النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨)
حذف إحدى التاءين، وفي رواية للبيهقيّ: ((تتمارون بإثباتهما))(١).
(قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ) أي لا نتضارّ في ذلك (قَالَ) وَ ((هَلْ تُضَارُونَ
فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟))) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال
كونها غير محجوبة بسحاب (قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ◌ِِّ ((فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ
كَذَلِكَ) المراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح، وزوال الشك، ورفع المشقة
والاختلاف.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: هذا تشبيه للرؤية، ولحالة الرائي، لا المرئيّ،
ومعناه: أنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارّة، ولا مزاحمة كما
تستوون في رؤية الشمس والبدر عياناً(٢).
وقال البيهقيّ: سمعت الشيخ أبا الطيب الصُّعْلُوكيّ يقول: ((تُضَامُّون))
- بضم أوله، وتشديد الميم - يريد: لا تجتمعون لرؤيته في جِهَة، ولا ينضم
بعضكم إلى بعض، فإنه لا يُرَى في جهة، ومعناه بفتح أوله: لا تتضامون في
رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو بغير تشديد من الضيم، معناه: لا تُظلمون فيه
برؤية بعضكم دون بعض، فإنكم ترونه في جهاتكم كلُّها، وهو متعالٍ عن
الجهة، قال: والتشبيه برؤية القمر لتعيين الرؤية دون تشبيه المرئي ◌َا﴾ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نفي الجهة في رؤية الله تعالى - كما قال
بعض المحقّقين - هو قول الأشاعرة والماتريديّة، ونُفاة العلوّ عن الله تعالى،
والحقّ أن الله ﴿ يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون من فوقهم، وهو في علوّه
الذي أثبته لنفسه، وأثبته له رسول الله وس ﴿ في نصوص كثيرة، والله تعالى أعلم.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: إنما خَصّ الشمس والقمر بالذكر، مع أن رؤية
السماء بغير سحاب أكبر آية، وأعظم خَلْقاً من مجرد الشمس والقمر؛ لِمَا خُصَّا
به من عظيم النور والضياء، بحيث صار التشبيه بهما فيمن يوصف بالجمال
والكمال سائغاً شائعاً في الاستعمال.
وقال ابن الأثير: قد يَتَخَيَّل بعض الناس أن الكاف كاف التشبيه للمرئيّ،
(١) ((الفتح)) ٤٥٥/١١ ((كتاب الرقاق)) (٦٥٧٤).
(٢) ((المفهم)) ٤١٥/١.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وهو غَلَطّ، وإنما هي كاف التشبيه للرؤية، وهو فعل الرائي، ومعناه: أنه رؤية
مُزاحٌ عنها الشكّ، مثل رؤيتكم القمر.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة كَّثُ: في عطف الشمس على القمر
مع أن تحصيل الرؤية بذكره كاف؛ لأن القمر لا يُدْرِك وصفه الأعمى حسّاً، بل
تقليداً، والشمس يدركها الأعمى حسّاً بوجود حرها إذا قابلها وقت الظهيرة
مثلاً، فحسن التأكيد بها، قال: والتمثيل واقعٌ في تحقيق الرؤية لا في الكيفية؛
لأن الشمس والقمر مُتَخَيِّزان، والحق نَ منزه عن ذلك.
وقال الحافظ: وليس في عطف الشمس على القمر إبطال لقول من قال
في شرح حديث جرير: الحكمة في التمثيل بالقمر أنه تتيسر رؤيته للرائي بغير
تكلّف، ولا تحديق يَضُرّ بالبصر، بخلاف الشمس، فإنها حكمة الاقتصار عليه،
ولا يمنع ذلك ورود ذكر الشمس بعده في وقت آخر، فإن ثبت أن المجلس
واحد خَدَشَ في ذلك.
ووقع في رواية العلاء بن عبد الرحمن: ((لا تمارون في رؤيته تلك
الساعة، ثم يَتَوَارَى)).
وقد اعترض ابن العربيّ على رواية العلاء، وأنكر هذه الزيادة، وزعم أن
المراجعة الواقعة في حديث الباب تكون بين الناس وبين الواسطة؛ لأنه لا
يُكَلِّم الكفار، ولا يرونه ألبتة، وأما المؤمنون فلا يرونه إلا بعد دخول الجنة
بالإجماع. انتهى.
(يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال في ((الفتح)): في رواية شعيب:
(يَحْشُر))، وهو بمعنى: الجمع، وقوله في رواية شعيب: ((في مكان)) زاد في
رواية العلاء: ((في صعيد واحد))، ومثله في رواية أبي زرعة، عن أبي هريرة
بلفظ: ((يَجمَع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيُسمعهم
الداعي، ويَنْفُذهم البصر)).
قال النوويّ: الصعيد الأرض الواسعة المستوية، و((يَنفُذهم)) بفتح أوله،
وسكون الفاء، بعدها ذال معجمة: أي يَخْرِقهم بمعجمة وقاف حتى يجوزهم،
وقيل: بالدال المهملة: أي يستوعبهم، قال أبو عبيدة: معناه: ينفذهم بصر
الرحمن حتى يأتي عليهم كلهم، وقال غيره: المراد بصر الناظرين، وهو أولى.

١٢٣
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨)
وقال القرطبي: المعنى: أنهم يجمعون في مكان واحد، بحيث لا يخفى
منهم أحدٌ لو دعاهم داع لسمعوه، ولو نظر إليهم ناظر لأدركهم، قال: ويحتمل
أن يكون المراد بالداعي هنا من يدعوهم إلى العرض والحساب؛ لقوله: ﴿يَوْمَ
يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦].
وزاد العلاء بن عبد الرحمن في روايته: ((فَيَطَّلِع عليهم رب العالمين))،
قال ابن العربيّ: لم يزل الله مطلعاً على خلقه، وإنما المراد إعلامه باطلاعه
علیهم حينئذ.
ووقع في حديث ابن مسعود عند البيهقيّ في ((البعث))، وأصله في
النسائيّ: ((إذا حُشِر الناس قاموا أربعين عاماً شاخصةً أبصارهم إلى السماء لا
يكلمهم، والشمس على رؤوسهم، حتى يُلْجِم العرق كلَّ بَرّ منهم وفاجر)).
ووقع في حديث أبي سعيد عند أحمد: أنه «يُخَفَّف الوقوف عن المؤمن
حتى يكون كصلاة مكتوبة))، وسنده حسن، ولأبي يعلى عن أبي هريرة: ((كتدلي
الشمس للغروب إلى أن تغرُب))، وللطبراني من حديث عبد الله بن عمر:
((ويكون ذلك اليوم أقصر على المؤمن من ساعة من نهار)).
(فَيَقُولُ) أي الله وَ (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فَلْيَتَّبِعْهُ) أي فليذهب معه حتى
يستوفي أجره منه (فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ
الْقَمَرَ الْقَمَرَ) قال ابن أبي جمرة تَخْتُهُ: في التنصيص على ذكر الشمس والقمر،
مع دخولهما فيمن عُبِد من دون الله التنويهُ بذكرهما لعظم خلقهما .
ووقع في حديث ابن مسعود ظُهُ: ((ثم يُنادِي منادٍ من السماء: أيها
الناس أليس عدلٌ من ربكم الذي خلقكم، وصوّركم، ورزقكم، ثم توليتم غيره
أن يولي كل عبد منكم ما كان تولى؟ قال: فيقولون: بلى، ثم يقول: لتنطلق
كل أمة إلى من كانت تعبد))، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: ((ألا ليتبع كلُّ
إنسان ما كان يعبد))، ووقع في رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي
هريرة ربه في ((مسند الحميديّ))، و((صحيح ابن خزيمة))، وأصله في مسلم بعد
قوله: ((إلا كما تُضارُّون في رؤيته)): ((فيَلْقَى العبدَ، فيقول: ألم أكرمك،
وأزوّجك، وأسخِّر لك؟، فيقول: بلى، فيقول: أظننت أنك مُلاقِيَّ؟ فيقول:
لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني ... )) الحديث، وفيه: ((ويلقى الثالثَ،

