النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(٨٩) - بَابُ بَيَانِ آخِرٍ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا - حديث رقم (٤٧٠)
تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي
مِنْ هَذِهِ؛ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ
آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ، لَا أَسْأَلُكَ
غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا،
فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا
يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ
مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟)) فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِّ مِمَّ
أَضْحَك؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَلُكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالُوا: مِمَّ
تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ
مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّ عَلَى مَا أَشَاءُ
قَادِرٌ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَقَّانُ بْنُ مُسْلِم) الصفّار البصريّ الحافظ المذكور قبل بابين.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً) أبو سلمة البصريّ المذكور قبل بابين أيضاً.
٣ - (ثَابِت) بن أسلم البنانيّ البصريّ المذكور قبل بابين أيضاً.
٤ - (أَنَس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير
مات نظر اته سنة (٣٢) أو (٣٩) وقد جاوز مائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وابن مسعود، فكوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم
الناس لأنس ربه، لزمه أربعين سنة.

٢٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ ◌َّا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) رَبَه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ
رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً) قال الطيبيّ كَذُ: الفاء يجوز أن تكون تفصيليّةً، أَبْهَمَ
أَوّلاً دخوله الجنّة، ثم فصّل كيفيّة دخوله فيها ثانياً، وأن تكون لتعقيب الإخبار،
وإن تَقَدَّمَ ما بعدها على ما قبلها في الوجود، فوقعت موقع (ثُمّ)) في هذا
المعنى، كأنه قيل: أُخبركم عقب هذا القول حاله، فهو يمشي قبل دخوله في
الجنّة مرّةً. انتهى(١). (وَيَكْبُو) أي يسقط على وجهه، يقال: كَبَا يَكْبُو كَبْواً
بفتح، فسكون، وكُبُوّاً بضمّتين، وتشديد الواو: انكبّ على وجهه، قاله
المجد(٢).
ووقع عند أبي عوانة بلفظ: ((فينكبّ)) (مَرَّةً) أخرى (وَتَسْفَعُهُ النَّارُ) بفتح
التاء، وسكون السين المهملة، وفتح الفاء: أي تضرب وجهه، وتُسَوِّده، وتؤثّر
فيه أَثَراً، وقال الطيبيّ تَّتُهُ: قوله: ((تسفعه النار)): أي تُعلم في وجهه علامةً،
يقال: سفعتُ الشيءَ: إذا جعلت عليه علامةً، يريد: أثراً من النار. انتهى.
وقال ابن الملك: ((تسفعه)): أي تلفحه لفحاً يسيراً، فيتغيّر لون بشرته،
وقيل: أي: تُعلّمه علامة، أي: أثَراً منها، وفي ((القاموس)): ((سَفَعَ الشيءَ))
كمنعه: أعلمه، ووَسَمَهُ، وسَفَعَ السَّمُومُ وجهَهُ: لَفَحَهُ لَفْحاً يسيراً، قال:
ولفحت النار بحرّها: أحرقت. انتهى (٣).
(مَرَّةً) أخرى (فَإِذَا مَا) زائدة (جَاوَزَهَا) أي تَعَدّى النار التي آذته بحرّها
وسمومها (الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَلَكَ) أي تقدّس، وتنزّه، وهي صفة خاصّة بالله
تعالى، قاله المجد(٤). وقال القاري: ((تبارك)): تعظّم، وتعالى، أو تكاثر
خيره. انتهى (٥). (الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ) هذا فَرَحٌ بما أُعطيه من النجاة من سَفْعِ
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٣٥/١١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١١٩٤.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٢١٨ وص٦٥٥.
(٤) المصدر السابق ص٨٣٩.
(٥) ((المرقاة)) ٥٤٦/٩.

٢٤٣
(٨٩) - بَابُ بَيَانِ آخِرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا - حديث رقم (٤٧٠)
النار (لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ) جواب قسم محذوف: أي والله لقد أعطاني الله (شَيْئاً مَا
أَعْطَاهُ أَحَداً مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) أَقْسَم بالله تعالى من شدّة الفرح أنّ نجاته
نعمة ما ظفر بها أحد من العالمين: أي ممن كان على مثل حاله الذين خلّفهم
وراءه؛ إذ لم ير أهل الجنّة حتى يعرف أنهم أعطوا أفضل مما أُعطيه بكثير،
وقال القاري: ولعلّ وجهه أنه ما رأى أحداً مشاركاً له في خروجه من النار،
ولم يدر أن الأبرار في دار القرار. (فَتُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (لَهُ شَجَرَةٌ) أي
عندها عين ماء كما يأتي في قوله: ((وأشرب من مائها)) (فَيَقُولُ: أَيْ) حرف نداء
(رَبِّ) تقدّم أن فيه في حالة النداء ستّ لغات (أَدْنِي) بقطع الهمزة، أمرٌ من
الإدناء رباعيّاً: أي قرّبني (مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلِأَسْتَظِلَّ) بكسر اللام الأولى،
ونصب الفعل كذا في ((المرقاة))، وتعقّبه بعض المحقّقين، فقال: ولا يخفى ما
فيه، والصواب أن تُسَكّن اللام؛ لكونها للأمر مقرونةً بالفاء، ويُجزَم بها الفعل،
وما عُطِف عليه، فإن أمر المتكلّم نفسه بفعل مقرون باللام فصيحٌ، ورد في
الكتاب العزيز، والحديث الشريف، قال تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ [العنكبوت:
١٢]، وقال وَّه: ((قوموا فلأصلِّ لكم))، متّفقٌ عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التعقّب غير صحيح؛ إذ الظاهر أن الرواية
بنصب الفعل، وتوجيهه ما ذكره الطيبيّ نَّتُهُ، قال: الفاء فيه سببيّة، واللام
مزيدة للتأكيد، أو عكسه. انتهى(١).
وحاصل ما أشار إليه أن الفعل منصوب بـ((أن)) مضمرةً بعد الفاء السببيّة
الواقعة بعد الطلب، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْىٍ أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
وعلى هذا فاللام زائدة للتأكيد، أو الفعل منصوب بـ((أن)) مضمرةً أيضاً
بعد ((لام كي))، وعلى هذا فالفاء زائدة للتأكيد، والله تعالى أعلم.
(بِظِلِّهَا) أي ظلّ تلك الشجرة (وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللهُ رَتْ: يَا ابْنَ
آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا) أي مسألتك، أو أُمنيّتك، وقوله: (سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟)
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٣٦/١١.

