النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١
(٨٥) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((إِنَّ اللّهَ لَا يَنَامُ))، ... إلخ - حديث رقم (٤٥٢)
يخطب قاعداً ... ))، و(١٠٠٠): ((تصدّقن يا معشر النساء ... ))، و(٢٣٥٥):
((أنا محمد، وأحمد، والمقفّي ... ))، و(٢٧٥٩): ((إن الله رحمك يبسط يده
بالليل ... )).
٥ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ
المشهور، مات سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦،
والباقيان تقدّما قريباً، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف نَّلُهُ، وفيه له شيخان قرن
بینھما .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم
أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض:
الأعمش، عن عمرو، عن أبي عبيدة.
٦ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش.
٧ - (ومنها): أن أبا عُبيدة مشهور بكنيته، والأصحّ أنه لا اسم له غيرها .
٨ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﴿ه، أمّره عُمر بن
الخطّاب، ثمّ عثمان طه، وهو أحد الْحَكَمين بصفّين، وأثنى عليه النبيّ
في حسن قراءته، فقد أخرج عن أبي بردة، عن أبي موسى نظر ته، عن النبي
قال له: ((يا أبا موسى لقد أُوتيت مزماراً من مزامير آل داود)).
وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) مطوّلاً (١)، والله تعالى أعلم.
(١) قال الإمام أحمد دَخَّتُ في ((مسنده)) (٢١٨٧٤): حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا
مالك، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: خرج بُريدة عشاءً، فلقيه النبيّ وَّ، فأخذ
بيده، فأدخله المسجد، فإذا صوت رجل يقرأ، فقال النبيّ وَله: ((تُرَاه مرائياً؟»، =
٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رَظُهُ أنه (قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ وََّ) أي
قام عليه خطيباً في الصحابة وَله، حال كونه مذكّراً لهم بخمس كلمات.
وقال الطيبيّ نَّثُهُ: قوله: ((قام فينا ... إلخ)) فيه ثلاثة أوجه من
الإعراب:
[أحدها]: أن يكون ((فينا)) و((بخمس)) حالين مترادفين، أو متداخلين،
وذلك أن يكون الثاني حالاً من الضمير المستتر في الحال الأولى، أي قام
خطيباً فينا، مذكّراً بخمس كلمات.
[وثانيها]: أن يكون ((فينا)) متعلّقاً بـ((قام)) بأن يُضَمَّنَ معنى ((خَطَب))،
و((بخمس)) حالاً، أي خطب قائماً مذكّراً بخمس كلمات، و((قام)) في الوجهين
بمعنى القيام على ما ورد في حديث أوس بن حُذيفة الثقفيّ ◌َظُه: ((كان
النبيّ وَ﴾ ينصرف إلينا بعد العشاء، فيُحدّثنا قائماً على رجليه، حتى يُراوح بين
قدمیه من طول القيام)).
[وثالثها]: أن يعلّق ((بخمس)) بـ ((قام))، ويكون ((فينا)) بياناً، كأنه لَمّا قيل:
((قام بخمس))، فقيل: في حقّ من؟، أجيب: في حقّنا، وجهتنا، كقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٩]، ذكر في ((الكشّاف)) في قوله تعالى:
= فأسكتَ بريدةُ، فإذا رجل يدعو، فقال: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله
الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد،
فقال النبيّ: ((والذي نفس محمد بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل
به أَعْطَى، وإذا دُعي به أجاب))، قال: فلما كان من القابلة خَرَج بُريدة عشاءً، فلقيه
النبيّ ◌َير، فأخذ بيده، فأدخله المسجد، فإذا صوت الرجل يقرأ، فقال النبيّ تَّى:
((أتقوله مراء؟))، فقال بريدة: أتقوله مراءٍ يا رسول الله؟، فقال النبيّ وَّ: ((لا بل
مؤمن منيبٌ، لا بل مؤمن منيب))، فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب
المسجد، فقال رسول الله وَ له: ((إن الأشعريّ - أو: إن عبد الله بن قيس -، أُعطي
مِزْماراً من مزامير آل داود)»، فقلت: ألا أخبره يا رسول الله؟ قال: بلى، فَأَخْبِرِه،
فأخبرته، فقال: أنت لي صديقٌ، أخبرتني عن رسول الله وَّه بحديث.
وهذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح.
٨٣
(٨٥) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((إِنَّ اللّهَ لَا يَنَامُ))، ... إلخ - حديث رقم (٤٥٢)
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، قيل: مع من؟ قيل: معه، وكذلك قدّر
في قوله {وَالَ: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فعلى هذا ((قام)) بمعنى
قام بالأمر: أي تشَمَّرَ، وتجلَّد له، فالمعنى: أنه قام بحفظ تلك الكلمات فينا؛
لأن القيام بالشيء هو المراعاة والحفظ له، قال الله تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَمِينَ
بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال الله وَالَ: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ
[الرعد: ٣٣]. انتهى كلام الطيبيّ ◌َُّهُ(١).
وقال السنديّ تَخْلَثُ: وفي الوجه الثالث لو جُعل ((فينا)) متعلّقاً بـ((قام)) من
غير اعتبار، أي قام بخمس كلمات في حقّنا، ولأجل انتفاعنا كان صحيحاً،
والأقرب أن المعنى: قام فيما بيننا بتبليغ خمس كلمات، أي بسببه، فالجارّان
متعلّقان بالقيام، وهو على ظاهره، وذلك أن يُجعل القيام مِن قام بالأمر،
ويُجعل ((فينا)) بياناً متعلّقاً به أيضاً. انتهى(٢).
(بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ) أي بخمس جُمَل، فالمراد بالكلمة هنا الجملة المركبة
المفيدة، وهو إطلاق لغويّ، كما يسمّون القصيدة كلمةً، وإليه أشار ابن مالك
في ((الخلاصة)):
وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَم
ومنه قوله رمّ: ﴿كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٠]، إشارة
إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وقولهم: لا إله إلا الله كلمة
الإخلاص، ومنه ما أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما)) عن أبي هريرة نظُله
قال: قال النبيّ وَله: ((أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لَبِيد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ))
[تنبيه]: المراد بالكلمات هنا: الْجُمَل المترابطة في المعنى:
[فالكلمة الأولى]: قوله: ((إن الله رَك لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام)).
[الثانية]: قوله: ((يَخْفِض القسط، ويرفعه)).
[الثالثة]: قوله: ((يُرفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل
عمل الليل)).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٥٤٨/٢.
(٢) ((شرح السنديّ)) ١٢٨/١.
٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[الرابعة]: قوله: ((حجابه النور - أو - النار)).
[والخامسة]: قوله: ((لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره
من خلقه)).
ويحتمل أن تكون الكلمة الأولى هي قوله: ((إن الله لا ينام))، والثانية
قوله: ((ولا ينبغي له أن ينام))، والثالثة قوله: ((يخفض القسط ويرفعه))، والرابعة
قوله: ((يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ... إلخ))، والخامسة قوله:
((حجابه النور ... إلخ))، والله تعالى أعلم.
(فَقَّالَ) وَرِ ((إِنَّ اللهَ رَى لَا يَنَامُ) أي بالفعل؛ لأن النوم من النقائص؛ إذ
هو انغمار، وغلبةٌ على العقل، يَسقُط به الإحساس، والله تعالى منزّه عن ذلك،
وهو مستحيل عليه، وهذا كقوله : ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ الآية
[البقرة: ٢٥٥]، (وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ) أي بالاحتمال، فإن النوم مستحيلٌ
عليه جل، وكلمة ((لا ينبغي)) تستعمل في المستحيلات والممنوعات، مثل هذا،
ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله
تعالى: ﴿وَمَا يَكْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ
﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ
(٢) ﴾ [الشعراء: ٢١١]، وقوله:
الشِّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهٍُ﴾ الآية [يس: ٦٩].
وقال القاري تَّتُهُ: (وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ) نفيٌّ للجواز تأكيداً لنفي الوقوع
على سبيل التتميم، أي لا يكون، ولا يصحّ، ولا يستقيم، ولا يمكن له النوم؛
لأنه أخو الموت(١). وقال السنديّ تَخْدَةُ: الكلمة الأولى دالّةٌ على عدم صدور
النوم، والثانية للدلالة على استحالته عليه تعالى، ولا يلزم من عدم الصدور
استحالته، فلذلك ذُكرت الكلمة الثانية بعد الأولى. انتهى(٢).
(يَخْفِضُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب (الْقِسْطَ، وَيَرْفَعُهُ) قال
القاضي عياض: قال الهرويّ: قال ابن قتيبة: ((القِسْط)): الميزان، وسُمِّي
قِسْطاً؛ لأن القسط العدل، وبالميزان يقع العدل، قال: والمراد أن الله تعالى
يَخفِض الميزان، ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، ويوزن من
أرزاقهم النازلة من عنده، كما يرفع الوزّان يده، ويَخفضها عند الوزن، وهذا
(١) ((شرح المرقاة)) ١٢٨/١.
(٢) ((شرح السندي)) ١٢٨/١.
٨٥
(٨٥) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َهِ: ((إِنَّ اللّهَ لَا يَنَامُ))، ... إلخ - حديث رقم (٤٥٢)
تمثيل لما يُقَدِّر تَنْزِيله، فشبّه بوزن الميزان، ويحتمل أن يكون إشارة إلى قوله
تعالى: ﴿كُلَّ يَوْرٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]: أي أنه يحكم بين خلقه بميزان
العدل، فأمره كأمر الوزّان الذي يزن، فيخفض يده ويرفعها، وهذا المعنى
أنسب بما قبله، كأنه قيل: كيف يجوز عليه النوم، وهو الذي يتصرّف أبداً في
ملكه بميزان العدل؟ .
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وهذا تمثيل ... إلخ))، غير صحيح؛
لأنه يدلّ على أن الميزان هنا ليس حقيقةً، بل هو مجاز، وهو معنى باطل،
مناف لما ثبت في النصوص الصحيحة من إثبات الميزان، والوزن به حقيقةً لا
مجازاً، وكذا قوله: ((فأمره كأمر الوزان)) فيه نظر لا يخفى، فتنبّه لهذه الدقائق،
فإنها من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقيل: المراد بالقسط الرزق الذي هو قِسط كل مخلوق، أي نصيبه،
يخفضه فيُقَتِّره، ويرفعه فيوسعه(١).
وقال الطيبيّ: المعنى الأول للقسط هو الأولى؛ لما في حديث أبي
هريرة ربه: ((يرفع الميزان ويخفضه)). انتهى(٢).
وقال القرطبيّ: قال ابن قتيبة: القِسْط: الميزان، وسُمّي بذلك؛ لأن
القسط هو العدل، وذلك إنما يحصل، ويُعرف بالميزان في حقوقنا، وأراد به
ها هنا ما يوزن به أعمال العباد المرتفعة إليه، وأرزاقهم الواصلة إليهم، كما
قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُقَزِّلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، و((القُسطاس)) بضم
القاف، وكسرها: هو أَقْوَمُ الموازين، وقيل: أراد بالقسط هنا الوزن الذي هو
قسط كلّ مخلوق، يَخفضه، فيُقتِّره، ويرفعه، فيوسّعه، وقيل: إن القسط هو
العدل نفسه، ويُراد به الشرائع والأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا
رُسُلَنَا بِالْبَيَِّتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [الحديد:
٢٥]، أي النَّصَفَة في الأحكام والعدل المأمور به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، فتارة يرفعه بمعنى: يُعليه، ويُظهره بوجود
(١) راجع: ((شرح مسلم للنوويّ)) ١٣/٣، و((شرح السنديّ)) ١٢٨/١.