١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فيقول: آمنتُ بك، وبكتابك، وبرسولك، وصلّيت، وصمت، فيقول: ألا نبعث
عليك شاهداً؟، فيُخْتَم على فيه، وتنطق جوارحه، وذلك المنافق، ثم ينادي
منادٍ: ألا لتتبع كل أمة ما كانت تعبد)).
(وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَافِيتَ) ((الطواغيت)): جمع طاغوت،
وهو الشيطان، والصنم، ويكون جمعاً ومفرداً ومذكّراً ومؤنثاً، قاله في ((الفتح)).
وقال القرطبيّ: ((الطواغيت)): جمع طاغوت، وهو الكاهن، والشيطان،
وكلُّ رأس في الضلال، والمراد به في الحديث: الأصنام، ويكون واحداً،
كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوَا أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ﴾
[النساء: ٦٠]، وقد يكون جمعاً كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ
يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٧]، وطاغوت وإن جاء على
وزن لاهوت، فهو مقلوب؛ لأنه من طَغَى، ولاهوت غير مقلوب؛ لأنه من
لاه، بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت، قاله في ((الصحاح))(١).
وقال الطبريّ ◌َخْثُهُ: الصواب عندي أن الطاغوت كلُّ طاغ طَغَى على الله،
يُعبَد من دونه، إما بقهر منه لمن عَبَد، وإما بطاعة ممن عَبَد إنساناً كان أو
شيطاناً أو حيواناً أو جماداً، قال: فاتباعهم لهم حينئذ باستمرارهم على
الاعتقاد فيهم.
ويحتمل أن يتبعوهم بأن يساقوا إلى النار قهراً، ووقع في حديث أبي
سعيد عند البخاريّ في ((التوحيد)): ((فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم،
وأصحاب كلِّ الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم)).
وفيه إشارة إلى أن كلَّ من كان يعبد الشيطان ونحوه، ممن يَرْضَى بذلك،
أو الجماد والحيوان، داخلون في ذلك، وأما من كان يَعْبُد من لا يَرْضَى
بذلك، کالملائكة والمسیح فلا .
لكن وقع في حديث ابن مسعود ظُه: ((فيتمثل لهم ما كانوا يعبدون،
فينطلقون))، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: ((فيتمثل لصاحب الصليب
صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره))، فأفادت هذه الزيادة تعميم من كان يعبد
(١) ((المفهم)) ٤١٦/١.

١٢٥
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨)
غير الله إلا من سيُذْكَر من اليهود والنصارى، فإنه يخص من عموم ذلك بدليله
الآتي ذكره بالتمثيل، فقال ابن العربيّ: يحتمل أن يكون التمثيل تلبيساً عليهم،
ويحتمل أن يكون التمثيل لمن لا يستحق التعذيب، وأما مَن سواهم فيحضرون
حقيقةً؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾
[الأنبياء: ٩٨].
(وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ) قال ابن أبي جمرة كَظُّ: يَحْتَمِل أن يكون المراد
بالأمة أمة محمد رَله، ويحتمل أن يُحْمَل على أعم من ذلك، فيدخل فيه جميع
أهل التوحيد حتى من الجن، ويدلّ عليه ما في بقية الحديث: ((إنه يبقى من كان
يعبد الله من بَرّ وفاجر)).
قال الحافظ: ويؤخذ أيضاً من قوله في بقية الحديث: ((فأكون أولّ من
يُجيز))، فإن فيه إشارةً إلى أن الأنبياء بعده يُجِيزون أممهم.
(فِيهَا مُنَافِقُوهَا) قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وفي رواية إبراهيم بن
سعد: ((فيها شافعوها))، أو ((منافقوها))، شك إبراهيم، والأول المعتمد، وزاد
في حديث أبي سعيد الآتي: ((حتى يبقى مَن كان يعبد الله من بَرّ وفاجر وغُبَّرات
أهل الكتاب)) بضم الغين المعجمة، وتشديد الموحدة، وفي رواية مسلم:
((وغُبَّر)) وكلاهما جمع غابر، أو (الغُبَّرات)) جمع ((غُبَّر))، وهو جمع غابر،
ويجمع أيضاً على أغبار، وغُبَّرُ الشيء: بَقِيَّته، وجاء بسكون الموحدة، والمراد
هنا: من كان يوحّد الله منهم، وصَحّفه بعضهم في مسلم بالتحتانية بلفظ التي
بالاستثناء، وجَزَم عياض وغيره بأنه وَهَمُ.
قال ابن أبي جمرة تَّثُ: لم يذكر في الخبر مآل المذكورين، لكن لما
كان من المعلوم أن استقرار الطواغيت في النار عُلِم بذلك أنهم معهم في النار،
كما قال تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِ﴾ [هود: ٩٨].
ووقع في رواية سهيل: ((فتتبع الشياطينَ والصليبَ أولياؤهم إلى جهنم))،
ووقع في حديث أبي سعيد من الزيادة: ((ثم يُؤْتَى بجهنم كأنها سَرَابٌ)) بمهملة،
ثم موحدة، فيقال لليهود: ((ما كنتم تعبدون ... )) الحديث، وفيه ذكر النصارى،
وفيه: ((فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى مَن كان يعبد الله من بَرّ أو فاجر)).
وفي رواية هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عند ابن خزيمة، وابن منده،

