكم، قال عفان:
فسألت عليّاً عن حكاية عمارة، فصدّقه، وقال أبو زيد الهرويّ: كنا عند شعبة،
فسأله رجل عن حديث، وكانت في الرجل عَجَلَة، فقال شعبة: لا والله، حتى
تلزمني كما لزمني هذا لروح، وهو بين يديه، وقال محمد بن يحيى: قرأ روح
على مالك، فَبَيَّن السماع من القراءة، وقال الغلابيّ: سمعت خالد بن الحارث
ذَكَرَه بجميل، وقال أبو داود، عن أحمد: لم يكن به بأس، ولم يكن مُتَّهَماً
بشيء، وكان قد جَرَى ذكر روح وأبي عاصم، فقال: كان روح يُخْرِج الكتاب،
وقال الخليليّ: ثقةٌ أكثرَ عن مالك، وروى عنه الأئمة.
قال خليفة وغيره: مات سنة (٢٠٥)، وقال محمد بن يونس الْكُدَيميّ:
مات سنة (٢٠٧)، والأول أصحّ.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الحافظ المزيّ كَُّ(١)، فتعقّبه
الحافظ، فقال: الْكُدَيميّ هو ابن امرأة روح، فقوله راجح، وقد وافقه عليه
يعقوب بن سفيان في ((تاريخه))، ولكن جَزَم بسنة خمس البخاريّ، وابن المثنى،
وابن حبان أيضاً (٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثاً .
٤ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ
مولاهم، أبو خالد، وَأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه يدلّس، ويرسلُ
[٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
(١) راجع: ((تهذيب الكمال)) ٢٤٥/٩.
(٢) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٦١٤/١ - ٦١٥.

٢٧٥
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٦)
٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم
المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ
ابن الصحابيّ ◌ّ، مات بالمدينة بعد السبعين، وقد جاوز (٩٤) سنة (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١١٧/٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَظَلُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفناه آنفاً .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمکیین، من ابن جريج، وقد سکن جابرٌ
مضرعنه
مکة .
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع من أوله إلى
آخره.
٥ - (ومنها): أن جابراً ظ له أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن أبي الزبير المكيّ كَُّ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ّا (يُسْأَلُ) بالبناء
للمفعول، أي يسأله بعض الناس (عَنِ الْوُرُودِ) أي ورود الأمم النار، كما
بيّنه الله رَّ في قوله: ﴿وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا
٧١
[مريم: ٧١] (فَقَالَ: نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ، أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ
النَّاسِ) قال النوويّ تَظُّهُ: هكذا وقع هذا اللفظ في جميع الأصول من ((صحيح
مسلم))، واتَّفق المتقدمون والمتأخرون على أنه تصحيفٌ، وتغييرٌ، واختلاط في
اللفظ، قال الحافظ عبد الحقّ في كتابه ((الجمع بين الصحيحين)): هذا الذي
وقع في كتاب مسلم تخليط من أحد الناسخين، أو كيف كان، وقال القاضي
عياض: هذه صورة الحديث في جميع النسخ، وفيه تغييرٌ كثيرٌ وتصحيفٌ، قال:
وصوابه: ((نَجيء يوم القيامة على كُوم))، هكذا رواه بعض أهل الحديث، وفي

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
كتاب ابن أبي خيثمة، من طريق كعب بن مالك: ((يُحْشَرُ الناس يوم القيامة على
ثَلِّ، وأمتي على تَلّ))، وذكر الطبريّ في ((التفسير)) من حديث ابن عمر: ((فَيَرْقَى
هو - يعني: محمداً وَ﴿ ـ وأمته على كُوم فوق الناس))، وذكر من حديث
كعب بن مالك: ((يُحشَر الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تَلّ)). قال
القاضي: فهذا كله يُبَيِّن ما تَغَيَّر من الحديث، وأنه كان أظلم هذا الحرف على
الراوي، أو امَّحَى، فعَبَّر عنه بكذا وكذا، وفسره بقوله: أي فوق الناس، وكَتَبَ
عليه ((انظر)) تنبيهاً، فجمع النَّقَلَةُ الكلَّ، ونَسَّقُوه على أنه من متن الحديث، كما
تراه. هذا كلام القاضي، وقد تابعه عليه جماعة من المتأخرين، والله تعالى
أعلم.
