النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَخِّدِينَ مِنَ النَّارِ - حديث رقم (٤٦٥)
وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ خَالِدٍ: ((كَمَا تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ))) يعني أن
خالداً الطحان رواه بلفظ: ((كما تنبت الغُثَاءة)) بدل قول مالك: ((كما تنبت
الْحِبّة))، و((الْغُثَاءَةُ)) بضم الغين المعجمة، وبالثاء المثلّثة المخفّفة، وبالمدّ،
وآخره هاء: هو كلّ ما جاء به السيل، وقيل: المراد ما احتمله السيل من
البذور، وجاء في غير ((صحيح مسلم)) بلفظ: ((كما تنبت الْحِبّة في غُثاء السيل))
بحذف الهاء من آخره، وهو ما احتمله السيل من الزَّبَد، والْعِيدَان، ونحوهما
من الأقذاء، قاله النوويّ كَّتُهُ(١).
وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: ((كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِئَةٍ، أَوْ حَمِيلَةٍ
السَّيْلِ))) يعني أن وهيب بن خالد رواه بلفظ: ((كما تنبت الحِبّة في حمئة
السيل، أو حميلة السيل)) بالشكّ.
أما الأول: فهو («حَمِئَةٌ» بفتح الحاء، وكسر الميم، وبعدها همزة، وهي
الطين الأسود الذي يكون في أطراف النهر.
وأما الثاني: فهو ((حَمِيلة))، وهي واحد الْحَمِيل المذكور في الروايات
الأُخَر، بمعنى المحمول، وهو الغثاء الذي يَحتمله السيل، والله تعالى أعلم(٢).
[تنبيه]: رواية وُهيب التي أحالها المصنّف تَظُّ هنا على رواية مالك،
أخرجها الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه))، فقال:
(٦٥٦٠) حدثنا موسى، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه،
عن أبي سعيد الخدريّ تَظُه، أن النبيّ وَّه قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة،
وأهل النار النار، يقول الله: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان،
فأخرجوه، فيُخْرَجون قد امْتَحَشُوا، وعادوا حُمَماً، فيُلْقَون في نهر الحياةُ،
فينبتون كما تنبت الْحِبّة في حَمِيل السيل، أو قال: حَمِية السيل))، وقال
النبيّ وَّهِ: ((ألم تَرَوْا أنها تَنْبُتُ صفراء مُلْتَوِيَةً؟)). انتهى.
وأما رواية خالد الطخّان التي أحالها هنا أيضاً، فقد أخرجها الحافظ ابن
منده تَّتُ في ((الإيمان)) (٨٠٧/٢)، فقال:
(٨٢٣) وأنبأ محمد بن عبيد الله بن أبي رجاء، ثنا موسى بن هارون، ثنا
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٧/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٧/٣.

٢٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وهب بن بقية، ثنا خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي
سعيد، عن النبيّ وَّله قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار،
قال الله برحمته: انْظُرُوا من كان في قلبه حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من
النار، قال: فأُخرجوا قد عادوا حُمَماً، فيُلْقَون في نهر يسمى نهر الحياة،
فيَنْبُون كما تنبت الْغُثَاءة في جانب السيل، ألم تَرَوا أنها تأتي صفراء ملتويةً؟)).
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٦٦] (١٨٥) - (وَحَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي
ابْنَ الْمُفَضَّلِ (١)، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَمَّا أَهْلُ الَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَا
يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ، أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ، فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً،
حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْماً، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُلُّوا عَلَى أَنْهَارِ
الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ، تَكُونُ فِي
حَمِيلِ السَّيْلِ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: كَأَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) المذكور قبل باب.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشِيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٣ - (أَبُو مَسْلَمَةَ) هو: سعيد بن يزيد بن مَسْلَمة الأَزْديّ، ويقال:
الطَّاحِيّ، أبو مَسلمة البصريّ القصير، ثقة [٤].
رَوَى عن أنس، وأبي نَضْرَة، وعكرمة، وأبي قلابة، ومُطَرِّف، ويزيد ابني
عبد الله بن الشِّخِّير، والحسن البصريّ، وغيرهم.
(١) وفي نسخة: ((يعني: ابن مفضّل)).

٢٢٣
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ - حديث رقم (٤٦٦)
ورَوَى عنه شعبة، وإبراهيم بن طَهْمان، وحماد بن زيد، وعباد بن
الْعَوّام، وخالد بن عبد الله، وبِشْر بن المفضل، وابن علية، ويزيد بن زُریع،
وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، ووثقه ابن
سعد، والعجليّ، وأبو بكر البزار، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) هو: الْمُنْذر بن مالك بن قُطَعَةَ الْعَبْدِيّ الْعَوَقِيّ البصريّ،
مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت٨ أو ١٠٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) الْخُدريّ ◌َله المذكور قبله، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف وَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب
الكتب الستة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ.
٥ - (ومنها): أن الصحابيّ ◌ُبه من المكثرين السبعة، كما أسلفته قريباً،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخُدْرِيّ ◌َبهَ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَمَّا أَهْلُ
النَّارِ) ووقع في النسخة التي شرح عليها النوويّ بلفظ: ((أهل النار ... إلخ))
بدون ((أما))، فقال النوويّ كَّشُهُ: هكذا وقع في معظم النسخ: ((أهلُ النار))،
وفي بعضها: ((أما أهلُ النار)) بزيادة ((أما))، وهذا أوضح، والأول صحيح،
وتكون الفاء في ((فإنهم)) زائدةً، وهو جائزٌ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أما)) على النسخة التي فيها ((أما أهل
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٧/٣.

٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
النار))، فهي حرف شرط وتوكيد، وليست هنا للتفصيل، وإن كان غالب أحوالها
أن تأتي له لكنها ليست له، كما بيّنه ابن هشام في ((مغنيه)) (١)، وجوابها قوله:
((فإنهم لا يموتون ... إلخ))، وقوله: (الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا) صفة لـ((أهل النار))
(فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا) أي حتى يستريحوا من ألم العذاب (وَلَا يَحْيَوْنَ) بفتح
أوله، مضارع حَيِي، من باب تَعِبَ: أي ولا يحيون حياةً ينتفعون بها، ويجدون
فيها لذّة المعيشة، بل يكونون دائماً متقلّبين في عذاب أليم.
وقال النوويّ تَُّ: الظاهر من معنى الحديث - والله أعلم - أن الكفار
الذين هم أهل النار، والمستحقون للخلود، لا يموتون فيها، ولا يَحْيَون حياةً
ينتفعون بها، ويستريحون معها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ
جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيَّهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهًّا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ
كَفُورِ (٨َ﴾ [فاطر: ٣٦]، وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَ
[الأعلى: ١٣]، وهذا جارٍ على مذهب أهل الحقّ أن نعيم أهل الجنة دائمٌ، وأن
عذاب أهل الخلود في النار دائمٌ. انتهى(٢).
(وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ) أي بسبب ارتكابهم الذنوب الموجبة
الدخول النار (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ، فَأَمَاتَهُمْ إِمَائَةً) أي
أماتهم الله، فالفاعل ضمير يعود على الله؛ لعلمه، وإن لم يُذكر، وفي بعض
النسخ: ((فأماتتهم))، فالضمير للنار.
وقال النوويّ تَخّْتُ: وأما قوله وَله: ((ولكن ناس أصابتهم النار ... إلخ)):
معناه: أن المذنبين من المؤمنين يُميتهم الله تعالى إماتةً بعد أن يُعَذّبوا المدة
التي أرادها الله تعالى، وهذه الإماتة إماتة حقيقيةٌ، يَذْهَب معها الإحساس،
ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يُميتهم، ثم يكونون محبوسين في النار من
غير إحساس المدّة التي قدَّرها الله تعالى، ثم يَخرُجون من النار موتى، قد
صاروا فَحْماً، فَيُحْمَلون ضَبَائر كما تُحْمَل الأمتعة، ويُلْقَون على أنهار الجنة،
فُيُصَبّ عليهم ماءُ الحياة، فَيَحْيَون، ويَنْبُتُون نَبَاتَ الْحِبّة في حَمِيل السيل، في
سرعة نباتها وضعفها، فتَخْرُج لضعفها صَفْراء مُلْتَوِيةً، ثم تشتدّ قوتهم بعد ذلك،
(١) راجع: ((مغني اللبيب)) ١/ ٥٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٨/٣.

٢٢٥
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَخِّدِينَ مِنَ النَّارِ - حديث رقم (٤٦٦)
ويصيرون إلى منازلهم، وتَكْمُلُ أحوالهم، فهذا هو الظاهر من لفظ الحديث
ومعناه.
وحَكَى القاضي عياض كَّتُهُ فيه وجهين: أحدهما أنها إماتة حقيقيةٌ،
والثاني: ليس بموت حقيقيّ، ولكن يَغِيب عنهم إحساسهم بالآلام، قال:
ويجوز أن تكون آلامهم أخَفّ، فهذا كلام القاضي، والمختار ما قدمناه. انتهى
كلام النوويّ كَُّ(١)، وهو كلام منقّح مفيد، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْماً) بفتح الفاء، وسكون الحاء المهملة، وقد تفْتَحُ،
أفاده الفيّوميّ تَظُّ، وقال المجد تَخْذُ: ((الْفَحَمُ: محرّكةً، وبالفتح، وكأمير:
الْجَمْرُ الطافئ، والْفَحْمَةُ: واحدته. انتهى (٢). (أُذِنَ) بالبناء للمفعول، أي
أَذِنَ الله تعالى للملائكة، والأنبياء، والصالحين (بِالشَّفَاعَةِ) وفي نسخة: ((في
الشفاعة)) (فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ) قال النوويّ تَُّ: كذا هو في الروايات،
والأصول: ((ضَبَائر ضبائر)) مكررٌ مرتين، وهو منصوب على الحال، وهو بفتح
الضاد المعجمة، وهو جمع ضَبَارة، بفتح الضاد، وكسرها، لغتان، حكاهما
القاضي عياض، وصاحب ((المطالع))، وغيرهما، أشهرهما الكسر، ولم يذكر
الهرويّ وغيره إلا الكسر، ويقال فيها أيضاً: إِضْبَارةٌ، بكسر الهمزة، قال أهل
اللغة: الضبائر جماعات في تَفْرِقَة، ورُوِي: ((ضِبَارَاتٍ ضَبَارَاتٍ)). انتهى(٣).
وقال ابن الأثير تَُّهُ: ((الضّبَائرُ: الجماعاتُ في تفرقة، واحدتها ضِبَارةٌ،
مثلُ عِمَارة وعَمَائِر، وكلُّ مُجتمع: ضِبَارةٌ، وفي رواية أخرى: ((فيُخرجون
ضِبَارات ضِبَاراتٍ)) وهو جمع صِحّة للضّبَارة، والأول: جمع تكسير)). انتهى(٤).
(فَبَثُوا) بضمّ الباء الموحدة، بعدها ثاء مثلثة: أي فُرِّقُوا (عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ،
ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ) أي صُبّوا على هؤلاء الضبائر (فَيَنْبُتُونَ
نَبَاتَ الْحِبَّةِ) بنصب («نَبَاتَ)) على المفعوليّة المطلقة، و((الْحِبّة)) بالكسر بُزور
الصحراء (تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ))) أي محموله من الْغُثاء وغيره، وقد تقدّم
ـة،
البحث في الْحِبّة، والحميل مستوفَّى في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٨/٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٣٨/٣.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ١٠٣٢.
(٤) ((النهاية)) ٧١/٣ - ٧٢.

