النص المفهرس
صفحات 1-20
التحرُ الحَيَظُ الثَارِ فِشرح جمع الأمر مُسْلِم ◌ُ الحجاج لَجَامِعِهِ الْفَقِيْرِالحِصَوْلَه الغَنِالْقَدِر ◌ُحَدَابرُ الشَّهُ العُلَّمَ بَيِ ينَ آدَمُ بنُمُوسَ الإِنْيُوجِ الُلْوِيّ مُحْوَيَحْمِ العِلْمُ بِمَكّة المُكرّمَة عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وعَدُ وَالرِيُّه آمين المُلَّدُ الخَامِسَِّ كِتَابُ الإِيمَانِ رقم الأحَاديث (٤٣٩ -٥٣٩) دارابن الجوزي بِشِـ nº i | النِالخَيْظَ الِحَارِ في شرح جَحُ الأَمْطَرِ مُسْلِ مَ الحَجَا حِقُوق الطّرِّعْ محفوظة لِدَارابن الجوزيّ الطّبْعَة الأولى صَفَرٌ ١٤٢٨هـ حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٢٨ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. بن دارا U للز دارابن الجوزي للنشر والتّوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - شارع الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - ت: ٤٢٦٦٣٣٩ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - الخبر - ت: ٨٩٩٩٣٥٦ - فاكس: ٨٩٩٩٣٥٧ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ -القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٣٤٤٩٧٠ البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com-www.aljawzi.com (٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٩) (٨٣) - (بَابُ قَوْلِهِ رَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَ [النجم: ١٨]، وهل رأى النبيّ وَ له رَبّهُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ؟) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٩] (١٧٤) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيع(١) الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا (٢) الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللهِ وَّ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَّوَّسَيْنِ أَوْ أَدْنَ [النجم: ٩]، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَ رَأَى جِبْرِيلَ، لَهُ سِتُّمِائَةٍ جَنَاحِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠]، (ت٢٣٤)، (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣. ٢ - (عَبَّدُ بْنُ الْعَوَّام) بن عمر بن عبد الله بن المنذر بن مُصْعَب بن جَنْدَل الْكِلابِيّ مولاهم، أبو سَهْلَ الواسطيّ، ثقة [٨]. رَوَى عن حميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وسعيد الْجُرَيريّ، وأبي مسلمة، سعيد بن يزيد، وابن عَون، وعوف الأعرابيّ، وحُصين بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي عروبة، وأبي مالك الأشجعيّ، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وغيرهم. ورَوى عنه أحمد بن حنبل، وابنا أبي شيبة، وسعيد بن سليمان الواسطيّ، وأبو الربيع الزَّهْرانيّ، وعليّ بن مسلم، وعمران بن ميسرة، ومحمد بن عيسى بن الطّبّاع، ومحمود بن خِدَاش، ومحمد بن الصبّاحِ الدُّولابيّ، وحَدَّث عنه (١) وفي نسخة: ((حدّثنا أبو الربيع)). (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان إسماعيل ابن عُلَيَّة، وهو من أقرانه، وأحمد بن مَنِيع، وعَبّاد بن يعقوب، وغيرهم. قال الحسن بن عَرَفة: سألني وكيع عنه أتُحَدِّث عنه؟ فقلت: نعم، قال: ليس عندكم أحد يُشبهه، وقال الفضل بن زياد، عن أحمد: كان يُشْبه أصحاب الحديث، وقال الأثرم، عن أحمد: مُضْطَرب الحديث، عن سعيد بن أبي عروبة، وقال ابن معين، والعجليّ، وأبو داود، والنسائيّ، وأبو حاتم: ثقة، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وقال ابن سعد: كان يَتَشيَّع، فأخذه هارون، فحَبَسه، ثم خَلَّى عنه، فأقام ببغداد، ومات سنة خمس وثمانين ومائة، وكذا أَرَّخَه غير واحد، وقال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة ثلاث، وقال حاتم بن الليث، عن سعيد بن سليمان: حدّثنا عبّاد بن العوّام، وكان من نُبَلاء الرجال في كل أمره، ومات سنة سِتّ، وكذا أَرَّخه أبو موسى الْعَنَزيّ، وأبو أمية، وقال أسلم الواسطيّ: مات سنة (٨٧). وقال ابن سعد: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وَوَثَّقَه البزار، وقال الْقَرَّابُ: وُلِد سنة (١١٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا (١٧٤) و(٥١٣): ((يصلي، وأنا حذاءه ... ))، وأعاده، و(٥٥٥): ((يصلي في النعلين؟ قال: نعم))، و(١٠٠٥): ((كلُّ معروف صدقة))، و(١١٠١): ((إذا رأيتم الليل قد أقبل ... ))، و(١٥٩٠): ((نَهَى رسولُ اللهِ وَ ﴿ عن الفضّة بالفضّة ... ))، و(١٦٢٣): ((أَفعَلْتَ هذا بولدك كلِّهم ... ؟)). ٣ - (الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن أبي سليمان فَيْرُوز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت في حدود ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٩/٣٨. ٤ - (زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ) بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ جليلٌ مخضرم [٢] (ت١ أو٢ أو ٨٣) وهو (١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٧/٣٥. والصحابيّ تقدّم في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف وَّلُهُ. ٧ (٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَثَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٩) ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، فبصريّ، ثم بغداديّ، وعبّاد، فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن عبّاد بن العوّام هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد مرّ آنفاً عدد ما له فيه من الأحاديث. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ محَضْرَم، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن أبي إسحاق الشَّيْبَانِيِّ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ) بكسر الزاي، وتشديد الراء (بْنَ حُبَيْشٍ) بضمّ الحاء المهملة، آخره شين معجمة، مصغّراً (عَنْ قَوْلِ اللهِ رَى) أي عن المعنى المراد به (﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾)، قال الحافظ ابن كثير تَّقُ: أي فاقترب جبريل إلى محمد بنَّ لَمّا هَبَط عليه إلى الأرض، حتى كان بينه وبين محمد رَ﴿ قابُ قوسين، أي بقدرهما إذا مُدّا، قاله مجاهد، وقتادة، وقد قيل: إن المراد بذلك بُعْدُ ما بين وتد القوس إلى كَبِدِها، وقوله: (﴿أَوْ أَدْنَ﴾)، هذه الصيغة تُستعمل في اللغة لإثبات المخبَر عنه، ونفي ما زاد عليه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٧٤]: أي ما هي بألين من الحجارة، بل هي مثلها، أو تزيد عليها في الشدّة والقَسْوة، وكذا قوله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْبَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَ خَشْيَةٌ﴾ الآية [النساء: ٧٧]، وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ )﴾ [الصافات: ١٤٧]: أي ليسوا بأقلّ منها، بل هم مائة ألف أَوْ یَزِيدُونَ حقيقةً، أو يزيدون عليها، فهذا تحقيقٌ للمُخْبَر به، لا شكّ ولا تردّد، فإن هذا ممتنع هاهنا، وهكذا هو في الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْفَ انتهى كلام ابن كثير تَخْذَلُ(١). وقال في ((الفتح)): ((القاب)): ما بين القبضة والسِّيَة من القوس، قال (١) ((تفسير ابن كثير)) ٢٥٤/١٣. ٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الواحديّ: هذا قول جمهور المفسرين إن المراد: القوس التي يُرْمَى بها، قال: وقيل: المراد بها الذراع؛ لأنه يقاس بها الشيء. قال الحافظ: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن قال: ((القاب)): القَدْرُ، والقوسين: مردویه بإسناد صحيح، عن ابن عباس الذراعان، ويؤيده أنه لو كان المراد به القوس التي يُرْمَى بها لم يُمَثّل بذلك ليحتاج إلى التثنية، فكان يقال مثلاً: قابَ رُمْح، أو نحو ذلك، وقد قيل: إنه على القلب، والمراد: قابَيْ قَوْسٍ؛ لأن القاب ما بين الْمَقْبِض إلى السِّيَة، فلكل قوس قابان بالنسبة إلى خالفته. وقوله: ﴿أَوْ أَدْفَ﴾ أي أقرب، قال الزجاج: خاطب الله العرب بما أَلِفُوا، والمعنى: فيما تقدرون أنتم عليه، والله تعالى عالم بالأشياء على ما هي عليه، لا تَرَدُّد عنده، وقيل: (أَوْ)) بمعنى ((بَلْ)) والتقدير: بل هو أقرب من القدر المذكور. وقال الألوسيّ تَخُّْهُ: ﴿فَكَانَ﴾ أي جبريل؛ من النبيّ وَّ ﴿فَابَ قَوْسَيْنِ﴾ أي قَوْسَي العرب؛ لأن الإطلاق ينصرف إلى متعارفهم، و((القاب))، وكذا ((القِيب))، و(القَاد))، و((القِيد))، و((القِيس)): المقدار، وقرأ زيد بن عليّ: ((قاد))، وقُرئ: ((قِيد))، و((قدر))، وقد جاء التقدير بالقوس، كالرمح، والذراع، وغيرهما، ويقال على ما بين مَقبِض القوس وسيتها، وهي ما عُطف من طرفيها، فلكلّ قوس قابان، وفُسّر به هنا، قيل: وفي الكلام عليه قلبٌ، أي فكان قابي قوس. وفي ((الكشف)): لك أن تقول: قابا قوس، وقاب قوسين واحد دون قلب، وعن مجاهد، والحسن: أن قاب القوس ما بين وترها ومقبضها، ولا حاجة إلى القلب عليه أيضاً، فإن هذا على ما قال الخفاجيّ إشارة إلى ما كانت العرب في الجاهليّة تفعله إذا تحالفوا، فإنهم كانوا يُخرجون قوسين، ويُلصقون إحداهما بالأخرى، فيكون القاب ملاصقاً للآخر حتى كأنهما ذا قاب واحد، ثم يَنزعهما معاً، ويرمون بهما سهماً واحداً، فيكون ذلك إشارة إلى أن رضا أحدهم رضا الآخر، وسخطه سخطه، لا يُمكن خلافه. وعن ابن عبّاس: القوس هنا ذراع يقاس به الأطوال، وإليه ذهب أبو ٩ (٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَلّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبَُ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٩) رزين، وذكر الثعلبيّ أنه من لغة الحجاز، وأيّاً ما كان فالمعنى على حذف مضاف: أي فكان ذا قاب قوسين، فكأنه قيل: فكان قريباً منه. وقوله: ﴿فَأَوْحَ﴾ أي جبريل؛ ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ أي عبد الله، وهو النبيّ وَآ، وإنما أتى بالضمير، وإن لم يَجْرِ له تعالى ذكر؛ لكونه في غاية الظهور، ومثله كثير في الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ الآية [فاطر: ٤٥]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] ﴿مَا أَوْجَى﴾ أي الذي أوحاه، والضمير المستتر لجبريل؛ أيضاً، وإبهام الموحَى به؛ للتفخيم، فهذا نظير قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِ مَا غَشِيَهُمْ﴾ الآية [طه: ٧٨]، وقال أبو زيد: الضمير المستتر لله رم، أي أوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحاه الله إلى جبريل، والأول مرويّ عن الحسن، وهو الأحسن، وقيل: ضمير ﴿أَوَى﴾ الأول والثاني لله تعالى، والمراد بالعبد جبريل علّله. انتهى كلام الآلوسيّ ◌َُّهُ(١). لُهُ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِ رَأَى (قَالَ) زِرّ (أَخْبَرَنِي) عبد الله (بْنُ مَسْعُودٍ) جِبْرِيلَ) عليّ، وهذا ظاهره أنه موقوف على ابن مسعود ربه، لكن مثل هذا لا يُقال بالرأي، فله حكم الرفع، على أنه جاء التصريح برفعه فيما أخرجه أبو عوانة، وأبو نعيم كَّتُهُ في ((مستخرجيهما))، ولفظ أبي عوانة من طريق النُّفيليّ، عن زهير، عن أبي إسحاق الشيبانيّ، قال: أتيت زِرّ بن حبيش، وعليّ درّتان، فسألته عن ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْفَ﴾، فقال: حدّثنا عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﴿ ﴿ ((أنه رأى جبريل، له ستمائة جناح))(٢). ولفظ أبي نعيم من طريق سليمان بن داود الهاشميّ، عن عبد الواحد بن زياد، عن الشيبانيّ، قال: سألت زِرّ بن حُبَيش عن قول الله رَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ (ج)﴾، فقال: قال عبد الله: قال رسول الله وَ له: ((رأيت جبريل، له ستمائة جناح)) (٣). (١) ((روح المعاني)) ٤٨/٢٧ - ٤٩. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ١٣٤/١ رقم الحديث (٤٠٣). (٣) ((مستخرج أبي نعيم)) ١/ ٢٤٠ رقم الحديث (٤٣٥). ١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقوله: (لَهُ سِتُّمِائَةٍ جَنَاح) جملة في محلّ نصب على الحال من جبريل علّلاء. و((الْجَناح - بفتح الجيم، وتخفيف النون، آخره حاء مهملة -: يُطلق على معان، قال الفيّوميّ تَخْتُ: جَناح الطائر: بمنزلة اليد من الإنسان، والجمع: أَجْنحة. انتهى(١). وقال المجد تَظَّقُ: ((الْجَناح)): اليد، جمعه: أجنحة، وأَجْنُحٌ، والْعَضُدُ، والإِبْطُ، والجانبُ، ونفسُ الشيء، ومن الدّرّ: نظمٌ يُعَرَّضُ، أو كلُّ ما جعلته في نظام، والْكَنَفُ، والناحيةُ، والطائفةُ من الشيء، ويُضمّ، والرَّوْشَنُ، والْمَنْظَرُ، وفَرَسٌ لِلْحَوْفَزَانِ بن شَرِيك، وآخر لبني سُليم، وآخر لمحمد بن مَسْلَمَةَ الأنصاريّ، وآخرُ لعُقبة بن أبي معيط، واسمٌ. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: المناسب من هذه المعاني لما هنا: الكَنَفُ، والله تعالى أعلم. وهذا الذي قاله ابن مسعود رضيبه في حمله الآية على أن المراد أنه وَله رأى جبريل عليّ، وأنه هو الداني المقترب من محمد بَ ل هو الذي ذهب إليه الكثيرون، منهم: أم المؤمنين عائشة، وأبو ذرّ، وأبو هريرة طه، وهو المذهب الراجح؛ لثبوت التصريح به عن النبيّ بَّر، فلا كلام مع ما ثبت عنه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود رؤيته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٤٣٩/٨٣ و٤٤٠ و٤٤١] (١٧٤)، و(البخاريّ) في ((بدء الخلق)) (٣٢٣٢)، و((التفسير)) (٤٨٥٦ و٤٨٥٧)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٢٧٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣٥٨)، (١) ((المصباح المنير)) ١/ ١١١. (٢) ((القاموس المحيط)) ١٩٦. ١١ (٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ رَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبَُ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٩) و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٤٢٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٩٠٥٥)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص٢٠٣)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٣٧١/٢)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (٢٤٩/٤، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥٣٣٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٢ و٤٠٣ و٤٠٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٣٥ و٤٣٦ و٤٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في رؤية النبي ◌َ ◌ّ ربّه ليلة الإسراء: قال العلامة ابن القيّمِ تَخُّْ في ((زاد المعاد)): اختلف الصحابة هل رأى ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رأى ربه، وصحّ عنه أنه قال: رآه بفؤاده، وصحّ عن عائشة، وابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله: ﴿وَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿ عِندَ سِدْرَةِ الْمُتَعَى ®)) [النجم: ١٣، ١٤] إنما هو جبريل، وصحّ عن أبي ذرّ أنه سأله: هل رأيت ربك؟ فقال ◌َله: ((نور أنّى أراه؟))، أي حال بيني وبين رؤيته النور، كما قال في لفظ آخر: ((رأيت نوراً))، وقد حَكَى عثمان بن سعيد الدارميّ اتفاق الصحابة على أنه لم يره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية تَّتُهُ: وليس قول ابن عباس: إنه رآه مناقضاً لهذا، ولا قوله: رآه بفؤاده، وقد صحَّ عنه أنه وَّ قال: ((رأيت ربي - تبارك وتعالى -))، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لَمَّا احتَبَسَ عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بَنَى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال: نعم، رآه حقّاً، فإن رؤيا الأنبياء حقّ، ولا بدّ، ولكن لم يقل أحمد رحمه الله تعالى: إنه رآه بعيني رأسه يقظةً، ومَن حَكَى عنه ذلك فقد وَهِمَ عليه، ولكن قال مرةً: رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحُكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة مِن تصرف بعض أصحابه: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك. وأما قول ابن عباس: إنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾﴾ [النجم: ١١]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً ١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان [النجم: ١٣]، والظاهر أنه مُستنَدُهُ، فقد صَحَّ عنه أن هذا المرئي ◌ُغْرَى جبريل رآه مرتين في صورته التي خُلِق عليها، وقول ابن عباس هذا هو مُستند الإمام أحمد في قوله: رآه بفؤاده، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم تَخْذَقُ(١). وقال القاضي عياض تَّتُهُ: رؤية الله ◌ُعَلَ جائزة عقلاً، وثبتت الأخبار الصحيحة المشهورة بوقوعها للمؤمنين في الآخرة، وأما في الدنيا، فقال مالك: إنما لم يُرَ ◌َّ في الدنيا؛ لأنه باق، والباقي لا يُرَى بالفاني، فإذا كان في الآخرة، ورُزِقوا أبصاراً باقيةً، رأوا الباقي بالباقي، قال عياض: وليس في هذا الكلام استحالة الرؤية، إلا من حيث القدرة، فإذا أقْدَر الله مَن شاء من