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وأصله في مسلم: ((فلا يبقى أحدٌ كان يعبد صنماً، ولا وثناً، ولا صورةً إلا
ذهبوا حتى يتساقطوا في النار))، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: ((فُيُظْرَح
منهم فيها فوج، ويقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ ... )) الحديث.
وكان اليهود، وكذا النصارى، ممن كان لا يعبد الصلبان لَمّا كانوا
يَدَّعون أنهم يعبدون الله تعالى تأخروا مع المسلمين، فلما حَقَّقوا على عبادة مَن
ذُكِر من الأنبياء أُلحقوا بأصحاب الأوثان، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا﴾ [البينة: ٦] الآية.
فأما من كان متمسكاً بدينه الأصليّ، فخرج بمفهوم قوله: ﴿الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾، وعلى ما ذُكر من حديث أبي سعيد: يبقى أيضاً مَن كان يُظهر الإيمان
من مُخْلِص ومنافق. انتهى(١).
(فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَبَارََكَ وَتَعَالَى فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) وفي رواية
البخاريّ: ((فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون))، وفي حديث أبي سعيد
الآتي بعده: ((أتاهم رب العالمين وَلاَ في أدنى صورة من التي رأوه فيها))، عند
البخاريّ: ((في صورته التي رأوه فيها أول مرة))، وفي رواية هشام بن سعد:
((ثم يتبدى لنا الله في صورته التي رأيناه فيها أول مرة)).
قال في ((الفتح)): وأما نسبة الإتيان إلى الله تعالى، فقيل: هو عبارة عن
رؤيتهم إياه؛ لأن العادة أن كل مَن غاب عن غيره، لا يمكن رؤيته إلا بالمجيء
إليه، فعَبَّر عن الرؤية بالإتيان مجازاً، وقيل: الإتيان فعل من أفعال الله تعالى
يجب الإيمان به، مع تنزيهه ◌ُقل عن سمات الحدوث.
قال الجامع عفا الله عنه: القول الثاني هو الحقّ، وأما الأول فهو
المذهب الذي يسلكه أهل التأويل من الأشاعرة وغيرهم الذي يؤوّلون
الصفات، ويُحيلونها عن ظواهرها وحقائقها، ويحملونها على المجاز، وهو
مذهب باطلٌ.
فالحقّ أن صفة الإتيان والمجيء دلّ عليها الكتاب والسنة، كهذا
الحديث، وكقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ
(١) ((الفتح)) ١١/ ٤٥٧ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٥٧٤).

١٢٧
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨)
[البقرة: ٢١٠]، وقوله:
وَالْمَكتَبِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُّ وَإِلَى اللَّهِ تُجَعُ الْأُمُورُ
رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا (٣)﴾ [الفجر: ٢٢]، وهي من الصفات الفعليّة المتعلّقة
بالمشيئة، وقد تضمّنت معنى الصفة والفعل، فالحقّ الذي كان عليه سلف الأمة
الصالحون بلا مرية ولا شكّ، أنها ثابتةٌ لله رمت بهذا النصّ، كثبوت الاستواء
والنزول، وغير ذلك مما جاءت به النصوص الصحيحة الصريحة.
وقد ردّ ابن القيّم تَخْلُ على من ادّعى أن الإتيان والمجيء مجاز من اثني
عشر وجهاً، أبطل فيها تأويل هذه الصفة، ونقض دعوى كون ما ورد من ذلك
من مجاز الحذف، والتقدير: وجاء أمر ربّك، ومما قاله: إن في السياق ما
يُبطل هذا التقدير، وهو قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ﴾ فعطف مجيء الملك على
مجيئه ◌ُعَلَ يدلّ على تغاير المجيئين، وأن مجيئه وَّلَ حقيقةٌ كما أن مجيء
الملك حقيقة، بل مجيء الرب أولى أن يكون حقيقة من مجيء الملك، وكذلك
قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْنِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكٌ﴾
[الأنعام: ١٥٨]، ففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان الربّ، وإتيان بعض آيات
الرب، فقسّم ونوّع، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحداً، فتأمله،
ولهذا منع عقلاء الفلاسفة حمل مثل هذا اللفظ على مجازه، وقالوا: هذا يأباه
التقسيم والترديد. انتهى(١).
وقيل: فيه حذفٌ تقديره: يأتيهم بعض ملائكة الله، ورجحه عياض، قال:
ولعل هذا الملك جاءهم في صورة أنكروها لِمَا رأوا فيها من سمة الحدوث
الظاهرة على الملك؛ لأنه مخلوق.
قال الجامع: هذا أيضاً تأويل باطلٌ، قد عرفت بطلانه مما سبق، ويردّه
سياق النصّ، ومما يُبطله أيضاً ما وقع في رواية العلاء بن عبد الرحمن بلفظ:
((فيَطَّلِع عليهم رب العالمين))، فهل هذا يقبل التأويل بالملك، إن هذا إلا
اختلاق، اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه آمين .
قال: ويحتمل وجهاً رابعاً، وهو أن المعنى: يأتيهم الله بصورة أي بصفة
تظهر لهم من الصور المخلوقة التي لا تشبه صفة الإله ليختبرهم بذلك، فإذا
(١) راجع: ((مختصر الصواعق المرسلة)) ١٠٦/٢ - ١٠٧.

١٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال لهم هذا الملك: أنا ربكم، ورأوا عليه من علامة المخلوقين ما يعلمون به
أنه ليس ربهم استعاذوا منه لذلك. انتهى.
قال الجامع: هذا أيضاً تأويل باطلٌ؛ إذ فيه نفي الصورة، وتأويلها
بالصفة، والحقّ أن الصورة ثابتة لله تعالى كثبوت الصفة بلا فرق، فالصورة غير
الصفة، وكلاهما ثابتتان لله تعالى، فله صفات تليق بجلاله، وصورة تليق
بجلاله، کثبوت ذاته العلیّة من دون فرق.
وبهذا صرّح الأئمة: أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن خزيمة، وابن
قتيبة، وأبو إسماعيل الهرويّ، وغيرهم، وقد قال ابن قتيبة آخر كلامه على
حديث الصورة: والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب
من اليدين، والأصابع، والعين، وإنما وقع الإِلْف لتلك لمجيئها في القرآن،
ووقعت الوحشة من هذه؛ لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا
نقول في شيء منه: بكيفيّة ولا حدّ. انتهى كلام ابن قتيبة تَظُّهُ(١)، وهو كلام
نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، فتمسّك به، وعَضّ عليه بناجذيك، والله تعالى الهادي
إلى سواء السبيل.
قال: وأما قوله بعد ذلك: ((فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها))،
فالمراد بذلك الصفة، والمعنى: فيتجلى الله لهم بالصفة التي يعلمونه بها، وإنما
عرفوه بالصفة، وإن لم تكن تقدمت لهم رؤيته؛ لأنهم يرون حينئذ شيئاً لا يشبه
المخلوقين، وقد علموا أنه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، فيعلمون أنه ربهم،
فيقولون: أنت ربنا، وعبّر عن الصفة بالصورة؛ لمجانسة الكلام لتقدم ذكر
الصورة .
قال الجامع: قد عرفت أن تأويل الصورة بالصفة غير صحيح، بل الحقّ
أن الصورة ثابتة له ول على ما يليق بجلاله، فتبصّر.
قال: وأما قوله: ((نعوذ بالله منك))، فقال الخطابيّ: يحتمل أن يكون هذا
الكلام صدر من المنافقين، قال القاضي عياض: وهذا لا يصح، ولا يستقيم
(١) راجع: ((تأويل المختلف)) لابن قتيبة ص٢٢١، و((السنة)) لعبد الله بن أحمد ٢٦٨/١
و٢/ ٤٨٠، و((التوحيد)) لابن خزيمة ٨١/١ - ٩٦ مع التعليق عليه.