٢٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فراجعه تستفد. (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم) لم أر من سمّاه (كَأَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَدْ
كَانَ بِالْبَادِيَةِ) أي: حيث علم كيفيّة نبات الحِبّة في جانب السيل؛ لأنه لا يصف
هذا الوصف الدقيق إلا من عاش في البادية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ظُبه هذا من أفراد
المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٦٦/٨٨ و٤٦٧] (١٨٥)، و(ابن
ماجه) في ((الزهد)) (٤٣٠٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/٣ و١١ و٢٠ و٢٥ و٧٨
- ٧٩ و٩٠)، و(الدارميّ) في ((السنن)) (٣٣١/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(١٨٤)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص٢٧٤ و٢٧٩ و٢٨٢)، و(أبو عوانة)
في (مسنده)) (٤٥٦ و٤٥٧ و٤٥٨)، و(أبو نُعيم) في (مستخرجه)) (٤٦٣ و٤٦٤)،
و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٨٢٠ و٨٢١ و٨٢٣ و٨٢٤ و٨٢٥ و٨٢٦ و٨٢٧
و٨٢٨ و٨٢٩ و٨٣٣ و٨٣٤ و٨٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه إثبات الشفاعة، وقد تقدّم البحث عنه مستوفَى في
المسألة الرابعة من الحديث الماضي.
٢ - (ومنها): بيّن أن أصحاب النار الذين حكم الله تعالى بكونهم
مخلّدين فيها، من الكفّار، وغيرهم، فإنهم لا يموتون فيها، ولا يحيون حياة
تسرّهم، كما أخبر الله تعالى بذلك، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا
يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْرِى كُلَّ كَفُورٍ
[فاطر: ٣٦].
٣ - (ومنها): أن العُصاة من أهل الإيمان الذي أُدخلوا النار، فإن الله
تعالى يرحمهم بأن يميتهم، فيصيروا حُمَماً حتى لا يحسّوا بألمها، وشدّة
عذابها .

٢٢٧
(٨٨) - بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُؤَخِّدِينَ مِنَ النَّارِ - حديث رقم (٤٦٧)
٤ - (ومنها): أن فيه الرّدّ على الخوارج، والمعتزلة الذين يحكمون بخلود
أهل الكبائر في النار، وأنهم لا يَخرُجون منها أبداً، وهو مذهب باطلٌ بنصوص
الكتاب والأحاديث الصحيحة.
٥ - (ومنها): أن الله تعالى يأذن للملائكة، والأنبياء، والمؤمنين أن
يشفعوا في أهل التوحيد، فيُخرجوهم من النار.
٦ - (ومنها): أن أهل الجنّة يؤمرون بإفاضة الماء على هؤلاء الذين
صاروا حُمَماً على أبواب الجنّة، حتى يَحْيَوْا حياةً جديدة؛ ليعيشوا معهم في
أطيب عيش، وأهنئه، نعيم بلا نكد، وملك إلى الأبد، ذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء، والله ذو الفضل العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٦٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ: ((فِي حَمِيلِ السَّيْلِ))، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا
بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى المعروف بالزَّمِن المذكور قبل بابين.
٢ - (وَابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد المعروف ببندار المذكور قبل بابين أيضاً.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر المذكور قبل بابين أيضاً.
٤ - (شُعْبَةٌ) بن الحجاج الإمام المشهور المذكور قبل بابين أيضاً.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ) فيه بيان سماع أبي مسلمة من أبي
نضرة، بخلاف السند الماضي، فإنه كان بالعنعنة.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني رواية شعبة موافقة لرواية بشر بن المفضل، إلا أنه
خالفه في اختصار الحديث، حيث لم يذكر قوله: ((فقال رجال ... إلخ)).

٢٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[تنبيه]: رواية شعبة هذه التي أحالها المصنّف تَخَّثُ على رواية بشر بن
المفضّل، أخرجها الحافظ أبو نُعيم في ((مستخرجه)) (١/ ٢٥٢)، فقال:
(٤٦٣) حدثني أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن
أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي مَسْلَمة،
قال: سمعت أبا نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ وَّ أنه قال: ((إن
أهل النار الذين هم أهل النار، لا يموتون فيها، ولا يحيون، ولكنها تُصِيب
قوماً بذنوبهم، أو خطاياهم، حتى إذا صاروا فَحْماً، أُذِن في الشفاعة،
فَيَخْرُجون ضَبَائر، فيُلْقَون على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة أهريقوا عليهم
من الماء، فَيَنْبُتون كما تَنْبُت الْحِبّة في حميل السيل))، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٨٩) - (بَابُ بَيَانِ آخِرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٦٨] (١٨٦) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
الْحَنْظَلِيُّ، كِلَاهُمَا (١) عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنِّي
لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجَاً مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، رَجُلٌ
يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْواً، فَيَقُولُ اللهُ تَبَارََكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ،
(١) قوله: ((كلاهما)) هكذا في بعض النسخ، قال النوويّ تَخّْتُ في ((شرحه)) (٣٩/٣):
وقع في معظم النسخ ((كليهما)) بالياء، ووقع في بعضها ((كلاهما)) بالألف مصلَحاً،
وقد قدّمت في الفصول التي في أول الكتاب بيان جوازه بالياء. انتهى كلامه.
قال الجامع عفا الله عنه: وجهه بالياء أن يكون مفعولاً لفعل مقدّر، أي أعني
كليهما، ويحتمل أن يقرأ بالألف، وإن كان مكتوباً بالياء؛ لإجل الإمالة، والله
تعالى أعلم.