٢٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
جواب الشرط، وهو دالّ على خبر ((لعلّ)) (١)، وفي بعض النسخ: ((إن أعطيتكها
أن تسألني غيرها)) (فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ)
أي يجعله معذوراً، أي غير ملوم، وهو بفتح أوله، وكسر ثالثه، من العَذْر
ثلاثيّاً، أو بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإعذار رباعيّاً، قال الفيوميّ ◌َّفُهُ:
((عَذَرْتُهُ فِيما صَنَعَ عَذْراً، من باب ضَرَبَ: رَفَعتُ عنه اللَّوْمَ، فهو معذورٌ: أي
غير ملوم، والاسم الْعُذْرُ، وتُضَمّ الذال للاتباع، وتُسَكَّن، والجمع أعذار،
قال: وأعذرته بالألف لغة، واعتذر: أي طَلَب قبول معذرته، واعتذر عن فعله:
أظهر عُذْره. انتهى(٢).
(لِأَنَّهُ) أي العبد (يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ) قال النوويّ ◌َُّهُ: كذا هو في
الأصول في المرتين الأوليين، وأما الثالثة فوقع في أكثر الأصول: ((ما لا صبر
له عليها))، وفي بعضها: ((عليه)»، وكلاهما صحيحٌ، ومعنى ((عليها)) أي نعمةً لا
صبر له عليها: أي عنها. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: معنى كلام النوويّ ◌َخّْثُهُ أن ((ما)) عبارة عن
نعمة، و((على)) بمعنى ((عن))، والله تعالى أعلم.
(فَيُدْنِيهِ) أي يقرّبه (مِنْهَا) أي من تلك الشجرة (فَيَسْتَظِلُّ بِظِلّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ
مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ) أي أخرى (هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى) لأن ربّه ◌َ أراد
له الترقّ من الأدنى إلى الأعلى (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ) وفي نسخة: ((يا ربّ)) (أَدْنِي
مِنْ هَذِهِ؛ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا) قال القاري تَّقُ: الواو لمطلق
الجمع؛ لأن الظاهر أن الاستراحة بظلّها قبل الشرب من مائها. انتهى (٤). (لَا
أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) قال الطيبيّ تَظُّهُ: هو حالٌ تنازع فيه ((أستظلّ))، و((أشرب))
(فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ) أي الربّ ◌َلَ
(لَعَلِّ إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا، تَسْأَلُنِي) بالرفع: أي تطلب منّي (غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا
يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ
(١) ((المرقاة)) ٥٤٦/٩.
(٣) (شرح النوويّ)) ٤٢/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٩٨/٢.
(٤) ((المرقاة)) ٩/ ٥٤٧.

٢٤٥
(٨٩) - بَابُ بَيَانِ آخِرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا - حديث رقم (٤٧٠)
بِظِلُّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ) أي ثالثة (عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، هِيَ
أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ
مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي
غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ) قال الطيبيّ تَخُّْهُ: منصوب المحلّ بفعل يفسّره
ما بعده: أي أسألك هذه، وقوله: (لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) جملة في محلّ نصب
على الحال، أو مستأنفة (وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ) ولفظ أبي عوانة: ((والربّ يعلم أنه
سيسأله غيرها)) (لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا) وفي بعض النسخ: ((عليه))، وقد
سبق توجيه الوجهين قريباً (فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ) وفي نسخة:
((فُسَمِعَ)) (أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي في مؤانستهم مع أزواجهم، أو في محاورتهم
مع أصحابهم، فأراد الاستئناس بهم، أو في غنائهم، فأراد التقرّب ليلتذّ
بأنغامهم (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ) قال
النوويّ تَخْتُهُ: هو بفتح الياء، وإسكان الصاد المهملة، ومعناه: يَقْطَع مسألتك
مني، قال أهل اللغة: ((الصَّرْيُ)) بفتح الصاد، وإسكان الراء: هو القطع، ورُوي
في غير ((صحيح مسلم)): ((ما يَصْرِيك مني؟))، قال إبراهيم الحربيّ: هو
الصواب، وأنكر الرواية التي في ((صحيح مسلم)) وغيره: ((ما يَصْرِيني منك))،
قال النوويّ: وليس هو كما قال، بل كلاهما صحيح، فإن السائل متى انقَطَع
من المسؤول انقَطَع المسؤول منه، والمعنى: أَيُّ شيء يُرْضِيك، ويَقْطَع السؤال
بيني وبينك؟. انتهى كلام النوويّ كَّتُهُ.
وقال الطيبيّ تَخْتُ: قوله: ((ما يصريني منك؟)): أي ما يقطع مسألتك،
ويمنعك من سؤالي؟ يقال: صَرَيتُ الشيءَ: إذا قَطَعته، وصَرَيتُ الماء،
وصَرّيته: إذا جمعته، وحَبَسته، وقال التوربشتيّ رَُّهُ: صَرَى الله عنه شَرّه: إذا
رَفَعَه، وصَرَيته: منعته، وصَرَيتُ ما بينهم صَرْياً: أي فَصَلتُ، يقال: اختصمنا
إلى الحاكم، فصَرَى ما بيننا: أي قَطَعَ ما بيننا وفَصَلَ، وحسن أن يقال: ما
يفصل بيني وبينك؟.
والمعنى هنا: ما الذي يُرضيك حتى تترك مناشدتك؟ فقد أجبتك إلى ما
سألت كرّةً بعد كرّة، وأخذتُ ميثاقك أن لا تعود، ولا تسأل غيره، وأنت لا