١٢٩
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨)
الكلام به، وقال النوويّ: الذي قاله القاضي صحيح، ولفظ الحديث مصرِّح
به، أو ظاهرٌ فیه. انتھی.
ورجحه القرطبي في ((التذكرة))، وقال: إنه من الامتحان الثاني يتحقق
ذلك، فقد جاء في حديث أبي سعيد: ((حتى إن بعضهم ليكاد ينقلب)).
وقال ابن العربيّ: إنما استعاذوا منه أوّلاً؛ لأنهم اعتقدوا أن ذلك الكلام
استدراج؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء، ومن الفحشاء اتباع الباطل وأهله، ولهذا
وقع في ((الصحيح)): ((فيأتيهم الله في صورة - أي: بصورة - لا يعرفونها))، وهي
الأمر باتباع أهل الباطل، فلذلك يقولون: إذا جاء ربنا عرفناه، أي: إذا جاءنا
بما عهدناه منه من قول الحق.
قال الجامع: تأويل ابن العربيّ أيضاً من نظير ما قبله، فإنه فسّر الصورة
بالأمر باتّباع أهل الباطل، وهذا مما لا يقبله من له أدنى فهم، فتبصّر.
وقال ابن الجوزيّ: معنى الخبر: يأتيهم الله بأهوال يوم القيامة، ومن
صور الملائكة بما لم يَعْهَدوا مثله في الدنيا، فيستعيذون من تلك الحال،
ويقولون: إذا جاء ربنا عرفناه، أي إذا أتانا بما نعرفه من لطفه، وهي الصورة
التي عَبَّر عنها بقوله: ((يكشف عن ساق)): أي عن شدّة.
قال الجامع: تأويل ابن الجوزيّ أيضاً من نوع ما سبق، فقد أخرج النصّ
عن معناه الواضح إلى معنى ركيك، فلا ينبغي الالتفات إليه.
وقال القرطبيّ: هو مقام هائل يمتحن الله به عباده؛ ليميز الخبيث من
الطيّب، وذلك أنه لما بقي المنافقون مختلطين بالمؤمنين، زاعمين أنهم منهم،
ظانين أن ذلك يجوز في ذلك الوقت، كما جاز في الدنيا، امتحنهم الله بأن
أتاهم بصورة هائلة، قالت للجميع: أنا ربكم، فأجابه المؤمنون بإنكار ذلك؛
لِمَا سبق لهم من معرفته مُعَلَ، وأنه منزه عن صفات هذه الصورة، فلهذا قالوا:
نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئاً، حتى إن بعضهم ليكاد ينقلب: أي يَزِلّ
فيوافق المنافقين، قال: وهؤلاء طائفة لم يكن لهم رسوخ بين العلماء، ولعلهم
الذين اعتقدوا الحقّ، وجزموا عليه من غير بصيرة، قال: ثم يقال بعد ذلك
للمؤمنين: هل بينكم وبينه علامة؟.
وهذه الزيادة أيضاً من حديث أبي سعيد، ولفظه: ((آية تعرفونها؟

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان
يسجد رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيصير ظهره طبقاً واحداً)): أي يستوي
فَقَار ظهره، فلا ينثني للسجود، وفي لفظ لمسلم: ((فلا يبقى من كان يسجد من
تلقاء نفسه، إلا أذن له في السجود)»: أي سَهُل له، وهُوِّن عليه، ولا يبقى من
كان يسجد اتّقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقاً واحداً، كلما أراد أن يسجد خَرّ
لقفاه .
وفي حديث ابن مسعود نحوه، لكن قال: ((فيقولون: إن اعترف لنا
عرفناه، قال: فيَكْشِف عن ساق، فيقعون سُجُوداً، وتبقى أصلاب المنافقين
كأنها صياصي البقر)).
وفي رواية أبي الزَّعْراء عنه عند الحاكم: ((وتبقى ظهور المنافقين طبقاً
واحداً، كأنما فيها السفافيد»، وهي بمهملة وفاءين جمع سَفَّود بتشديد الفاء،
وهو الذي يدخل في الشاة إذا أريد أن تُشْوَى.
ووقع في رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عند ابن منده:
((فيوضع الصراط، ويتمثل لهم ربهم ... ))، فذكر نحو ما تقدم، وفيه: ((إذا
تعرّف لنا عرفناه))، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: ((ثم يَطّلع ◌َّ عليهم،
فيُعَرِّفهم نفسه، ثم يقول: أنا ربكم، فاتبعوني، فيتبعه المسلمون)).
وقوله في هذه الرواية: ((فيعرّفهم نفسه)): أي يُلْقِي في قلوبهم علماً قطعياً
يعرفون به أنه ربهم ، وقال الكلاباذي في ((معاني الأخبار)): عرفوه بأن
أحدث فيهم لطائف عرَّفهم بها نفسه.
ومعنى كشف الساق: زوالُ الخوف والهول الذي غَيّرهم حتى غابوا عن
رؤية عوراتهم.
قال الجامع عفا الله عنه: تأويل الساق بهذا المعنى تأويل قبيح؛ إذ فيه
نفي صفة الساق عن الله وُعَلَ، فالحقّ ثبوت الساق لله تُعَلَ على ما يليق بجلاله،
كثبوت اليد، والعين، والوجه، والقدم، وغير ذلك، فكلّها صفة الله تعالى
حقيقة، على ما يليق بجلاله، لا تماثل صفات المخلوقين، ولا يجوز تأويلها،
أو تعطيلها عن الله تعالى، كسائر الصفات الثابتة له في نصوص الكتاب،
والسنن الصحيحة، والله تعالى أعلم.

