النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ رَكَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَىَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٦)
وقوله رَبَك: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ﴾ كما ينزل جبريل الشَّلامُ
ج
وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ﴿إِنَُّ عَلِىّ حَكِيمٌ﴾
فهو علي عليم خبير حكيم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ
حِجَابٍ﴾ الآية، هذا دليل ثانٍ استَدَلّت به عائشة ﴿ّا على ما ذهبت إليه من نفي
الرؤية، وتقريره أنه وُلَ حصر تكليمه لغيره في ثلاثة أوجه: وهي الوحي بأن
يُلْقِي في رُوعه ما يشاء، أو يكلِّمه بواسطة من وراء حجاب، أو يرسل إليه
رسولاً، فيبلغه عنه، فيستلزم ذلك انتفاء الرؤية عنه حالة التكلم.
والجواب أن ذلك لا يستلزم نفي الرؤية مطلقاً، قاله القرطبيّ، قال:
وعامة ما يقتضي نفي تكليم الله على غير هذه الأحوال الثلاثة، فيجوز أن
التكليم لم يقع حالة الرؤية. انتهى (٢).
(قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ كَتَمَ شَيْئاً مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَقَدْ أَعْظَمَ
عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن لَّْ
تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]) قال في ((الفتح)): ظاهره اتّحاد الشرط
والجزاء؛ لأن معنى ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ﴾ لم تبلّغ، لكن المراد من الجزاء لازمه،
فهو كحديث: ((ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)).
واختُلِف في المراد بهذا الأمر، فقيل: المراد بلِّغْ كما أُنزل، وهو على ما
فهِمت عائشة وغيرها، وقيل: المراد بلّغه ظاهراً، ولا تخشَ من أحد، فإن الله
يعصمك من الناس، والثاني أخصّ من الأول، وعلى هذا لا يتّحد الشرط
والجزاء، لكن الأول قول الأكثر؛ لظهور العموم في قوله: ﴿مَا أَنزَلَ﴾، والأمر
للوجوب، فيجب عليه تبليغ كلّ ما أُنزل إليه، ورجّح الأخير ابن التين، ونسبه
لأكثر أهل اللغة.
وقد احتجّ أحمد بن حنبل بهذه الآية على أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه لم
يَرِد في القرآن، ولا من الأحاديث أنه مخلوقٌ، ولا ما يدُلّ على أنه مخلوقٌ،
(١) «تفسیر ابن کثیر)) ٢٩٤/١٢ - ٢٩٥.
(٢) ((الفتح)) ٤٧٥/٨ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٨٥٦).

٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ثم ذكر عن الحسن البصريّ أنه قال: لو كان ما يقوله الجعد حقّاً لبلّغه
النبيّ ◌َِّ. انتهى(١).
وقال الألوسيّ ◌َُّ: ﴿يَتُّهَا الرَّسُولُ﴾ إلى الثقلين كافّةً، وهو نداء
تشريف؛ لأن الرسالة منّة الله تعالى الْعُظمى، وكرامته الكبرى، وفي هذا
العنوان إيذانٌ أيضاً بما يوجب الإتيان بما أُمر بِهِ وَلّر من تبليغ ما أُوحي إليه،
﴿َلِّغْ﴾ أي أوصِلْ ﴿مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي جميع ما أُنزل كائناً ما كان ﴿مِن رَّبِّكْ:
أي مالك أمرك، ومبلّغك إلى كمالك اللائق بك، وفيه عِدَةٌ ضِمنيّةٌ بحفظه وَلَّ،
وكلاءته، أي بلّغه غير مراقب في ذلك أحداً، ولا خائف أن ينالك مكروه
أبداً، ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ﴾ أي ما أُمرت به من تبليغ الجميع ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتْهُ﴾ أي
فما أدّيت شيئاً من رسالته؛ لما أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، فإذا لم
تؤدّ بعضها، فكأنك أغفلت أداءها جميعاً، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان
كمن لم يؤمن بكلّها؛ الإدلاء كلّ منها بما يُدليه غيرها، وكونها لذلك في حكم
شيء واحد، والشيء الواحد لا يكون مبلَّغاً غير مبلَّغ، مؤمَناً به، غيرَ مؤمَنٍ به،
ولأن كتمان بعضها يضيِّع ما أُدّي منها، كترك بعض أركان الصلاة، فإن غرض
الدعوة ينتقض به .
قال: ومما ذكرنا في تفسير الشرطيّة يُعلَم أن لا اتّحاد بين الشرط
والجزاء، ومن ادّعاه بناءً على أن المآل: إن لم تُبلِّغ الرسالة لم تُبلِّغ الرسالة،
جعله نظير :
أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي
حيث جَعل فيه الخبر عين المبتدأ بلا مزيد في اللفظ، وأراد: وشعري
شعري المشهور بلاغته، والمستفيضة فصاحته، ولكنه أخبر بالسكوت عن هذه
الصفات التي بها تحصل الفائدة أنها من لوازم شعره في أفهام الناس
السامعين؛ لاشتهاره بها، وأنه غنيّ عن ذكرها؛ لشهرتها وذِياعها، وكذلك - كما
قال ابن الْمُنَيّر - أريد في الآية؛ لأن عدم تبليغ الرسالة أمرٌ معلومٌ عند الناس
مستقرّ في الأفهام أنه عظيم، شنيعٌ، ينعى على مرتكبه، ألا ترى أن عدم نشر
(١) (الفتح)) ٥١٣/١٣ ((كتاب التوحيد)) رقم الحديث (٧٥٣١).