قال القاضي: ثم إن هذا الحديث جاء كلُّه من كلام جابر موقوفاً عليه،
هذا من شرط مسلم؛ إذ ليس فيه ذكر النبيّ وَّ، وإنما ذَكَره مسلم، وأدخله في
المسند؛ لأنه رُوِيّ مسنداً من غير هذا الطريق، فذكر ابن أبي خيثمة، عن ابن
جريج، يرفعه بعد قوله: ((يَضحك))، قال: سمعت رسول الله وَلقوم يقول:
((فَيَنطلق بهم))، وقد نَبَّهَ على هذا مسلم بعد هذا في حديث ابن أبي شيبة وغيره،
في الشفاعة، وإخراج من يخرج من النار، وذكر إسناده، وسماعه من النبيّ وَل
بمعنى بعض ما في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. انتهى كلام
النوويّ تَخْذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث جابر ظبه هذا اختلف الرواة فيه
على ابن جريج، في الرفع والوقف، والأكثرون على وقفه، فقد رواه عنه
موقوفاً روح عند المصنّف، وأبو عاصم عند ابن منده، وحجاج بن محمد عنده
أيضاً، ورواه عنه مرفوعاً روح بن عبادة، رواه عنه الإمام أحمد نْتُ في
((مسنده)) (٣٨٣/٣)، ورواه أيضاً ابن لهيعة عنده (٣٤٥) فقد رواه أحمد عن
موسى بن داود، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، أنه سأل جابراً تظ له عن
الورود، قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((نحن يوم القيامة على كُوم فوق
الناس، فيُدعى بالأمم بأوثانها ... )) الحديث.
(١) (شرح مسلم)) ٣/ ٤٧ - ٤٨.

٢٧٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٦)
فتبيّن بهذا أن الأرجح فيه الوقف؛ لأن الذي رفعه من الثقات روح فقط،
على خلاف فيه، وأما ابن لَهِيعة فضعيفٌ، لكن الموقوف في مثل هذا له حكم
الرفع؛ لأنه مما لا يُقال بالرأي، ولم يشتهر جابر في الرواية عن أهل الكتاب،
فلهذا أورده المصنّف كَثُ هنا، على أن جابراً ظُه صرّح بسماع بعضه من
النبيّ ◌َ﴿ في رواية عمرو بن دينار التالية، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا) أي مع أوثانها التي كانت تعبدها، وهو بفتح
الهمزة: جمع وَثَن بفتحتين، وهو الصنم، سواء كان من خشب، أو حجر، أو
غيره، ويُجمع أيضاً على وُثُن بضمّتين، مثلُ أَسَد وأُسُد، ويُنسب إليه من يتديَّن
بعبادته على لفظه، فيقال: رجلٌ وَثَنيّ، وقومٌ وَثَنيّون، وامرأةٌ وَثنيّة، ونساء
وثنيّات(١)، وقوله: (وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ) من عطف العامّ على الخاصّ، وقوله:
(الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ) بالرفع بدل من ((الأمم))، و((أل)) بدل من المضاف إليه، أي
يُدعى أوّلها، ثم الذي يليه، وهكذا (ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ) تقدّم بيان معنى
إتيان الله تعالى، ومجيئه، وأن ذلك من صفات فعله، كالنزول، والاستواء،
فهو ثابت له وَل، على ما يليق بجلاله، فلا وجه لتأويله كما يفعل الشرّاح،
فتنبّه لذلك، فإنه من مزالّ الأقدام (فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟) ((من)) استفهاميّة،
و(تنظرون)) بمعنى تنتظرون (فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ:
حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَلُكُ) قال النوويّ: تَقَدَّم قريباً معنى الضحك،
وأما التجلّي فهو الظهور، وإزالة المانع من الرؤية، ومعنى ((يتجلى يضحك)):
أي يظهر، وهو راض عنهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت آنفاً أن هذا تأويل غير صحيح، بل
الصواب أن الضحك ثابت لله تعالى على الحقيقة كما يليق بجلاله تُخْلَ، وأما
الرضا فإنه من لوازم الضحك، وليس هو معنى الضحك، فتبصّر، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ، وَيَتَبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ)
بالجرّ على البدلّ لـ((إنسان))، (نُوراً) مفعول ثان لـ «يُعْطَى)).
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٤٧ - ٦٤٨.