١٣١
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨)
ووقع في رواية هشام بن سعد: (ثم نرفع رؤوسنا، وقد عاد لنا في
صورته التي رأيناه فيها أول مرّة، فيقول: أنا ربكم، فنقول: نعم أنت ربنا)).
قال الحافظ: وهذا فيه إشعار بأنهم رأوه في أول ما حُشِروا، والعلم
عند الله تعالى، وقال الخطابيّ: هذه الرؤية غير الرؤية التي تقع في الجنة إكراماً
لهم، فإن هذه للامتحان، وتلك لزيادة الإكرام، كما فُسِّرت به الحسنى وزيادة،
قال: ولا إشكال في حصول الامتحان في الموقف؛ لأن آثار التكاليف لا
تنقطع إلا بعد الاستقرار في الجنة أو النار، قال: ويُشبه أن يقال: إنما حَجب
عنهم تحقّقَ رؤيته أوّلاً لِمَا كان معهم من المنافقين الذين لا يستحقون رؤيته،
فلما تميزوا رَفَع الحجاب، فقال المؤمنون حينئذ: أنت ربنا .
قال الحافظ: وإذا لوحظ ما تقدم من قوله: ((إذا تعرّف لنا عرفناه))، وما
ذكرتُ من تأويله ارتفع الإشكال.
وقال الطيبيّ: لا يلزم بأن الدنيا دار بلاء، والآخرة دار جزاء أن لا يقع
في واحد منهما ما يُخَصّ بالأخرى، فإن القبر أول منازل الآخرة، وفيه الابتلاء
والفتنة بالسؤال وغيره، والتحقيق أن التكليف خاصّ بالدنيا، وما يقع في القبر،
وفي الموقف هي آثار ذلك.
ووقع في حديث ابن مسعود ظُه من الزيادة: ((ثم يقال للمسلمين:
ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم بقدر أعمالكم)، وفي لفظ: ((فيُعْطَون نورهم على
قدر أعمالهم، فمنهم من يُعطَى نوره مثل الجبل، ودون ذلك، ومثل النخلة،
ودون ذلك، حتى يكون آخرهم من يعطى نوره على إبهام قدمه))، ووقع في
رواية مسلم عن جابر ظه: ((ويعطى كل إنسان منهم نوراً - إلى أن قال -: ثم
يطفئ نور المنافقين))، وفي حديث ابن عباس ◌ًّا عند ابن مردويه: ((فُيُعْطَى كل
إنسان منهم نوراً، ثم يوجّهون إلى الصراط، فما كان من منافق طفئ نوره))،
وفي لفظ: ((فإذا استووا على الصراط سَلَب الله نور المنافقين، فقالوا للمؤمنين:
انظرونا نقتبس من نوركم ... )) الآية، وفي حديث أبي أمامة حظّه عند ابن أبي
حاتم: ((وإنكم يوم القيامة في مواطن حتى يَغْشَى الناسَ أمرٌ من أمر الله، فتبيضّ
وجوه، وتسودّ وجوه، ثم ينتقلون إلى منزل آخر، فتغشى الناس الظلمةُ، فيقسم
النور، فيختص بذلك المؤمن، ولا يُعْطَى الكافر ولا المنافق منه شيئاً، فيقول

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
المنافقون للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم ... الآية، فيرجعون إلى
المكان الذي قُسِم فيه النور، فلا يجدون شيئاً، فيُضْرَب بينهم بسور))(١).
(فَيَقُولُ) الله ◌َ امتحاناً (أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ) أي لأنك
لست بربّنا الذي كنا نعبده، ونوحّده، وننزه عن سمات المخلوقين (هَذَا مَكَانُنَا
حَتَّى يَأْتِيَّنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ) بالعلامات التي عرّفنا بها نفسه (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ
تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) تقدّم قريباً أن الإتيان صفة لله تعالى على ما يليق
بجلاله، لا تشبه إتيان المخلوقين، وكذلك الصورة صفة ثابتة له تعالى على
الوجه اللائق به، ولا تسلك سبيل المعتدين، فتؤوّل مع المؤوّلين، وتحرّف
الصفات عما هي عليه، هداني الله وإياك الصراط المستقيم. (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ،
فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا) سبحانك لا نحصي ثناء عليه، أنت كما أثنيت على
نفسك.
(فَيَتَّبِعُونَهُ) أي يتبعون ربهم إلى حيث يأمرهم (وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ) ببناء
الفعل للمفعول.
[تنبيه]: حُذِف من هذا السياق ما سيأتي من حديث أنس ظُه في ذكر
الشفاعة لفصل القضاء، كما حُذِف من حديث أنس ما ثبت هنا من الأمور التي
تقع في الموقف، فينتظم من الحديثين أنهم إذا حُشِروا وقع ما في حديث الباب
من تساقط الكفار في النار، ويبقى مَن عداهم في كرب الموقف، فيستشفعون،
فيقع الإذن بنصب الصراط، فيقع الامتحان بالسجود؛ ليتميّز المنافق من
المؤمن، ثم يَجُوزون على الصراط، ووقع في حديث أبي سعيد ظُه هنا: ((ثم
يُضْرَب الجسرُ على جهنم، وتَحِلُّ الشفاعة، ويقولون: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ))، أفاده
في ((الفتح))(٢).
(بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ) بفتح الظاء، وسكون الهاء: أي يمدّ الصراط عليها،
و((الصراط)) في اللغة: هو الطريق، وفيه لغاتٌ: الصاد، والسين، والزاي، وهو
هنا: الطريق من أرض المحشر إلى الجنّة، وهو منصوبٌ على متن جهنّم، أدقّ
(١) ((الفتح)) ٤٥٨/١١ - ٤٦٠ ((كتاب الرقاق)) (٦٥٧٤).
(٢) ١١/ ٤٦٠.

١٣٣
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨)
من الشعر، وأحدّ من السيف، وهو المسمّى بالجسر في الحديث الآخر.
و(جهنّم)): اسم من أسماء النار التي يُعذّب بها في الآخرة، قال
الجوهريّ: هو ملحقٌ بالخماسيّ بتشديد الحرف الثالث منه، ولا ينصرف؛
للتعريف والتأنيث، وهو فارسيّ معرَّبٌ، ورَكِيّةٌ جِهِنَّامٌ: أي بعيدة القعر(١).
(فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُچِيزُ) بضم أوله، وكسر ثانيه، آخره زاي، من
الإجازة، وفي رواية: ((يجوز بأمته))، وفي لفظ: ((يُجيزها))، والضمير لجهنم،
قال الأصمعيّ: جاز الوادي: مَشَى فيه، وأجازه: قطعه، وقال غيره: جاز
وأجاز بمعنى واحد.
وقال النوويّ: المعنى: أكون أنا وأمتي أول من يَمْضِي على الصراط
ويقطعه، يقال: جاز الوادي وأجازه: إذا قطعه وخَلَّفه.
وقال القرطبيّ: يحتمل أن تكون الهمزة هنا للتعدية، من قولهم: ((أجيزي
صُوفةٌ)): أي أجِزْنا، وذلك أن صُوفَةَ كان رجلاً مُعظّماً في قريش يُقتدى به في
مناسك الحجّ، فلا يجوز أحدٌ في شيء من مواقفه حتى يجوز، فكان الناس
يستعجلونه، فيقولون: أَجِزْ صُوفةُ: أي ابتدئ بالجواز حتى نَجُوز بعدك، فكان
يمنعهم بوقوفه، ويُجيزهم بجوازه، ثم بقي ذلك في ولده، فقيل للقبيلة:
((أجِيزِي صوفةٌ))، فكذلك الرسول وَله وأمته على الصراط، فلا يجوز أحدٌ حتى
يجوز هو وأمته، فكأنه يُجيز الناس. انتهى(٢).
ووقع في حديث عبد الله بن سلام ظُه عند الحاكم: ((ثم ينادي منادٍ:
أين محمد وأمته؟ فيقوم، فتتبعه أمته بَرّها وفاجرها، فيأخذون الجسر،
فيَطْمِس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون من يمين وشمال، وينجو النبيّ
والصالحون)).
وفي حديث ابن عباس ﴿ّ يرفعه: ((نحن آخر الأمم، وأول من
يحاسب))، وفيه: ((فتُفْرِجُ لنا الأمم عن طريقنا، فنَمُرّ غُرّاً مُحَجَّلين من آثار
الطهور، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن يكونوا أنبياء)).
(١) ((المفهم)) ٤١٩/١.
(٢) ((المفهم)) ٤٢٠/١.