٢٢٩
(٨٩) - بَابُ بَيَانِ آخِرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا - حديث رقم (٤٦٨)
فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى،
فَيَقُولُ اللهُ تَبَارََكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ
أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ،
فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالٍ
الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي؟، أَوْ أَتَضْحَكُ بِي؟، وَأَنْتَ الْمَلِكُ))، قَالَ: لَقَدْ
رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﴿ِ ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى
أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، شهيرٌ [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د
س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن راهويه المذكور قبل
بابین.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، قاضي الريّ، المذكور قبل
ثلاثة أبواب.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السّلَميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٥ - (إِبْرَاهِيم) بن يزيد بن قيس النَّخَعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة
ثبتٌ، يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٢/٦.
٦ - (عَبِيدة) - بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة - بن عَمْرو، ويقال:
ابن قيس بن عمرو السَّلْمانيّ - بسكون اللام، ويقال: بفتحها - المراديّ، أبو
عمرو الكوفيّ، تابعيّ كبير، مخضرم، ثقة ثبت [٢].
رَوَى عن علي، وابن مسعود، وابن الزبير، ورَوَى عنه عبد الله بن سَلِمة
المرادي، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق السبيعي، ومحمد بن سيرين، وأبو
حسان الأعرج، وأبو الْبَخْتريّ الطائي، وعامر الشعبي، وغيرهم.

٢٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الشعبي: كان شُرَيح أعلمهم بالقضاء، وكان عَبِيدة يوازيه، وقال
أشعث عن محمد بن سيرين: أدركت الكوفة، وبها أربعة ممن يُعَدّ في الفقه،
فمن بدأ بالحارث ثَنّى بعبيدة، أو العكس، ثم علقمة الثالث، وشُريح الرابع،
ثم يقول: وإن أربعة أحسنهم شُريح لَخِيَار، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة
جاهلي، أسلم قبل وفاة النبي ◌َّه بسنتين ولم يره، وكان من أصحاب علي
وعبد الله، وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه، وقال ابن نُمير: كان شُريح
إذا أشكل عليه الأمر كتب إلى عَبِيدة، ويُروَى عن ابن سيرين: ما رأيت رجلاً
أشدّ توقياً منه، وكلُّ شيء روي عن إبراهيم عن عَبِيدة سوى رأيه، فإنه عن
عبد الله إلا حديثاً واحداً.
وقال محمد بن سعد: قال محمد بن عمر: هاجر عَبِيدة زَمَنَ عمر نَُّه.
وقال ابن معين: كان عيسى بن يونس يقول: السَّلَمَاني مفتوحة. وعَدَّه علي ابن
المديني في الفقهاء من أصحاب ابن مسعود ظُه. وقال إسحاق بن منصور عن
ابن معين: ثقة لا يُسأل عن مثله. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين:
علقمة أحبُّ إليك أو عَبِيدة؟ فلم يُخَيِّر، قال عثمان: هما ثقتان. وقال علي ابن
المديني، وعمرو بن علي الفلاس: أصحُ الأسانيد محمد بن سيرين، عن عَبِيدة
عن علي. وقال العجلي: كلُّ شيءٍ رَوَى محمدٌ (١) عن عَبِيدة، سوى رأيه فهو
عن عليّ، وكلُّ شيء رَوَى عن إبراهيم، فذكر مثل ما تقدم.
قال ابن نُمير وغيرُ واحد: مات سنة اثنتين وسبعين، وقال قعنب: مات
سنة (٧٢) أو (٧٣). وقال الترمذي: سنة (٧٣)، وقال أبو بكر بن أبي شيبة:
سنة (٧٤)، وكذا أرّخه ابن حبان في ((الثقات))، وصححه، وقد قال البخاري
في ((تاريخه)): حدثنا ابن بشار، ثنا ابن مهدي، ثنا شعبة، عن أبي حَصين قال:
أوصى عَبيدة أن يصلي عليه الأسود، خَشِي أن يصلي عليه المختار، فبادر
فصلى عليه، وهذا إسناد صحيح، رواه ابن سعد أيضاً عن أبي داود، عن
شعبة، ومقتضاه أن عَبِيدة مات قبل سنة تسعين بمدة؛ لأن المختار قُتِل سنة
(٦٧) بلا خلاف.
(١) أي ابن سيرين.