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أما المؤمن فإنه يُعطى على مقتضى الوعد السابق، كما وعدهم الله تعالى
بقوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيِقُونَ وَالشُّهَدَلَهُ عِندَ رَبِهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
وَنُورُهُمْ﴾ الآية [الحديد: ١٩]، وبقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ
بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
[الحديد: ٢٨]، وغير ذلك من الآيات.
رَّحِيمُ ﴾َا
وأما المنافق، فإظهاراً لمخادعته المؤمنين بإظهار إيمانه، فيُعطى نوراً، ثم
يُطفأ ذلك النور، في وقت تشتدّ إليه حاجتهم، فيطلبون من المؤمنين أن يقتبسوا
منهم النور، فيردّون عليهم أشدّ الردّ، كما بيّن الله وَك ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ
الْمُنَّفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَقَْبِسْ مِن ◌ُورِكُمْ قِلَ أَرْجِعُواْ وَرَّكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورً
﴿﴿ يُنَادُونَهُمْ أَمْ نَكُنْ
فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَُّ بَابُ بَالِثُهُ فِهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (
مَعَكُمْ قَالُواْ بَى وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنفُسَكُمْ وَرَّتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حََّ جَّءَ أَمْرُ اللَّهِ
وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣)﴾ [الحديد: ١٣ - ١٤].
(ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ) أي يتّبعون توجيهه وََّ (وَعَلَى جَسْرِ جَهَنَّمَ) ((الْجِسْرُ)): بفتح
الجيم، وكسرها: ما يُعْبَرُ عليه، مَبْنيّاً كان أو غير مبنيّ، جمعه جُسُور(١). (كَلَالِيبُ)
بالفتح: كَلُّوب، أو كُلّاب بالضمّ، ويُسمّى الْمِهْمَاز، وهي حديدة معطوفةٌ،
كالْخُطّاف، وفي (التهذيب)): الْكُلّاب، والْكَلّوب: خشبة في رأسها عُقّافة(٢) منها،
أو من حديد(٣) كالْكُلّاب (وَحَسَك) بفتحتين: جمع حَسَكَة: وهي شوكة صُلْبةٌ
معروفة، قاله ابن الأثير (٤). (تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ) قال
النوويّ كَّهُ: رُوي بفتح الياء وضمها، وهما صحيحان، معناهما ظاهر. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: وجه الفتح أنه مضارع طَفِئ، يقال: طَفِئت النار
تَطْفَأُ بالهمزة، من باب تَعِبَ طُفُوءاً على فُعُول: خَمَدَتْ(٥)، وأما وجه الضمّ،
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٠١.
(٢) ((الْعُقّافة كالرّمّانة)): خشبة في رأسها حُجْنَة - أي تقوّس - يُمَدّ بها الشيء،
كالْمِحْجَن. اهـ. ((ق)) ص٧٥٥.
(٣) (لسان العرب)) ٧٢٥/١.
(٥) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٧٥/١.
(٤) ((النهاية)) ٣٨٦/١.

٢٧٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٦)
فعلى أنه مضارع أُطفِئ رباعيّاً، مغيّر الصيغة، فرفع ((نورُ)) على الأول على
الفاعليّة، وعلى الثاني على أنه نائب فاعل، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: هكذا هو في كثير من الأصول،
وفي أكثرها ((المؤمنين)) بالياء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن نسخة ((المؤمنين)) تكون مع لفظة
(يُنْجِي))، فيكون الفاعل ضميراً يعود إلى الله تعالى، و((المؤمنين)) منصوب على
المفعوليّة، والله تعالى أعلم.
(فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ) بضمّ، فسكون: أي جماعة، قال المجد وَظُّهُ :
((الزُّمْرَة) بالضمّ: الفَوْجُ، والجماعة في تفرقة، جمعه: زُمَر. انتهى(١)، وقوله:
(وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) جملة في محلّ نصب على الحال من ((أوّل))، وإن
كان نكرةً؛ لتخصّصه بالإضافة، كما قال في ((الخلاصة)):
لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِباً ذُو الْحَالِ إِنْ
يَبْغِي امْرُؤٌ عَلَى امْرِىءٍ مُسْتَسْهِلَا))
مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَـالَا
وأما ((القمر))، فقال الأزهريّ كَذَتُهُ: يُسمّى القمرُ لليلتين من أول الشهر
هلالاً، وفي ليلة ستّ وعشرين، وسبع وعشرين أيضاً هلالاً، وما بين ذلك يُسمّى
قَمَراً، وقال الفارابيّ، وتبعه في ((الصِّحاح)): الهلال لثلاث ليالٍ من أول الشهر،
ثم هو قمرٌ بعد ذلك، وقيل: الهلال: هو الشهر بعينه، وسُمّي القمر به؛ لبياضه،
يقال: ليلةٌ مُقْمِرَةٌ: أي بيضاء، وحِمَارٌ أقمُرُ: أي أبيض، ذكره الفيّوميّ(٢).