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ) إشارة إلى حين الجواز على الصراط، وإلا ففي وقت
آخر تُجادل كلّ نفس عن نفسها .
(إِلََّ الرُّسُلُ) معناه لشدّة الأهوال، والمراد: لا يتكلّم في حال الإجازة،
وإلا ففي يوم القيامة مواطن يتكلّم الناس فيها، وتُجادل كلّ نفس عن نفسها،
ويسأل بعضهم بعضاً، ويتلاومون، ويُخاصم التابعون المتبوعين، والله أعلم(١).
(وَدَعْوَى الرُّسُلِ) ولفظ البخاريّ: ((ودعاء الرسل)) (يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) هذا
من كمال شفقتهم ورحمتهم للخلق، وفيه أن الدعوات تكون بحسب المواطن،
فيُدعى في كلّ موطن بما يليق به (٢).
وفي رواية للبخاريّ: ((ولا يتكلم يومئذ أحدٌ إلا الرسل))، وفي رواية:
((ولا يكلمه إلا الأنبياء)»، ووقع في رواية العلاء: ((وقولهم: اللهم سلم سلم))،
وللترمذي من حديث المغيرة: ((شعار المؤمنين على الصراط: رَبِّ سَلِّم سَلِّم))،
والضمير في الأول للرسل، ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن
ينطقوا به، بل تنطق به الرسل، يدعون للمؤمنين بالسلامة، فسُمِّ ذلك شعاراً
لهم، فبهذا تجتمع الأخبار، ويؤيده قوله في رواية سهيل: ((فعند ذلك حَلَّت
الشفاعة، اللهم سلم سلم)).
وفي حديث أبي سعيد من الزيادة: ((فَيَمُرُّ المؤمن كطرف العين، وكالبرق،
وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب))، وفي حديث حُذيفة وأبي هريرة معاً:
((فيمرّ أولهم كمَرّ البرق، ثم كمرّ الريح، ثم كمرّ الطير، وشدّ الرحال، تجري
بهم أعمالهم))، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: ((ويوضع الصراط، فيمرّ
عليه مثل جياد الخيل والركاب))، وفي حديث ابن مسعود: ((ثم يقال لهم:
انجوا على قدر نوركم، فمنهم من يمرّ كطرف العين، ثم كالبرق، ثم
کالسحاب، ثم كانقضاض الكوكب، ثم كالريح، ثم كشدّ الفرس، ثم كشد
الرحل، حتى يمر الرجل الذي أُعطي نوره على إبهام قدمه يَحْبُو على وجهه
ويديه ورجليه، يجر بيد، ويعلَّق يدٌ، ويجر برجل، ويُعَلَّق رجلٌ، وتضرب
جوانبه النار، حتى يخلُّص))، وعند ابن أبي حاتم في ((التفسير)) من طريق أبي
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠/٣ - ٢١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١/٣.

١٣٥
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨)
الزَّعْراء، عن ابن مسعود: ((كمرّ البرق، ثم الريح، ثم الطير، ثم أجود الخيل،
ثم أجود الإبل، ثم كعدو الرجل، حتى إن آخرهم رجلٌ نوره على موضع
إبهامي قدميه، ثم يتكفأ به الصراط))، وعند هناد بن السريّ، عن ابن مسعود
بعد الريح: ((ثم كأسرع البهائم، حتى يمر الرجل سعياً، ثم مشياً، ثم آخرهم
يَتَلَبّط على بطنه، فيقول: يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول: أبطأ بك عملك))،
ولابن المبارك من مرسل عبد الله بن شقيق: ((فيجوز الرجل كالطرف،
وكالسهم، وكالطائر السريع، وكالفرس الجواد المضمر، ويجوز الرجل يَعْدُو
عَدْواً، ويمشي مَشْياً، حتى يكون آخر من ينجو يحبو))(١).
(وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ) وفي رواية حذيفة وأبي هريرة معاً: ((وفي حافتي
الصراط كلاليب مُعَلَّقةٌ، مأمورة بأخذ من أُمرت به))، وفي رواية سُهيل: ((وعليه
كلاليب النار)).
و(كَلاليب)): جمع كَلُّوب بفتح الكاف، وضمّ اللام المشدّدة، وهي
حديدة معطوفة الرأس، يُعلَّق فيها اللحم، وتُرسل في التنّور، قال صاحب
((المطالع)): هي خشبةٌ في رأسها عقافة حديد، وقد تكون حديداً كلّها، ويقال
لها أيضاً: كُلّاب(٢).
قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: هذه الكلاليب هي الشهوات المشار
إليها في الحديث الماضي: ((حُفّت النار بالشهوات))، قال: فالشهوات موضوعة
على جوانبها، فمن اقتحم الشهوة سقط في النار؛ لأنها خطاطيفها .
وفي حديث حُذيفة: ((وتُرسل الأمانة والرحِمُ، فيقومان جنبتي الصراط
يميناً وشمالاً): أي يقفان في ناحيتي الصراط، وهي بفتح الجيم والنون، بعدها
موحدة، ويجوز سكون النون، والمعنى: أن الأمانة والرحم؛ لعظم شأنهما،
وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما، يوقفان هناك للأمين والخائن،
والمواصل والقاطع، فيُحاجّان عن المحِقّ، ويشهدان على المبطل.
قال الطيبيّ: ويمكن أن يكون المراد بالأمانة ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وصلة الرحم
(١) ((الفتح)) ١١/ ٤٦١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١/٣.