٢٣١
(٨٩) - بَابُ بَيَانٍ آخِرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا - حديث رقم (٤٦٨)
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) ◌َّه تقدّم قريباً، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظَُّهُ، وله فيه شيخان، قَرَن
بینهما .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له الترمذيّ، والثاني ما أخرج ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه إسحاق، فمروزيّ، ثم
نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: إبراهيم، عن
عَبِيدة.
٥ - (ومنها): أن عَبِيدة هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد عرفت آنفاً
عدد ما روی له المصنّف فيه.
[تنبيه]: جملة من يُسمّى بعَبِيدة بفتح، فكسر في الكتب الستّة تسعة(١)،
منهم في ((الصحيحين)) ثلاثة:
١ - (الأول): هذا المترجم هنا عند الجماعة.
٢ - (والثاني): عَبِيدة بن حُميد الكوفيّ المعروف بالحذّاء، صدوقٌ
نحويّ، ربّما أخطأ، من الطبقة الثامنة، مات سنة تسعين، وقد جاوز الثمانين.
٣ - (والثالث): عَبِيدة بن سفيان الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ من الثالثة، عند
المصنّف، والأربعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) ◌َبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لَأَعْلَمُ
آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجَاً مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ) قال القاري: الظاهر
أنهما متلازمان، فالجمع بينهما للتوضيح، ولا يبعد أن يكون احترازاً مما عسى
(١) راجع البقيّة في: ((تقريب التهذيب)) ص ٢٣٠ - ٢٣١.

٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أن يتوهّم من حبس أحد في الموقف من أهل الجنّة حينئذ، والله تعالى أعلم.
انتھی(١).
وقال القاضي عياض نَظُّ: جاء نحو هذا في آخرٍ مَن يَجُوزُ على
الصراط، قال: فيحتمل أنهما اثنان، إما شخصان، وإما نوعان، أو جنسان،
وعَبَّر فيه بالواحد عن الجماعة؛ لاشتراكهم في الحكم الذي كان سبب ذلك،
ويحتمل أن يكون الخروج هنا بمعنى الورود، وهو الجواز على الصراط،
فيتحد المعنى، إما في شخص واحد، أو أكثر، ويقوّي الاحتمال الثاني ما
سيأتي في الحديث الثالث من رواية أنس عن ابن مسعود ﴿ها، ولفظه: آخِرُ مَن
يدخل الجنة رجلٌ، فهو يمشي مرّةً، ويَكْبُو مرّةً، وتَسْفَعه النار مرّةً، فإذا ما
جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نَجّاني منكِ. وعند الحاكم من طريق
مسروق، عن ابن مسعود، ما يقتضي الجمع، قاله في ((الفتح)) (٢).
(رَجُلٌّ) تقدّم الخلاف في اسم هذا الرجل في شرح الحديث الطويل
الماضي، (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْواً) - بفتح المهملة، وسكون الموحّدة - منصوب
على الحال، أو مفعول مطلق لفعل مقدّر، أي يُحُبو حَبْواً، مِن حَبَا الصبيّ، مِن
باب ((قال)»: إذا دَرَج على بطنه، قاله الفيّوميّ(٣).
وقال ابن الأثير تَخْذُ: ((الْحَبْوُ)): أن يمشي على يديه وركبتيه، أو اسْته،
وحَبَا البعير: إذا بَرَك، ثم زَحَفَ من الإعياء، وحبا الصبيّ: إذا زَحَفَ على
(٤)
اسْتِهِ. انتهى (٤).
وقال المجد نَظُّ: حَبَا الرجلُ: إذا مشى على يديه، وبطنه، وحبا
الصبيّ: إذا مشى على اسْتِهِ، وأشرف بصدره. انتهى(٥).
ووقع في رواية الأعمش، عن إبراهيم، التالية بلفظ ((زَحْفاً))، وهما
متقاربا المعنى، قال النوويّ تَخْذُهُ: قال أهل اللغة: الْحَبْوُ: الْمَشيُّ على اليدين
والرجلين، وربما قالوا: على اليدين والركبتين، وربما قالوا: على يديه
(١) ((المرقاة)) ٥٥١/٩.
(٣) ((المصباح)) ١٢٠/١.
(٥) ((القاموس المحيط)) ص ١١٤٥.
(٢) ٤٥٢/١١.
(٤) ((النهاية)) ٣٣٦/١.