٤٣
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ رَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبُرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٦)
العلم من العالم أمرٌ فظيع، فكيف كتمان الرسالة من الرسول؟، فاستغنى عن
ذكر الزيادات التي يتفاوت بها الشرط والجزاء؛ للصوقها بالجزاء في الأفهام،
وأن كلَّ من سمع عدم تبليغ الرسالة فَهِم ما وراءه من الوعيد والتهديد، وحسن
هذا الأسلوب في الكتاب العزيز بذكر الشرط عاماً، حيث قال ◌َالَ: ﴿وَإِن لَّمْ
تَفْعَلْ﴾، ولم يقل: وإن لم تبلّغ الرسالة فما بلّغت الرسالة؛ ليتغايرا لفظاً، وإن
اتّحدا معنى، وهذا أحسن رونقاً، وأظهر طلاوةً من تكرار اللفظ الواحد في
الشرط والجزاء، وهذه الذروة انحطّ عنها أبو النجم بذكر المبتدأ بلفظ الخبر،
وحُقّ له أن تتضاءل فصاحته عند فصاحة المعجز، فلا معاب عليه في ذلك.
انتهى كلام الألوسيّ ◌َظّفُهُ(١).
(قَالَتْ) عائشة ◌ِّا (وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ، فَقَدْ أَعْظَمَ
عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ) هكذا في رواية المصنّف: ((ومن زعم أنه يُخبر ... إلخ))
بالضمير، وهو عائد على محمد دَله .
ومن الغريب أن ابن التين نقل عن الداوديّ أنه قال: قوله في هذا
الطريق: ((من حدثك أن محمداً يعلم الغيب)) ما أظنه محفوظاً، وما أحد يَدَّعِي
أن رسول الله وَ ﴿ كان يعلم من الغيب إلا ما عُلِّم. انتهى.
قال الحافظ: وليس في الطريق المذكورة هنا التصريح بذكر محمد وَله
وإنما وقع فيه بلفظ: ((من حدَّثك أنه يَعْلَم))، وأظنه بَنَى على أن الضمير في قول
عائشة: ((من حدثك أنه)) لمحمد ◌َّة؛ لتقدم ذكره في الذي قبله، حيث قالت:
((مَن حدَّثك أن محمداً وَ له رأى ربه، ثم قالت: من حَدَّثك أنه يعلم ما في غد)).
ووقع في رواية إبراهيم النخعيّ، عن مسروق، عن عائشة رضيّا قالت:
((ثلاث من قال واحدةً منهنّ، فقد أعظم على الله الفرية: من زعم أنه يعلم ما
في غد ... )) الحديث، أخرجه النسائيّ، وظاهر هذا السياق أن الضمير للزاعم،
ولكن وَرَدَ التصريح بأنه لمحمد ◌َله فيما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، من
طريق عبد ربه بن سعيد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، بلفظ: ((أعظمُ
الفرية على الله مَن قال: إن محمداً رأى ربه، وإن محمداً كَتَمَ شيئاً من الوحي،
(١) ((روح المعاني)) ١٨٨/٦ - ١٨٩.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وإن محمداً يَعْلَم ما في غد))، وهو عند مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم،
عن داود، وسياقه أتمّ، ولكن قال فيه: ((ومَن زَعَم أنه يُخبر بما يكون في غد)»،
هكذا بالضمير، كما في رواية إسماعيل معطوفاً على مَن زعم أن رسول الله وَه
گَنَم شيئاً .
قال: وما ادعاه من النفي مُتَعَقَّب، فإن بعض مَن لم يَرْسَخ في الإيمان،
كان يظنّ ذلك، حتى كان يَرَى أن صحة النبوة تستلزم اطّلاع النبيّ وَّ على جميع
المغيبات، كما وقع في المغازي لابن إسحاق أن ناقة النبيّ وَ ﴿وَ ضَلَّت، فقال
زيد بن اللَّصِيت - بصاد مهملة، وآخره مثناة، وِزن عَظِيم -: يزعم محمد أنه نبيّ،
ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته، فقال النبيّ وَليقول: ((إن رجلاً
يقول: كذا وكذا، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلّني الله عليها،
وهي في شعب كذا، قد حبستها شجرة)) فذهبوا، فجاؤوه بها، فأعلم النبيّ وَلّ
أنه لا يعلم من الغيب إلا ما علّمه الله، وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَىَ
غَيْبِهِ: أَحَدًّا ٨ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧] الآية. انتهى(١).
(وَاللهُ يَقُولُ: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيِّبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:
٦٥])، يقول الله ◌ُعَلَ آمراً رسوله وسجل أن يقول معلّماً لجميع الخلق: إنه لا يعلم
أحدٌ من أهل السماوات والأرض من الملائكة والإنس والجنّ وغيرهم الغيب
إلا الله رَّت، فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له(٢).
فـ﴿ مَنْ﴾ فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾، والظرف صلتها، و﴿اُلْغَيْبٍ﴾ مفعول به، و﴿ اللَّ﴾
بدل من ﴿مَنْ﴾، أو ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ وخبره محذوف، والاستثناء منقطع (٣)، أي:
لكن الله يعلمه، والمعنى: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله تعالى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٣٧٦/١٣ ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٣٧٨).
(٢) ((تفسير ابن كثير)) ٤٢٥/١٠.
(٣) قاله ابن كثير وغيره، راجع ((تفسير ابن كثير)) ٤٢٥/١٠، ((تفسير سورة النمل)).