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ما في قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمْ﴾ الآية [النساء: ١]، فيدخل
فيه معنى التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، فكأنهما اكتنفتا جنبتي
الإسلام الذي هو الصراط المستقيم، وفطرتي الإيمان والدين القويم. انتهى(١).
(مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح السين، وسكون العين المهملتين، بلفظ التثنية،
و((السَّعْدان)): جمع سَعْدانة، وهو نبات ذو شوك يُضرَب به المثل في طيب
مَرْعَاه، قالوا: مَرْعَى ولا كالسَّعْدان، قال في ((الفتح)) (٢)، وقال القرطبيّ:
((السَّعْدان)): نبتٌ كثير الشوك، شوكه كالخطاطيف والْمَحَاجن. انتهى(٣).
وقوله: (هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟») استفهام تقريرٍ؛ لاستحضار الصورة
المذكورة (قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) وَ («فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ
أَنَّهُ) الضمير للشأن (لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا) أي الشوكة (إِلََّ اللهُ) قال
القرطبيّ تَخْتُ: قيّدناه عن بعض شيوخنا برفع الراء، على أن تكون ((ما))
استفهاماً خبراً مقدَّماً، و((قدرُ)) مبتدأ، أو بنصبها على أن تكون ((ما)) زائدة،
و(قدرَ)) مفعول ((يَعْلَمُ)). انتهى(٤).
(تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ) بفتح الطاء، ويجوز كسرها، يقال: خَطِفَ،
وخَطَفَ بكسر الطاء، وفتحها، والكسر أفصح، ويجوز أن يكون معناه:
تخطفهم بسبب أعمالهم، ويجوز أن يكون معناه: تخطفهم على قدر أعمالهم،
قاله النوويّ(٥).
وقال في ((الفتح)): قال ثعلب في ((الفصيح)): خَطِفَ بالكسر في الماضي،
وبالفتح في المضارع، وحَكَى القزاز عكسه، والكسر في المضارع أفصح.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر: تشبيه الكلاليب بشوك السَّعْدان خاصّ بسرعة
اختطافها، وكثرة الانتشاب فيها مع التَّحَرُّز والتَّصَوُّن؛ تمثيلاً لهم بما عَرَفوه في
الدنيا، وأَلِفُوه بالمباشرة، ثم استثنى إشارة إلى أن التشبيه لم يقع في مقدارهما، وفي
رواية السّدّيّ: ((وبحافتيه ملائكة، معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس)).
(١) راجع: ((الفتح)) ١١/ ٤٦١.
(٣) «المفهم)) ١/ ٤٢٠.
(٥) ((شرح النوويّ)) ٢١/٣.
(٢) ٤٦١/١١.
(٤) ((المفهم)) ٤٢٠/١.

١٣٧
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨)
ووقع في حديث أبي سعيد الآتي: ((قلنا: وما الجسر؟ قال: مَدْحَضَةٌ
مَزَلَّةٌ)): أي زَلَقٌ تَزْلِقُ(١) فيه الأقدام.
ووقع عند مسلم: ((قال أبو سعيد: بلغني أن الصراط أحدٌّ من السيف،
وأدَقُّ من الشعرة))، ووقع في رواية ابن منده من هذا الوجه: ((قال سعيد بن أبي
هلال: بلغني))، ووصله البيهقيّ عن أنس، عن النبيّ ◌َ ﴿ مجزُوماً به، وفي سنده
لِين، ولابن المبارك، عن مرسل عُبَيد بن عُمير: ((إن الصراط مثل السيف،
وبِجَنبتيه كلاليب، إنه ليؤخذ بالكَلَّوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر))، وأخرجه
ابن أبي الدنيا من هذا الوجه، وفيه: ((والملائكة على جنبتيه، يقولون: رب
سَلِّم سَلِّم)).
وجاء عن الفضيل بن عياض قال: ((بلغنا أن الصراط مسيرة خمسة عشر
ألف سنة، خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مُسْتوٍ أدَقُّ
من الشعرة، وأَحَدُّ من السيف، على متن جهنم، لا يجوز عليه إلا ضامرٌ
مَهْزُولٌ من خشية الله))، أخرجه ابن عساكر في ترجمته، وهذا مُعْضَلٌ لا يثبت.
وعن سعيد بن أبي هلال قال: ((بلغنا أن الصراط أدَقّ من الشعر على
بعض الناس، ولبعض الناس مثل الوادي الواسع))، أخرجه ابن المبارك، وابن
أبي الدنيا، وهو مرسلٌ، أو معضلٌ.
وأخرج الطبريّ من طريق غُنيم بن قيس أحدِ التابعين قال: ((تُمَثَّل النار
للناس، ثم يناديها منادٍ: أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي، فتخسف بكُلّ وليّ
لها، فهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون نَدِيّةً ثيابهم))، ورجاله
ثقات، مع كونه مقطوعاً. انتهى(٢).
(فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ) ذكر القاضي عياض تَظْتُ أنه رُوِيَ على ثلاثة
أوجه :
[أحدها]: ((المؤمن يَقِي بعمله)) بالميم والنون، و((يَقِيَ)) بالياء والقاف.
[والثاني]: ((الْمُوثَقُ)) بالمثلثة والقاف.
(١) من باب تَعِبَ: أي تسقط.
(٢) ((الفتح)) ٤٦٢/١١ ((كتاب الرقاق)) (٦٥٧٤).

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[والثالث]: ((الْمُوبَقُ، يَعْنِي بعمله))، ((فالموبَق)» بالباء الموحدة والقاف،
و(يَعْنِي)) بفتح الياء المثنّاة، وبعدها العين، ثم النون، قال القاضي: هذا
أصحها، وكذا قال صاحب ((المطالع)): هذا الثالث هو الصواب، قال: وفي
(يقي)) على الوجه الأول ضبطان: أحدهما: بالباء الموحدة، والثاني: بالياء
المثنّاة من تحتُ من الوقاية.
قال النوويّ: والموجود في معظم الأصول ببلادنا هو الوجه الأول.
انتھی(١).
وقال القرطبيّ: قوله: ((فمنهم الْمُوبَق بعمله)) بالباء بواحدة من أسفلُ، كذا
للعذريّ، ومعناه: الْمُهْلَكُ بعمله السّئ، وللطبريّ: ((الْمُوثَقُ بعمله)) بالثاء المثلّثة
من الوثاق، وللسمرقنديّ: ((المؤمن بقي بعمله))، وكلّها صحيح، والأول
أوضحها. انتهى(٢).
(وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى) قال النوويّ كَُّهُ: ضبطناه بالجيم والزاي،
من المجازاة، وهكذا هو في أصول بلادنا في هذا الموضع، وذكر القاضي
عياض تَخُّْ في ضبطه خلافاً، فقال: رواه العذريّ وغيره: ((الْمُجَازَى)) كما
ذكرناه، ورواه بعضهم: ((الْمُخَرْدَل)) بالخاء المعجمة، والدال، واللام، ورواه
بعضهم في البخاريّ ((الْمُجَرْدَل)) بالجيم، فأما الذي بالخاء فمعناه: الْمُقَطَّع: أي
بالكلاليب، يقال: خردلتُ اللحم: أي قطّعته، وقيل: خَرْدَلتُ: بمعنى:
صَرَعتُ، ويقال: بالذال المعجمة أيضاً، والْجَرْدَلة بالجيم: الإشراف على
الهلاك والسقوط. انتهى.
[تنبيه]: وقع عند البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ
بلفظ: ((ومنهم الْمُخَرْدَلُ، ثم ينجو)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((ومنهم الْمُخَرْدَل)) بالخاء المعجمة، وفي رواية
شعيب: ((ومنهم مَن يُخَرْدَل))، ووقع في رواية الأصيلي هنا بالجيم، وكذا لأبي
أحمد الجرجانيّ في رواية شعيب، ووهّاه عياض، والدال مهملة للجميع،
وحَكَى أبو عُبيد فيه إعجام الذال، ورَجَّحَ ابن قرقول الخاء المعجمة، والدال
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١/٣.
(٢) ((المفهم)) ٤٢٠/١.

١٣٩
(٨٧) - بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةٍ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ - حديث رقم (٤٥٨)
المهملة، وقال الْهَرَويّ: المعنى: أنّ كلاليب النار تُقَطّعه، فَيَهْوِي في النار،
قال كعب بن زهير في ((بانت سعاد))، قصيدته المشهورة [من البسيط]:
يَغْدُو فَيَلْحَمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُمَا لَحْمٌ مِنَ الْقَوْمِ مَعْفُورٌ خَرَادِيلُ
فقوله: ((معفور)) بالعين المهملة والفاء: أيّ واقعٌ في التراب،
و(خَرَاديل)): أي هو مُقَطّعٌ قِطَعاً، ويحتمل أن يكون من الْخَرْدَل: أي جُعِلت
أعضاؤه كالْخَرْدل، وقيل: معناه: أنها تُقَطّعهم عن لحوقهم بِمَن نَجَا، وقيل:
الْمُخَرْدل: المصروع، ورجحه ابنُ التين، فقال: هو أنسب لسياق الخبر.
ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عند أبي ذَرّ: «فمنهم الْمُخَرْدَل، أو
الْمُجازَى، أو نحوه))، ولمسلم عنه: ((الْمُجَازَى)) بغير شك، وهو بضم الميم،
وتخفيف الجيم من الجزاء.
وقوله: (ثم يَنْجُو)) في رواية إبراهيم بن سعد: (ثم يَنجلي)) بالجيم: أي
يَتَبَيَّن، ويحتمل أن يكون بالخاء المعجمة: أي يُخَلَّى عنه، فيرجع إلى معنى:
(ينجو))، وفي حديث أبي سعيد: ((فناج مُسَلَّمٌ، ومَخْدُوشٌ، ومَكْدُوسٌ في
جهنم، حتى يَمُرّ أحدهم، فيُسْحَب سَحْباً)).
قال ابن أبي جمرة كَُّ: يؤخذ منه أن المارّين على الصراط ثلاثة
أصناف: ناج بلا خُدُوش، وهالكٌ من أول وَهْلة، ومتوسطٌ بينهما يُصابُ، ثم
ينجو، وكلُّ قسم منها ينقسم أقساماً، تُعْرَف بقوله: ((بقدر أعمالهم)).
واختُلِف في ضبط ((مَكْدوس))، فوقع في رواية مسلم بالمهملة، ورواه
بعضهم بالمعجمة، ومعناه: السَّوقُ الشديد، ومعنى الذي بالمهملة: الراكب
بعضُهُ على بعض، وقيل: ((مُكَرْدَسٌ))، والمكردس فَقَار الظهر، وكَرْدَسَ الرجل
خَيْلَه جعلها كَراديس: أي فَرَّقها، والمراد أنه ينكفئ في قعرها .
وعند ابن ماجه من وجه آخر، عن أبي سعيد، رفعه: ((يوضع الصراط بين
ظهراني جهنم، على حَسَك كحَسَك السَّعْدان، ثم يستجيز الناس، فناج مُسَلَّمٌ،
ومَخْدُوشٌ به، ثم ناج، ومُحتَبَسٌ به، ومنكوسٌ فيها)). انتهى(١).
(حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ) قال الزين ابن الْمُنَيِّر: إذا
(١) ((الفتح)) ١١/ ٤٦٢ - ٤٦٣.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أضيف إلى الله معناه: القضاء، وحلوله بالمقضيّ عليه، والمراد إخراج
الموَحِّدين وإدخالهم الجنة، واستقرار أهل النار في النار، وحاصله أن المعنى:
يفرغ الله: أي من القضاء بعذاب من يَفْرُغ عذابه، ومن لا يَفْرُغ، فيكون إطلاق
الفراغ بطريق المقابلة، وإن لم يُذْكَر لفظها .
وقال ابن أبي جمرة: معناه: وَصْلُ الوقت الذي سبق في علم الله أنه
يرحمهم، وقد ثبت في حديث عمران بن حصين ظًا: أن الإخراج يقع بشفاعة
محمد ، وعند أبي عوانة، والبيهقيّ، وابن حبان في حديث حُذيفة: (يقول
إبراهيم: يا رباه حَرّقت بَنِيّ، فيقول: اخرجوا))، وفي حديث عبد الله بن سلام
عند الحاكم أن قائل ذلك آدم عظ لا، وفي حديث أبي سعيد وته: «فما أنتم
بأشدّ مناشدةً في الحقّ، قد يتبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار، إذا رأوا أنهم
قد نَجَوْا في إخوانهم المؤمنين، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلّون معنا ... ))
الحديث، هكذا في رواية الليث عند البخاريّ في ((التوحيد)).
ويُحْمَل على أن الجميع شَفَعُوا، وتَقَدّم النبيّ ◌َّ قبلهم في ذلك.
ووقع في حديث عبد الله بن عمرو عند الطبرانيّ بسند حسن، رفعه:
((يدخل من أهل القبلة النار مَن لا يُحْصِي عدَدَهم إلا الله بما عَصَوُا الله،
واجترؤوا على معصيته، وخالفوا طاعته، فيؤذن لي في الشفاعة، فأُثني على الله
ساجداً كما أثني عليه قائماً، فيقال لي: ارفع رأسك ... )) الحديث.
ويؤيده أن في حديث أبي سعيد: ((تَشفع الأنبياء، والملائكة،
والمؤمنون))،، ووقع في رواية عمرو بن أبي عمرو، عن أنس ◌َظُته عند النسائيّ
ذِكْرُ سبب آخر لإخراج الموحدين من النار، ولفظه: ((وفَرَغَ من محاسبة الناس،
وأَدْخَل مَن بقي من أمتي النار مع أهل النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم
أنكم كنتم تعبدون الله، لا تشركون به شيئاً، فيقول الجبار: فبعزتي لأُعتقّهم من
النار، فَيُرْسِل إليهم، فيُخْرَجون)).
وفي حديث أبي موسى ظُه عند ابن أبي عاصم، والبزار، رفعه: ((وإذا
اجتَمَع أهلُ النار في النار، ومعهم مَن شاء الله من أهل القبلة، يقول لهم
الكفار: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم،
وقد صِرتم معنا في النار؟ فقالوا: كانت لنا ذنوبٌ، فأُخذنا بها، فيأمر الله مَن