٢٣٣
(٨٩) - بَابُ بَيَانِ آخِرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا - حديث رقم (٤٦٨)
ومَقْعَدته، وأما الزَّحْف: فقال ابن دُرَيد وغيره: هو المشيُّ على الاسْتِ مع
إفراشه بصدره، فحصل من هذا أن الحبو والزحف متماثلان، أو متقاربان، ولو
ثبت اختلافهما حُمِلَ على أنه في حالٍ يَزْحَفُ وفي حالٍ يَحْبُو. انتهى(١).
(فَيَقُولُ اللهُ تَبَارََكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا) وفي نسخة :
((قال: فيأتيها)) بزيادة ((قال))، يعني أنه يجيء قريباً منها، أو فيدخلها (فَيُخَيَّلُ)
بالبناء للمفعول: أي يُصوَّر (إِلَيْهِ أَنَّهَا) أي الجنّة (مَلْأَى) فَعْلَى تأنيث ملآن: أي
ممتلئةٌ بالسكّان (فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى) أي فليس لي مكان فيها
(فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا
مَلْأَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ)
قال القاريّ تَخْلَتُهُ: المراد بها جنس الجنّة، أو جنّة بخصوصها. انتهى (٢). (فَإِنَّ
لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا) قال القاري تَخْتُهُ: أي في سعتها، وقيمتها. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وقيمتها)) فيه نظر لا يخفى؛ إذ جميع ما
في الدنيا لا يساوي قيمةَ أقلّ قليل في الجنّة، كما قال ◌َّ: ((موضع سوط في
الجنّة خير من الدنيا وما فيها))، رواه البخاريّ، والله تعالى أعلم.
(وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا) أي زيادة عليها في الكميّة والكيفيّة، وفيه إيماء إلى قوله
تعالى: ﴿مَنْ جَّءَ بِالْمَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾ الآية [الأنعام: ١٦٠]، فالمؤمن لَمّا
ترك الدنيا، وهي كانت كالحبس في حقّه، جوزي بمثلها عَدلاً، وعشرة
أضعافها فضلاً(٤)، والله تعالى أعلم.
(أَوْ) للشكّ من الراوي (إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا) وفي رواية الأعمش
الآتية: فيقال له: ((أتذكُر الزمان الذي كنت فيه؟ - أي الدنيا - فيقول: نعم،
فيقال له: تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى، فيقال له: لك الذي تمنّيتَ، وعشرة أضعاف الدنيا)).
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((فيقول الله تعالى له: اذهب فادخل الجنة، فان
لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها))، وفي الرواية الأخرى: («لك الذي تمنيت، وعشرة
أضعاف الدنيا))، هاتان الروايتان بمعنى واحد، وإحداهما تفسير للأخرى،
(١) ((شرح النوويّ)) ٣٩/٣.
(٣) ((المرقاة)) ٥٥٢/٩.
(٢) ((المرقاة)) ٩/ ٥٥٢.
(٤) راجع: ((المرقاة)) ٩/ ٥٥٢.

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فالمراد بالأضعاف الأمثال، فإن المختار عند أهل اللغة أن الضعف المثل، وأما
قوله وَله في الرواية الأخرى في الكتاب: ((فيقول الله تعالى: أيُرضيك أن أعطيك
الدنيا ومثلها معها؟))، وفي الرواية الأخرى: ((أترضى أن يكون لك مثل مُلْكِ
مَلِكِ من ملوك الدنيا؟، فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله،
ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك، وعشرة
أمثاله))، فهاتان الروايتان لا تُخالفان الأُوليين، فإن المراد بالأولى من هاتين أن
يقال له أوّلاً: لك الدنيا ومثلها، ثم يزاد إلى تمام عشرة أمثالها، كما بيّنه في
الرواية الأخيرة، وأما الأخيرة فالمراد بها أن أحد ملوك الدنيا، لا ينتهي ملكه
إلى جميع الأرض، بل يَمْلِك بعضاً منها، ثم منهم من يَكْثُر البعض الذي يملكه،
ومنهم من يَقِلّ بعضه، فيُعْطَى هذا الرجل مثل أحد ملوك الدنيا خمس مرات،
وذلك كله قدر الدنيا، ثم يقال له: لك عشرة أمثال هذا، فيعود معنى هذه الرواية
إلى موافقة الروايات الأخرى المتقدّمة، ولله الحمد، وهو أعلم. انتهى كلام
النوويّ كَّلُهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) بَّهِ وفي بعض النسخ بحذف ((قال)) (فَيَقُولُ) الرجل (أَتَسْخَرُ) بفتح
الخاء المعجمة: أي أتستهزئ (بِي؟) قال النوويّ كَثِّثُ: وقع في الروايات
((أتسخر بي))، وهو صحيح، يقال: سَخِرتُ منه، وسَخِرت به، والأول هو
الأفصح الأشهر، وبه جاء القرآن، والثاني: فصيح أيضاً، وقد قال بعض
العلماء: إنه إنما جاء بالباء لإرادة معناه، كأنه قال: أتهزأ بي. انتهى(١).
(أَوْ أَتَضْحَكُ بِي؟، وَأَنْتَ الْمَلِكُ))) جملة حالية من فاعل ((تضحك))،
و((أو)) للشكّ، وفي رواية الأعمش: ((أتسخر بي؟))، ولم يشكّ، وفي رواية
أنس، عن ابن مسعود: ((أتستهزئ بي، وأنت ربّ العالمين؟)).
وقال النوويّ دَُّهُ: قوله: ((أو أتضحك ... إلخ))، هذا شكّ من الراوي،
هل قال: ((أتسخر بي؟، أو قال: أتضحك بي؟))، فإن كان الواقع في نفس
الأمر أتضحك بي؟، فمعناه: أتسخر بي؟؛ لأن الساخر في العادة يضحك ممن
يَسْخَر به، فوُضع الضحك موضع السخرية مجازاً.
(١) ((شرح مسلم)) ٤٠/٣.