٢٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تفي بذلك، فما الذي يَفصِل بيني وبينك في هذه القضيّة؟ ففيه بيان فضل الله
العظيم على عباده، وسعة رحمته وكرمه وبرّه ولطفه بهم، حيث يُخاطبهم
مخاطبة المستعطف الباعث سائله على الاستزادة، فما أكرم جوده الجسيم، وما
أعظم برّه العميم !.
(أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي،
وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟))) ولفظ أبي عوانة: ((وأنت ربّ العزّة))، إنما قال هذا لغلبة
الفرح والسرور عليه، قال القاضي عياض ◌َخُّْهُ: هذا الكلام صادرٌ عنه، وهو
غير ضابط لما قال من شدّة السرور ببلوغ ما لم يَخطُر بباله، فلم يضبط لسانه
دهشةً وفَرَحاً، وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق، ونحوُهُ ما
جاء في حديث التوبة من قول الرجل لَمّا وجد راحلته، وما حملته: ((اللهم أنت
عبدي، وأنا ربّك))، متّفقٌ عليه.
(فَقَالَ: أَا) بالتخفيف: أداة تحضيض
(فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ)
(تَسْأَلُونِّي) قال القاري ◌َُّهُ: بتشديد النون، وتخفف. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القاري من الضبط بالوجهين
يعتمد على صحة الرواية بهما، فإن صحّت بأحدهما فهو المعتمد، ولم أجد
من حقّق الرواية، غير أن النُّسخ مضبوطة بالقلم بالتشديد، والله تعالى
أعلم.
(مِمَّ أَضْحَكَ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَلُكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَرِ،
فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: ((مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
قال التوربشتيّ: الضحك من الله تعالى، ومن رسوله وَ ل18، وإن كانا
متّفقين في اللفظ، فإنهما متباينان في المعنى، وذلك أن الضحك من الله ثَالتَ
يُحمل على كمال الرضا عن العبد، وإرادة الخير ممن يشاء أن يرحمه من
عباده. انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله التوربشتيّ من معنى ضحك الله تُعَالَ
تفسير باللازم، يريد بذلك أن الضحك مجاز، وليس حقيقةً، وهذا غير صحيح،
(١) ((المرقاة)) ٥٤٩/٩.

٢٤٧
(٨٩) - بَابُ بَيَانِ آَخِرِ أَهْلِ الَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا - حديث رقم (٤٧٠)
فالحقّ، والصواب أن الضحك ثابت لله ◌ُخَالَ حقيقةً على ما يليق بجلاله، وقد
تقدّم البحث مستوفّى، فلا تك من الغافلين، والله تعالى أعلم.
وقال البيضاويّ: إنما ضحك رسول الله وَلّ استعجاباً، وسروراً بما رأى
من كمال رحمة الله تعالى، ولطفه على عبده المذنب، وكمال الرضا عنه، وأما
ضَحِك ابن مسعود نظُّه فكان اقتداءً بسنّة رسول الله وَله؛ لقوله: ((هكذا ضحك
رسول الله صل﴾». انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الصواب في بيان سبب ضحك النبيّ وَلّ هو
الذي ثبت عنه، لا ما قاله البيضاويّ، فقد صحّ عنه وَّل بيان سببه هنا لَمّا قالوا
له: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: ((من ضَحِك رب العالمين))، فهل بعد
بيانه وَّه بيان؟، هيهات هيهات، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، والله
تعالى أعلم.
(حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ
مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ))) ولفظ أبي عوانة: ((ولكني على ما أشاء قدير)).
قال الطيبيّ تَخَّتُهُ: فإن قلت: لم استدركه؟، قلت: عن مقدّر، فإنه تعالى
لَمّا قال له: ((أيرضيك أن أُعطيك الدنيا، ومثلها معها؟))، فاستبعده العبد؛ لِمَا
رأى أنه ليس أهلاً لذلك، وقال: ((أتستهزئ بي؟)) قال ◌َّلَ له: نعم كنتَ لست
أهلاً له، لكني أجعلك أهلاً له، وأُعطيك ما استبعدته؛ لأني على ما أشاء
قادر. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ظُّه هذا من أفراد المصنّف ◌َظّفُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٧٠/٨٩] (١٨٧)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٣٩١/١ - ٣٩٢ و٤١٠ - ٤١١)، (وأبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٩٨٠
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٣٧/١١.

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
و٥٢٩٠)، و(الدارميّ) في ((الردّ على المريسيّ)) (ص٥٣٢)، و(ابن خزيمة) في
((التوحيد)) (ص٢٣١ و٣١٨ - ٣١٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٤٢٧
و٧٤٣٠ و٧٤٣١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٧٢ و٣٧٣)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٤٦٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٧٧٥)، و(ابن منده) في
((الإيمان)) (٨٤١)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص٤٧٤)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٤٣٥٥)، وفوائد الحديث تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٩٠) - (بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كان الأولى للمصنّف تَُّهُ أن يقدّم هذه
الأحاديث الأربعة التي أوردها في بيان معرفة منزلة آخر أهل الجنة قبل حديث أبي
سعيد الخدريّ ◌َُّه: ((أن رسول الله وَلل قال: يُدخل الله أهل الجنة الجنة ... ))؛
لتّسق أحاديث الشفاعة، كما لا يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٧١] (١٨٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي
بُكَيْرِ (١)، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي
عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ
مَنْزِلَةً، رَجُلٌ صَرَفَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ قِبَلَ الْجَنَّةِ، وَمَثَّلَ لَهُ شَجَرَةً ذَاتَ ظِلُّ،
فَقَالَ: أَيْ رَبِّ (٢)، قَدِّمْنِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ، أَكُونُ فِي ظِلِّهَا(٣))، وَسَاقَ الْحَدِيثَ
بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ(٤)، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟»
(١) وفي نسخة: ((حدثني يحيى - يعني ابن أبي بكير -)).
(٢) وفى نسخة: ((يا ربّ)).
(٣) وفي نسخة: ((لأكون في ظلّها)).
(٤) وفى نسخة: ((بمثل حديث ابن مسعود)).