٤٥
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِهِ الْكُرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٦)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٤٦/٨٣ و٤٤٧ و٤٤٨ و ٤٤٩]
(١٧٧)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٦١٢ و٤٨٥٥)، و((التوحيد)) (٧٣٨٠
و٧٥٣١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٦٨ و٣٢٧٨)، و(النسائيّ) في
(التفسير)) من ((الكبرى)) (١١٤٠٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٩/٦ و٥٠ و٢٣٦
و٢٤١)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص٢٢٤ و٢٢٥)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٦٠)، و(البيهقي) في ((الأسماء والصفات)) (ص٤٣٥)، و(ابن منده)
في ((الإيمان)) (٧٦٣ و٧٦٤ و٧٦٥ و٧٦٦ و٧٦٧ و٧٦٨)، و(الطبريّ) في
«تفسيره)) (٥٠/٢٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٥ و٤٠٦ و٤٠٧ و ٤٠٨
و٤٠٩ و٤١٠)، و(أبو عوانة) في ((مستخرجه)) (٤٤١ و٤٤٢ ٤٤٣ و٤٤٤
و٤٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): نفي رؤية النبيّ وَلله ربّه، وقد سبق أن المراد رؤيته في
الدنيا؛ لأنه لا خلاف بين أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية المؤمنين ربهم
في الآخرة، فلا تخالف عائشة ﴿نا في هذا، وأيضاً المنفيّ هو الرؤية بالبصر،
فلا يُخالف ما ثبت عن ابن عبّاس ﴿ّ وغيره من أنه وَّهْ رأى ربّه بقلبه، وقد
سبق تحقيق هذا كلّه، فلا تكن من الغافلين.
٢ - (ومنها): اهتمام عائشة ◌ّا بالبحث عن المسائل العلميّة، حيث
سبقت غيرها في سؤال المراد بآية ﴿ وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى
٣ - (ومنها): بيان كرامة النبيّ وَله برؤية جبريل لعلّ على صورته التي
خلقه الله تعالى عليها، وقد سدّ أفق السماء مرّتين، وهذا أمر غريب؛ لأن
القوى البشريّة لا تَقْوى على مثل هذا، إلا بعونه ◌َلَّ .
٤ - (ومنها): أن الله ◌ُعَالَ لا تُحيط به أبصار المخلوقين، وهو محيط
بها ◌ُ الثالث .
٥ - (ومنها): أنه لا يمكن في هذه الدنيا لأيّ بشر أن يخاطبه الله تعالى
معاينة، وإنما يوحي وحياً، أو يكلّمه من وراء الحجاب، أو يُرسل إليه ملكاً،
ولا ينافي هذا ما تقدّم من قول النبيّ ◌َّ في والد جابر بن عبد الله طوًّا: إن الله

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تعالى كلّمه كفاحاً؛ لأن ذلك في البرزخ، وحكم الآخرة يختلف عن حكم
الدنيا، كما ثبتت رؤيته للمؤمنين هناك، بخلافها في الدنيا.
٦ - (ومنها): بيان أن رسول الله وَ لل بلّغ جميع ما أُرسل بتبليغه، وقال
البخاريّ كَّلُهُ في ((صحيحه)): قال الزهريّ: من الله الرسالة، وعلى الرسول
التبليغ، وعلينا التسليم. انتهى.
وقد شهدت له وَل ﴿ أمته بتبليغه، وأدائه الأمانة، واستنطقهم بذلك في
أعظم المحافل في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع، وقد كان هناك من
أصحابه نحو أربعين ألفاً، أو أكثر، فقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث
جابر بن عبد الله ﴿ه الطويل، وفيه: قال رسول الله وَالر: ((أيها الناس إنكم
مسؤولون عنّي فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلّغتَ، وأدّيت،
ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، ويَنْكُتها إلى الناس: ((اللهم
اشهد، اللهم اشهد»، ثلاث مرات.
٧ - (ومنها): أدب طالب العلم، فإن مسروقاً كان متّكئاً، فلما أراد أن
يسأل عائشة رضيها جلس؛ لأن الاتّكاء يخالف تواضع طالب العلم.
٨ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْذّثُ: في قول عائشة ◌َّا: ((والله يقول))،
وقول مسروق: ((ألم يقل الله)) بصيغة المضارع تصريح من عائشة ومسروق
بجواز قول المستدل بآية من القرآن: إن الله رَ ((يقول))، وقد كَرِهِ ذلك
مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير التابعيّ المشهور، فَرَوَى ابن أبي داود بإسناده
عنه، أنه قال: لا تقولوا: إن الله يقول، ولكن قولوا: إن الله قال، وهذا الذي
أنكره مُطَرِّف ◌َخَذُ خلاف ما فعلته الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من أئمة
المسلمين، فالصحيح المختار جواز الأمرين، كما استعملته عائشة ثها، ومن
في عصرها وبعدها من السلف والخلف، وليس لمن أنكره حجةٌ، ومما يَدُلُّ
على جوازه من النصوص قول الله رَى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ اُلْحَقَ وَهُوَ يَهْدِى اُلسَّبِيلَ﴾
[الأحزاب: ٤]، وفي ((صحيح مسلم) رَّتُهُ، عن أبي ذر رَضُه قال: قال النبيّ ◌َلَّه:
(يقول الله رحمك: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم
(١) ((شرح النوويّ)) ٩/٣.

٤٧
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبُرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧)
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٤٧] (.) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا
دَاوُدُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَزَادَ: قَالَتْ: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ وَه
كَاتِماً شَيْئاً، مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى
النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢، وهو أحد المشايخ التسعة
الذين يَروِي عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ [٨] (١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
[تنبيه]: كون عبد الوهّاب هذا هو الثقفيّ هو الذي صرّح به الحافظ
المزيّ في ((تحفة الأشراف)) (٧٢٥/١١)، وأخرج الحديث أبو عوانة في
(مسنده)) (١٣٥/١) رقم (٤٠٦) من طريق آخر، فصرّح بأنه عبد الوهّاب بن
عطاء، ودونك نصّه:
((حدّثنا الصغانيّ، وأبو أميّة، قالا: ثنا عبد الوهّاب بن عطاء، قال:
حدّثنا داود، عن الشعبيّ ... )) إلخ.
فلا يستبعد أن يكون هو المراد في سند المصنّف هنا؛ لأنهما يرويان عن
داود بن أبي هند، لكن مما يؤيّد كونه هنا عبد الوهّاب الثقفيّ أنه لم يذكر في
((التهذيبين))(١) محمد بن المثنّى فيمن روى عن ابن عطاء، بل عن الثقفيّ،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((تهذيب الكمال)) ٥٠٣/١٨ و٥٠٩، و(تهذيب التهذيب)) ٦٣٨/٢.