٢٣٥
(٨٩) - بَابُ بَيَانِ آخِرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا - حديث رقم (٤٦٨)
قال: وأما معنى ((أتسخر بي؟)) هنا ففيه أقوال:
[أحدها]: قاله المازريّ: إنه خرج على المقابلة الموجودة في معنى
الحديث، دون لفظه؛ لأنه عاهد الله مراراً أن لا يسأله غير ما سأل، ثم غَدَرَ،
فَحَلّ غدره محل الاستهزاء والسخرية، فقدّر الرجل أن قول الله تعالى له:
((ادخل الجنة))، وتردده إليها، وتخييل كونها مملوءة ضرب من الإطماع له،
والسخرية به؛ جزاءً لِمَا تقدم من غدره، وعقوبةً له، فسَمَّى الجزاءَ على
السخرية سخرية، فقال: أتسخر بي؟ أي: تعاقبني بالإطماع؟.
[والقول الثاني]: قاله أبو بكر الصوفي: إن معناه نفي السخرية التي لا
تجوز على الله تعالى، كأنه قال: أَعْلَم أنك لا تهزأ بي؛ لأنك رب العالمين،
وما أعطيتني من جزيل العطاء، وأضعاف مثل الدنيا حقّ، ولكن العجب أنك
أعطيتني هذا، وأنا غير أهل له، قال: والهمزة في ((أتسخر بي)) همزة نفي، كما
في قوله تعالى: ﴿أَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٥] على أحد
الأقوال، قال: وهو كلامُ مُتَدَلِّلٍ عَلِمَ مكانه من ربه، وبَسْطَهُ له بالإعطاء.
[والقول الثالث]: قاله القاضي عياض: أن يكون هذا الكلام صَدَرَ من
هذا الرجل، وهو غير ضابط لما قاله؛ لِمَا ناله من السرور ببلوغ ما لم يَخْطُر
بباله، فلم يضبط لسانه دَهَشاً وفَرَحاً، فقال، وهو لا يعتقد حقيقةَ معناه، وجرى
على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق، وهذا كما قال النبيّ وَّ في الرجل
الآخر: إنه لم يَضْبِط نفسه من الفرح، فقال: ((أنت عبدي، وأنا ربك)) (١).
وقال القرطبيّ في ((المفهم)): أكثروا في تأويله، وأشبه ما قيل فيه: إنه
استَخَفَّه الفرَح، وأدهشه، فقال ذلك، وقيل: قال ذلك؛ لكونه خاف أن يُجَازَى
على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات، وارتكاب المعاصي،
كفعل الساخرين، فكأنه قال: أتجازيني على ما كان مني؟، فهو كقوله ريق :
﴿َسَخِرَ اَللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ١٥]: أي
يُنْزل بهم جزاء سخريتهم واستهزائهم. انتهى(٢).
(١) ((شرح مسلم)) ٤٠/٣.
(٢) ((المفهم)) ٤٢٤ - ٤٢٥.

٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استهزاء الله تعالى بالمنافقين ونحوهم (١)،
وسُخريّته بهم من صفات الله تعالى التي يقابل بها من يستحقّها، وهي على
الحقيقة اللائقة به ريال، ولا تؤوّل، بل يجب الإيمان بها كما وردت، من غير
تعطيل، ولا تحريف، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، كسائر صفات الله رحمك من
الضحك، والفرح، والرضا، والغضب، ونحوها، ولكنها تأتي في المقابلة،
كالمكر والخديعة، وأما تفسيرها بإنزال الجزاء بالمستحقّين له، فليس معنى
لها، وإنما هو من لوازمها المترتّبة عليها، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ) عبد الله بن مسعود عظ ◌ُه (لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ ضَحِكَ) بفتح
الضاد، وكسر الحاء المهملة، قال المجد تَقْدَثُ: ضَحِكَ كَعَلِمَ، وناسٌ يقولون:
ضِحِكْتُ بكسر الضاد، ضَحْكاً بالفتح والكسر، وبكسرتين، وكَكَتِفٍ،
وتضحّك، وتضاحك، فهو ضاحكٌ، وضَحّاكٌ، وضَحُولٌ، ومِضْحاكٌ،
وضُحَكَةٌ، كهُمَزَة، وكحُزُقّةٍ: كثير الضحك. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ كَُّ: ضَحِكَ من زيد، وضَحِكَ به ضَحِكاً، وضَحْكاً، مثلُ
كَلِم، وكَلْم: إذا سَخِرَ منه، أو عَجِبَ، فهو ضاحك، وضحّاكُ مبالغة.
= (٣)
انتھی
(حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالجيم والذال المعجمة، قال أبو العباس ثعلب،
وجماهير العلماء، من أهل اللغة، وغريب الحديث، وغيرهم: المراد بالنواجذ
هنا الأنياب، وقيل: المراد هنا الضواحك، وقيل: المراد بها الأضراس، وهذا
هو الأشهر في إطلاق النواجذ في اللغة، ولكن الصواب عند الجماهير ما
قدمنا ,(٤)
.
وزاد في رواية ابن مسعود: ((فضَحِكَ ابن مسعود، فقالوا: مِمّ تضحك؟
فقال: هكذا فَعَلَ رسول الله وَّهُ مِن ضَحِك رب العالمين، حين قال الرجل:
(١) انظر ما كتبه الشيخ علي بن عبد العزيز الشبل في تعليقاته على ((فتح الباري)) ٥٤٠/١١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٥٨/٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٨٥٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٤٠/٣.