٢٤٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧١)
إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِيهِ: ((وَيُذَكِّرُهُ اللهُ: سَلْ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ
الْأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ: هُوَ لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ (١)
زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فَتَقُولَانِ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَاَ لَنَا، وَأَحْيَانَا لَكَ،
قَالَ: فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر - بفتح النون، وسكون المهملة -
الأسدي القيسي، أبو زكريا الكرمانيّ، كوفيّ الأصل، نزيل بغداد، ثقة [٩].
رَوَى عن حريز بن عثمان، وإبراهيم بن طهمان، وإبراهيم بن نافع
المكي، وإسرائيل، وزائدة، وزهير بن محمد، وزهير بن معاوية، وشعبة
وسفيان، وأبي جعفر الرازي، وغيرهم.
وروى عنه حفيده عبد الله بن محمد بن يحيى، وعبد الله بن الحارث
البغدادي، وأبو بكر بن أبي شيبة، ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ، ومحمد بن
أحمد بن أبي خَلَف، وأبو خيثمة، وأبو موسى، وأحمد بن سعيد الدارمي،
وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: كان كَيّساً. وقال حرب بن إسماعيل: سمعت
أحمد يُثْنِي عليه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي:
كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: قال علي ابن
المديني: ابن أبي بكير ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات بعد
المائتين. وقال أبو موسى: مات سنة ثمان. وقال ابن قانع: مات سنة تسع
ومائتين .
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) التَّمِيميّ، أبو المنذر الْخُرَاسانيّ المروزيّ الخرقي
من أهل قرية من قرى مَرْوَ، تُسَمَّى خرق، ويقال: إنه من أهل هَرَاة، ويقال:
(١) وفي نسخة: ((فتدخل فيه)).

٢٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
من أهل نيسابور، قَدِمَ الشام، وسَكَنَ الحجاز، ثقةٌ إلا في رواية أهل الشام
عنه، فإنها ضعيفة(١) [٧].
رَوَى عن زيد بن أسلم، وشَريك بن أبي نَمِر، وعاصم الأحول،
وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، ومحمد بن المنكدر، وموسى بن عُقبة،
وموسى بن وَرْدان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وسُهيل بن
أبي صالح، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو داود الطيالسيّ، ورَوْح بن عُبادة، وأبو عامر الْعَقَديّ،
وعبد الرحمن بن مَهْديّ، والوليد بن مسلم، ويحيى بن أبي بُكَير الكرمانيّ،
وأبو عاصم، وأبو حذيفة، وغيرهم.
قال حنبل عن أحمد: ثقةٌ، وقال أبو بكر المروزيّ عن أحمد: لا بأس
به، وقال الْجُوزَجَانيّ عن أحمد: مستقيم الحديث، وقال الميمونيّ عن أحمد:
مقارَبُ الحديث، وقال البخاريّ: قال أحمد: كأن زهيراً الذي رَوَى عنه أهل
الشام زهيرٌ آخر، قال البخاريّ: ما رَوَى عنه أهلُ الشام فإنه مناكير، وما رَوَى
عنه أهل البصرة، فإنه صحيح، وقال الأثرم عن أحمد: في رواية الشاميين عن
زهير يروون عنه مناكير، ثم قال: أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة، عبدٍ
الرحمن بنٍ مهديّ، وأبي عامر، وأما أحاديث أبي حفص ذاك التِّنِّيسيّ عنه،
فتلك بواطيل موضوعة، أو نحو هذا، فأما بواطيل فقد قاله، وقال ابن أبي
خيثمة عن ابن معين: صالحٌ لا بأس به، وقال عثمان عن يحيى: ثقةٌ، وقال
معاوية، عن يحيى: ضعيفٌ، وقال العجليّ: جائز الحديث، وذكره أبو زرعة
في أسامي الضعفاء، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حفظه سُوءٌ، وكان
حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق؛ لسوء حفظه، فما حدَّث به من حفظه
ففيه أغاليط، وما حدَّث من كتبه فهو صالحٌ، وقال عثمان الدارميّ، وصالح بن
محمد: ثقةٌ صدوقٌ، زاد عثمان: وله أغاليط كثيرة، وقال النسائيّ: ضعيفٌ،
(١) هذا هو الذي يظهر لي من ترجمته، وإلا فظاهر التقريب أنه ذكر تضعيفه بسبب
رواية أهل الشام عنه، ولم يذكر أنه ثقة، ولا صدوق، وهذا من الغريب، والله
تعالى أعلم.