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
و((داود)) هو ابن أبي هند تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (هَذَا الْإِسْنَادِ) يعني الإسناد الذي قبله.
وقوله: (وَزَادَ) الضمير لعبد الوهّاب.
وقوله: (لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ) أي لأن هذه الآية فيها بيان المعاتبة له، ومع
ذلك لم يكتمها، بل بلّغها للأمة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب هذه التي أحالها المصنّف تَخْتُهُ على رواية ابن
عُليّة الماضية، أخرجها الإمام النسائيّ ◌َّتُ في ((السنن الكبرى)) (٤٣٢/٦)،
فقال :
(١١٤٠٨) أنا محمد بن المثنى، قال: حدثني عبد الوهاب، نا داود، عن
عامر، عن مسروق، أن عائشة قالت: ثم يا أبا عائشة، ثلاثٌ من قال بواحدة
منهنّ، فقد أعظم على الله الفِرْية، قال: وكنت متكئاً، فجلست، فقلت: يا أم
المؤمنين أنظريني، ولا تُعْجِليني، أرأيت قول الله وَت: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِلْأُفْىِّ الْمُِينِ
[النجم: ١٣]؟ قالت: إنما هو
﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى
جبريل نِالَّ رآه مرةً على خَلْقه، وصورته التي خُلِق عليها، ورآه مرةً أخرى حين
هَبَطَ من السماء إلى الأرض سادّاً عِظَم خَلْقه ما بين السماء والأرض، قالت:
أنا أول من سأل نبي الله وَ لا عن هذه الآية، فقال: ((هو جبريل))، ومن زعم أنه
يَعْلَم ما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن
فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (®)﴾ [النمل: ٦٥]، ومن
زعم أن محمداً كتم شيئاً، مما أنزل الله عليه، فقد أعظم على الله الفرية، والله
يقول: ﴿﴿ يَأَيُّهَ الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَبِكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ,
وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ (19)﴾
[المائدة: ٦٧] ،
قالت: لو كان محمدٌ وَلِ﴾ كاتِماً شيئاً مما أُنزل عليه، لَكَتَم هذه الآية: ﴿وَإِذْ
تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِ
نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. انتهى.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث زيادةً على المسائل السابقة:
(المسألة الأولى): في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ

٤٩
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَّ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧)
وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى
النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ :
قال الإمام ابن كثير دخُّ: يقول تعالى مخبراً عن نبيه وَلّ أنه قال لمولاه
زيد بن حارثة ره، وهو الذي أنعم الله عليه: أي بالإسلام، ومتابعة
الرسول وَ﴾، وأنعمت عليه: أي بالعتق من الرقّ وكان سيداً، كبير الشأن،
جليل القدر، حبيباً إلى النبيّ وَّه، يقال له: الْحِبّ، ويقال لابنه أسامة: الْحِبّ
ابن الْحِبّ.
قالت عائشة ﴿يا: ما بعثه رسول الله وَ﴿ في سرية إلا أَمَّره عليهم، ولو
عاش بعده لاستخلفه، رواه الإمام أحمد، عن سعيد بن محمد الوراق،
ومحمد بن عبيد، عن وائل بن داود، عن عبد الله الْبَهِيّ، عنها(١).
وقال البزاز في ((مسنده)) بسند صحيح، عن عُمَر بن أبي سلمة، عن أبيه،
قال: حدثني أسامة بن زيد ربه قال: كنت في المسجد، فأتاني العباس،
وعليّ بن أبي طالب ظه فقالا: يا أسامة، استأذن لنا على رسول الله وَظهور، قال:
فأتيت رسول الله وَالر، فأخبرته، فقلت: علي والعباس يستأذنان، فقال ◌َله:
((أتدري ما حاجتهما؟)) قلت: لا يا رسول الله، قال وَ ليقول: ((لكني أدري))، قال:
فأذن لهما، قالا: يا رسول الله جئناك لتخبرنا: أيُّ أهلك أحبُّ إليك؟ قال ◌َله:
((أحب أهلي إليّ فاطمة بنت محمد))، قالا: يا رسول الله ما نسألك عن فاطمة،
قال ◌َ له: ((فأسامة بن زيد بن حارثة الذي أنعم الله عليه، وأنعمت عليه)).
وكان رسول الله وسلم قد زوّجه بابنة عمته، زينب بنت جحش
الأسدية وتنا، وأمها أمية بنت عبد المطلب، وأصدقها عشرة دنانير، وستين
درهماً، وحماراً، وملحفةً، ودرعاً، وخمسين مدّاً من طعام، وعشرة أمداد من
تمر، قاله مقاتل بن حيان، فمكثت عنده قريباً من سنة، أو فوقها، ثم وقع
بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله، فجعل رسول الله (ص 184 يقول له:
﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِ اللَّهَ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ
وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَةٌ﴾ .
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (٢٢٦ و٢٥٤ و٦٢٨١).

٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وذكر ابن أبي حاتم، وابن جرير ها هنا آثاراً عن بعض السلف، أحببنا أن
نضرب عنها صَفْحاً؛ لعدم صحتها، فلا نوردها (١). انتهى المقصود من كلام
ابن كثير رخّتُهُ .
(﴿وَإِذْ﴾) ظرف متعلّق بـ(اذكُر)) مقدَّراً (﴿تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ﴾)
بالإسلام (﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾) بالإعتاق، وهو زيد بن حارثة، كان من سبي
الجاهليّة، اشتراه رسول الله وَّله قبل البعثة، وأعتقه، وتبنّاه (﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
وَأَتَّقِ اللَّهَ﴾) في أمر طلاقها (﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُبْدِيهِ﴾) هو ما أعلمه الله
تعالى به من أن زيداً سيُطلّقها، ويَنكحها النبيّ وَِّ، فعاتبه الله تعالى، قال: لم
قُلتَ: أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك؟ وهذا
القول هو المنصور المعوّل عليه عند الجمهور (﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾) أي أن يقولوا:
تزوّج زوجة ابنه (﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّهُ﴾) في كلّ شيءٍ.
وقال في ((الفتح)): قوله: ﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُّبْدِيهِ﴾ نزلت في
شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة، أخرج البخاريّ في ((التوحيد)) من
صحيحه)) عن أنس رضيالله قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبيّ وَل
يقول: ((اتَّقِ اللهَ، وأمسك عليك زوجك))، قال أنس: لو كان رسول الله وَله
كاتِماً شيئاً لكتم هذه الآية، قال: وكانت تفتخر على أزواج النبيّ وَّر ...
الحديث، وأخرجه أحمد بلفظ: ((أتى رسولَ الله زيد بن حارثة، فجاءه زيد
يشكوها إليه، فقال له: أمسك عليك زوجك، واتق الله))، فنزلت إلى قوله
﴿َزَوَّجْنَكَهَا﴾ قال: يعني زينب بنت جحش، وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه
القصة، من طريق السُّدّيّ، فساقها سياقاً واضحاً حسناً، ولفظه: بلغنا أن هذه
الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب، عمة
رسول الله صل﴾، وكان رسول الله وَليل أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه،
(١) أشار به إلى القصّة التي يذكرها كثير من المفسّرين، من أنه وَ ﴿ أحبّ زينب، وتمنّى
أن يفارقها زيد حتى يتزوّجها، وهو منكر من القول، وزور، فلا ينبغي لمسلم أن
يتفوّه به؛ لأن فيه هضماً لجانب الرسول وَل﴾، وحظّاً عن قدر النبوّة، نسأل الله
تعالى السلامة والعافية من ذلك.