(٨٩) - بَابُ بَيَانِ آخِرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا - حديث رقم (٤٦٨)
٢٣٧
أتستهزئ مني؟ قال: لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر)).
قال البيضاويّ: نسبة الضحك إلى الله تعالى مجازٌ، بمعنى الرضا،
وضحك النبيّ وَّ على حقيقته، وضحك ابن مسعود على سبيل التأسي.
انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: نسبة الضحك مجاز غير صحيح، بل
الحقّ أن نسبة الضحك إلى الله تعالى حقيقةٌ، وليس بمجاز، فقد ثبتت هذه
الصفة له وَلَ في الأحاديث الصحاح، وحقّقها النبيّ وَّ بالفعل تأسّياً بربّه ◌َعَالَ،
فله وال ضحك يليق بجلاله، لا يشبه ضحك المخلوقين.
والحاصل أن الضحك صفة فعليّة ثابتة لله ◌ُعَلَ متعلّقة بمشيئته، كالرضا،
والمحبّة، والغضب، ونحوها، فلا تؤوّل بالرضا، بل يجب الإيمان بها على
حقيقتها اللائقة به خلال، من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف،
كما قال رَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فتبصّر
بالإنصاف، ولا تسلك سبيل ذوي الانحراف، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
(قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاَكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً) قال الكرمانيّ كَُّ: ليس
هذا من تَتِمّة كلام رسول الله وَّر، بل هو من كلام الراوي نقلاً عن الصحابة،
أو عن غيرهم، من أهل العلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قائل: ((فكان يقال ... إلخ))، هو إبراهيم
النخعيّ، كما بيّنه ابن حبّان ◌َُّ في ((صحيحه))، حيث قال بعد سوق الحديث
ما نصُّهُ: قال إبراهيم: وكان يقال: إن ذلك الرجل أدنى أهل الجنة منزلةً.
انتھی .
وأما قائل المقالة المذكورة: فهو النبيّ وَّ، ثَبَتَ ذلك في أول حديث
أبي سعيد الخدريّ رَظُه الآتي للمصنّف بعد حديثين، ولفظه: ((إن أدنى أهل
الجنة منزلةً رجلٌ صرف الله وجهه عن النار ... ))، وساق القصة، وفي حديث
المغيرة بن شعبة ربه الآتي بعد حديث أبي سعيد تظله رفعه: ((قال: سأل
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٥٣/١١.

٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة ... )) الحديث، وقد تقدّم للمصنّف
أيضاً (١) من طريق همّام، عن أبي هريرة نَظُه، عن النبيّ وَّ: ((إن أدنى مقعد
أحدكم من الجنة، أن يقال له: تَمَنّ، فيتمنى، ويتمنى، فيقول: هل تمنّيت؟
فيقول: نعم، فيقول له: فإن لك ما تمنيت، ومثله معه))، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود نظنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٦٨/٨٩ و٤٦٩] (١٨٦)،
و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥٧١)، و((التوحيد)) (٧٥١١)، و(الترمذيّ) في ((صفة
جهنّم)) (٢٥٩٥)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٣٣٩)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (١١٩/١٣ - ١٢٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٨/١ - ٣٧٩ و٤٦٠)،
و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص١٥٩ و٣١٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٧٤٢٧ و١٤٣١ و٧٤٧٥)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٨٤٢ و٨٤٣ و٨٤٤)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢٦ و٤٢٧ و٤٢٨)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه))
(٤٦٥ و٤٦٦ و٤٦٧)، وفي ((صفة الجنّة)) (٤٤٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(١٠٣٣٩ و١٠٣٤٠)، و(البيهقيّ) في ((البعث)) (٩٥)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٤٣٥٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان آخر أهل النار خروجاً منها .
٢ - (ومنها): بيان سعة فضل الله ◌ُعَلَ، وإكرامه لعبده المؤمن، وإن سبقت
له سوابق المخالفات والعصيان، إلا أنه ◌ُإلَ يتفضّل عليه بالتجاوز عنها،
ويُعطيه ما لم يخطر بباله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل
العظیم.
(١) تقدّم برقم (١٨٢).

٢٣٩
(٨٩) - بَابُ بَيَانِ آخِرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا - حديث رقم (٤٦٩)
٣ - (ومنها): بيان إثبات صفة الضحك اللهله، فقد ثبتت في هذا
الحديث الصحيح، وفي أحاديث أخرى صحيحة، فهي ثابتة له تُعَلَ على ما يليق
بجلاله، كما سبق تحقيقه آنفاً .
٤ - (ومنها): بيان جواز الضّحِكِ، وأنه ليس بمكروه في بعض المواطن،
ولا بمسقط للمروءة، إذا لم يجاوز به الحدّ المعتاد من أمثاله في مثل تلك
الحال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٦٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ
لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ
الثَّارِ، رَجُلٌّ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفاً، فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ، فَادْخُلِ الْجَنَّةَ(٢)، قَالَ: فَيَذْهَبُ،
فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فَيَجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الْمَنَازِلَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الَّذِي
كُنْتَ فِيهِ؟، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ الَّذِي تَمَنَّيْتَ،
وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِي، وَأَنْتَ الْمَلِك؟))، قَالَ: فَلَقَدْ
رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ِ ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور
في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ أحد مشايخ
الأئمة الستّة بلا واسطة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثناه)).
(٢) وفي نسخة: ((ادخل الجنة))، بدون الفاء.

٢٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب أيضاً .
٤ - (الْأَعْمَشُ) هو سليمان بن مِهْرَان الإمام المشهور، تقدّم أيضاً قبل
ثلاثة أبواب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره،
وأن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أبا بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأن فيه
ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة،
وشرح الحديث يُعلم مما قبله، فلا حاجة إلى إعادته، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٧٠] (١٨٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم،
حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ
قَالَ: ((آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ
مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا، الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ
أَعْطَانِي اللهُ شَيْئاً مَا أَعْطَاهُ أَحَداً مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، فَيَقُولُ:
أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلُّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا،
فَيَقُولُ اللهُ رَ: يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟، فَيَقُولُ: لَا يَا
رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ،
فَيُدْنِبِهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلُّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، هِيَ أَحْسَنُ مِنَ
الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا
أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي، أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ:
لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا، تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛
لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلُّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