٢٥١
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧١)
وقال في موضع آخر: ليس بالقويّ، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وعند
عمرو بن أبي سلمة - يعني: التَّنِّيسيّ - عنه مناكير، وقال يعقوب بن شيبة:
صدوقٌ صالحُ الحديث، وقال أبو عروبة الْحَرّانيّ: كأن أحاديثه فوائد، وقال
ابن عديّ: ولعل أهل الشام أخطئوا عليه، فإنه إذا حدّث عنه أهل العراق،
فروايتهم عنه شبه المستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به، وقال موسى بن هارون:
أرجو أنه صدوقٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: في حديثه بعض المناكير، وفي
((تاريخ نيسابور)) بإسناد عن عيسى بن يونس، ثنا زُهير بن محمد، وكان ثقةً،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطئ، ويخالف، وقال الساجيّ:
صدوقٌ، منكر الحديث، وقال العجليّ: لا بأس به، وهذه الأحاديث التي
يرويها أهل الشام عنه ليست تُعجبني.
وذكره البخاري في فصل من مات من الخمسين ومائة إلى الستين، ذكر
ابن قانع أنه مات سنة (١٦٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٨٨)،
وحديث (٢١١): ((إن أدنى أهل النار عذاباً ... )).
٤ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِح) ذكوان السّمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦]
مات في خلافة المنصور (ع) تقدَّم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٥ - (النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) (١) الزرقيّ الأنصاريّ، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ
[٤] (خ م ت س ق) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٤، والصحابيّ تُقدّم
قريباً، وكذا شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي، وإنما أشرح بعض ما
يُشكلُ وما زاد عليه، فأقول:
قوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الضمير لأبي سعيد الخدريّ بُه.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ: ((فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ ... إلخ) يعني أن أبا سعيد
(١) أبو عَيّاش - بالشين المعجمة - الزرقيّ الأنصاريّ الصحابيّ المعروف، اختلف في
اسمه، قيل: زيد بن الصامت، وقيل: زيد بن النعمان، وقيل: عُبيد، وقيل:
عبد الرحمن. انتهى. ((شرح النوويّ)) ٤٣/٣.

٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لم يذكر قوله وَلّه: ((فيقول: يا ابن آدم ... )) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، فقوله:
(فيقول ... إلخ)) مفعول به لـ((يذكُر)) محكيّ؛ لقصد لفظه.
وقوله: (وَزَادَ فِيهِ: ((وَيُذَكِّرُهُ اللهُ: سَلْ كَذَا وَكَذَا) يعني أن أبا سعيد
زاد على حديث ابن مسعود مله قوله وعملفي: ((ويذكّره الله ... إلخ))، فقوله:
((ويذكّره الله ... إلخ)) مفعول زاد، محكيّ، كسابقه، وهو بتشديد الكاف، من
التذكير، بمعنى يُعلمه، وقوله: ((سل كذا وكذا)) مقول لقول مقدّر حال من فاعل
((يذكّر)): أي يذكّره قائلاً: سل ... إلخ.
وقوله: (الْأَمَانِيُّ) بفتح الهمزة: جمع أمنيّة بضمها، وهي ما يتمنّاه
الإنسان: أي يقصده.
وقوله: (ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ) أي قصره الذي أُعدّ له في الجنّة.
وقوله: (زَوْجَتَاهُ) قال النوويّ تَخْذَتُهُ: هكذا ثبت في الروايات والأصول
(زوجتاه)) بالتاء، تثنية زوجة بالهاء، وهي لغة صحيحة معروفة، وفيها أبيات
كثيرة من شعر العرب، وذكرها ابن السّكّيت، وجماعات من أهل اللغة.
(١).
انتھی
وقوله: (مِنَ الْحُورِ الْعِينِ) قال ابن الأثير تَخْتُهُ: هنّ نساء أهل الجنّة،
واحدتهنّ حَوْرَاء، وهي الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها. انتهى(٢).
وقوله: (فَتَقُولَانٍ) قال النوويّ تَخْلُهُ: هو بالتاء المثنّاة من فوقُ، وإنما
ضَبَطتُ هذا، وإن كان ظاهراً؛ لكونه مما يَغْلَط فيه بعضُ مَن لا يميز، فيقوله
بالمثنّاة من تحتُ، وذلك لحن، لا شكّ فيه، قال الله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت
◌َآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ الآية [آل عمران: ١٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ
دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ الآية [القصص: ٢٣]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ الآية [فاطر: ٤١]، وقال تعالى: ﴿فِهِمَا عَيْنَانِ تَّجْرِیَانِ
۵٠
[الرحمن: ٥٠]. انتهى كلامه(٣).
وقوله: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا، وَأَحْيَانَا لَكَ) معناه: الذي خلقك
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٤/٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٤٤/٣.
(٢) ((النهاية)) ٤٥٨/١.

٢٥٣
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧١)
لنا، وخلقنا لك، وجمع بيننا في هذه الدار الدائمة السرور، والله تعالى أعلم
بالصواب.
[تنبيه]: حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُبه هذا الذي أحاله المصنّف تَذَتُهُ على
حديث ابن مسعود نظرائه ساقه الحافظ أبو عوانة تَخَُّ في ((مسنده)) (١٤٢/١)،
فقال :
(٤٢٤) حدثنا عباس الدُّوريّ، والصغانيّ، ومحمد بن إسماعيل الصائغ،
بمكة، قالوا: ثنا يحيى بن أبي بُكير، قال: ثنا زُهير بن محمد، عن سهيل بن
أبي صالح، عن النعمان بن أبي عَيّاش، عن أبي سعيد، أن رسول الله وَ له قال:
((إن أدنى أهل الجنة منزلةً، رجلٌ صَرَفَ اللهُ وجهه عن النار قِبَلَ الجنة، ومَثَّل له
شجرةً، ذات ظلّ، فقال: أي رب قَدِّمني إلى هذه الشجرة، أكونُ في ظلها،
وآكل من ثمرها، قال الله له: فهل عسيتَ إن أعطيتك أن تسألني غيره؟ فيقول:
لا ، وعِزَّتك، فيُقَدِّمه الله إليها، فتُمَثَّلُ له شجرة أخرى، ذات ظلّ، وثمرة، وماء،
فيقول: أي ربّ قَدِّمني إلى هذه الشجرة، أكونُ في ظلها، وآكل من ثمرها،
وأشرب من مائها، فيقول له: هل عسيتَ إن فعلتُ أن تسألني غيره؟ فيقول: لا ،
وعزّتك، لا أسألك غيره، فَيَبْرُز له باب الجنة، فيقول: أي ربّ قَدِّمني إلى باب
الجنة، فأكون تحت نِجَاف(١) الجنة، فأنظر إلى أهلها، فيُقَدِّمه الله إليها، فیری
أهل الجنة، وما فيها، فيقول: أي رب أدخلني الجنة، فيدخله الله الجنة، فإذا
دخل الجنة، قال: هذا لي، فيقول الله له: تَمَنَّ فيتمنى، ويُذَكِّره الله: سَلْ من
كذا، سَلْ من كذا، حتى إذا انقطعت به الأَمَانيّ، قال الله له: هو لك، وعشرة
أمثاله، ثم يدخل الجنة تَبْدُر (٢) عليه زوجتاه من الحور العين، فتقولان له:
الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك، فيقول: ما أعطي أحدٌ مثل ما أعطيتُ)).
(١) قيل: هو أُسْكُفّة الباب، وقال الأزهريّ: أعلاه. انتهى. ((النهاية)) ٢٢/٥، وقال
المجد نَخّْتُهُ: ((النَّجَف)) محرَّكةً وبهاء: مكانٌ لا يعلوه الماءُ، مستطيل، مُنقادٌ،
ويكون في بطن الوادي، وقد يكون ببطن من الأرض، جمعه: نِجَافٌ - بالكسر -
أو هي أرضٌ مستديرة مشرفةٌ على ما حولها. انتهى. ((القاموس المحيط)) ص٧٦٩.
(٢) يقال: بَدَرَ إلى الشيء بُدُوراً، وبادر إليه مبادرةً، وبِدَاراً، من باب قَعَدَ، وقاتل:
أسرع. انتهى. ((المصباح)) ٣٨/١.

٢٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الصائغ في حديثه: ((الحمد لله الذي خَبَأَك لنا، وخَبَأَنا لك)).
انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الْخُدريّ ◌َظُبه هذا من أفراد
المصنّف نَذَتْهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٩٠/ ٤٧١] (١٨٨)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٧/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢٤)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٤٦٨)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٨٤٠)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٧٢] (١٨٩) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الْأَشْعَشِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، وَابْنٍ أَبْجَرَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ،
رِوَايَةً - إِنْ شَاءَ اللهُ - (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانٌ(٢)، حَدَّثَنَا
مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ، سَمِعَا الشَّعْبِيَّ، يُخْبِرُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ
شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَرْفَعُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِه ...
قَالَ: (٣) وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ،
حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، وَابْنُ أَبْجَرَ، سَمِعَا الشَّعْبِيِّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، يُخْبِرُ
بِهِ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ سُفْيَانُ: رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا - أُرَاهُ ابْنَ أَبْجَرَ - قَالَ: ((سَأَلَ
مُوسَى رَبَّهُ، مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ أَهْلُ
(١) ((مسند أبي عوانة)) ١/ ١٤٢ رقم (٤٢٤).
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا سفيان)).
(٣) ثبتت علامة التحويل (ح) هنا في بعض النسخ، بدل قوله: ((قال)).

٢٥٥
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٢)
الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ، وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ
مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ
مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ،
فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا
اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟
قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ،
وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ، قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللّهِ رَّ :
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية [السجدة: ١٧]))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الْأَشْعَنِيُّ) (١) الْكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م س) تقدم في ((المقدمة)) جـ٤ ص١٩.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل
مكة، ثقةٌ، صنّف ((المسند))، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق)
تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٣ - (بِشْرُ بْنُ الْحَكَم) بن حَبيب بن مِهْرَان الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن
النيسابوريّ، ثقةٌ زاهدٌ فقيهٌ [١٠] (ت٧ أو٢٣٨) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٣٧.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم
المكّيّ، ثقة ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمام، من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
٥ - (مُطَرِّفُ) - بضمّ أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة - (ابْنُ
طَرِيفٍ) - بفتح أوله، وكسر ثانيه - الحارثيّ، ويقال: الخارفيّ، أبو بكر، يقال:
أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة فاضلٌ، من صغار [٦].
رَوَى عن الشعبي، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وحبيب بن
أبي ثابت، وسليمان بن الجهم، وسلمة بن كهيل، وعطية العوفي، وغيرهم.
(١) بالثاء المثلّثة بعد العين المهملة: منسوبٌ إلى جدّه الأشعث.

٢٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ورَوَى عنه أبو عوانة، وهشيم، وأبو جعفر الرازي، وعليّ بن مسهر،
وغيرهم.
قال أحمد وأبو حاتم: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: قلت لأحمد:
أصحابُ الشعبي مَنْ أحبهم إليك؟ قال: ليس عندي فيهم مثل إسماعيل بن أبي
خالد، قلت: ثُمّ مَنْ؟ قال: مطرف، وقال في موضع آخر: الشيبانيُّ، ومطرف،
وحصين، هؤلاء ثقات. وقال مرة عن أبي داود: بَيَانٌ فوق مُطَرِّف، ومطرف
ثقة، وابن أبي السَّفَر دونه، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا الشافعي قال: ما
كان ابن عيينة بأحد أشد إعجاباً منه بمطرف. وقال علي ابن المديني: حدثنا
سفيان، حدثنا مُطَرِّف، وكان ثقة. وقال محمد بن عمرو الباهلي عن ابن عيينة:
قال مطرف: ما يُسرُّني أني كذبت كذبةً، وأن لي الدنيا وما فيها. وقال داود بن
عُلْبَة: ما أعرف عربياً ولا عجمياً أفضل من مُطَرِّف بن طَرِيف. وقال العجليّ:
صالح الكتاب، ثقة ثبت في الحديث، ما يُذكر عنه إلا الخير في المذهب.
وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة صدوق،
وليس بثبت. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت. قال ابن حبان: مات سنة ثلاث
وثلاثين، وقد قيل: سنة اثنتين وأربعين. وقال البخاري: قال عبد الله بن
الأسود، عن أبي عبد الله البَجَليّ: مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. وقال
عمرو بن علي: مات سنة ثلاث وأربعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا
الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (١٥٤) و(١٨٩) (١١٦١) و(١٥٩٩)
و(١٩٦١) و(٢٠٤٩) وأعاده بعده، و(٢٥٨٦) و(٢٦٨٥).
٦ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ) بن حيّان - بالتحتانيّة - ابن أبجر - بفتح
الهمزة، وسكون الموحّدة، وفتح الجيم - الْهَمْدَانيّ، ويقال: الكنانيّ الكوفيّ،
ثقةٌ عابدٌ [٥](١).
رَوَى عن أبي الظُفَيل، وعكرمة، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وطلحة بن
مُصَرِّف، وواصل الأحدب، والشعبيّ وأبي رَزِين لَقِيط، وغيرهم.
(١) جعله في ((التقريب)) من السادسة، والصواب ما هنا؛ لأنه سمع من أبي الطفيل،
وهو صحابيّ، كما نبّه عليه النوويّ في ((شرحه)) ٤٤/٣.