٥١
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ رَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبُرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧)
فكَرِهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله وَل، فزوّجها إياه، ثم
أعلم الله رَك نبيّهِ وَّهَ بعدُ أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها،
وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ولايه
أن يمسك عليه زوجه، وأن يَتَّقِيَ الله، وكان يَخْشَى الناس أن يعيبوا عليه،
ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وقد كان قد تبنى زيداً.
وعند ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن زيد، عن عليّ بن الحسين بن
عليّ، قال: أعلم الله نبيّه وَ ل﴿ أن زينب ستكون من أزواجه، قبل أن يتزوجها،
فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال الله:
قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبدیه.
قال الحافظ: وقد أطنب الترمذيّ الحكيم في تحسين هذه الرواية، وقال:
إنها من جواهر العلم المكنون، وكأنه لم يقف على تفسير السديّ الذي أوردته،
وهو أوضح سياقاً وأصح إسناداً إليه؛ لضعف عليّ بن زيد بن جُدْعان.
ورَوَى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: جاء زيد بن حارثة،
فقال: يا رسول الله، إن زينب اشتدّ عليّ لسانها، وأنا أريد أن أطلقها، فقال
له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال: والنبيّ ◌َ﴿ يُحِبُّ أن يُطَلِّقها،
ويَخْشَى قالة الناس. ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم، والطبريّ،
ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو
المعتمد .
والحاصل أن الذي كان يخفيه النبيّ وَّ هو إخبار الله إياه أنها ستصير
زوجته، والذي كان يَحْمِله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة
ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه، من أحكام التبني، بأمر لا
أَبْلَغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يُدْعَى ابناً، ووقوع ذلك من إمام
المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل متعلق الخشية
والله أعلم.
وقال ابن العربيّ: إنما قال ◌َ﴾ه لزيد: أمسك عليك زوجك اختباراً لما
عنده من الرغبة فيها، أو عنها، فلما أطلعه زيد على ما عنده منها من النَّقْرَة
التي نشأت من تعاظمها عليه، وبَذَاءة لسانها، أَذِنَ له في طلاقها، وليس في

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مخالفة مُتَعلَّق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به، والله أعلم.
وروى أحمد، ومسلم، والنسائيّ، من طريق سليمان بن المغيرة، عن
ثابت، عن أنس، قال: لَمّا انقضت عدة زينب، قال رسول الله وَ ﴾ لزيد:
(اذكرها عليّ))، قال: فانطلقتُ، فقلت: يا زينب أبشري، أرسل رسول الله اَليه
يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعةٍ شيئاً، حتى أُؤَامر ربي، فقامت إلى مسجدها،
ونزل القرآن، وجاء رسول الله وَ ل# حتى دخل عليها بغير إذن.
وهذا أيضاً من أبلغ ما وقع في ذلك، وهو أن يكون الذي كان زَوْجُها
هو الخاطبَ؛ لئلا يَظُنَّ أحدٌ أن ذلك وقع قهراً بغير رضاه.
وفيه أيضاً اختبار ما كان عنده منها، هل بقي منه شيء أم لا؟.
وفيه استحباب فعل المرأة الاستخارة، ودعائها عند الْخِطبة قبل الإجابة،
وأن من وَكَل أمره إلى الله من يسّر الله له ما هو الأحظ له، والأنفع دنيا
وأخرى. انتهى ما في ((الفتح)) (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً.
وقال القرطبيّ تَّثُ: ورُوي عن علي بن الحسين: أن النبيِ وَ﴿ كان قد
أوحى الله تعالى إليه أن زيداً يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما
تشكَّى زيد للنبيّ وَلَهُ خُلُق زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال
له رسول الله ◌َ﴿ على جهة الأدب، والوصية: اتق الله في قولك، وأمسك
عليك زوجك، وهو يعلم أنه سيفارقها، ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في
نفسه، ولم يُرِد أن يأمره بالطلاق لِمَا عَلِم أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله وَيّد
أن يلحقه قولٌ من الناس في أن يتزوج زينبَ بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره
بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر، من أن خشي الناسَ في شيء قد
أباحه الله له، بأن قال: أمسك مع علمه بأنه يطلق، وأعلمه أن الله أحقّ
بالخشية، أي في كل حال.
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه
الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين،
كالزهريّ، والقاضي بكر بن العلاء القشيريّ، والقاضي أبي بكر ابن العربيّ،
(١) ((الفتح)) ٣٨٣/٨ - ٣٨٥ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٧٨٧ - ٤٧٨٩).