وأما ((البدر)): فهو القمر ليلة كماله، وهو في الأصل مصدرٌ، يقال: بَدَر
القمر بَدْراً، من باب قتل، قاله الفيّوميّ، وقال ابن منظور: ((البدرُ)): القمر إذا
امتلأ، وإنما سُمي بدراً؛ لأنه يبادر بالغروب طلوع الشمس، وفي ((الْمُحْكم)):
لأنه يبادر بطلوعه غروب الشمس؛ لأنهما يتراقبان في الأفق صُبْحاً، وقال
الجوهريّ: سُمّي بَدْراً؛ لمبادرته الشمس بالطلوع، كأنه يُعَجِّلها المغيب، وسُمّ
بدراً؛ لتمامه، وسُمّيت ليلة البدر؛ لتمام قمرها. انتهى(٣).
(١) ((القاموس المحيط)) ص٣٦١ - ٣٦٢.
(٣) ((لسان العرب)) ٤٩/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥١٥/٢ و٦٣٩.

٢٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(سَبْعُونَ أَلْفاً، لَا يُحَاسَبُونَ) بالبناء للمفعول: أي ليس عليهم محاسبة على
أعمالهم؛ لرفعة قدرهم عند الله وَالَ، فأعمالهم كلّها صالحة، مقبولة، لا تحتاج
إلى المحاسبة عليها (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَأْ نَجْم فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ
تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ) بكسر الحاء، من باب ضرب: وَّهو ضدّ تحرُم، أي تباح،
ويَأذن الله تعالى بها، ويحتمل أن يكون من حلّ الدين يَحِلُّ بالكسر أيضاً: إذا
ثبت، ووجب: أي تثبت، وتحقّق (وَيَشْفَعُونَ) الضمير للشفعاء، وهم: الأنبياء،
والملائكة، والمؤمنون، كما بُيّن في الروايات الأخرى (حَتَّى بَخْرُجَ مِنَ النَّارِ)
بالبناء للمفعول، و((حتى)) يحتمل أن تكون بمعنى ((كي)) التعليليّة، فينتصب الفعل
بعدها بـ((أن)) مضمرة بعدها، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَّى يَرُدُوكُمْ
عَنْ دِينِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧].
ويحتمل أن تكون ابتدائيّة، فيرتفع الفعل بعدها، كما في قوله تعالى:
﴿وزلزلوا حتى يقولُ الرسول﴾ الآية [البقرة: ٢١٤] في قراءة نافع بالرفع، وكقول
الشاعر [من الكامل]:
يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ
وكقوله [من الطويل]:
وَحَتَّى الْجِیَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ
سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلُّ مَطِيُّهُمْ
(مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً) واحدة
الشعير، قال الفيّومي رَّتُهُ: ((الشَّعِير)): حَبُّ معروفٌ، قال الزجّاج: وأهل نجد
يؤنّثونه، وغيرهم يذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. انتهى (١).
(فَيُجْعَلُونَ) بالبناء للمفعول أيضاً (بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ) بكسر الفاء، وتخفيف النون، مثلُ
كتاب: الْوَصِيد، وهو سَعَةٌ أَمَام البيت، وقيل: ما امتدّ من جوانبه(٢)، (وَيَجْعَلُ)
بفتح أوله مبنيّاً للفاعل (أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه: أي يصبّون
(عَلَيْهِمُ الْمَاءَ، حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْءِ فِي السَّيْلِ) قال النوويّ تَُّهُ: هكذا هو
في جميع الأصول ببلادنا ((نَبَاتَ الشيء))، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية
الأكثرين، وعن بعض رواة مسلم: ((نَبَاتَ الدِّمْنِ)) يعني: بكسر الدال، وإسكان
(١) ((المصباح)) ٣١٥/١.
(٢) ((المصباح)) ٤٨٢/٢.