٢٥٧
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٢)
ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، والثوريّ، وزهير بن معاوية، وعبد الله بن
إدريس، وعبيد الله الأشجعيّ، وابن عيينة، وأبو أسامة، وغيرهم.
قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو أربعين حديثاً، وقال عبد الله بن أحمد،
عن أبيه: عبد الملك بن أبجر ثقةٌ، وقال سفيان: حدثنا مَن لم تَرَ عيناك مثله ابنُ
أبجر، وقال أيضاً: هو من الأبرار، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو
زرعة، وأبو حاتم: هو أحبّ إلينا من إسرائيل، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال ابن إدريس: قال لي الأعمش: ألا تَعْجَبُ من عبد الملك بن أبجر، جاء
رجل، فقال: إني لم أَمْرَض قطّ، وأنا أشتهي أن أَمْرَض، قال: كُلْ سَمَكاً
مالِحاً، واشرب نَبِيذاً مَرِيساً واقعُد في الشمس، واستمرض الله، قال: فجعل
الأعمش يَضْحَك، ويقول: كأنما قال له: استَشْفِ الله، وقال العجليّ: كان ثقةً
ثبتاً في الحديث، صاحب سنة، وكان من أطبّ الناس، فكان لا يأخذ عليه
أجراً، وَلَمّا حضرت الثوريّ الوفاة أوصى أن يُصَلّي عليه ابنُ أبجر، وكان
الثوريّ يقول: بالكوفة خمسةٌ، يزدادون كل يوم خيراً، فعَدّه فيهم، قال: وكانت
به قُرْحةٌ لو كانت بالبعير لَمَا أطاقها، فكانوا إذا سألوه عنها، قال: ما أرضاني
عن الله رَ، وقال يعقوب بن سفيان: كان من خيار الكوفيين، وثقاتهم.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٨٩) و(٨٦٩) و(٩٩٦) و(١٢٦٥).
٧ - (الشَّعْبِيِّ) هو: عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيةٌ مشهور [٣] (ت بعد المائة) عن نحو (٨٠) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٨ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور،
أسلم قبل الحديبية، ووليَ إِمْرة البصرة، ثم الكوفة، مات رظ ◌ُه سنة (٥٠) على
الصحيح (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف وَّلُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه: ابن أبي عمر، فمكيّ،
وبشر، فنيسابوريّ، كما تقدّم آنفاً .

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن أبجر، عن الشعبيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((يرفعه الى رسول الله (وَ ل9)) وفي رواية: ((رفعه))
قد تقدّم أن هذا، وكذا قولهم: ((روايةً))، أو ((يَنْمِيه))، أو ((يَبْلُغ به)) كلها ألفاظ
موضوعة عند أهل الحديث لإضافة الحديث إلى رسول الله وَلّ، لا خلاف في
ذلك بين أهل العلم، فكلّها مرفوعة حكماً، بمعنى: ((قال رسول الله (وَل﴿))، أو
نحو ذلك.
وقد أشار إلى ذلك السيوطيّ تَخُْ في ((ألفيّة الحديث))، حيث قال:
وَهَكَذَا ((يَرْفَعُهُ)) ((يَنْمِيهِ)) (رِوَايَةً)) ((يَبْلُغْ بِهِ)) ((يَرْوِيهِ))
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُطَرِّفٍ) بن طَرِيف (وَابْنِ أَبْجَرَ) هو: عبد الملك بن سعيد الآتي بعدُ
(عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، رِوَايَةً) أي حال كونه ينقله نقلاً
عن رسول الله وَلّ، وقوله: (إِنْ شَاءَ اللهُ) هذا الشكّ والاستثناء في هذا الطريق
لا يضرّ في صحّة الحديث؛ لأنه جزم به في الروايات الباقية(١).
وقوله: (عَنِ الْمُغِيرَةٍ) تقدّم أنه يقال: بضم الميم، وكسرها، لغتان،
والضم أشهر(٢). (بْنِ شُعْبَةَ) رَُّه (قَالَ) أي الشعبيّ (سَمِعْتُهُ) أي المغيرة ◌َظُه
(عَلَى الْمِنْبَرِ) متعلّق بحال محذوف، أي حال كونه قائماً، وقوله: (يَرْفَعُهُ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَّ﴾ جملة في محلّ نصب على الحال أيضاً، إما مترادفان، أو
متداخلان .
وقوله: (قَالَ) الفاعل ضمير المصنّف كَّتُهُ، وفي نسخة مكتوب بدل
((قال)) علامة التحويل (ح)، وقوله: (وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَم) في محلّ نصب
مقول ((قال))، وقوله: (وَاللَّفْظُ لَهُ) أي لفظ متن الحديث المَسوق هنا لشيخه
بشر بن الحكم، وأما سعيد، وابن أبي عمر، فروياه بالمعنى، وقوله: (قَالَ
سُفْيَانٌ) أي ابن عيينة (رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا) أي رفع الحديث، ونسبه إلى النبيّ
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٤٥/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٦/٣.