٥٣
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَلَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَى﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٧)
وغيرهم، والمراد بقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ إنما هو إرجاف المنافقين بأنه
نَهَى عن تزويج نساء الأبناء، وتَزَوَّج بزوجة ابنه، فأما ما رُوي: أن النبي وَل
هَوِيَ زينب امرأة زيد، وربما أَطْلق بعض الْمُجّان لفظ عَشِقَ، فهذا إنما يَصْدُر
عن جاهل بعصمة النبي وَ ﴿ عن مثل هذا، أو مُسْتَخِفّ بحرمته، قال الترمذيّ
الحكيم في ((نوادر الأصول))، وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعليُّ بنُ
الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهراً من الجواهر، ودرّاً من الدرر، أنه
إنما عَتَب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال
بعد ذلك لزيد: ﴿أَمْسِْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج
امرأة ابنه، ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَةٌ﴾؟.
وقال النحاس: قال بعض العلماء: ليس هذا من النبي وَلا خطيئة، ألا
ترى أنه لم يؤمر بالتوبة، ولا بالاستغفار منه؟ وقد يكون الشيء ليس بخطيئة،
إلا أن غيره أحسن منه، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يَفْتَتِن الناس.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): قال أبو عبد الله القرطبيّ تَخَّتُهُ: المنعَم عليه في هذه
الآية، هو زيد بن حارثة به كما بيّناه، ورُوي أن عمه لقيه يوماً، وكان قد
ورد مكة في شُغل له، فقال: ما اسمك يا غلام؟ قال: زيد، قال: ابن مَن؟
قال: ابن حارثة، قال: ابن من؟ قال: ابن شَرَاحيل، قال: فما اسم أمك؟
قال: سعدى، وكنت في أخوالي طيّ، فضمه إلى صدره، وأرسل إلى أخيه
وقومه، فحَضَروا، وأرادوا منه أن يقيم معهم، فقالوا: لمن أنت؟ قال:
لمحمد بن عبد الله، فأتوه، وقالوا: هذا ابننا، فَرُدّه علينا، فقال: أَعْرِضُ عليه،
فإن اختاركم فخذوا بيده، فَبَعَث إلى زيد، وقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم،
هذا أبي، وهذا أخي، وهذا عمي، فقال له النبيّ وَّهُ: فأيَّ صاحب كنت لك؟
فبكى، وقال: لِمَ سألتني عن ذلك؟ قال: أخيّرك، فإن أحببت أن تَلْحق بهم
فالحقْ، وإن أردت أن تقيم، فأنا مَن قد عرفت، فقال: ما أختار عليك أحداً،
فجذبه عمه، وقال: يا زيد اخترت العبودية على أبيك وعمك؟ فقال: إي والله،
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ١٩٠/١٤ - ١٩١.

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
العبودية عند محمد أحبّ إليّ من أكون عندكم، فقال رسول الله وَله: ((اشهَدُوا
أني وارث وموروث))، فلم يزل يقال: زيد بن محمد، إلى أن نزل قوله تعالى:
﴿أَدْعُوهُمْ لِلَّبَآَبِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ونزل ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾
[الأحزاب: ٤٠]. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): قال الإمام أبو القاسم، عبد الرحمن السهيليّ نَظُّهُ:
كان يقال: زيد بن محمد حتى نزل: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَابِهِمْ﴾، فقال: أنا زيد بن
حارثة، وحُرِّم عليه أن يقول: أنا زيد بن محمد، فلما نَزَعَ عنه هذا الشرف،
وهذا الفخر، وعَلِمَ الله وحشته من ذلك، شَرَّفه بخِصِّيصة لم يكن يَخُصَّ بها
أحداً من أصحاب النبيّ وَّر، وهي أنه سماه في القرآن، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا
قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] يعني من زينب، ومَن ذكره الله تعالى باسمه
في الذكر الحكيم، حتى صار اسمه قرآناً يُتْلَى في المحاريب، نَوَّه به غاية
التنويه، فكان في هذا تأنيس له، وعِوَضٌ من الفخر بأبوة محمد وَلّ له، ألا
ترى إلى قول أَبَيّ بن كعب ◌َُّه حين قال له النبيّ وَّ: ((إن الله أمرني أن أقرأ
عليك ﴿لَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ [البينة: ١])، قال: وسمّاني؟ قال:
(نعم))، فبكى، متّفق عليه، وكان بكاؤه من الفرح، حين أخبر أن الله تعالى
ذكره؟، فكيف بمن صار اسمه قرآناً يُتلى مُخَلَّداً لا يَبِيد، يتلوه أهل الدنيا إذا
قرؤوا القرآن، وأهل الجنة كذلك أبداً، لا يزال على ألسنة المؤمنين، كما لم
يزل مذكوراً على الخصوص عند رب العالمين؛ إذ القرآن كلام الله القديم،
وهو باقٍ، لا يبيد؟، فاسم زيد هذا في الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة،
تذكرهُ في التلاوة السفرة الكرام البررة، وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين،
إلا لنبي من الأنبياء، ولزيد بن حارثة؛ تعويضاً من الله تعالى له مما نَزَع عنه.
وزاد في الآية أن قال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي
بالإيمان، فدَلّ على أنه من أهل الجنة، عَلِمَ ذلك قبل أن يموت، وهذه فضيلة
أخرى. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) راجع: ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبيّ ١٤/ ١٩٤.
-

٥٥
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَل: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٨)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٤٤٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ عَلِّ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ:
سُبْحَانَ اللهِ، لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي لِمَا قُلْتَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَحَدِيثُ دَاوُدَ أَتَمُّ
وَأَطْوَلُ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله الهَمْدانيّ الكوفيّ المذكور قبل
باب.
٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفي المذكور قبل باب
أيضاً.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد (١) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ) أي تعجّباً من قوله هذا، واستنكاراً لجهله
مثل هذا .
وقوله: (لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي) أي قام من الفَزَع لِمَا حَصَل عندها من هيبة الله،
واعتقدته من تنزيهه، واستحالة وقوع ذلك، قال النضر بن شُميل: الْقَفّ - بفتح
القاف، وتشديد الفاء - كالْقُشَعْريرة، وأصله التقبّض والاجتماع؛ لأن الجلد
ينقبض عند الفزع، فيقوم الشعر لذلك، قاله في ((الفتح))(٢).
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الضمير لإسماعيل، أي ساق إسماعيل بن
أبي خالد متن الحديث مع بيان القصّة التي جرت بين عائشة
ومسروق ◌َّتُهُ .
(١) قيل: اسم أبيه سعد، وقيل: هُرْمُز، وقيل: كثير.
(٢) ((الفتح)) ٤٧٣/٨.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: (وَحَدِيثُ دَاوُدَ أَتَمُّ) يعني أن حديث داود بن أبي هند أتمّ سياقاً.
وقوله: (وَأَطْوَلُ) عطف تفسير لـ((أتمّ)).
[تنبيه]: رواية إسماعيل التي أحالها المصنّف تَّتُ على رواية داود بن
أبي هند، ساقها البخاريّ في ((صحيحه))، فقال:
(٤٨٥٥) حدثنا يحيى، حدثنا وكيعٌ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن
عامر، عن مسروق، قال: قلت لعائشة ﴿ها: يا أمتاه، هل رأى محمد وَله ربه؟
فقالت: لقد قَفّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدَّثكهن فقد
كَذَب؟: من حدثك أن محمداً ﴿ رأى ربه، فقد كذَبَ، ثم قرأت:
﴿لَّا
[الأنعام: ١٠٣]،
١٠٣
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، ومن
حدّثك أنه يعلم ما في غد، فقد كَذَب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا
تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، ومن حدَّثك أنه كَتَمَ، فقد كذَبَ، ثم قرأت: ﴿يَأَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيٌِّ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية، ولكنه رأى جبريل تعلَّلهُ
في صورته مرتين. انتهى.
وقوله: ((يا أمتاه)) أصله يا أمّ، والهاء للسكت، فأضيف إليها ألف
الاستغاثة، فأبدلت تاء، وزيدت هاء السكت بعد الألف، ووقع في كلام
الخطابيّ: إذا نادوا قالوا: يا أمه عند السكت، وعند الوصل: يا أمتاه بالمثنّاة،
فإذا فتحوا للندبة قالوا: يا أمتاه، والهاء للسكت، وتعقّبه الكرمانيّ بأن قول
مسروق: يا أمتاه ليس للندبة؛ إذ ليس هو تفجّعاً عليها، قال الحافظ: وهو كما
قال. انتھی.
وقولها: ((أين أنت من ثلاث)): أي كيف يغيب فهمك عن هذه الثلاث،
وكان ينبغي لك أن تكون مستحضرها، ومعتقداً كَذِب من يَدَّعِي وقوعها؟.
وقولها: ((ولكن رأى جبريل في صورته مرتين))، وفي رواية الكشميهنيّ:
((ولكنه))، وهذا جواب عن أصل السؤال الذي سأل عنه مسروق، كما تقدم
بيانه، وهو قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴿®﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً
أُخْرَى ®﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.

٥٧
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَلـ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال :
[٤٤٩] (.) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنِ
ابْنِ أَشْوَعَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى
٨
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴿ فَأَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوَى ﴾﴾؟ قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاَ
جِبْرِيلُ وَِّ، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي
هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة، واسمه خالد بن ميمون بن فيروز، وقال
بَحْشَل: اسم أبي زائدة هُبَيرة الْهَمْدانيّ الْوَادعيّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ،
ثقةٌ، يدلّس [٦].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعامر الشعبيّ، وفِرَاس، وسماك بن
حَرْب، وسعد بن إبراهيم، وخالد بن سلمة، ومُصْعَب بن شيبة، وعبد الملك بن
عُمَير، وغيرهم.
ورَوى عنه ابنه يحيى، والثوريّ، وشعبة، وابن المبارك، وعيسى بن
يونس، والقطان، ووكيع، وأبو أسامة، وأبو نعيم، وغيرهم.
قال القطان: ليس به بأس، وليس عندي مثل إسماعيل بن أبي خالد،
وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: إذا اختلف زكريا وإسرائيل، فإن زكريا أحبّ
إليّ في أبي إسحاق، ثم قال: ما أقربهما، وحديثهم عن أبي إسحاق لَيِّن،
سمعا منه بآخره، وقال عبد الله، عن أبيه: ثقةٌ حلو الحديث، ما أقربه من
إسماعيل بن خالد، وقال عباس، عن ابن معين: صالح، وقال عثمان، عنه:
زكريا أحبّ إليّ في كل شيء، وابن أبي ليلى ضعيف، وقال العجليّ: كان
ثقةً، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره، ويقال: إن شَريكاً أقدم سماعاً منه،
وقال أبو زرعة: صُويلح، يُدَلِّس كثيراً عن الشعبيّ، وقال أبو حاتم: لَيِّن

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الحديث، كان يُدَلِّس، وإسرائيل أحبّ إليّ منه، ويقال: إن المسائل التي كان
يرويها عن الشعبيّ لم يسمعها منه، إنما أخذها عن أبي حَرِيز، وقال الآجريّ،
عن أبي داود: زكريا أرفع منه، يعني من أجلح مائة درجة، قال أبو داود:
وزكريا ثقة، إلا أنه يُدَلِّس، قال يحيى بن زكريا: لو شئت سَمَّيت لك مَن بين
أبي وبين الشعبيّ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو بكر الْبَرْديجيّ: ليس به بأس،
وقال يعقوب بن سفيان، وأبو بكر البزار: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثيرَ
الحديث، وقال ابن قانع: كان قاضياً في الكوفة.
قال ابن نمير: مات سنة (١٤٧)، وقال أبو نعيم: مات سنة (١٤٨)،
وقال محمد بن سعد، وعمرو بن عليّ: سنة (١٤٩). وقال ابن حبان في
((الثقات)): اسم أبي زائدة: فيروز، وقيل: خالد، مات سنة (١٤٨) أو (١٤٩).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثاً .
٣ - (ابْنُ أَشْوَعَ) - بفتح الهمزة، وإسكان الشين المعجمة، وفتح الواو،
وبالعين المهملة - هو: سعيد بن عمرو بن أشوع الْهَمْدانيّ الكوفيّ، قاضيها،
ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٦].
رَوَى عن شُريح بن النعمان الصائديّ، وشُريح بن هانئ، وحسن بن
ربيعة، والشعبيّ، وأبي بُرْدة بن أبي موسى، ويزيد بن سَلَمة الْجُعْفيّ، ولم
یدرکه، وغيرهم.
ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثوريّ، وابنه سفيان بن سعيد، وخالد
الحذّاء، وزكرياء بن أبي زائدة، وليث بن أبي سُليم، وحبيب بن أبي ثابت،
وسلمة بن كهيل، وعِدّةٌ، وحَدّث عنه أبو إسحاق السبيعيّ، وعبد الملك بن
عُمير، وهما أكبر منه.
قال ابن معين: مشهورٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان
في ((الثقات))، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال البخاري في ((التاريخ الأوسط)): رأيت
إسحاق بن راهويه يَحتجّ بحديثه، وقال الحاكم: هو شيخ من ثقات الكوفيين،
يُجْمَع حديثه، وقال الْجُوزَجانيّ: غالٍ زائغٌ، يعني: في التشيع.
قال ابن سعد: تُؤُفّي في ولاية خالد بن عبد الله، وأَرَّخه ابنُ قانع
سنة (١٢٠).

٥٩
(٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ رَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِهِ الْكُرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٩)
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة
أحاديث فقط، هذا الحديث (١٧٧)، وحديث (١٦٨٠): ((القاتل والمقتول في
النار ... ))، و(٥٩٣): ((إن الله كَرِه لكم ثلاثاً: قيل، وقال ... )).
والباقون تقدّموا قبله، و((عامرٌ)) هو الشعبيّ.
وقَوْله: (﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلََّ ﴾﴾) أي ثم دنا جبريل؛ من رسول الله وَّه
فتدلَّى: أي زاد في القرب، التدلّي هو النزول بقرب الشيء، فالترتيب على هذا
طبيعيّ، وقيل: التدلّي هو الامتداد إلى جهة السفل، والكلام على التقديم
والتأخير، قال النوويّ: قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: معنى التدلّي:
الامتداد إلى جهة السفل، هكذا هو الأصل، ثم استُعْمِل في القرب من العلوّ،
هذا قول الفرّاء، وقال صاحب ((النظم)): هذا على التقديم والتأخير؛ لأن
المعنى: ((ثم تَدَلَّى، فدنا))؛ لأن التدلي سبب الدنوّ، قال ابن الأعرابيّ: تَدَلَّى:
إذا قَرُب بعد علوّ، قال الكلبيّ: المعنى دنا جبريل من محمد بََّ، فقرُب منه،
وقال الحسن، وقتادة: ثم دنا جبريل بعد استوائه في الأفق الأعلى من
الأرض، فنزل إلى النبيّ مَلآ.
وقوله: (﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ (ج))) ((القاب)): ما بين القَبْضَة،
والسِّيّة، ولكل قَوْس قابان، والقاب في اللغة أيضاً: القدر، وهذا هو المراد
بالآية عند جميع المفسرين، والمراد القوس التي يُرْمَى عنها، وهي القوس
العربية، وخُصّت بالذكر على عادتهم.
وذهب جماعة إلى أن المراد بالقوس الذراع، هذا قول عبد الله بن
مسعود، وشقيق بن سَلَمة، وسعيد بن جبير، وأبي إسحاق السبيعيّ، وعلى
هذا معنى القوس ما يُقاس به الشيء، أي يُذْرَع، قالت عائشة ◌َّا، وابن
عباس، والحسن، وقتادة، وغيرهم: هذه المسافة كانت بين جبريل
والنبيّ وَلاء .
وقول الله تعالى: ﴿أَوْ أَدْنَ﴾ معناه: أو أقرب، قال مقاتل: بل أقرب،
وقال الزجاج: خاطب الله تعالى العباد على لغتهم، ومقدار فهمهم، والمعنى:
أو أدنى فيما تُقَدِّرون أنتم، والله تعالى عالم بحقائق الأشياء من غير شَكّ،

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ولكنه خاطبنا على ما جَرَت به عادتنا، ومعنى الآية: أن جبريل ظلَّهُ مع عِظَم
خلقه، وكثرة أجزائه، دنا من النبيّ وََّ هذا الدُّنُوّ، والله أعلم. انتهى كلام
النوويّ كَُّهُ(١)، وقد تقدّم البحث بأوسع من هذا، فارجع إليه، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (﴿فَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى ﴾﴾) المراد من العبد محمد وَلۇ،
وقيل: جبريل، وفي تقدير المعنى آراء للمفسّرين، أشهرها وأكثرها: فأوحى
جبريل؛ إلى عبد الله محمد بَله، وإن لم يجر له ذكرٌ؛ لأنه لا يلتبس، كقوله
تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]. ﴿مَا أَوَى﴾ أي ما
أوحى الله تعالى إليه، وأبهمه؛ تفخيماً لشأن الموحى به.
وقيل: المعنى: فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد مرَّ ما أوحى،
وقيل: فأوحى الله إلى عبده جبريل؛ ما أوحى، فبلّغ جبريل محمداً وَلّ ما
الَّلام ،
أوحى إليه، وكلّ هذه الأقوال صالحة على أن الذي دنا فتدلّی جبريل
أما على قول من يرى أنه رب العزّة، فلا يناسبه إلا القول الثاني، ولكن سبق
أن هذا القول ضعيف جدّاً؛ لأن النبيّ وَ ﴿ فسّر الآية لعائشة بأن المراد بها
أنه رأى جبريل فعلَّا، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، فماذا بعد تفسير
النبيّ وَّة؟، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
وقوله: (فِي صُورَةِ الرِّجَالِ) تقدّم منهم دِحية بن خليفة الكلبيّ.
وقوله: (فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ) ((الأُفُق)) بضمّتين: الناحية من الأرض، ومن
السماء، والجمع آفاق، والنسبة إليه أُفُقيّ، ردّاً إلى الواحد، وربّما قيل: أَفَقيّ
بفتحتين؛ تخفيفاً على غير قياس، حكاهما ابن السّكّيت، وغيره(٢)، وقد تقدّم
تمام شرح الحديث، وبيان مسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
[هود: ٨٨].
(١) ((شرح النوويّ)) ١١/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧.