النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨) كان من أهل القبلة، فأُخرجوا، فقال الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين)). وفي الباب عن جابر ظبه أخرجه البخاريّ، وعن أبي سعيد الخدريّ عند ابن مردويه. رضىعنه ووقع في حديث أبي بكر الصديق عظاته: ((ثم يقال: ادعوا الأنبياء فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الصديقين فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الشهداء فیشفعون)» . وفي حديث أبي بكرة ◌َظُه عند ابن أبي عاصم، والبيهقيّ، مرفوعاً: ((يُحْمَلُ الناسُ على الصراط، فَيُنَجِّي الله من شاء برحمته، ثم يُؤذن في الشفاعة للملائكة، والنبيين، والشهداء، والصديقين، فيشفعون، ويُخْرِجون)). (وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ) أي من النار (بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب، عن الزهريّ: ((وأراد أن يُخرج من النار من أراد أن يُخرج، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله)). (أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً) وفي حديث أبي سعيد وظيفته: ((اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار، فأخرجوه))، ، الآتي في الشفاعة: ((فَيَحُدّ لي حدّاً، فأخرجهم)). وفي حديث أنس قال الحافظ تَخُّْهُ: ويُجْمَع بأن الملائكة يؤمرون على ألسنة الرسل بذلك، فالذين يباشرون الإخراج هم الملائكة. ووقع في حديث أبي سعيد أيضاً بعد قوله: ((مثقال ذَرَّة)): ((فيُخرِجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نَذَر فيها خيراً))، وفيه: ((فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يَبْقَ إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضةً من النار، فيُخرِج منها قوماً لم يعملوا خيراً قطّ)). وفي حديث معبد، عن الحسن البصريّ، عن أنس ◌َُّبه: ((فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي وجبريائي، لأُخرجنّ من قال: لا إله إلا الله)). وفي حديث جابر ظبه: ((ثم يقول الله: أنا أُخرج بعلمي، وبرحمتي))، وفي حديث أبي بكر ته: ((أنا أرحم الراحمين، أَدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئاً)). ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال الطيبيّ كَُّهُ: هذا يؤذن بأن كلّ ما قُدِّر قبل ذلك بمقدار شعيرة، ثم حبة، ثم خردلة، ثم ذَرّة، غيرُ الإيمان الذي يُعَبَّر به عن التصديق والإقرار، بل هو ما يوجد في قلوب المؤمنين من ثمرة الإيمان، وهو على وجهين: [أحدهما]: ازدياد اليقين، وطمأنينة النفس؛ لأن تضافر الأدلة أقوى للمدلول عليه، وأثبت لعدمه. [والثاني]: أن يراد العملُ، وأن الإيمان يزيد وينقص بالعمل، وينصر هذا الوجه قوله في حديث أبي سعيد: ((لم يعملوا خيراً فظ)). وقال البيضاويّ: وقوله: ((ليس ذلك لك)): أي أنا أفعل ذلك تعظيماً لاسمي، وإجلالاً لتوحيدي، وهو مخصِّصٌ لعموم حديث أبي هريرة دُّبه: ((أسعد الناس بشفاعتي مَن قال: لا إله إلا الله مخلصاً))، قال: ويحتمل أن يُجْرَى على عمومه، ويُحْمَل على حال، ومقام آخر. وقال الطيبيّ: إذا فسرنا ما يختص بالله تعالى بالتصديق المجرّد عن الثمرة، وما يختص برسوله 8* هو الإيمان مع الثمرة من ازدياد اليقين، أو العمل الصالح حصل الجمع. وقال الحافظ: ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن المراد بقوله: ((ليس ذلك لك)) مباشرةُ الإخراج، لا أصل الشفاعة، وتكون هذه الشفاعة الأخيرة وقعت في إخراج المذكورين، فأجيب إلى أصل الإخراج، ومُنِع من مباشرته، فنُسبت إلى شفاعته في حديث: ((أسعد الناس))؛ لكونه ابتدأ بطلب ذلك، والعلم عند الله تعالى. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الاحتمالات عندي، وأقربها ما قاله البيضاويّ كَّتُهُ، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) قال القرطبيّ تَُّهُ: لم يذكر الرسالة إما لأنهما لَمّا تلازما في النطق غالباً وشَرْطاً اكتَفَى بذكر الأولى، أو لأن الكلام في حقّ جميع المؤمنين: هذه الأمة وغيرها، ولو ذُكِرت الرسالة لكَثُر تعداد الرسل. (١) ((الفتح)) ١١/ ٤٦٤. ١٤٣ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨) قال الحافظ: الأول أولى، ويَعْكُر على الثاني أنه يُكتَفَى بلفظ جامع، كأن يقول مثلاً: ونؤمن برسله، وقد تمسك بظاهره بعض المبتدعة، ممن زَعَمَ أن من وَحّد الله من أهل الكتاب يخرج من النار، ولو لم يؤمن بغيرِ مَن أُرسل إليه، وهو قول باطلٌ، فإن مَن جَحَد الرسالة كَذَّب الله، ومن كَذَّب الله لم (١) یوحده(١) . (فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ) أي عرف الملائكة الذين أمروا بإخراجهم، وقوله: (يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ) جملة مستأنفة، استئنافاً بيانياً، وهو ما وقع جواباً لسؤال مقدّر، تقديره: بأي علامة يعرفونهم، ويُميّزونهم عن غيرهم؟، فأجاب بأنهم يعرفونهم بأثر السجود. وفي رواية البخاريّ: ((فيعرفونهم بعلامة آثار السجود))، قال الزين ابن الْمُنَيِّرِ رَتُهُ: تُعْرَف صفة هذا الأثر مما وَرَد في قوله ◌َ ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ الآية [الفتح: ٢٩]؛ لأن وجوههم لا تؤثر فيها النار، فتبقى صفتها باقية، وقال غيره: بل يَعرفونهم بالْغُرّة، وفيه نظرٌ؛ لأنها مختصة بهذه الأمة، والذين يُخْرَجون أعم من ذلك. (تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ) وقوله: (حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) علّة لعدم أكل النار أثر السجود: أي لأن الله تعالى حرّم على النار أكل أثر سجود بني آدم. وقال في ((الفتح)): هو جواب عن سؤال مقدر، تقديره: كيف يعرفون أثر السجود مع قوله في حديث أبي سعيد رَظُه عند مسلم: ((فأماتهم الله إماتةً، حتى إذا كانوا فَحْماً أَذِن الله بالشفاعة))، فإذا صاروا فَحْماً كيف يتميز محل السجود من غيره، حتى يُعْرَف أثره؟. وحاصل الجواب تخصيص أعضاء السجود من عموم الأعضاء التي دَلّ عليها خبر أبي سعيد رُه، بأن الله منع النار أن تُحْرِق أثر السجود من المؤمن. وهل المراد بأثر السجود نفس العضو الذي يَسْجُد، أو المراد مَن سَجَد؟ فيه نظرٌ، والثاني أظهر. (١) ((الفتح)) ٤٦٤/١١. ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال القاضي عياض ◌َّتُهُ: فيه دليلٌ على أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالفٌ لعذاب الكفّار، وأنها لا تأتي على جميع أعضائهم، إما إكراماً لموضع السجود، وعِظَم مكانهم من الخضوع لله تعالى، أو لكرامة تلك الصورة التي خُلِق آدم، والبشَر عليها، وفُضِّلُوا بها على سائر الخلق. قال الحافظ تَخّْثُ: الأول منصوص، والثاني مُحْتَمِلٌ، لكن يُشكِل عليه أن الصورة لا تختص بالمؤمنين، فلو كان الإكرام لأجلها لشاركهم الكفار، وليس كذلك. قال النووي كَّلُهُ: وظاهر الحديث أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة، وهي: الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان، وبهذا جَزَم بعض العلماء، وقال عياض: ذِكْرُ الصورة، ودارات الوجوه يدُلّ على أن المراد بأثر السجود الوجه خاصّةً، خلافاً لمن قال: يشمل الأعضاء السبعة، ويؤيد اختصاص الوجه أن في بقية الحديث: ((أن منهم من غاب في النار إلى نصف ساقيه))، وفي حديث سمرة رظُه: (وإلى ركبتيه))، وفي رواية هشام بن سعد، في حديث أبي سعيد: ((وإلى حِقْوه)). قال النوويّ: وما أنكره هو المختار، ولا يمنع من ذلك قوله في الحديث الآخر في مسلم: ((إن قوماً يخرجون من النار، يحترقون فيها إلا دارات وجوههم))، فإنه يُحْمَل على أن هؤلاء قوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار، فيكون الحديث خاصّاً بهم، وغيره عامّاً، فيُحْمَل على عمومه إلا ما خُصَّ منه. قال الحافظ: إن أراد أن هؤلاء يُخَصُّون بأن النار لا تأكل وجوههم كلّها، وأن غيرهم لا تأكل منهم محل السجود خاصّةً، وهو الجبهة سَلِمَ من الاعتراض، وإلا يلزمه تسليم ما قال القاضي في حقّ الجميع إلا هؤلاء، وإن كانت علامتهم الغُرّة كما تقدم النقل عمن قاله، وما تَعَقّبه بأنها خاصّة بهذه الأمة، فيضاف إليها التحجيل، وهو في اليدين والقدمين، مما يَصِل إليه الوضوء، فيكون أشمل مما قاله النووي من جهة دخول جميع اليدين والرجلين، لا تخصيص الكفين والقدمين، ولكن ينقص منه الركبتان. وما استَدَلَّ به القاضي من بقية الحديث، لا يمنع سلامة هذه الأعضاء مع ١٤٥ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨) الانغمار؛ لأن تلك الأحوال الأخروية خارجة عن قياس أحوال أهل الدنيا . ودَلّ التنصيص على دارات الوجوه أن الوجه كله لا تؤثر فيه النار؛ إكراماً لمحل السجود، ويُحمل الاقتصار عليها على التنويه بها؛ لشرفها . وقد استنبط ابن أبي جمرة من هذا الحديث أن من كان مسلماً، ولكنه كان لا يصلي لا يخرج؛ إذ لا علامة له، لكن يُحْمَل على أنه يَخرج في القبضة؛ لعموم قوله: ((لم يعملوا خيراً قطّ))، وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي، وهل المراد بمن يَسْلَم من الإحراق مَن كان يَسجُد، أو أعمّ من أن يكون بالفعل أو القوّة؟ الثاني أظهر؛ لِيَدْخُل فيه مَن أسلم مثلاً، وأخلص، فَبَغَته الموت قبل أن يسجد. قال الحافظ: ووجدت بخط أبي رحمه الله تعالى، ولم أسمعه منه، من نظمه ما يوافق مختار النوويّ، وهو قوله [من الكامل]: مِنْ عَبْدِكَ الْجَانِي وَأَنْتَ الْوَاقِي يَا رَبِّ أَعْضَاءَ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا (١). فَامْنُنْ عَلَى الْفَانِي بِعِثْقِ الْبَاقِي(٢) وَالْعِثْقُ يَسْرِي بِالْغِنَى يَا ذَا الْغِنَى (فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ) ببناء الفعل للمفعول، وقوله: (وَقَدِ امْتَحَشُوا) جملة في محلّ نصب على الحال: أي حال كونهم ممتحشين، قال القرطبيّ دَّثُهُ: صوابه: بفتح التاء والحاء، ومعناه: احترقوا، يقال: امتحش الْخُبز: أي احترق، ويقال: مَحَشَته النار، وأمحشته، والمعروف: أمحشَهُ، قال صاحب (العين)): وقد رواه بعضهم: ((امتُحِشُوا)) مبنيّاً لما لم يُسَمّ فاعله: أي أُحرِقوا، والصواب الأول. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): ((امتَحَشُوا)) بفتح المثنّاة، وضمّ المعجمة: أي احترقوا، والْمَحْشُ: احتراق الجلد، وظهور العظم، قال عياض: ضبطناه عن متقني شيوخنا، وهو وجه الكلام، وعند بعضهم بضم المثنّاة، وكسر الحاء، (١) هكذا النسخة ((عتَقتها)) ثلاثيّاً، وهو الموافق للوزن، لكن لم أر من قال من أهل اللغة: إن الثلاثيّ يتعدّى، بل صرّح في ((المصباح)) (٣٩٢/٢) بأنه لا يتعدّى، وإنما المتعدّي ((أعتق)) رباعيّاً، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (٢) («الفتح» ٤٦٥/١١. (٣) ((المفهم)) ٤٢١/١ - ٤٢٢. ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ولا يعرف في اللغة: ((امتحشه)) متعدّياً، وإنما سُمِعَ لازماً، مطاوع مَحَشتُهُ، يقال: مَحَشته، وأمحشته، وأنكر يعقوب بن السِّكِّيت الثلاثيّ، وقال غيره: مَحَشَه، فامتَحَشَ وأمحشه الحرّ: أحرقه، والنار أحرقته، وامتحش هو غَضَباً، وقال أبو نصر الفارابيّ: والامتحاش: الاحتراق. ووقع عند أبي نعيم من رواية أحمد بن إبراهيم بن مِلْحَان، عن يحيى بن بكير: ((فيُخْرِجون مَن عَرَفُوا))، ليس فيه: ((قد امْتَحَشُوا))، وإنما ذَكَرها بعد قوله: ((فيَقبض قبضةً))، وكذا أخرجه البيهقيّ، وابن منده، من رواية رَوْحِ بن الْفَرَج، ويحيى بن أبي أيوب الْعَلَّاف، كلاهما عن يحيى بن بكير به. قال عياض: ولا يبعد أن الامتحاش يَخْتَصّ بأهل القبضة، والتحريم على النار أن تأكل صورة الخارجين أوّلاً قبلهم، ممن عَمِلَ الخير على التفصيل السابق، والعلم عند الله تعالى(١). (فَيُصَبُّ) بالبناء للمفعول (عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ) أي الماء الذي من يشربه، أو يتطهّر به لم يمت أبداً (٢). وفي رواية البخاريّ: ((فُيُصَبّ عليهم ماء، يقال له: ماء الحياة))، وفي حديث أبي سعيد الآتي: ((فيُلْقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة))، والأفواه جمع فوهة على غير قياس، والمراد بها الأوائل، وفي تسمية ذلك النهر به إشارةٌ إلى أنهم لا يحصل لهم الفناء بعد ذلك. (فَيَنْبُتُونَ) بضمّ الموحّدة، يقال: نَبَتَ نَبْتاً، من باب نصر، والاسم: النبات(٣)، (مِنْهُ) أي بسبب ذلك الماء، فـ((من)) سببيّة، قال النوويّ ◌َُّ: هكذا هو في الأصول: ((فينمون منه)) بالميم والنون، وهو صحيحٌ، ومعناه: ينبتون بسببه. انتهى (٤). (كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحدة: بُزُور البقول والْعُشْب، تنبُت في الصحراء والبراري، وجوانبِ السيول، وجمعها: حِبَبٌ بكسر المهملة، وفتح الموحدة، بعدها مثلها، وأما الْحَبَّة بفتح أوله، فهي ما يزرعه الناس، وجمعها حبوب بضمتين، ووقع في حديث أبي (١) راجع: ((الفتح)) ١١ / ٤٦٥ - ٤٦٦. (٣) ((المصباح المنير)) ٢ / ٥٩٠. (٢) ((المفهم)) ١/ ٤٢٢. (٤) ((شرح النوويّ)) ٢٣/٣. ٠ ١٤٧ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨) سعيد عند البخاريّ: ((فينبتون في حافتيه))، وفي رواية لمسلم: كما تَنْبُت الْغُثَاءة، بضم الغين المعجمة، بعدها مثلثة مفتوحة، وبعد الألف همزة، ثم هاء تأنيث، هو في الأصل كلُّ ما حَمَله السيل من عِيدَان، ووَرَق، وبُزُور، وغيرها، والمراد به هنا ما حَمَله من البُزُور خاصّة، قاله في ((الفتح))(١). (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بالحاء المهملة المفتوحة، والميم المكسورة: أي ما يَحْمِله السيل، وهو ما جاء به السيل من طين، أو غُثَاء، ومعناه: محمول السيل، والمراد به التشبيه في سُرْعة النبات، وحُسنه، وطراوته(٢). وقال في ((الفتح)): وفي رواية يحيى بن عُمَارة: ((إلى جانب السيل))، والمراد أنّ الْغُثَاء الذي يجيء به السيل، يكون فيه الْحِبّة، فيقع في جانب الوادي، فتُصبح من يومها نابتةً، ووقع في رواية: ((في حَمِثَة السيلِ)) بعد الميم همزة، ثم هاء، وقد تُشْبَع الميم، فيصير بوزن عَظِيمة، وهو ما تَغَيَّر لونه من الطين، وخُصَّ بالذكر؛ لأنه يقع فيه النبت غالباً . قال ابن أبي جمرة تَخُّْهُ: فيه إشارة إلى سُرْعة نباتهم؛ لأن الْحِبّة أسرع في النبات من غيرها، وفي السيل أسرع، لِمَا يجتمع فيه من الطين الرِّخْو الحادث مع الماء، مع ما خالطه من حرارة الزِّبْل المجذوب معه. انتهى(٣). وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: ((حَمِيلُ السيل)): ما يَحمِله من طين وغُثَاء، فإذا اتّفق أن يكون فيه حِبّةٌ، فإنها تنبت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتة نباتاً، فشبّه وَله سُرعة نبات أجسادهم بسرعة نبات تلك الحبّة، وهذا معنى قول المازريّ، وبقي عليه من التشبيه المقصود بالحديث نوعٌ آخر دلّ عليه ما في حديث أبي سعيد نظُّه حيث قال: ((ألا ترونها تكون إلى الحجر، ما يكون منها إلى الشمس أُصيفر وأُخيضر، وما يكون منها إلى الظلّ يكون أبيض))، وهو تنبيه على أنّ ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة منهم يسبق إليه البياض المستحسَن، وما يكون منهم إلى جهة النار، يتأخر النُّصُوع عنه، فيبقى أُصيفر وأخيضر إلى أن يتلاحق البياض، ويستوي الحسن والنور، ونَضَارة النعمة عليهم. (١) ٤٦٦/١١. (٣) ((الفتح)) ٤٦٦/١١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٣/٣. ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال: ويَحْتَمِل أن يشير بذلك إلى أن الذي يُباشر الماء - يعني: الذي يُرَشّ عليهم - تشتدّ سُرعة نُصُوعه، وأن غيره يتأخر عنه البياض، لكنه يسري إليه سريعاً. انتهى كلام القرطبيّ تَقْذَهُ(١). (ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ) أي ثانياً، يعني يُكمل إخراج الموحّدين من النار (وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ) وقع في حديث حُذيفة رَّه وصفُ هذا الرجل أنه كان نَبّاشاً، وذلك فيما أخرجه البخاريّ في أخبار بني إسرائيل: ((أن رجلاً كان يسيء الظن بعمله، فقال لأهله: أحرقوني ... )) الحديث، وفي آخره: ((كان نبّاشاً))، ووقع في حديث حذيفة عن أبي بكر الصديق ظها عند أحمد، وأبي عوانة، وغيرهما: وفيه: «ثم يقول الله: انظروا هل بقي في النار أحدٌ، عَمِلَ خيراً قطّ؟، فيجدون رجلاً، فيقال له: هل عملت خيراً قطّ؟، فيقول: إني كنت أسامح الناس في البيع ... )) الحديث، وفيه: ((ثم يُخرجون من النار رجلاً آخر، فيقال له: هل عملت خيراً قطّ؟ فيقول: إني أَمرت ولدي: إذا مِتّ فأحرقوني ... )) الحديث، وجاء من وجه آخر أنه كان يسأل الله أن يُجيره من النار، ولا يقول: ((أدخلني الجنة))، أخرجه الحسين المروزي في زيادات ((الزهد)) لابن المبارك، من حديث عوف الأشجعيّ، رفعه: ((قد عَلِمتُ آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، رجلٌ كان يسأل الله أن يجيره من النار، ولا يقول: أدخلني الجنة، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، بقي بين ذلك، فيقول: يا رب قَرِّبني من باب الجنة، أنظر إليها، وأَجِدُ من رِيحها، فيُقَرِّبه، فيرى شجرة ... )) الحديث، وهو عند ابن أبي شيبة أيضاً، قال الحافظ تَّتُهُ: وهذا يقوّي التعدد، لكن الإسناد ضعيف . وذَكَر القاضي عياض ◌َخْتُ أنه جاء في حديث آخر: ((إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً من النار، وآخر أهل الجنّة دخولاً فيها)، قال: فيحتمل أنهما اثنان، إما شخصان، وإما نوعان، أو جنسان، وعبّر فيه بالواحد عن الجماعة؛ لاشتراكهم في الحکم الذي کان سبب ذلك. (١) ((المفهم)) ١/ ٤٢٢. ١٤٩ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨) ويحتمل أن يكون الخروج بمعنى: الورود، وهو الجواز على الصراط، فيّحد المعنى، إما في شخص واحد، أو أكثر. قال الحافظ تَخْتُ: وقع عند مسلم من رواية أنس، عن ابن مسعود ما يقوّي الاحتمال الثاني، ولفظه: ((آخر من يدخل الجنّة رجلٌ، فهو يمشي مرّةً، ويكبو مرّة، وتسفعه النار مرّةً، فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجّاني منك))، وعند الحاكم من طريق مسروق، عن ابن مسعود ما يقتضي الجمع . ووقع في ((نوادر الأصول)) للترمذي الحكيم، من حديث أبي هريرة : ((إن أطول أهل النار فيها مُكْثاً من يمكث سبعة آلاف سنة))، وسند هذا الحديث وَاهٍ والله أعلم. وأشار ابن أبي جمرة إلى المغايرة بين آخر من يخرج من النار، وأنه يخرج منها بعد أن يدخلها حقيقةً، وبين آخر من يخرج ممن يَبْقَى مارّاً على الصراط، فيكون التعبير بأنه خرج من النار بطريق المجاز؛ لأنه أصابه من حَرّها وكربها ما يُشارك به بعض مَن دخلها . وقد وقع في ((غرائب مالك)) للدارقطنيّ، من طريق عبد الملك بن الحكم، وهو وَاهٍ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، رفعه: ((إن آخر مَن يدخل الجنة رجل من جهينة، يقال له: جهينة، فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين))، وحَكَى السهيليّ: أنه جاء أن اسمه هَنّاد، وجوَّز غيره أن يكون أحد الاسمين لأحد المذكورين، والآخر للآخر. انتهى(١). (فَيَقُولُ) ذلك الرجل (أَيْ) حرف نداء (رَبِّ) أصله ((ربّي)) بياء المتكلّم، فخفّف بحذفها، وتقدّم أن فيه ستّ لغات، قد أشار ابن مالك رَّتُهُ إلى الخمسة منها في ((الخلاصة)» بقوله: وَاجْعَلْ مُنَادَى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا كَعَبْدٍ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدًا عَبْدِيَا ونبدل الشطر الثاني هنا، فنقول: كَرَبِّ رَبِّي رَبَّ رَبَّا رَبِّيَا وَاجْعَلْ مُنَادِى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِیَا (١) ((الفتح)) ٤٦٧/١١. ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان والسادسُ رَبُّ بالضمّ؛ إجراء له مجرى المفرد؛ اكتفاءً بنيّة الإضافة(١)، والله تعالى أعلم. (اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ) الضمير للشأن (قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا) - بفتح القاف، والشين المعجمة المخففة، وحُكِي التشديد، ثم باء موحدة -: أي آذاني، وغيّر جلدي، وصُورتي، وسوّدني، وأحرقني، قاله الحربيّ، والجوهريّ، وقال الخطابيّ: قَشَبَه الدخان: إذا مَلأ خَيَاشيمه، وأخذ بِكَظَمِهِ (٢)، وأصل الْقَشْب: خَلْطُ السم بالطعام، يقال: قَشَبه: إذا سَمَّهُ، ثم استُعْمِل فيما إذا بلغ الدخان، والرائحة الطيبة منه غايته. وقال النوويّ: معنى قَشَبَني: سَمَّني، وآذاني، وأهلكني، هكذا قاله جماهير أهل اللغة، وقال الداوديّ: غَيَّر جلدي، وصورتي. قال الحافظ: ولا يخفى حسن قول الخطابيّ، وأما الداوديّ فكثيراً ما يفسر الألفاظ الغريبة بلوازمها، ولا يحافظ على أصول معانيها. وقال ابن أبي جمرة: إذا فسرنا الْقَشْب بالنَّتَن والْمُسْتَقْذَر كانت فيه إشارة إلى طيب ريح الجنة، وهو من أعظم نعيمها، وعكسها النار في جميع ذلك. وقال ابن القَطّاع: قَشَبَ الشيءَ: خَلَطه بما يُفْسِده من سُمّ أو غيره، وقَشَبَ الإنسانَ: لطخه بسوء كأن اغتابه وعابه، وأصله السّمّ، فاستُعمِلِ بمعنى: أصابه المكروه، إذا أهلكه، أو أفسده، أو غَيَّره، أو أزال عقله، أو تقذَّره هو، والله تعالى أعلم. انتهى(٣). (وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) قال القاضي عياض تَخْتُهُ: روايتنا في مسلم بالمدّ، والمشهور الْقَصْرُ، وحَكَى أبو حنيفة الدِّينَوَريّ ◌َخْتُهُ فيه المدّ، وخطّأه عليّ بن حمزة، قال المازري: أي تلهّبها، وقال ابن قتيبة: اشتعالها، قال ابن ولاد: الذَّكَا: تلقّب النار مقصور. انتهى كلام القاضي(٤). وقال في ((الفتح)): قوله: ((وأحرقني ذكاؤها)): كذا للأصيليّ، وكريمة هنا (١) راجع: ((شرح ابن عقيل على الخلاصة، مع حاشية الخضريّ)) ١٢٢/٢ - ١٢٣. (٢) ((الْكَظَمُ)) محرّكةً: الْحَلْقُ، أو الفم، أو مخرج النفَسِ. انتهى. ((القاموس)) ص١٠٤١. (٤) ((إكمال المعلم)) ٨٠٣/٢ - ٨٠٤. (٣) ((الفتح)) ١١/ ٤٦٧. ١٥١ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨) بالمد، وكذا في رواية إبراهيم بن سعد، وفي رواية أبي ذَرّ وغيره: ((ذَكَاها)) بالقصر، وهو الأشهر في اللغة، وقال ابن القطاع: يقال: ذَكَت النارُ تذكو ذَكاً بالقصر، وذُكُوّاً بالضم وتشديد الواو: أي كَثُرَ لَهَبُها، واشتدّ اشتعالها ووَهَجُها، وأما ذَكَا الغلامُ ذَكَاءً بالمدّ، فمعناه: أسرعت فِظْنته. وقال النوويّ: المدّ والقصر لغتان، ذكره جماعة فيها . وتعقّبه مغلطاي بأنه لم يوجد عن أحد من المصنفين في اللغة، ولا في الشارحين لدواوين العرب حكاية المدّ إلا عن أبي حنيفة الدِّينَوريّ في (كتاب النبات)) في مواضع منها ضربُ العرب المثلَ بِجَمْرِ الْغَضَا لذكائه، قال: وتعقّبه علي بن حمزة الأصبهانيّ، فقال: ذَكًا النارِ مقصور، ويكتب بالألف؛ لأنه واويّ، يقال: ذَكَت النارُ تَذْكُو ذُكُوّاً وذَكًا النار، وذُكُوّ النار بمعنىٍّ، وهو التهابها، والمصدر ذَكاً، وذُكُوّ، وذَكْوٌ بالتخفيف والتثقيل، فأما الذّكاء بالمد: فلم يأت عنهم في النار، وإنما جاء في الفَهْم. وقال قرقول في ((المطالع)) وعليه يَعْتَمِد الشيخ: وقع في مسلم: ((فقد أحرقني ذَكَاؤها)) بالمد، والمعروف في شدّة حر النار القصر، إلا أن الدينوريّ ذكر فيه المدّ، وخَطّأه علي بن حمزة، فقال: ذَكَتِ النارُ ذَكاً وذُكُوّاً، ومنه طيب ذَكِيّ: منتشر الريح، وأما الذكاء بالمد: فمعناه تمام الشيء، ومنه ذكاء القلب. وقال صاحب ((الأفعال)): ذكا الغلام والعقل: أسرع في الفِظْنة، وذَكًا الرجلُ ذَكَاءً من حِدّة فكره، وذكت النارُ ذَكاً بالقصر: توقّدت. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أبو حنيفة الدينوريّ(١) إمام مشهور في اللغة ثقةٌ في نقله، فما قاله من جواز المدّ والقصر في ذَكا النار هو الصواب؛ لأن من حفِظَ حجة على من لم يحفظ. والحاصل أنه بعد صحّة الوجهين على ما نقله المحقّقون من المحدّثين، (١) هو: أحمد بن داود الدِّينوريّ، كان نحويّاً لغويّاً مع الهندسة والحساب، راويةً ثقةً، ورعاً زاهداً، إماماً في مذهب الكوفيين والبصريين، من مصنّفاته ((تفسير القرآن))، ((الفصاحة))، ((لحن العامّة))، ((الشعر والشعراء))، ((النبات)). توفي (٢٨٢ هـ) وقيل غير ذلك. انظر ((بغية الوعاة)) ٣٠٦/١. ١٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وأثبتها هذا الإمام لغةً، فلا التفات إلى إنكار عليّ بن حمزة، وتبعه مغلطاي، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَهُ) وفي رواية البخاريّ: ((فاصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو الله))، قال في ((الفتح)): قد استُشكِل كون وجهه إلى جهة النار، والحال أنه ممن يَمُرّ على الصراط طالباً إلى الجنة، فوجهه إلى الجنة، لكن وقع في حديث أبي أمامة: ((أنه يَتَقَّلب على الصراط ظهراً لبطن))، فكأنه في تلك الحالة انتهى إلى آخره، فصادف أن وجهه كان مِن قِبَل النار، ولم يَقْدِر على صرفه عنها باختياره، فسأل ربه في ذلك. انتهى. (ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: هَلْ عَسَيْتَ) بفتح السين المهملة، وكسرها، والفتح أولى، قرأ نافع قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيِّتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ﴾ الآية [محمد: ٢٢] بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها، وإلى هذا أشار ابن مالك تَظُّ في «الخلاصة» بقوله: وَالْفَتْحَ وَالْكَسْرَ أَجِزْ فِي السِّينِ مِنْ نَحْوِ (عَسَيتُ)) وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ قال ابن السّكّيت: ولا يُنطق في ((عسيت)) بمستقبل. انتهى (١). (إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ) أي صرفتُ وجهك عن النار، وقوله: (أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟) خبر ((عسى))، والمعنى: هل يُتَوَقَّع منك سؤال ذلك، وهو استفهام تقرير؛ لأن ذلك عادة بني آدم، والترجي راجع إلى المخاطب، لا إلى الرب، وهو من باب إرخاء الْعِنَان إلى الْخَصْم؛ ليبعثه ذلك على التفكر في أمره، والإنصاف من نفسه، قاله في ((الفتح))(٢). (فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ) جمع ميثاق، بمعنى العهود، فهو تأكيد لما قبله (مَا شَاءَ اللهُ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ) وفي رواية للبخاريّ: ((فُيُصْرَف وجهُهُ عن النار)) بضم أوله، على البناء للمجهول، ووقع في رواية أنس، عن ابن مسعود الآتي عند المصنّف، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد، والبزار نحوه أنه: ((فتُرفع له شجرة، فيقول: رب أدني من هذه الشجرة، فَلأَستَظِلَّ بظلها، وأشربَ من مائها، فيقول الله: لعلي (١) ((شرح النوويّ)) ٢٤/٣. (٢) ٤٦٨/١١. ١٥٣ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨) إن أعطيتك تسألني غيرها؟ فيقول: لا يا ربّ، ويعاهده أن لا يسأل غيرها، وربه يَعْذِره؛ لأنه يَرَى ما لا صبر له عليه))، وفيه: أنه ((يدنو منها، وأنه تُرفع له شجرة أخرى أحسن من الأولى عند باب الجنة، ويقول في الثالثة: ائذن لي في دخول الجنة))، وكذا وقع في حديث أنس عند البخاريّ في ((التوحيد)) من طريق حميد عنه رفعه: ((آخرُ من يَخرُج من النار تُرفع له شجرة)»، ونحوه للمصنّف من طريق النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد، بلفظ: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قِبَلَ الجنة، ومُثِّلت له شجرة)). ويُجْمَع بأنه سقط من حديث أبي هريرة ظُه هنا ذكر الشجرات، كما سقط من حديث ابن مسعود ما ثَبَت هنا من طلب القرب من باب الجنة، قاله في ((الفتح))(١) . (فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ، وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ قَدِّمْنِي) وفي لفظ البخاريّ: قَرِّبني (إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ) وفي لفظ للبخاريّ: ((فيقول: أليس قد زعمتَ)) (لَا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ؟ وَيْلَكَ بَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرََ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ) تكرير لدعائه، أي ربّ قدّمني إلى بابها، (وَيَدْعُو اللّهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ) قال ابن أبي جمرة تَخْلُهُ: إنما بادر للحلف من غير استخلاف؛ لما وقع له من قُوّة الفرح بقضاء حاجته، فوَطّن نفسه على أن لا يطلب مزيداً، وأَگَّده بالحلف. انتهى. (فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، انْفَهَقَتْ) بفتح الفاء والهاء والقاف، ومعناه: انفتحت، واتّسعت، والمتفيهق: المتوسّع في كلامه، والمتكلّف فيه (٢). (لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ) - بالخاء المعجمة، والياء المثنّاة تحتُ - هذا هو الصحيح المعروف في الروايات والأصول، وحَكَى القاضي عياض ◌َخْتُ أن بعض الرواة في مسلم رواه: (١) ٤٦٨/١١ (كتاب الرقاق)) (٦٥٧٤). (٢) («المفهم)» ٤٢٣/١. ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ((الْحَبْر)) - بفتح الحاء المهملة، وإسكان الباء الموحدة(١) - ومعناه: السرور، وإفراط التنعّم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِى [الروم: ١٥] أي يُنعّمون، ويُسرّون، قال صاحب ١٥ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ((المطالع)) كلاهما صحيح، قال: والثاني أظهر، ورواه البخاريّ: ((الْحَبْرَة والسرور))، والْحَبْرة: الْمَسَرَّة. انتهى(٢). (فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ) وفي رواية البخاريّ: ((فإذا رأى ما فيها سَكَتَ))، وفي رواية له: ((فإذا بلغ بابَها، ورَأَى زَهْرَتها، وما فيها من النَّضْرَة))، والمراد: أنه يَرَى ما فيها من خارجها، إما لأن جِدارها شَفّاف، فَيُرَى باطنها من ظاهرها، كما جاء في وصف الْغُرَف، وإما أن المراد بالرؤية العلم الذي يَحصُل له من سُطُوع رائحتها الطيبة، وأنوارها المضيئة، كما كان يحصل له أَذَى لَفْحِ النار، وهو خارجها، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصواب؛ إذ قوله: ((ورَأَى زَهْرَتها، وما فيها من النَّضْرَة)» ظاهر في كونه رأى وشاهد ما في داخلها، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ وَيْلَكَ) وفي رواية للبخاريّ: ((ويحك)) (يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرََكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ) وكذا وقع عند البخاريّ في ((كتاب الصلاة)) بلفظ: ((لا أكون أشقى خلقك))، وللقابسيّ: (لأكونَنّ))، قال ابن التين: المعنى: لئن أبقيتني على هذه الحالة، ولم تدخلني الجنة لأكوننّ، والألف في الرواية الأولى زائدة، وقال الكرمانيّ: معناه: لا أكون كافراً. قال الحافظ: هذا أقرب مما قال ابن التين، ولو استَحْضَر رواية: ((لا تجعلني أشقى خلقك)) ما احتاج إلى التكلف الذي أبداه، فإن قوله: ((لا أكون)) (١) وضبطه عياض بفتح الباء، راجع ((إكمال المعلم)) ٨٠٦/٢، وفي ((القاموس)) ما يفيد جواز الوجهين، راجعه: ص٣٣٤. (٢) ((المفهم)) ٤٢٣/١، و((شرح النوويّ)) ٢٤/٣. ١٥٥ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨) لفظه لفظ الخبر، ومعناه: الطلب، يدل عليه قوله: ((لا تجعلني)). ووجه كونه أشقى أن الذي يُشاهد ما يُشاهده، ولا يَصِل إليه يصير أشدّ حسرةً ممن لا يشاهد، ولفظ البخاريّ هنا: ((يا رب لا تجعلني أشقى خلقك))، والمراد بالخلق هنا مَن دَخَلَ الجنة، فهو لفظ عامّ أُريد به خاص، ومراده أنه يصير إذا استمرّ خارجاً عن الجنة أشقاهم، وكونه أشقاهم ظاهر، لو استمر خارج الجنة، وهم من داخلها . قال الطيبيّ كَّتُهُ: معناه: يا رب قد أعطيتُ العهد والميثاق، ولكن تفكرتُ في كرمك ورحمتك، فسألت. انتهى(١). (فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللّهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ تَبَارََكَ وَتَعَالَى مِنْهُ) قال النوويّ: قال العلماء: ضَحِك الله تعالى منه هو رضاه بفعل عبده، ومحبته إياه، وإظهار نعمته عليه، وإيجابها عليه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: مراد النوويّ بقوله: العلماء علماء الأشاعرة المتأخّرون، لا علماء السلف، كما يعترف به هو في مواضع كثيرة من شرحه بأن هذا مذهب الخلف، وأما مذهب السلف فبعيد عن التأويل، فظهر بهذا أن تأويله هذا، وقد سبقه المازريّ والقاضي عياض، والقرطبيّ غير صحيح، والحقّ الذي عليه السلف أن صفة الضحك ثابتة لله تعالى حقيقةً على ما يليق بجلاله وعظمته، بلا تكييف، ولا تشبيه مع تنزيهه نُعَلَ عن مشابهة المخلوقين، وقد نقل نحو هذا البيهقيّ عن متقدّمي الأشاعرة أيضاً(٢). وقال الإمام ابن خزيمة كَّتُهُ: ((ذِكرُ إثبات ضحك ربنا رم بلا صفة تصف ضحكه جلّ ثناؤه، ولا يُشبّه ضحكه بضحك المخلوقین، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبيّ وَّ، ونسكت عن صفة ضحكه جلّ وعلا؛ إذ الله رحمت استأثر بصفة ضحكه، لم يُطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال به النبيّ وَّر، مصدّقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يُبَيَّن لنا مما استأثر الله تعالى بعلمه. انتهى كلامه رَّهُ(٣)) وهو تحقيق نفيسٌ جدّاً، فتمسّك به تكن من المفلحين، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((الفتح)) ٤٦٩/١١ ((كتاب الرقاق)) (٦٥٧٤). (٢) ((الأسماء والصفات)) ص٥٩١ - ٥٩٨. (٣) ((كتاب التوحيد)) ٥٦٣/٢ - ٥٨١. ١٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان (فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ، قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا، قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ) الهاء للسكت جيء بها للوقف؛ لكون الفعل معتلّ الآخر، كما قال في «الخلاصة» : بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ«أَعْطِ مَنْ سَأَلْ)» وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ كَـايَع)) مَجْزُوماً فَرَاعِ مَا رَعَوْا وَلَيْسَ حَتْماً فِي سِوَى مَا كَ(ع)) أَوْ (فَيَسْأَلُ رَبَّهُ، وَيَتَمَّنَّى، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا) أي يَقول له: تَمَنَّ من الشيء الفلانيّ، ومن الشيء الآخر، يُسَمِّي له أجناس ما يَتَمَنَّى، وهذا من عظيم رحمته ◌َلَ، وفي حديث أبي سعيد ◌ُه: ((ويُلَقِّنه الله ما لا علم له به)) (حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ) وفي رواية أبي سعيد ◌َُّه عند أحمد: ((فيسأل، ويتمنى مقدار ثلاثة أيام، من أيام الدنيا))، (قَالَ اللهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ) مبتدأ وخبره: أي ذلك الذي تمنّيته، كائن لك، وقوله: (وَمِثْلُهُ مَعَهُ))) جملة في محلّ نصب على الحال. (قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) وقائل ((قال عطاء)) هو ابن شهاب الزهريّ (وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) مبتدأ خبره قوله: (مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) أي جالس معه، والجملة في محلّ نصب مقول ((قال عطاء)) (لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ) وفي رواية للبخاريّ: ((لا يُغيّر عليه شيئاً))، وهو بمعناه (مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئاً) يعني أن أبا سعيد الخدريّ لا يردّ على أبي هريرة ﴿يا شيئاً مما حدّث به؛ لكونه حقّاً موافقاً لما سمعه من النبيّ وَّرِ (حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ اللهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) ردّاً على أبي هريرة حيث خالف ما سمعه من النبيّ وَله، وإن كان أبو هريرة أيضاً سمع ذلك (وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) الجملة مقول ((قال أبو سعيد)) (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِنَِّ قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) الأقرب في وجه الجمع بينهما أن يقال: إن النبيّ وَّ أَعلمه الله أوّلاً بما في حديث أبي هريرة ظه، ثم تَكَرَّم الله تعالى، فزاد ما في رواية أبي سعيد ظُه، فأخبر به النبيّ ◌َل، ولم يسمعه أبو هريرة څه. ووقع في حديث أنس عن ابن مسعود له: ((يُرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها))، ووقع في حديث حُذيفة عن أبي بكر: ((انظر إلى مُلك أعظم ١٥٧ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨) مَلِك، فإن لك مثله وعشرة أمثاله، فيقول: أتسخر بي، وأنت الملك؟)). ووقع عند أحمد من وجه آخر، عن أبي هريرة، وأبي سعيد جميعاً في هذا الحديث: فقال أبو سعيد: ومثله معه، فقال أبو هريرة: وعشرة أمثاله، فقال أحدهما لصاحبه: حَدِّث بما سمعتَ، وأُحدّث بما سمعتُ، وهذا مقلوب، فإن الذي في ((الصحيح)) هو المعتمد. وقد وقع عند البزار من الوجه الذي أخرجه منه أحمد على وفق ما في (الصحيح))، نعم وقع في حديث أبي سعيد الطويل عند البخاريّ في ((التوحيد)) من طريق أخرى عنه، بعد ذكر مَن يخرج من عُصاة الموحدين، فقال في آخره: ((فيقال لهم: لكم ما رأيتم، ومثله معه))، فهذا موافق لحديث أبي هريرة في الاقتصار على المثل. قال الحافظ: ويمكن أن يُجْمَع أن يكون عشرة الأمثال، إنما سمعه أبو سعيد في حقّ آخر أهل الجنة دخولاً، والمذكور هنا في حقّ جميع مَن يَخْرُج بالقبضة، وجمع عياض بين حديثي أبي سعيد وأبي هريرة باحتمال أن يكون أبو هريرة سَمِعَ أولاً قوله: ((ومثله معه))، فحدّث به، ثم حدَّث النبيّ وَلّ بالزيادة، فسمعه أبو سعيد، وعلى هذا فيقال: سمعه أبو سعيد وأبو هريرة معاً، أوّلاً، ثم سمع أبو سعيد الزيادة بعدُ. قال الجامع عفا الله عنه: الجمع الذي ذكره عياضٌ تَُّ هو الأقرب عندي، كما أسلفته آنفاً، والله تعالى أعلم. ثم ظاهر قوله: ((لك ذلك وعشرة أمثاله)) أن العشرة زائدة على الأصل، ووقع في رواية أنس عن ابن مسعود: ((لك الذي تمنيت، وعشرة أضعاف الدنيا))، وحُمِل على أنه تمنى أن يكون له مثل الدنيا، فيطابق حديث أبي سعيد، ووقع في رواية عن ابن مسعود: ((لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها))، والله أعلم. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) هو موصول بالسند المذكور، وليس معلّقاً (وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ١٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٥٨/٨٧ و٤٥٩ و٤٦٠] (١٨٢)، و((الزهد والرقاق)) (٢٩٦٨)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٥٧٣)، و((التوحيد)) (٧٤٣٧)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٨٥٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٣٨٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٧٥/٢ -٢٧٦ و٢٩٣ - ٢٩٤ و٥٣٣ - ٥٣٤)، و(عبد الله بن أحمد) في ((السنّة)) (٢٤١ و٢٤٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤١٩ ٤٢٠ و٤٢١ و٤٢٢ و ٤٢٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٥٥ و٤٥٦ و٤٥٧)، و(ابن أبي عاصم) في ((السنة)) (٤٥٥ و٤٧٦)، و(الآجرّيّ) في ((التصديق)) (٢٨)، و(اللالكائيّ) في ((شرح أصول الاعتقاد)) (٨١٤)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٨٠٥ و٨٠٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٤٢٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٣٤٦)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص ٤٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معرفة طريق الرؤية. ٢ - (ومنها): ما قال النووي كَّتُهُ: مذهب أهل السنة: أن رؤية المؤمنين ربهم ممكنة، ونفتها المبتدعة من المعتزلة، والخوارج، وهو جهلٌ منهم، فقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وسلف الأمة على إثباتها في الآخرة للمؤمنين، وأجاب الأئمة عن اعتراضات المبتدعة بأجوبة مشهورة، ولا يشترط في الرؤية تقابل الأشعة، ولا مقابلة المرئيّ، وإن جَرَت العادة بذلك فيما بين المخلوقين. انتهى (١). قال الطيبيّ نَّثُهُ: وقول من أثبت الرؤية، وَوَكَل علم حقيقتها إلى الله فهو الحقّ، وكذا قول من فسّر الإتيان بالتجلي هو الحق؛ لأن ذلك قد تقدمه قوله: ((هل تضارّون في رؤية الشمس والقمر؟)) وزيد في تقرير ذلك وتأكيده، وكلُّ ذلك يدفع المجاز عنه، والله أعلم. انتهى. (١) ((شرح النوويّ)) ١٥/٣. ١٥٩ (٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨) قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الطيبيّ نَّثُ من عدم المجاز هنا هو الحقّ، لكن تفسيره الإتيان بالتجلّي، غير صحيح، بل الصواب أن الإتيان والمجيء من الصفات الفعليّة لله ◌ُعَلَ على الحقيقة على وجه يليق بجلاله، كما هو مذهب السلف، وقد أسلفت تحقيقه قريباً، فلا تكن من الغافلين. ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَخْتُ: وقد تأوّلت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم، فقالوا: إن معنى رؤية الله تعالى أنه يُعلم في الآخرة ضرورةً، وهذا خطأً لفظاً ومعنّى. أما اللفظ: فهو أن الرؤية بمعنى: العلم تتعدّى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وهي هنا تعدّت إلى مفعول واحد، فهي للإبصار، ولا يصحّ أن يقال: إن الرؤية بمعنى: المعرفة؛ لأن العرب لم تستعمل رأيتُ بمعنى: عرفتُ، لكن بمعنى: علمت، أو أبصرت، واستعملت ((علمت)) بمعنى: عرفت، لا ((رأيت)) بمعنى: عرفت. وأما المعنى: فمن وجهين: [أحدهما]: أنه وَّ شَبَّهَ رؤية الله تعالى بالشمس، وذلك التشبيه لا يصحّ إلا بالمعاينة. [وثانيهما]: أن الكفّار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة، فترتفع خصوصيّة المؤمنين بالكرامة، وبلذّة النظر، وذلك التأويل منهم تحريفٌ، حَمَلهم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة. انتهى كلام القرطبيّ تَظّهُ(١). ٤ - (ومنها): ما قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة تَكْثُهُ: في الابتداء بذكر القمر قبل الشمس متابعة للخليل لعلّها، فكما أُمر ◌َله باتباعه في الملة اتبعه في الدليل، فاستَدَلّ به الخليل؛ على إثبات الوحدانية، واستدَلّ به الحبيب وَّ على إثبات الرؤية، فاستدَلّ كلّ منهما بمقتضى حاله؛ لأن الخلة تصح بمجرد الوجود، والمحبة لا تقع غالباً إلا بالرؤية. ٥ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة تَخُّْ: إنه يستفاد منه أنه وَّ كان عارفاً بجميع أمور الدنيا بتعليم الله تعالى له، وإن لم يباشِرْ ذلك. (١) ((المفهم)) ١ /٤١٥ - ٤١٦. ١٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٦ - (ومنها): ما قاله الكلاباذيّ تَخْذَلُهُ: إن إمساك الرجل أوّلاً عن السؤال حياءٌ من ربه رَّك، والله يُحِبّ أن يسأل؛ لأنه يحبّ عبده المؤمن، فيباسطه بقوله أوّلاً: ((لعلك إن أُعطيت هذا تسأل غيره؟))، وهذه حالة المقَصِّر، فكيف حال المطيع، وليس نقضُ هذا العبد عهدَهُ، وتركُه ما أقسم عليه جهلاً منه، ولا قِلَّة مبالاة، بل علماً منه بأن نقض هذا العهد أولى من الوفاء به؛ لأن سؤاله ربه أولى من ترك السؤال مراعاةً للقسم، وقد قال وَّ: ((مَن حَلَفَ على يمين، فرأى خيراً منها، فليُكَفِّر عن يمينه، وليأت الذي هو خيرٌ))، فعَمَلُ هذا العبد على وفق هذا الخبر، والتكفيرُ قد ارتفع عنه في الآخرة. ٧ - (ومنها): بيان جواز مخاطبة الشخص بما لا تُدْرَك حقيقته، وجواز التعبير عن ذلك بما يفهمه، حيث إنه وقلو أخبرهم برؤية ربهم، ثم ضرب لهم مثلاً بما يعرفون من رؤية الشمس والقمر. ٨ - (ومنها): بيان أن الأمور التي في الآخرة، لا تُشَبَّه بما في الدنيا إلا في الأسماء والأصل، مع المبالغة في تفاوت الصفة. ٩ - (ومنها): جواز الاستدلال على العلم الضروريّ بالنظريّ. ١٠ - (ومنها): أن الكلام إذا كان محتملاً لأمرين يأتي المتكلم بشيء يتخصص به مراده عند السامع. ١١ - (ومنها): أن التكليف لا ينقطع إلا بالاستقرار في الجنة أو النار، وأن امتثال الأمر في الموقف يقع بالاضطرار. ١٢ - (ومنها): أن فيه فضيلةَ الإيمان؛ لأنه لَمّا تلبس به المنافق ظاهراً بقيت عليه حرمته إلى أن وقع التمييز بإطفاء النور، وغير ذلك. ١٣ - (ومنها): بيان أن الصراط مع دِقّته وحِدّته يَسَعُ جميع المخلوقين منذ آدم؛ إلى قيام الساعة. ١٤ - (ومنها): فيه أن النار مع عِظَمِها وشِدّتها لا تتجاوز الحد الذي أُمِرت بإحراقه، والآدميّ مع حَقَارة جِرْمه يُقْدِم على المخالفة، ففيه معنى شديد من التوبيخ، وهو كقوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿عَلَيْهَا مَلَكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اَللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ففيه إشارةٌ إلى توبيخ الظُّغَاةِ والْعُصَاة.