٢٥٩
(٩٠) - بَابُ بَيَانِ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فِيهَا - حديث رقم (٤٧٢)
أحد شيخيه: مطرِّف، أو ابن أبجر، وهو عبد الملك بن سعيد بن حيّان بن
أبجر، وقوله: (أُرَاهُ ابْنَ أَبْجَرَ) أي أظنّ الذي رفعه هو ابن أبجر.
قال النوويّ كَخَّتُهُ: معناه: أن أحدهما رفعه، وأضافه إلى رسول الله وَ له،
ـ(*))،
والآخر وقفه على المغيرة، فقال: ((عن المغيرة قال: سأل موسى
والضمير في ((أحدهما)) يعود على مُطَرِّف، وابن أبجر، شيخي سفيان، فقال
التَّلُ))،
أحدهما: ((عن الشعبيّ، عن المغيرة، عن النبيّ ◌َّر، قال: سأل موسى
وقال الآخر: ((عن الشعبيّ، عن المغيرة قال: سأل موسى علّله))، قال: ثم إنه
يحصل من هذا أن الحديث رُوِيَ مرفوعاً وموقوفاً، وقد قدمنا في الفصول
المتقدّمة في أول الكتاب أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه الفقهاء،
وأصحاب الأصول، والمحققون من المحدثين، أن الحدیث إذا رُوي متصلاً،
ورُوي مُرسلاً، ورُوي مرفوعاً، ورُوي موقوفاً، فالحكم للموصول والمرفوع؛
لأنها زيادة ثقة، وهي مقبولة عند الجماهير، من أصحاب فنون العلوم، فلا
يقدح اختلافهم ههنا في رفع الحديث ووقفه، لا سيما وقد رواه الأكثرون
مرفوعاً. انتهى كلام النوويّ تَذَّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ ◌َخْتُهُ من تقديم المرفوع
والموصول دائماً، ونسبه إلى الجماهير، وإلى المحقّقين، قد تقدّم الردّ عليه،
وأن مذهب المحقّقين، والحفّاظ المتقنين، كشعبة، والقطان، وابن مهديّ،
وابن حنبل، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وابن
خزيمة، والدارقطنيّ، وغيرهم من نَقَدَة الأخبار، والجهابذة الأحبار أنهم لا
يُطلقون القول في ذلك، بل يسلكون مسلك التدقيق، والبحث عن القرائن
المحتفّة بالحديث، فإذا ترجّح لديهم أحد الأمرين قدّموه، سواء كان الرفع،
والوصل، أو الوقف، والإرسال.
والحاصل أن لهم دراسة خاصّة في كلّ حديث يحكمون بما يترجّح
لديهم، وأما القول: بالإطلاق الذي قاله النوويّ، فإنه ليس مذهب المحقّقين،
وإنما سلكه بعض أهل العلم، وهو الذي يسلكه دائماً ابن حبّان، وابن حزم،
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٥/٣.

٢٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والنوويّ، ونحوهم، فتبصّر، ولا تسلك مسلك التقليد، فإنه حجة البليد،
وملجأ العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ) ◌ِ ((سأَلَ مُوسَى) النبيّ؛ (رَبَّهُ) وَ (مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟)
كذا هو في الأصول ((ما أدنى))، وكان الظاهر أن يقال: ((من أدنى))؛ لأنه سؤال
عن الشخص، لكن هذا أيضاً صحيح؛ لأنه يُحمل على أن السؤال عن الصفة،
فعبّر بـ((ما))، فيكون معناه: ما صفة، أو ما علامة أدنى أهل الجنة؟(١)
(قَالَ) الله وََّ (هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَمَا أُدْخِلَ) بالبناء للمفعول (أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ،
فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ) أي يتفضّل الله عليه، فيأمره أن يدخل الجنّة (فَيَقُولُ)
الرجل (أَيْ رَبِّ) أي يا ربّ (كَيْفَ) أي كيف أدخل الجنة، ولا مكان فيها؟
(وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟) قال ابن الأثير: بفتح الهمزة،
والخاء: أي نزلوا منازلهم. انتهى (٢). وقال القاضي عياض ◌َخَّثُهُ: بفتح الهمزة
والخاء: جمع أَخْذَة، وهو ما أخذوه من كرامة مولاهم، وحَصّلوه، أو يكون
معناه قَصَدُوا مقاصدهم، وساروا سُبُلهم إلى منازلهم، قال: وذكره ثعلب بكسر
الهمزة، يقال: ما أخَذَ إِخْذه: أي ما قصد قصده، وإِخْذُ القوم: طريقهم،
وسبیلهم. انتھی(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن عطف جملة ((وأخذوا)) على ما
قبلها للتأكيد، والله تعالى أعلم.
(فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكِ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ:
رَضِيتُ رَبِّ) بحذف حرف النداء، أي يا ربّ (فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ
وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ،
وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ) يقالٍ: لَذّ الشيءُ يَلَذُّ، من باب تَعِبَ
لَذَاذاً، ولَذَاذَةً بالفتح: صار شَهيّاً، فهو لَذٌّ، ولَذِيذٌ، ولَذِذْتُهُ أَلَذُّهُ: وجدته
كذلك، يتعدّى، ولا يتعدّى(٤)، وما هنا من المتعدّي، وحُذف مفعوله؛ لكونه
فضلة: أي لذّته عينك (فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ) موسىعِلََّ (رَبِّ) أي يا ربّ
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ٤٥/٣ - ٤٦.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢/ ٨٢٠.
(٢) ((النهاية)) ٢٩/١.
(٤) راجع: ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٥٢.