عباده عليها لم يمتنع. وقال الحافظ: وقع في ((صحيح مسلم)) ما يؤيد هذه التفرقة، في حديث مرفوع فيه: ((واعلموا أنكم لن تَرَوا ربكم حتى تموتوا))، وأخرجه ابن خزيمة أيضاً من حديث أبي أمامة، ومن حديث عبادة بن الصامت ضيها، فإن جازت الرؤية في الدنيا عقلاً، فقد امتنعت سَمْعاً، لكن من أثبتها للنبي وَّ له أن يقول: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من الحافظ، كيف يحتجّ بقول مُختلف فيه بين الأصوليين، ويترك النصوص التي جاءت بنفي رؤيته وَلا ت ربّه، كقول عائشة ◌َؤُها: ((أنا أوّل من سأل رسول الله وَله عن هذا، فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربّك؟ فقال: لا، إنما رأيت جبريل منهبطاً))، وكحديث أبي ذرّ رُّله: هل رأيت ربّك؟ قال: ((لا، نورٌ أنّى أراه؟))، فهل بعد هذا النصّ يمكن الاستدلال بما قاله بعض الأصوليين؟؛ إن هذا لشيء عُجَاب. قال: وقد اختَلَفَ السلف في رؤية النبيّ وَّ ربه، فذهبت عائشة، وابن مسعود إلى إنكارها، واختُلِف عن أبي ذرّ، وذهب جماعة إلى إثباتها، وحَكَى عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، أنه حَلَفَ أن محمداً وَّ- رأى (١) ((زاد المعاد)) ٣٦/٣ - ٣٨. ١٣ (٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ مَثَ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِهِ الْكُبُرَى﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٣٩) ربه، وأخرج ابن خزيمة، عن عروة بن الزبير إثباتها، وكان يشتد عليه إذا ذُكِر له إنكار عائشة، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وجَزَم به كعب الأحبار، والزهريّ، وصاحبه معمر، وآخرون، وهو قول الأشعريّ، وغالب أتباعه. ثم اختلفوا هل رآه بعينه، أو بقلبه؟ وعن أحمد كالقولين. قال الحافظ تَّتُهُ: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقةٌ، وأخرى مقيدةٌ، فيجب حمل مطلقها على مقيدها . (فمن ذلك): ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح، وصححه الحاكم أيضاً، من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: ((أتعجبون أن تكون الْخُلّة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد؟))، وأخرجه ابن خزيمة بلفظ: ((إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة ... )) الحديث، وأخرج ابن إسحاق، من طريق عبد الله بن أبي سلمة، أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس، هل رأى محمد ربه؟ فأرسل إليه: أن نعم. (ومنها): ما أخرجه مسلم من طريق أبي العالية، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ قال: رأى ربه بفؤاده مرتین . وله من طريق عطاء، عن ابن عباس قال: رآه بقلبه. وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضاً عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله وَ ﴿ بعينه، إنما رآه بقلبه. وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس، ونفي عائشة بأن يُحْمَل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ تَخَّهُ في هذا الكلام في أمرین: (الأول): أنه حقّق أن الذي ثبت عن ابن عبّاس ◌َّ في إثباته الرؤية إنما هو رؤية القلب، لا رؤية البصر، فإنه لم يثبت عنه ذلك. بأنه أثبت الرؤية (الثاني): أنه يُجمع بين إثباته، وبين نفي عائشة ١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان القلبيّة، وهي نفت الرؤية البصريّة، فلا تعارض بين مذهبيهما، ويؤيّد هذا ظاهر استدلالها في نفيها الرؤية بآية ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] الآية؛ لأنها ظاهرة في نفي إدراك البصر، ولا ينفي ذلك رؤية القلب، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم؛ لأنه وَ﴿ كان عالِماً بالله تعالى على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه، كما تُخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يُشترط لها شيء مخصوص عقلاً، ولو جرت العادة بخلقها في العين. وروى ابن خزيمة بإسناد قويّ عن أنس ظلُبه قال: رأى محمد ربه. وعند مسلم من حديث أبي ذرّ أنه سأل النبيّ وَّ ر عن ذلك، فقال: ((نور أنَّى أراه؟))، وفي رواية قال: ((رأيت نوراً))، ولابن خزيمة عنه قال: ((رآه بقلبه، ولم يره بعینه)) . وبهذا يتبين مراد أبي ذرّ بذكره النورَ، أي: النورُ حال بين رؤيته له ببصره. وقد رجح القرطبي في ((المفهم)) قول الوقف في هذه المسألة، وعزاه الجماعة من المحققين، وقوّاه بأنه ليس في الباب دليلٌ قاطعٌ، وغاية ما استُدِلّ به للطائفتين ظواهر متعارضة، قابلة للتأويل، قال: وليست المسألة من العمليات، فيُكْتَفَى فيها بالأدلة الظنية، وإنما هي من المعتقدات، فلا يكتَفَى فيها إلا بالدليل القطعيّ(١). وجَنَحَ ابن خزيمة في ((كتاب التوحيد)) إلى ترجيح الإثبات، وأطنب في الاستدلال له بما يطول ذكره، وحَمَلَ ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤيا (١) هذا الذي قاله القرطبيّ من أن المعتقدات لا تثبت بالظنّات، وسكت عليه الحافظ فيه نظر لا يخفى؛ لأنه مذهب المعتزلة ومن تابعهم حيث يقولون: إن العقائد لا تثبت بأخبار الآحاد، إذ لا تفيد إلا الظنّ، وهو مذهب باطل، مخالف لمذهب السلف، وقد أشبعت الكلام في هذا في ((التحفة المرضيّة)) و((شرحها))، فراجعه تستفد علماً، والله تعالى أعلم. ١٥ (٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَّ: ﴿لَقَدْ رَأَ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٠) وقعت مرتين: مرة بعينه، ومرة بقلبه. انتهى كلام الحافظ تَخْذَتْهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يثبت عن ابن عبّاس ظُبه أنه قال: إنه وَلّ رأى ربّه بعينه، إنما ورد ذلك من تفسير بعض الرواة عنه لكلامه، والذي ثبت عنه رُّه في هذا أحاديث جزم فيها بمطلق الرؤية، وأخرى قيّد فيها الرؤية بأنها بالفؤاد، وقد سبق أن المطلق يُحمل على المقيّد؛ للأدّة الأخرى. والحاصل أن رؤية النبيّ وَل لربه بعينه في الدنيا ليس مما يمتنع عقلاً؛ إذ لو كان ممتنعاً لَمَا سألها موسى ظلَّا، لكن لم يَرِد نصّ صريح بأنه رآه بعين رأسه، بل وردت نصوص دالّة على نفيها، كحديث أبي ذرّ ◌َُّبه: ((نورٌ أَنّى أراه؟))، وحديث بعض أصحاب النبيّ وَّ أنه النبي وَّ قال: ((تَعَلَّمُوا(٢) أنه لن يَرَى أحد ربّه حتى يموت)) رواه مسلم، وحديث عائشة رضيّا: هل رأيت ربّك؟ قال: ((لا، إنما رأيت جبريل منهبطاً))، رواه ابن مردويه، وأصله في مسلم. وخلاصة المسألة أنه قد تبيّن من مجموع ما سبق من الأدلة أن المذهب الصحيح عدم ثبوت رؤية النبيّ ◌َ لله ربّه بعينه ليلة الإسراء، وأن ما نُقل عن بعض السلف في ذلك محمول على الرؤية القلبيّة، كما صرّح به ابن عبّاس وغيره، أنه قال: رآه بفؤاده، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٤٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زِرِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىّ [النجم: ١١]، قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ عَهُ، لَهُ سِتُّ مِائَةٍ جَنَاحِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاث) - بكسر الغين المعجمة، وتخفيف التحتانيّة - ابن (١) ((الفتح)) ٤٧٤/٨ - ٤٧٥ (كتاب التفسير)) رقم (٤٨٥٥). (٢) قوله: ((تَعَلَّمُوا)) معناه: اعْلَمُوا. ١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان طَلْق بن معاوية النَّخَعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلاً في الآخر [٨] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨. والباقون تقدّموا قبله، و((الشيبانيّ)): هو سليمان بن فَيْروز. وقوله: (﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴾﴾)، قال أبو عبد الله القرطبيّ تَظّهُ: أي لم يَكْذب قلب محمد ◌ّلو ليلة المعراج، وذلك أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده حتى رأى ربه تعالى، وجعل الله تلك رؤيةً، وقيل: كانت رؤية حقيقة بالبصر، والأول: مرويّ عن ابن عبّاس ﴿ًا، وفي ((صحيح مسلم)) أنه رآه بقلبه، وهو قول أبي ذرّ، وجماعة من الصحابة ﴿ه، والثاني: قول أنس، وجماعة. انتهى(١). و((ما)) في قوله: ﴿مَا كَذَبَ﴾ نافية، وفي قوله: ﴿مَا رَأَ﴾ موصولة بمعنى (الذي)) مفعول به ل﴿كَذَّبَ﴾؛ على قراءة التشديد لأنه يتعدّى بنفسه، والعائد محذوف، أي الذي رآه، ويجوز أن تكون «ما)) مصدريّة، أي رؤيته. وأما على قراءة التخفيف، فـ﴿مَا﴾ فهو على تقدير ((في)) الجارّة؛ لأنه يتعدّى بها، أي فيما رآه. وقال الأَلُوسِيُّ ◌َّتُهُ: ﴿مَا كَذَبَ اٌلْفُؤَادُ مَا رَآَ (4)﴾ أي ما كذب فؤاد محمد * ما رآه ببصره من صورة جبريل لعلّها، أي ما قال فؤاده ود لّ لَمّا رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذباً؛ لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره، فهو من قولهم: كَذَب: إذا قال كَذِباً، فما كذب بمعنى: ما قال الكذب. وقيل: أي ما كَذَب الفؤاد البصر فيما حكاه له من صورة جبريل وما في عالم الملكوت تُدرك أوّلاً بالقلب، ثم تنتقل منه إلى البصر. قرأ أبو رجاء، وأبو جعفر، وقتادة، والْجَحْدريّ، وخالد بن إلياس، وهشام عن ابن عامر ﴿مَا كَذَبَ﴾ مشدّداً، أي صدّقه، ولم يشكّ أنه جبريل بصورته، وفي الآيات من تحقيق أمر الوحي ما فيها. وقال في ((الكشف)): إنه لَمّا قال ◌َ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ﴾ أي من عند الله تعالى ﴿يُوحَى﴾ ذكر جلّ وعلا ما يُصوّر هذا المعنى، ويُفصّله ليتأكّد أنه وحي، (١) ((تفسير القرطبيّ)) ١٧/ ٩٢. ١٧ (٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤١) وأنه ليس من الشعر، وحديثِ الكُهّان في شيء، فقال: عَلَّمَ صاحبكم هذا الوحي من هو على هذه الصفات، وقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَوَى﴾، وحديث قيامه بصورته الحقيقيّة؛ ليؤكّد أن ما يأتيه في صورة دحية هو هو، فقد رآه بصورة ﴿ُمَّ دَنَ نفسه، وعَرَفه حقَّ معرفته، فلا يشتبه عليه بوجهٍ، وقوله تعالى: تتميم لحديث نزوله إليه وَ ل*، وإتيانه بالمنزَّل، وقوله ◌َالَ: ﴿فَأَوْحَ﴾ فَدَلَ ﴾﴾ أي جبريل ذلك الوحي الذي مرّ أنه من عند الله تعالى إلى عبد الله، وإنما قال وَالَ: ﴿مَا أَوَى﴾، ولم يأت بالضمير؛ تفخيماً لشأن المنزَّل، وأنه شيء يَجِلّ عن الوصف، فأنَّى يستجيز أحد من نفسه أن يقول: إنه شعر، أو حديثُ كاهن، وإيثار ((عبده)) بدل ((إليه)): أي إلى صاحبكم لإفادة الاختصاص، وإيثار الضمير على الاسم الْعَلَم في هذا المقام؛ لترشيحه، وأنه ليس عبداً إلا له رَّ، فلا لبس؛ لشهرته بأنه عبد الله لا غير. وجاز أن يكون التقدير: فأوحى الله تعالى بسببه، أي بسبب هذا الْمُعَلِّم إلى عبده، ففي الفاء دلالة على المعنى، وهذا وجه أيضاً سديد، ثم قال قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴾﴾، على معنى: أنه لَمّا عرفه، وحقّقه لم يكذبه فؤاده بعد ذلك، ولو تَصَوَّر بغير تلك الصورة أنه جبريل، فهذا نظم سِرّيٌّ مَرْعيّ فيه النُّكَت حقَّ الرعاية، مطابق للوجود، لم يُعدل به عن واجب الوفاق بين البداية والنهاية. انتهى. وهو كلام نفيسٌ، يُرجّح به ما رُوي عن عائشة ◌ّا، الآتي - إن شاء الله تعالى _(١). والمسائل المتعلّقة بالحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٤١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا (١) ((روح المعاني)) ٤٩/٢٧. ١٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، سَمِعَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىّ [النجم: ١٨] قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ، لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الْوَرد الإمام الثبت الحجة الجهبذ، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨١. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ (٣)﴾) اللام في جواب قسم محذوف، و﴿ءَايَتِ رَبِّهِ﴾ مفعول ﴿رَأَى﴾، و﴿مِنْ﴾ اسم بمعنى ((بعض))، و﴿اٌلْكُتْرَى﴾ صفة لـ ﴿ءَايَتِ رَبِّهِ﴾، ويجوز نعت الجماعة بنعت الواحد، كقوله تعالى: ﴿وَلِىَ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]، والتقدير - والله أعلم -: والله لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى، والمراد ببعض الآيات هو: جبريل لفظالثلا في صورته الأصليّة التي خلقه الله عليها، وله ستمائة جناح. ويحتمل أن تكون ﴿مِنْ﴾ زائدة، والمراد بالآيات حينئذ: جميع ما رآه النبيّ وَّ ليلة الإسراء، ومنه جبريل ظلّ في صورته الأصلية. قيل: ويحتمل أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ صفةً لموصوف محذوف، وقوله: ﴿مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ﴾ متعلّقٌ بمحذوف، حالٌ مقدّم من مؤخّر، والتقدير: والله لقد رأى الآية مندرجة في آيات ربّه، وواحدة منها، والمراد بالآية الكبرى: جبريل في صورته الأصليّة، والوجه الأول أولى، والله تعالى أعلم. وتمام شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١٩ (٨٣) - بَابُ قَوْلِهِ وَتَّ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُرَى﴾ ... إلخ - حديث رقم (٤٤٢) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٤٢] (١٧٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿وَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم: ١٣] قَالَ: رَأَى جِبْرِيلَ). رجال هذا الإسناد: خمسة أيضاً: ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان، واسمه ميسرة، أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، وقيل: أبو عبد الله الْعَرْزَميّ - بفتح العين المهملة، وسكون الراء، وبالزاي المفتوحة - أحد الأئمة، ثقةٌ(١) [٥]. رَوَى عن أنس بن مالك، وعطاء بن أبي رَباح، وسعيد بن جبير، وسَلَمة بن كُهَيل، وأنس بن سيرين، ومسلم بن يَنّاق، وابن الزبير، وعبد الله بن عطاء المكيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وابن المبارك، والقطان، وعبد الله بن إدريس، وزهير بن معاوية، وزائدة، وحفص بن غياث، وإسحاق الأزرق، وخالد بن عبد الله، وابن نمير، وعليّ بن مُسْهر، وعيسى بن يونس، وأبو عوانة، وهشيم، ويحيى بن أبي زائدة، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وآخرون. قال ابن مهديّ: كان شعبة يَعْجَب من حفظه، قال ابن المبارك، عن سفيان: حُفّاظ الناس: إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سليمان، وذكر جماعة، وقال ابن عيينة، عن الثوريّ: حدثني الميزان، عبد الملك بن (١) في ((التقريب)): صدوق له أوهام. اهـ. والحقّ أنه ثقة على الإطلاق، كما أطلق عليه الأئمة، وإنما تكلّم فيه شعبة لأجل حديث واحد، مع ثنائه عليه، ومن المعلوم تشدّد شعبة في هذا، فلا ينبغي الالتفات إليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أبي سليمان، وقال ابن المبارك: عبد الملك ميزان، وقال أبو داود: قلت لأحمد: عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: ثقةٌ، قلت: يُخطئ؟ قال: نعم، وكان من أحفظ أهل الكوفة إلا أنه رَفَع أحاديث عن عطاء، وقال الحسن بن حِبّان: سئل يحيى بن معين عن حديث عطاء، عن جابر في الشفعة، فقال: هو حديث لم يُحَدِّث به أحدٌ إلا عبد الملك، وقد أنكره الناس عليه، ولكن عبد الملك ثقةٌ، صدوقٌ، لا يُرَدُّ على مثله، قلت: تكلّم فيه شعبة؟ قال: نعم، قال شعبة: لو جاء عبد الملك بآخر مثله لرميت بحديثه، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: هذا حديثٌ منكرٌ، وعبد الملك ثقةٌ، وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: عبد الملك من الحفاظ، إلا أنه كان يخالف ابن جريج، وابنُ جريج أثبت منه عندنا، وقال الميمونيّ، عن أحمد: عبد الملك من أعيان الكوفيين، وقال أمية بن خالد: قلت لشعبة: ما لك لا تُحَدِّث عن عبد الملك بن أبي سليمان، وقد كان حسن الحديث؟ قال: من حسنها فَرَرْتُ، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سمعت أحمد ويحيى يقولان: عبد الملك بن أبي سليمان ثقةٌ، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ضعيفٌ، وهو أثبت في عطاء من قيس بن سَعْد، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: أيما أحبُّ إليك، عبد الملك بن أبي سليمان، أو ابنُ جريج؟ قال: كلاهما ثقةٌ، وقال ابن عمار الموصليّ: ثقةٌ حجةٌ، وقال العجليّ: ثبت في الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن عبد الملك بن أبي سليمان: ثقةٌ متقنٌ فقيةٌ، وقال يعقوب بن سفيان أيضاً: عبد الملك فزاريّ، من أنفسهم، ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان ثقةً مأموناً ثبتاً، وقال الساجيّ: صدوقٌ، رَوَى عنه يحيى بن سعيد القطان جزءاً ضخماً، وقال الترمذيّ: ثقةٌ مأمونٌ، لا نعلم أحداً تكلم فيه غير شعبة، وقال: قد كان حدَّث شعبةُ عنه، ثم تركه لحديث الشفعة الذي تفرّد به، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما أخطأ، وكان من خيار أهل الكوفة، وحفظائهم، والغالب على مَن يَحفَظ، ويحدِّث أن يَهِمَ، وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ، ثَبْتٍ، صَحَّتْ عنه السنة بأوهام يَهِم في روايته، ولو سلكنا هذا المسلك للزمنا ترك حديث الزهريّ، وابن جُريج، والثوريّ، وشعبة؛ لأنهم