(٢) («الكاشف)) ٥٤٩/٢.
٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الأنبياء، وأصحابهم، وأتباعهم العاملين به، وتارة يَخفضه بمعنى يُذهبه، ويُخفيه
بدروس الشرائع، ورجوع أكثر الناس عن المشي على منهاجها، ويَحْتَمِلُ أن
يكون رَفْعُها قبضها، كما قال ◌َّرَ في الأمانة: إنها تُرفع من القلوب(١)، وكما
قال: ((أول ما تَفقِدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة))(٢)، بل
كما قال: ((عليكم بالعلم قبل أن يُرفع))(٣)، وخفضها: إيجادها في الأرض،
ووضعها. انتهى كلام القرطبيّ (٤).
(يُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (إِلَيْهِ) أي للعرض عليه ﴿، فالرفع على ظاهره،
وقيل: معنى الرفع إليه: الرفع إلى خزائنه، كما يقال: حُمل المال إلى الملك،
فيُضبط إلى يوم الجزاء، ويُعرَض عليه، وإن كان هو ◌َلَ أعلم به؛ ليأمر
ملائكته بإمضاء ما قضى لفاعله جزاءً له على فعله، والمعنى الأولى أولى، والله
تعالى أعلم.
(عَمَلُ اللَّيْلِ) أي المعمول فيه (قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ) أي قبل أن يُؤْتَى بعمل
النهار، وهو بيان لمسارعة الكرام الكتبة إلى رفع الأعمال، وسرعة عروجهم
إلى ما فوق السماوات، وعرضهم على الله تعالى، فإن الفاصل بين الليل
والنهار آنٌ لا يجزي، وهو آخر الليل، وأول النهار.
وقيل: قبل أن يُرفع إليه عمل النهار، والأول أبلغ، قاله التوربشتيّ.
وقيل: الثاني أبلغ؛ لأن فيه بيان عظيم شأن الله تعالى، وقوّة عباده
المكرمين، وحسن قيامهم بما أمروا، ولأن لفظ العمل مصدر، فكأنه قال:
يُرفع إليه عمل الليل، أي المعمول في الليل قبل عمل النهار، فلا حاجة إلى
(١) رواه الشيخان، وغيرهما من حديث حُذيفة ◌َُّه، وقد تقدّم للمصنّف برقم (١٤٣)،
وهو عند البخاريّ برقم (٦٤٩٧).
(٢) قال الحافظ أبو بكر الهيثميّ تَّتُهُ: رواه الطبرانيّ، ورجاله رجال الصحيح، غير
شدّاد بن معقل، وهو ثقة. انتهى. ((المجمع)) ٣٣٠/٧.
(٣) رواه ابن عديّ في ((الكامل)) ١٨١٣/٥، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم
وفضله)) ٢٨/١، وفيه عثمان بن أبي عاتكة، وهو ضعيف.
(٤) ((المفهم)) ٤٠٩/١ - ٤١٠.
٨٧
(٨٥) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ))، ... إلخ - حديث رقم (٤٥٢)
تقدير لفظ الشروع، كاحتياجه إلى تقدير الرفع في المعنى الأول.
(وَعَمَلُ النَّهَارِ) بالرفع عطفاً على ((عملُ الليل)) (قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ) وفي
الرواية الآتية: ((وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ))، قال
النوويّ: معنى الرواية الأولى - والله أعلم -: يُرفع إليه عملُ الليل قبل عمل
النهار الذي بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده، ومعنى الرواية
الثانية: ((يُرفَع إليه عملُ النهار في أول الليل الذي بعده، ويُرْفَع إليه عمل الليل
في أول النهار الذي بعده، فإن الملائكة الحفَظَة يَصْعَدون بأعمال الليل بعد
انقضائه في أول النهار، ويَصْعَدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل)»،
والله تعالى أعلم. انتهى(١).
وذكر القاري تَخْتُ في ((شرح المشكاة)) ما معناه: وهو بيان لمسارعة
الملائكة الموكّلين برفع أعمال النهار بعد العصر، والليل بعد الصبح، وأنهم
يقطعون في هذا الزمن القليل تلك المسافة الطويلة التي تزيد على سبعة آلاف
سنة على ما رُوي: أن مسيرة ما بين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة سنة، وما
بين كلّ سماءين كذلك، وسَمْكُ كلّ سماء كذلك، وتقدير (رَفْع)) في الأول،
و (رَفْع)) أو ((فِعْل)) في الثاني هو الذي دلّ عليه الحديث الآخر: إن أعمال النهار
ترفع بعد صلاة العصر، وأعمال الليل تُرفع بعد صلاة الصبح، فلا يقع رفع
عمل الليل إلا بعد فعلٍ من عمل النهار، وأما رفع عمل النهار فيقع قبل فِعْلِ أو
رَفعِ شيء من عمل الليل؛ لأن بين ابتداء رفعها وعمل الليل فاصلاً يسع ذلك
بالنسبة إلى القدرة الباهرة. فالحاصل أن قوله: ((قبل عمل النهار)) يتعيّن فيه
تقدير ((رَفْع))، ولا يصحّ تقدير ((فِعل)) فيه، وقوله: ((قبل عمل الليل)) يصحّ فيه
كلٌّ منهما، وتقدير الفعل أبلغ؛ لأن الزمن أقصر، فتأمل ذلك لتعلم فساد ما
أطلقه بعض الشارحين. انتهى (٢).
(حِجَابُهُ النُّورُ) مبتدأ وخبره، يعني: أن حجاب الله ◌ُمََّ الذي احتجب به
من خلقه النور، قال النوويّ في ((شرحه)): أصل الحجاب في اللغة المنع
والسَّتْرُ، وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة، والله تعالى مُنَزَّه عن
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣/٣.
(٢) ((المرقاة شرح المشكاة)) ٢٨٥/١.
٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الجسم والحد، والمراد هنا المانع من رؤيته، وسُمِّي ذلك المانع نوراً أو ناراً؛
لانهما يمنعان من الإدراك في العادة؛ لشعاعهما. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام النوويّ هذا فيه إيماء إلى أن الحجاب هنا
مجاز، وليس حقيقةً، وسيأتي الردّ عليه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
وقال التوربشتيّ: أشار بذلك إلى أن حجابه خلاف الْحُجُب المعهودة،
فهو مُحْتَجِبٌ عن الخلق بأنوار عزّه وجلاله، وأشعّة عظمته وكبريائه، وذلك هو
الحجاب الذي تُدهَش دونه العقول، وتذهب الأبصار، وتتحيّر البصائر، ولو
كُشف ذلك الحجاب، فتجلّى لما وراءه من حقائق الصفات، وعظمة الذات لم
يَبْقَ مخلوق إلا احترق، ولا مفطور إلا اضمحلّ، وأصل الحجاب الستر الحائل
بين الرائي والمرئيّ، وهو هنا راجع إلى منع الأبصار من الإصابة بالرؤية له بما
ذكر، فقام ذلك المنع مقام الستر الحائل، فعبّر به عنه(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: (فقام ذلك المنع ... إلخ))، هذا
أيضاً من نوع ما سبق للنوويّ من دعوى المجاز، وسيأتي الرّ عليه.
والحاصل أن الصواب كون الحجاب حقيقة، لا مجاز فيه، فتبصّر، والله
تعالى أعلم.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ) يعني أن لفظ (النور)) إنما وقع في
رواية أبي كريب، وأما شيخه أبو بكر بن أبي شيبة، فرواه بلفظ: ((النار))، ولا
تنافي بين الروايتين، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة تَّتُهُ ما معناه: إن تردّد الراوي
في لفظ ((النور))، و((النار)) لا اختلاف في المعنى؛ لأن هذه النار التي كلّم الله
تعالى بها موسى؛ يقال لها: نار ونور، كما سمَّى الله تعالى نار المصباح نوراً،
بخلاف النار المظلمة، كنار جهنّم، فتلك لا تُسمَّى نوراً، فالأقسام ثلاثة:
إشراقٌ بلا إحراق، وهو النور المحض، كالقمر، وإحراق بلا إشراق، وهي
النار المظلمة، وما هو نار ونور، كالشمس، ونارٍ المصابيح التي في الدنيا
توصف بالأمرين. انتهى (٣).
(١) المصدر السابق.
(٣) ((مجموع الفتاوى)) ٣٨٧/٦.
(٢) راجع: ((الكاشف)) ٥٥٠/٢.
٨٩
(٨٥) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ))، ... إلخ - حديث رقم (٤٥٢)
(لَوْ كَشَفَهُ) أي الحجاب (لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ) أي أنوار وجهه ◌َلَ،
قال النوويّ في ((شرحه)): ((السُّبُحات)) بضم السين والباء، ورفع التاء في آخره،
وهي جمع سُبْحَة، قال صاحب ((العين))، والهرويّ، وجميع الشارحين للحديث
من اللغويين والمحدثين: معنى ((سُبُحاتُ وجهِهِ)): نوره، وجلاله، وبهاؤه.
وذكر في ((الكاشف)) عن بعضهم في معنى ((سبحات وجهه)) أنها الأنوار
التي إذا رآها الراؤون من الملائكة سبّحوا، وهلّلوا؛ لما يروعهم من جلال الله
وعظمته. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هذا البعض يحتاج إلى نقل
صحيح، والله تعالى أعلم.
(مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)) المراد جميعُ المخلوقات؛ لأن بصره وَعَالَ
محيط بجميع الكائنات، ولفظة ((من)) لبيان الجنس، لا للتبعيض، والتقدير: لو
أزال المانع من رؤيته، وهو الحجاب المسمى نوراً أو نارًا، وتَجَلَّى لخلقه
لأحرق جلال وجهه جميع مخلوقاته.
قال الطيبيّ نَّهُ: وذهب المظهر وغيره إلى أن الضمير في ((بصره)) إلى
الخلق، و((ما)) في ((ما انتهى)) بمعنى: ((من)) و((من خلقه)) بيان له، والأول هو
الوجه - يعني: أن رجوع ضمير ((بصره)) إلى الله تعالى هو المعنى الصحيح - بل
فساد هذا المعنى لا خفاء فيه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: ((عَنِ الْأَعْمَشِ))، وَلَمْ يَقُلْ: ((حَدَّثَنَا))) يعني:
أن شيخه أبا بكر قال في روايته: ((عن الأعمش)) بـ((عن))، ولم يذكر لفظ:
(حدّثنا))، کما قاله شيخه الآخر، وهو أبو كُريب.
قال النوويّ تَّتُهُ: هذا من احتياط الإمام مسلم تَّتُهُ، وورعه، وإتقانه،
وهو أنه رواه عن أبي كريب، وأبي بكر، فقال أبو كريب في روايته: ((حدثنا
أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش))، وقال أبو بكر: ((حدثنا أبو معاوية، عن
الأعمش))، فلما اختَلَفت عبارتهما في كيفية رواية شيخهما: أبي معاوية بَيَّنَها
مسلم آڵثهُ، فحصل فيه فائدتان:
[إحداهما]: أن ((حدّثنا)) للاتصال بإجماع العلماء، وفي ((عن)) خلاف كما
قدمناه في الفصول وغيرها، والصحيح الذي عليه الجماهير، من طوائف
٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
العلماء، أنها أيضاً للاتِّصال إلا أن يكون قائلها مدلساً، فَبَيَّن مسلم ذلك.
[والثانية]: أنه لو اقتَصَرَ على إحدى العبارتين، كان فيه خَلَلٌ، فإنه إن
اقتصر على ((عن)) كان مُفَوِّتاً لقوّة ((حدّثنا))، وراوياً بالمعنى، وإن اقتصر على
((حدَّثنا)) كان زائداً في رواية أحدهما راوياً بالمعنى، وكل هذا مما يُجْتَنَب.
انتهى كلام النوويّ ◌َُّهُ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ظُله هذا من أفراد
المصنّف رَحْذَلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٥٢/٨٥ و٤٥٣ و٤٥٤] (١٧٩)،
و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٩٥ و١٩٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٤٩١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٥/٤ و٤٠١ و٤٠٥)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٣٧٩ و٣٨٠ و٣٨١ و٣٨٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٤٨
و٤٤٩ و٤٥٠ و٤٥١)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص١٩ - ٢٠)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٢٦٦)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٧٧٥ و٧٧٧ و٧٧٨
و٧٧٩)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص ١٨٠ و١٨١)، و(البغويّ) في
((شرح السنّة)) (٩١)، و(الآجرّيّ) في ((الشريعة)) (ص٣٠٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحالة النوم على الله وخياله؛ لكونه من النقائص.
٢ - (ومنها): أن الله تعالى يُعزّ من يشاء ويهدي من يشاء من عباده، كما
قال ◌َ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ
وَتُعِزُّ مَنْ تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَدَءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (َ)﴾ [آل
عمران: ٢٦].
٣ - (ومنها): أن الأعمال ترفع إليه كل يوم وكلّ ليلة، وهذا معنى
قوله رَى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الآية [فاطر: ١٠].
٩١
(٨٥) - بَابُ قَوْلِ النَِّيِّ بَِّ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ))، ... إلخ - حديث رقم (٤٥٢)
٤ - (ومنها): إثبات الحجاب له رُاللهَ، وهو النور الحائل بينه وبين خلقه،
ولولاه لاحترقوا .
٥ - (ومنها): الردّ على الجهميّة فيما أنكرته من الصفات، وهو الوجه،
والبصر، ورفع القسط، وخفضه، فكلها صفات ثابتة لله تدخل على ما يليق
بجلاله .
٦ - (ومنها): ما قال الإمام عثمان بن سعيد الدارميّ تَُّ في كتاب الرّدّ
على المريسيّ: إنما كانت تَحرق سُبُحات وجهه وَلَ لو كشفها كلّ شيء في
الدنيا؛ لأن الله تعالى کَتَب الفناء عليها، وركَّب ما ركّب من جوارح الخلق
للفناء، فلا تحتمل نور البقاء، فتحترق به، أو تُدكّ، كما دُّ الجبل، فإذا كان
يوم القيامة رُكّبت الأبصار والجوارح للبقاء، فاحتملت النظر إلى وجهه الكريم،
وإلى سُبُحاته، ونور وجهه من غير أن تحرق أحداً، كما لو أن أجسَمَ رَجُلٍ
وأَعْظَمه وأكمله لو أُلقي في الدنيا في تنّور مسجور لصار رماداً في ساعة، فهو
يتحرق في نار جهنم ألف عام وأكثر، ونارُها أشدّ حرّاً من نار الدنيا سبعين
ضعفاً، لا يصير منها رماداً، ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِثَايَئِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًّا كُلَّا نَّعِحَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابُّ إِنَ
[النساء: ٥٦]؛ لأن أجسامهم، وأبصارهم، وأسماعهم
اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا فَهَا﴾
تُركَّب يومئذ للبقاء، فاحْتَمَلت من عذاب جهنّم ما لم تكن تحتمل جزءاً من
ألف جزء من عذاب الدنيا، وكذلك أولياء الله تعالى تحتمل أبصارهم النظر إلى
وجه الله تعالى يوم القيامة، ولو قد أدركهم شيء من سُبُحات وجهه في الدنيا
لاحترقوا، كما قال رسول الله وَ﴾، ولم تحتملها أبصارهم. انتهى كلام
الدارميّ ◌َخْلُهُ، (١) وهو تحقيق مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): قال النوويّ في ((شرحه)): وأما الحجاب: فأصله في
اللغة المنع والستر، وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة، والله
تعالى مُنَزَّه عن الجسم، والحدّ، والمراد هنا المانع من رؤيته، وسُمِّي ذلك
(١) ((نقض الدارميّ)) ٧٥٥/٢ - ٧٥٨.
٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
المانع نوراً أو ناراً؛ لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة؛ لشعاعهما، والمراد
بالوجه الذاتُ، والمراد بما انتهى إليه بصره من خلقه، جميعُ المخلوقات؛ لأن
بصره ◌ُعَلَ مُحيط بجميع الكائنات، ولفظة ((من)) لبيان الجنس، لا للتبعيض،
والتقدير: لو أزال المانع من رؤيته، وهو الحجاب المسمى نوراً أو ناراً،
وتَجَلَّى لخلقه، لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته. انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النووي تبعاً للقاضي عياض،
وغيره من الأشاعرة المؤوّلين مما لا يخفى ما فيه من الفساد:
(فمن ذلك): تأويل الحجاب ودعوى كونه مجازاً عن منع الرؤية، وهذا
باطلٌ؛ لأن النصوص أثبتت لله ج الحجاب، فمذهب السلف أن الحجاب
ثابت لله ول على حقيقته، كما أثبتته النصوص، فهو يحجب بصر خلقه عنه
بنوره، فلا أحد يُدركه ◌َلَ، قال الإمام عثمان بن سعيد الدارميّ ◌َّتُهُ في كتابه
الردّ على بشر المريسيّ: إنما نقول: احتجب الله بهذه النار عن خلقه بقدرته
وسلطانه، لو قُدّر كشفها لأحرق نور الربّ، وجلاؤه كلَّ ما أدركه بصره،
وبصره مدرك كلّ شيء، غير أنه يُصيب به ما يشاء، ويَصرفه عما يشاء، كما أنه
حين تجلّى لذلك الجبل خاصّةً من بين الجبال جعله دكّاً، ولو تجلّى لجميع
جبال الأرض لصارت دكّاء كما صار جبل موسى، ولو تجلّى لموسى لجعله
دكّاً، وإنما خرّ صعقاً؛ لما هاله من صوت الجبل. انتهى (٢).
(ومن ذلك): تفسيره الوجه بالذات، فإنه منه مصير إلى نفي صفة الوجه،
وهو غير صحيح، بل الوجه صفة ثابتة لله تعالى، كما أثبتها لنفسه في كتابه، حيث
[الرحمن: ٢٧]، وحيث أثبته هذا
قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ
الحديث الصحيح، وغيره من الأحاديث الصحيحة، ولا يلزم من إثباتنا له تشبيهه
بخلقه، فأيّ فرق بين إثباتنا له الذات، وبين إثباتنا له الوجه؟، فإن كان يلزم من
الوجه التشبيه لزم من الذات أيضاً، لكن نقول: له ذات لا تشبه الذوات، ووجه
لا يشبه الوجوه، وبصرٌ لا يُشبه الأبصار، ويدٌ لا تشبه الأيدي، وغير ذلك من
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣/٣ - ١٤.
(٢) ((نقض الدارميّ على المريسيّ)) ٢/ ٧٥٠ - ٧٥٤.
٩٣
(٨٥) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّهِ: (إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ))، ... إلخ - حديث رقم (٤٥٢)
صفات الكمال، وهذا هو مذهب السلف، وهو الصراط المستقيم، فعليك بلزومه
إن أردت الهدى والعزّ المستديم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(المسألة الخامسة): ذكر الطيبيّ نَّثُ في ((الكاشف)) هنا وجوهاً متعلّقة
بلطائف المعاني، والمحسّنات البديعيّة، أحببت إيرادها مع التعقيب على ما
يحتاج إلى التعقيب عليه :
[أحدها]: أن قوله: ((لا ينبغي له أن ينام)) جملة معترضة، واردة على
التتميم؛ صوناً للكلام عن المكروه، فإن قوله: ((لا ينام)) لا ينفي جواز النوم،
كما قال الأشرف، فعقّب به لدفع ذلك التجويز، قال أبو الطيّب [من الطويل]:
وَتَحْتَقِرُ الدُّنْيَا اخْتِقَارَ مُجَرِّبٍ تَرَى كُلَّ مَا فِيهَا وَحَاشَاكَ فَانِيَا
فإن ((حاشاك)) تتميم في غاية الحسن، ومعنى ((لا ينبغي)) لا يصحّ، ولا
يستقيم النوم؛ لأنه مناف لحال ربّ العالمين.
[وثانيها]: ((يخفض، ويرفع، وعمل الليل، وعمل النهار)) من باب
التضادّ، والمطابقة، والخفض، والرفع في القرينتين مستعارتان للمعاني من
الأعيان.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((مستعارتان ... إلخ)) غير صحيح؛ لأن
الاستعارة من المجاز، فهو يريد أن لا يثبت صفة الخفض والرفع لله تعالى على
ظاهرها، وقد سبق أن نبّهنا على مثل هذا، فالحقّ أنها ثابتة له، ولا حاجة إلى
المجاز؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذّر الحقيقة، وهنا لم يتعذّر، فتبصّر
بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
[وثالثها]: ((لو كشفه)) من الشرط والجزاء، استئنافيّة، مبيّنة للكلام
السابق، كأنه لما قيل: إن حجابه النور، وعُرِّف الخبر المفيد للتخصيص اتّجه
للسائل أن يقول: لم خُصّ الحجاب بالنور؟ أجيب: بأنه لو كان من غيره
لاحترق.
قال الجامع: هذه الفائدة غير واضحة، والله تعالى أعلم.
[ورابعها]: الجملة الفعليّة في النفي والإثبات كلها واردة على صيغة
المضارع؛ لإرادة الاستمرار، فالمنفيّان فيها يدلان على الدوام من غير انقطاع،
٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والأربع المثبتة على التجدد مع الاستمرار، وأما الجملة الاسميّة فدلالتها على
سبيل الثبات والدوام في هذا العالم، والشرطيّة منبئة عن ذلك؛ لما دلّت على
أنها مخالفة للنور المتعارف.
قال: وفيه دليل على أن نبينا وَ ل﴿ رأى ربّه تعالى لقوله في الدعاء: ((اللهم
اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً)).
قال الجامع: مسألة رؤية النبيّ وَّلو ربه ليلة الإسراء ببصره قد حقّقنا القول
فيها، وأن جمهور السلف على نفيها، للحديث الصحيح المتقدّم: ((نور أنى
أراه)»، وغيره، ومن نُقل عنه إثباتها كابن عبّاس فإن الصحيح أنه أثبتها بالفؤاد،
لا بالعين، فتنبّه.
وأما استدلال الطيبيّ عليها بالحديث المذكور، فمما لا يخفى بُعده على
بصير، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال: وأما المؤمنون إذا صَفَت بشريّتهم عن الكُدُورات في دار الثواب،
فيُرزَقُون هذه المنحة السنيّة، والرتبة العليّة.
[وخامسها]: أن معنى الحديث بأسره مسبوك من معنى آية الكرسيّ، فإن
قوله ◌َالَ: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، إلى قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]
مشعر بصفة الإكرام، ومنه إلى الخاتمة مشير إلى صفة الجلال؛ لما فيه من
المنع عن الشفاعة إلا بإذنه، ومن ذكر الكرسيّ الذي هو سرير الملك، وهو
مناسب لحديث الحجاب، وكذلك الحديث إلى قوله: ((حجابه النور)) مُنْبِىءٌ عن
صفة الإكرام، ومنه إلى آخره عن صفة الجلال، فتكون صفة الجلال محتجبةً
بصفة الإكرام، فلو كشف حجاب الإكرام لتلاشت الأشياء، وتفنى بتجلي
صفات الجلال الكائنات، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَّكَ ذُو الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ (٣)﴾ [الرحمن: ٢٧].
ومن أسمائه الحسنى، وصفاته العظمى النور، قال الله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ
الْأَرْضُ بِنُورِ رَتِهَا﴾ [الزمر: ٦٩].
وبيانه أن قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ مقرّر للكلام السابق، قال في
((الكشّاف)): وهو تأكيد لـ﴿اَلْقَيُّومُ﴾؛ لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون
قيّوماً، وهو مثل قوله: ((لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام))، وقوله: ﴿لَُّ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ﴾ كالتعليل لمعنى القيّوميّة، أي كيف ينام، وهو مالك ما
٩٥
(٨٥) - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((إِنَّ اللّهَ لَا يَنَامُ))، ... إلخ - حديث رقم (٤٥٣)
في السماوات وما في الأرض، ومربيهم، ومدبّر أمور معاشهم ومعادهم؟ وإلى
الأول الإشارة بقوله: ((يخفض القسط ويرفعه))، وإلى الثاني بقوله: ((يُرفَع إليه
عمل الليل ... إلخ)).
[فإن قلت]: فأين معنى قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ﴾ الآية في
الحديث؟.
[قلت]: تخصيص ذكر البصر الذي هو نوع من طريق العلم مُلَوّح إليه،
فما أجمعه من كلمات! وما أفصحه من عبارات! ولعمر الله إن هذا الحديث
سيّد الأحاديث، كما أن آية الكرسيّ سيدة الآيات. انتهى كلام الطيبيّ ◌َُّ،
وهو بحث جيّد مع ما سبق في بعضه من المناقشة، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٥٣] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا(١) جَرِيرٌ، عَنِ
الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ الهِ لَّهِ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ
حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ ((مِنْ خَلْقِهِ)، وَقَالَ: ((حِجَابُهُ الُّورُ))).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، نزيل نيسابور،
ثقة ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
والأعمش تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (بِأَرْبَعِ کَلِمَاتٍ) لا تنافي بينه وبين الرواية السابقة ((بخمس
كلمات))؛ إذ يُحمل بضمّ الرابعة، والخامسة، أو الأولى والثانية في كلمة
واحدة، والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ) ضمير ((ذَكَرَ)) لجرير.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ ((مِنْ خَلْقِهِ))) يعني أن جريراً أسقط في روايته لفظ ((من
خلقه))، واقتصر على قوله: ((ما انتهى إليه بصره)).
وقوله: (وَقَالَ: ((حِجَابُهُ النُّورُ) يعني أنه روى بلفظ ((حجابه النور))، ولم
يذكر ((النار))، وقد سبق اختلاف شيخي المصنّف على أبي معاوية فيه كما نبّه
عليه في كلامه السبق.
لكن الذي وقع عند ابن منده في الإيمان من رواية جرير بلفظ))النار))،
فقد أخرجه من طرق عنه، كما سيأتي بعض الطرق في التنبيه التالي، ولعل
المصنّف تَخْتُهُ وقع له بلفظ ((النور))، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية جرير هذه التي أحالها المصنّف كَثِّتُهُ على أبي معاوية،
أخرجها الحافظ ابن منده تَُّ في ((الإيمان)) (٢/ ٧٧٠) فقال:
(٧٧٧) أنبأ محمد بن إبراهيم بن الفضل، ثنا أحمد بن سلمة (ح) وأنبأ
محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن نعيم، قالا: ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جرير
(ح)، وأنبأ عبد الرحمن بن يحيى، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، أنبأ
عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي
عبيدة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله وَّر بأربع كلمات، فقال:
((إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفض القسط، ويرفعه، يُرْفَع إليه عمل
الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت
سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٥٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ (١)، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي
(١) وفي نسخة: ((ومحمد بن بشّار)).
٩٧
(٨٦) - بَابُ إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ نَ﴿َ فِي الآخِرَةِ - حديث رقم (٤٥٥)
مُوسَى، قَالَ: ((قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ وَيهِ بِأَرْبَعِ: إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَّهُ أَنْ يَنَامَ،
يَرْفَعُ الْقِسْطَ، وَيَخْفِضُهُ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ المذكور قبل باب.
٢ - (وَابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد بن بشّار بُنْدار المذكور في الباب الماضي.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ((غُنْدر))، أبو عبد الله الْهُذَليّ البصريّ،
ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور المذكور قبل باب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل
المتعلّقة به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٨٦) - (بَابُ إِثْبَاتٍ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ نَّلَ فِي الآخِرَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٥٥] (١٨٠) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي
غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((جَنَّتَانٍ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا
فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى
رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ، عَلَى وَجْهِهِ، فِي جَنَّةِ عَدٍْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ(١)) هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ بن
(١) بفتح الجيم، وسكون الهاء، وفتح الضاد.
٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
صُهْبان الأزديّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠] (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ(١)) هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٧.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليّ المعروف بابن راهويه المذكور قبل
حدیث .
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) الْعَمّيّ، أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ البصريّ، ثقة
حافظ، من كبار [٩].
رَوَى عن أبي عمران الْجَوْنيّ، وداود بن أبي هند، ومنصور، وعلي بن
زيد بن جُدْعان، ومطر الوراق، وعطاء بن السائب، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وعليّ، ويحيى، وأبو موسى، ويُنْدار،
والحميدي، وأبو غسان المسمعي، والحسن بن عرفة، وغيرهم.
قال أحمد: كان ثقة. وقال ابن معين: لم يكن به بأس. وقال القواريري:
كان حافظاً. وقال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم:
صالح. وقال عمرو بن عليّ: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول يوم مات: ما
مات لكم منذ ثلاثين سنة شبههُ، أو مثله، أو أوثق منه. وقال العجليّ: ثقة.
قال أبو داود: مات سنة (١٨٧)، وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات
سنة (١٨٨)، وقال ابن قانع: مات سنة (١٨٩)، ويقال: سنة (١٩٠)، وحكى
الْقَرّاب القولين في ((تاريخه)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا الحديث
(١٨٠)، وحديث (٥٧٢): ((إنه لو حَدَثَ في الصلاة شيءٍ ... ))، و(٢١٠٩):
(أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة المصوّرون))، و(٢٣٠٠): ((لآنيته أكثر من عدد
نجوم السماء ... ))، و(٢٦٢٥): ((إذا طبختَ مرقةً، فأكثر ماءها ... ))،
و(٢٨٣٨): ((في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوّفة ... )).
(١) ((غسّان)) بفتح الغين المعجمة، يجوز صرفه، وعدمه، و((المسمعيّ)) - بكسر الميم
الأولى، وفتح الثانية -: نسبة مِسْمَع بن ربيعة جدّ قبيلة.
٩٩
(٨٦) - بَابُ إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ نَعَلَ فِي الآخِرَةِ - حديث رقم (٤٥٥)
٥ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) هو: عبد الملك بن حبيب الأزديّ، ويقال:
الكنديّ البصريّ، أحد العلماء، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار [٤].
رَأَى عمران بن حصين، ورَوى عن جندب بن عبد الله البجلي، وأنس،
وأبي فِرَاس، ربيعة بن كعب الأسلمي، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عبيد، وسليمان التيمي، وابن عون، وأبو عامر الخزاز،
وشعبة، وأبان، وأبو قُدامة الحارث بن عبيد، وهمام بن يحيى، والحمادان،
وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به
بأس. وقال عمرو بن علي: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، واسمه
عبد الرحمن، كذا قال. وقال غيره: سنة تسع. وقال ابن حبان في ((الثقات)):
مات سنة ثلاث وعشرين، وقد قيل: سنة ثمانية. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله
أحاديث. وقال الحاكم: لم يصح سماعه من عائشة، وصح سماعه من أنس.
وفي الطبراني بإسناد صحيح، عن حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجونيّ،
قال: بايعت ابن الزبير على أن أقاتل أهل الشام، فاستفتيت جندباً.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثاً .
٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ) الْأَشْعَرِيُّ الكوفيّ، يقال: اسمه
عمرو، ويقال: عامر، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وابن عباس،
والأسود بن هلال.
وروى عنه أبو جمرة الضُّبَعيّ، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وبدر بن عثمان،
وعبد الله بن أبي السَّفَر، والأجلح بن عبد الله الْكِنديّ، وأبو إسحاق السبيعي،
ويونس بن أبي إسحاق، وغيرهم.
قال الآجريّ: قلت لأبي داود: سمع أبو بكر من أبيه؟ قال: أُراه قد
سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة، وكان يذهب مذهب أهل الشام،
جاءه أبو غادية الجهنيّ، قاتل عَمّار، فأجلسه إلى جانبه، وقال: مرحباً بأخي.
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة، وقال: مات في ولاية
خالد بن عبد الله. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: اسمه كنيته، مات في
١٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ولاية خالد، ومن زَعَم أن اسمه عامر فقد وَهِمَ، عامر اسم أبي بردة. وقال
عبد الله بن أحمد في ((العلل)): قلت لأبي: فأبو بكر بن أبي موسى سمع من
أبيه؟ قال: لا. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: أبو بكر بن
أبي موسى أفضل من أخيه أبي بردة. وقال العجليّ: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن
سعد: اسمه كنيته، وكان قليل الحديث، يُستضعَف، ومات في ولاية خالد،
وكان أكبر من أخيه أبي بردة. وقال خليفة: مات سنة ست ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سنّة أحاديث، هذا (١٨٠)،
وحديث (٦١٤): ((الوقت بين هذين))، و(٦٣٥): ((من صلّى البردين دخل
الجنّة))، و(١٩٠٢): ((إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف ... ))، و(٢٧١١):
((اللهم باسمك أحيا ... ))، و(٢٨٣٨): ((إن للمؤمن في الجنة لخيمة ... ))،
وكرّره ثلاث مرّات.
٧ - (أَبُوهُ) عبد الله بن قيس بن سُليم، أبو موسى الأشعريّ الصحابيّ
الشهير به المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف كََّثُ، وله فيه ثلاثة شيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير إسحاق، فمروزيّ، وأبي بكر
فكوفيّ، وأما الصحابيّ فقد سكن البصرة والكوفة.
٣ - (ومنها): أنهم رجال الجماعة، غير إسحاق، فما أخرج له ابن
ماجه، وأبي غسّان فتفرّد به المصنّف، وأبو داود.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ لأبي غسّان، قال: حدّثنا أبو
عبد الصمد)) يعني أن سياق هذا المتن لشيخه أبي غسّان، وأما الآخران فروياه
بالمعنى، ثم إن أبا غسّان ذكر شيخه بكنيته، فقال: ((حدّثنا أبو عبد الصمد))،
وأما الآخران فصرّحا باسمه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبو عمران، عن أبي بكر.
٦ - (ومنها): أن أبا بكر اسمه كنيته على الأصحّ، كأخيه أبي بُردة،
ويقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر.