النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِّ - حديث رقم (٤١٠)
جزم به الطيبيّ، قال الحافظ تَّتُهُ: ولم يَذْكُر دليله، نعم في رواية البخاريّ من
طريق يونس عنه في ((التفسير)) ما يدلّ على الإدراج. انتهى.
ولفظه في ((التفسير)): ((قال: والتحنث: التعبد))، قال في ((الفتح)): هذا
ظاهر في الإدراج؛ إذ لو كان من بقية كلام عائشة لجاء فيه: قالت؛ وهو
يحتمل أن يكون من كلام عروة، أو من دونه. انتهى(١).
وقوله: (اللَّيَالِيَ) ظرف متعلق بـ((يتحنث))، لا بـ((التعبد))، ومعناه: يتحنث
اللياليَ، ولو جُعِل متعلقاً بـ((التعبد)) لفَسَدَ المعنى، فإن التحنث لا يشترط فيه
الليالي، بل يُظْلَق على القليل والكثير، وهذا التفسير اعتراض بين كلام
عائشة ﴿يّا؛ إذ كلامها: ((فيتحنّث فيه الليالي أولات العدد))، قاله النوويّ.
وقال الطيبيّ كَخَّتُ: أطلق الليالي، وأراد بها الليالي مع أيامهنّ على سبيل
التغليب؛ لأنها أنسب للخلوة، ووصف الليالي بقوله: (أُوْلَاتِ الْعَدَدِ) لإرادة
التقليل، كما قوله تعالى: ﴿دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠](٢) .
وقال الكرمانيّ: يحتمل الكثرة؛ إذ الكثير يحتاج إلى العدد، وهو
المناسب للمقام.
وتعقّبه الحافظ، فقال: أما كونه المناسبَ فمسلَّم، وأما الأول فلا؛ لأن
عادتهم جرت في الكثير أن يُوزَن، وفي القليل أن يُعَدّ، وقد جزم الشيخ أبو
محمد بن أبي جمرة بأن المراد به الكثرة؛ لأن العدد على قسمين، فإذا أطلق
أريد به مجموع القلة والكثرة، فكأنها قالت: ليالي كثيرة؛ أي: مجموع قسمي
(٣)
العدد. انتهى(٣).
وللبخاريّ: ((ذوات العدد))، وهو بمعناه، وإنما أبهم العدد لاختلافه، كذا
قيل، وهو بالنسبة إلى المُدَد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وإلا فأصل الخلوة
قد عُرِفت مُدَّتها، وهي شهر، وذلك الشهر كان رمضان، رواه ابن إسحاق،
قاله في (الفتح)) (٤).
(١) ((الفتح)) ٥٨٨/٨.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧١٦/١٢.
(٣) ((الفتح)) ٣٧٢/١٢ ((كتاب التعبير)).
(٤) ((الفتح)) ٣٢/١.

٣٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وانتصاب ((الليالي)) على الظرفية، و((أولات)) اسم جمع لا مفرد له من
لفظه، بل من معناه، وهو ((ذات))، وهو منصوب، وعلامة نصبه كسر التاء؛ لأنه
ملحقٌ بجمع المؤنّث السالم، كما قال في ((الخلاصة)):
وَمَا بِتَا وَأَلِفٍ قَدْ جُمِعَا
يُكْسَرُ فِي النَّصْبِ وَفِي الجَرِّ مَعَا
كَـ((أَذْرِعَاتٍ)) فِيهِ ذَا أَيْضاً قُبِلْ
كَذَا ((أُوَلَاتُ)) وَالَّذِي اسْماً قَدْ جُعِلْ
(قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ) وفي رواية للبخاريّ: ((قبل أن يَنْزِع))، وهو بوزن (يرجِعَ))،
ومعناه (إِلَى أَهْلِهِ) المراد به خديجة وأولاده منها رضي الله عنهنّ، ويحتمل أن
يريد أقاربه، أو أعمّ، وقوله: (وَيَتَزَوَّدُ) عطفٌ على ((يتحنّث))؛ أي: يستصحب
الزاد معه، والزاد: هو الطعام الذي يستصحبه المسافر في سفره، والجمع
أزواد(١). (لِذَلِكَ) أي: لأجل التحنّث في الغار المذكور (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى
خَدِيجَةَ) ◌َّا، وخديجة هي: بنت خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ،
تَجَمِع مع النبيّ وَّهَ في قُصَيّ، وهي من أقرب نسائه وَّل إليه في النسب، ولم
يتزوج من ذرية قُصَيّ غيرها، إلا أم حبيبة، وتزوجها سنة خمس وعشرين من
مولده في قول الجمهور، زَوَّجه إياها أبوها خُويلد، ذكره البيهقيّ من حديث
الزهري بإسناده عن عمار بن ياسر، وقيل: عمُّها عمرو بن أسد، وقيل: أخوها
عمرو بن خُويلد، ذكره ابن إسحاق، وكانت قبله عند أبي هالة بن النَّاش بن
زُرَارة التميميّ، حَلِيف بني عبد الدار، واختُلِف في اسم أبي هالة، فقيل:
مالك، قاله الزبير، وقيل: زُرَارة، حكاه ابن منده، وقيل: هند، جَزَم به
العسكريّ، وقيل: اسمه النّبّاش، جَزَم به أبو عبيد، وابنُهُ هند، رَوَى عنه
الحسن بن علي، فقال: حدثني خالي؛ لأنه أخو فاطمة لأمها، ولهند هذا وَلَدٌ
اسمه هند، ذكره الدُّولابيّ وغيره، فعلى قول العسكريّ، فهو ممن اشتَرَك مع
أبيه وجده في الاسم، ومات أبو هالة في الجاهلية، وكانت خديجة قبله عند
عَتِيق بن عائد المخزوميّ، وكان النبيّ وَّ قبل أن يتزوج خديجة، قد سافر في
مالها مُقارِضاً إلى الشام، فرأى منه مَيْسَرة غلامُها ما رَغَبها في تزوجه، قال
الزبير: وكانت خديجة تُدْعَى في الجاهلية الطاهرةَ، وماتت على الصحيح بعد
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٥٩/١ - ٢٦٠.

٣٦٣
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ - حديث رقم (٤١٠)
المبعث بعشر سنين، في شهر رمضان، وقيل: بثمان، وقيل: بسبع، فأقامت
معه وَ لّ خمساً وعشرين على الصحيح، وقال ابن عبد البر: أربعاً وعشرين سنة
وأربعة أشهر.
ورَوَى الفاكهيّ في ((كتاب مكة)) عن أنس ◌َظُه أن النبيّ ◌َّ كان عند أبي
طالب، فاستأذنه أن يتوجه إلى خديجة، فأَذِنَ له، وبَعَثَ بعده جاريةً له، يقال
لها: نبعة، فقال لها: انظري ما تقول له خديجة، قالت نبعة: فرأيت عَجَباً، ما
هو إلا أن سَمِعَت به خديجةُ، فخَرَجت إلى الباب، فأخذت بيده، فضمّتها إلى
صدرها ونحرها، ثم قالت: بأبي وأمي، والله ما أفعل هذا لشيء، ولكني أرجو
أن تكون أنت النبي الذي ستُبْعَث، فإن تكن هو، فاعرف حقي ومنزلتي، وادع
الإله الذي يبعثك لي، قالت: فقال لها: ((والله لئن كنت أنا هو قد اصطنعت
عندي ما لا أُضِيعه أبداً، وإن يكن غيري، فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله
لا يُضِيعك أبداً)). ذكره في ((الفتح)) (١).
(فَيَتَزَوَّدُ) وفي رواية للبخاريّ في ((التعبير)): ((فَتُزوِّده))، أي: خديجة ◌ُّا،
قال في ((الفتح)): خَصَّ خديجة بالذكر بعد أن عَبَّر بالأهل، إما تفسيراً بعد
إيهام، وإما إشارةً إلى اختصاص التزود بكونه من عندها دون غيرها. انتهى.
(لِمِثْلِهَا) الضمير للّيالي، أو المرة، أو الفَعْلة، أو الخلوة، أو العبادة.
ثم يحتمل أن يكون المراد أنه يتزَوّد، ويخلو أياماً، ثم يرجع، ويتزوّد،
ويخلو أياماً، ثم يرجع ويتزود، ويخلو أياماً إلى أن ينقضي الشهر، ويحتمل أن
يكون المراد أن يتزود لمثلها إذا حال الحول، وجاء ذلك الشهر الذي جَرَت
عادته أن يخلو فيه، وهذا استظهره الحافظ تَّتُهُ. ويؤخذ منه إعداد الزاد
للمختلي، إذا كان بحيث يتعذر عليه تحصيله؛ لبعد مكان اختلائه من البلد
مثلاً، وأنّ ذلك لا يَقْدَح في التوكل، وذلك لوقوعه من النبيّ وَّه بعد حصول
النبوة له بالرؤيا الصالحة، وإن كان الوحي في اليقظة قد تراخى عن ذلك، قاله
في ((الفتح))(٢).
(١) ((الفتح)) ١٦٧/٧ ((كتاب المناقب)) رقم الحديث (٣٨٢١).
(٢) ٣٧٢/١٢، و٥٨٨/٨.

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(حَتَّى فَجِتَهُ الْحَقُّ) ((حتى)) هنا على بابها من انتهاء الغاية؛ أي: انتهى
توجهه لغار حراء بمجيء الملك، فترك ذلك، وقوله: ((فَجِئه)) - بفتح الفاء،
وكسر الجيم، ثم همزة - ويجوز فتح الجيم أيضاً، يقال: فَجِئه بكسر الجيم،
وفَجَأه بفتح الجيم والهمزة لغتان مشهورتان، حكاهما الجوهريّ وغيره؛ أي:
جاءه الوحي بغتةً، فإنه وَّهِ لم يكن متوقعاً للوحي، قاله النوويّ(١).
وتعقّبه البلقينيّ، وقال: في إطلاق هذا النفي نظرٌ، فإن الوحي كان جاءه
في النوم مراراً، وأسند ذلك إلى ما ذكره ابن إسحاق عن عُبيد بن عُمير أنه وقع
له في المنام نظير ما وقع له في اليقظة، من الغطّ، والأمر بالقراءة، وغير
ذلك. انتهى.
وتعقّب الحافظ، فقال: في كون ذلك يستلزم وقوعه في اليقظة حتى
يتوقعه نظرٌ، فالأولى ترك الجزم بأحد الأمرين. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله البلقينيّ واضحٌ إن صحّ ما ذكره ابن
إسحاق؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (الْحَقُّ) قال الطيبيّ: أي أمر الحق، وهو الوحي، أو رسول
الحقّ، وهو جبريل ظلّها، وقال البلقينيّ: أي الأمر البَيِّن الظاهر، أو المراد:
الملك بالحقّ؛ أي: الأمر الذي بُعِث به. انتهى.
وفي رواية البخاريّ من طريق عُقيل، عن الزهريّ: ((حتى جاءه الحقّ))،
قال في ((الفتح)): وإن ثَبَتَ من مرسل عبيد بن عمير أنه أُوحي إليه بذلك في
المنام أَوّلاً قبل اليقظة، أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة عَقِبَ ما تقدم
في المنام، وسُمِّي حقّاً؛ لأنه وحي من الله تعالى.
وقد وقع في رواية أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، قالت: إن
النبيّ ◌َ﴿ كان أوّلَ شأنه يَرَى في المنام، وكان أوّلَ ما رأى جبريلَ بأجياد،
صَرَخَ جبرِيلُ: يا محمدُ، فنظر يميناً وشمالاً، فلم يَرَ شيئاً، فرَفَع بصره، فإذا
هو على أُفُق السماء، فقال: يا محمدُ جبريلُ جبريلُ؛ فَهَرَب، فدخل في
الناس، فلم يَرَ شيئاً، ثم خَرَج عنهم، فناداه، فهرب، ثم استَعْلَن له جبريل من
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٧٢/١٢.

٣٦٥
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ - حديث رقم (٤١٠)
قِبَل حراء، فذكر قصة إقرائه ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، ورَأَى حينئذ جبريل له
جناحان من ياقوت، يختطفان البصر، وهذا من رواية ابن لَهِيعة، عن أبي
الأسود، وابنُ لهيعة ضعيف.
وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) من وجه آخر عن عائشة، مرفوعاً: ((لم أَرَهُ
- يعني جبريل - على صورته التي خُلِقٍ عليها إلا مرتين)).
وبَيَّن أحمد في حديث ابن مسعود أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن
يُرِيه صورته التي خُلق عليها، والثانية عند المعراج.
وللترمذي من طريق مسروق، عن عائشة: ((لم يَرَ محمدٌ جبريلَ في صورته
إلا مرتين: مرّةً عند سدرة المنتهى، ومرةً في أجياد)»، وهذا يُقَوِّي رواية ابن
لهيعة، وتكون هذه المرّة غير المرتين المذكورتين، وإنما لم يضمها إليهما
لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته، والعلم عند الله.
ووقع في السيرة التي جمعها سليمان التيميّ، فرواها محمد بن
عبد الأعلى، عن ولده معتمر بن سليمان، عن أبيه، أن جبريل أتى النبيّ وَل
في حراء، وأقرأه ﴿اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم انصرف، فَبَقِيَ متردِّداً، فأتاه من أمامه
في صورته، فرأى أمراً عظيماً. انتهى.
وقوله: (وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من
المفعول؛ أي: حال كون النبيّ وَلّ كائناً في كهف جبل حراء.
(فَجَاءَهُ الْمَلَك) هذه الفاء تُسَمَّى التفسيرية، وليست التعقيبية؛ لأن مجيء
الملك ليس بعد مجيء الوحي، حتى تُعَقِّب به، بل هو نفسه، ولا يلزم من هذا
التقرير أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسَّر به من
جهة الإجمال، وغيرُهُ من جهة التفصيل، قاله في ((الفتح)) في ((كتاب الإيمان)).
وقال في ((كتاب التعبير)) - بعد ذكر هذا -: وقال شيخنا البلقينيّ: يحتمل
أن تكون للتعقيب، والمعنى بمجيء الحقّ انكشاف الحال عن أمر وَقَع في
القلب، فجاءه لذلك عقبه، قال: ويحتمل أن تكون سببية؛ أي: حتى قَضَى
بمجيء الوحي، فبسبب ذلك جاءه الملك. قال الحافظ: وهذا أقرب من الذي
قبله .
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ في ((كتاب التعبير)) بلفظ: ((فجاءه الملك

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فيه))، فزاد لفظة ((فيه))، قال في ((الفتح)): يؤخذ منه رفع توهم مَن يظن أن
الملك لم يدخل إليه الغارَ، بل كلِّمه، والنبيّ وَّر داخل الغار، والملك على
الباب.
قال شيخنا البلقينيّ تَخُّْ: الملك المذكور هو جبريل ظلّ*، كما وقع
شاهده في كلام ورقة، وكما يجيء في حديث جابر نظريته أنه الذي جاءه بحراء،
قال: واللام في ((الملك)) لتعريف الماهية، لا للعهد، إلا أن يكون المراد به ما
عَهِدَه النبيّ وََّ قبل ذلك لَمّا كلمه في صباه، أو اللفظ لعائشة ◌َّ، وَقَصَدت
به ما تَعَهَّده مَن تخاطبه به. انتھی.
1
وقال الإسماعيليّ تَخَُّهُ: هي عبارة عما عُرِف بعدُ أنه ملك، وإنما الذي
في الأصل: فجاءه جَاءٍ، وكان ذلك الجائي ملكاً، فأخبر وَل عنه يوم أخبر
بحقيقة جنسه، وكأن الحامل على ذلك أنه لم يتقدم له معرفة به. انتهى.
قال الحافظ تَخْتُ: وقد جاء التصريح بأنه جبريل ظلّ، فأخرج أبو داود
الطيالسيّ في ((مسنده)) من طريق أبي عِمْران الجَوْنيّ، عن رجل، عن
عائشة ◌ُؤْثًّا: ((أن رسول الله وَّ اعتكف، هو وخديجة ظُها، فوافق ذلك
رمضان، فخرج يوماً، فسَمِع: السلام عليكم، قال: فظننت أنه من الجنّ،
فقال: أبشروا، فإن السلام خير، ثم رأى يوماً آخر جبريل على الشمس، له
جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، قال: فَهِبتُ منه ... )) الحديث، وفيه أنه
جاءه، فكلَّمه، حتى أَنِسَ به.
وظاهره أن جميع ما وقع له كان، وهو في الغار، لكن وقع في مرسل
عُبيد بن عمير: ((فأجلسني على دُرْنوك فيه الياقوت واللؤلؤ))، وهو بضم الدال
والنون، بينهما راء ساكنة: نوع من البُسُط، له خَمْل.
وفي مرسل الزهريّ: ((فأجلسني على مَجْلِسٍ كريم، مُعْجِبٍ)).
وأفاد البلقينيّ أن سِنّ النبيّ بَّر حين جاءه جبريل في حراء كان أربعين
سنة، على المشهور، ثم حكى أقولاً أخرى، قيل: أربعين ويوماً، وقيل: عشرة
أيام، وقيل: شهرين، وقيل: وسنتين، وقيل: وثلاثاً، وقيل: وخمساً، قال:
وكان ذلك يوم الاثنين نهاراً، قال: واختُلِف في الشهر، فقيل: شهر رمضان،
في سابع عشره، وقيل: سابعه، وقيل: رابع عشريه.

٣٦٧
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِّ ــ حديث رقم (٤١٠)
قال الحافظ: ورمضان هو الراجح؛ لما تَقَدَّم من أنه الشهر الذي جاء فيه
في حراء، فجاءه الملك، وعلى هذا فيكون سنُّهُ حينئذ أربعين سنة وستة أشهر،
وليس ذلك في الأقوال التي حكاها البلقينيّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال ليس عليها دليلٌ يُستند إليه،
فالأولى عدم الالتفات إليها، والخوض في مثلها اشتغال بما لا يعني الإنسان،
فالله المستعان.
[تنبيه]: إذا عُلِم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن
ابتداء الوحي جاء وهو في الغار المذكور اقتضى ذلك أنه نُبِّئ في شهر رمضان،
ويَعْكُر على قول ابن إسحاق أنه بُعِث على رأس الأربعين؛ مع قوله: إنه في
الشهر الذي وُلِد فيه.
ويمكن أن يكون المجيء في الغار كان أوّلاً في شهر رمضان، وحينئذ نُبِّئ،
وأنزل عليه ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، ثم كان المجيء الثاني في شهر ربيع الأول
بالإنذار، وأنزلت عليه ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُرْ فَأَنْذِرُ ﴾﴾ [المدثر: ١، ٢]، فيُحمَل قول
ابن إسحاق على رأس الأربعين، أي عند المجيء بالرسالة، والله تعالى أعلم (٢).
(فَقَالَ) أي: الملك (اقْرَأْ) يحتمل أن يكون هذا الأمر لمجرد التنبيه
والتيقظ لما سيُلْقَى إليه، ويحتمل أن يكون على بابه من الطلب، فيُسْتَدَلُّ به
على تكليف ما لا يطاق في الحال، وإن قُدِر عليه بعد ذلك، ويحتمل أن تكون
صيغة الأمر محذوفة، أي: قل: ﴿أَقرأْ﴾، وإن كان الجواب ((ما أنا بقارئ)) فعلى
ما فُهِم من ظاهر اللفظ، وكأن السرّ في حذفها؛ لئلا يُتَوَهَّم أن لفظ ((قل)) من
القرآن، ويؤخذ منه جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأن الأمر على
الفور، لكن يمكن أن يجاب بأن الفور فُهِم من القرينة (٣).
وقال البلقينيّ: ظاهره أنه لم يتقدم من جبريل شيء قبل هذه الكلمة، ولا
السلام، فَيَحْتَمِل أن يكون سَلَّمَ، وحُذِف ذكره؛ لأنه معتاد، وقد سَلَّم الملائكة
على إبراهيم عليّ* حين دخلوا عليه، ويَحْتَمِل أن يكون لم يُسَلِّم؛ لأن المقصود
(١) راجع: ((الفتح)) ١٢/ ٣٧٣.
(٣) المصدر السابق ٥٨٩/٨.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٥٨٨/٨.

٣٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
حينئذ تفخيم الأمر وتهويله، وقد تكون مشروعية ابتداء السلام تتعلق بالبشر، لا
من الملائكة، وإن وقع ذلك منهم في بعض الأحيان.
قال الحافظ: والحالة التي سلموا فيها على إبراهيم كانوا في صورة
البشر، فلا ترد هنا، ولا يَرِد سلامهم على أهل الجنة؛ لأن أمور الآخرة مغايرة
لأمور الدنيا غالباً .
وقد جاء في رواية الطيالسيّ أن جبريل سَلَّم أوّلاً، ولم يُنقَل أنه سلَّم عند
الأمر بالقراءة، والله أعلم(١).
(قَالَ) بَرِ ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ))) قال البلقينيّ تَخُّْ: وظاهره أن عائشة
سَمِعت ذلك من النبيّ وَّر، فلا يكون من مرسلات الصحابة. انتهى.
وقوله: (مَا أَنَا بِقَارِئٍ) أي: لا أُحِسن القراءة، فـ((ما)) نافية، هذا هو
الصواب، وحَكَى القاضي عياض ◌َّتُهُ فيها خلافاً بين العلماء، منهم مَن جَعَلها
نافيةً، ومنهم من جعلها استفهاميةً، وضعّفوه بإدخال الباء في الخبر، قال
القاضي: ويصحح قول مَن قال: استفهامية، رواية مَن رَوَى: ((ما أقرأ؟))،
ويصح أن تكون ((ما)) في هذه الرواية أيضاً نافيةً، ذكره النوويّ كَّتُهُ(٢) .
وقال في ((الفتح)): ((ما)) نافية؛ إذ لو كانت استفهامية، لم يَصْلَحْ دخول
الباء، وإن حُكِيَ عن الأخفش جوازه، فهو شاذّ، والباء زائدة لتأكيد النفي؛
أي: ما أُحسِن القراءة، فلما قال ذلك ثلاثاً، قيل له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَيِّكَ﴾
[العلق: ١]، أي: لا تقرؤه بقوّتِك، ولا بمعرفتك، لكن بحول ربك وإعانته،
فهو يُعَلِّمك كما خلقك، وكما نَزَعَ عنك عَلَق الدم، وغَمْزَ الشيطان في الصغر،
وعَلَّمَ أمتك حتى صارت تكتب بالقلم، بعدَ أَنْ كانت أمية. ذكره السهيلي.
وقال غيره: إن هذا التركيب، وهو قوله: ((ما أنا بقارئ» يفيد
الاختصاص، ورَدّه الطيبيّ بأنه إنما يفيد التقوية والتأكيد، والتقديرُ: لستُ بقارئ
البتة.
[فإن قيل]: لم كَرَّر ذلك ثلاثاً؟.
[أجاب أبو شامة] بأن يُحْمَل قوله أوّلاً: ((ما أنا بقارئ)) على الامتناع،
(١) ((الفتح)) ١٢/ ٣٧٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٩/٢.

٣٦٩
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ الله ◌ِ - حديث رقم (٤١٠)
وثانياً على الإخبار بالنفي المحض، وثالثاً على الاستفهام، ويؤيده أن في رواية
أبي الأسود في ((مغازيه)) عن عروة، أنه قال: ((كيف أقرأ؟))، وفي رواية عُبيد بن
عُمير عند ابن إسحاق: ((ماذا أقرأ؟))، وفي مُرسل الزهريّ في (دلائل البيهقيّ)):
((كيف أقرأ؟))، وكلُّ ذلك يؤيد أنها استفهامية، والله أعلم(١).
وقال الطيبيّ تَخُّْ: [فإن قلت]: قد تقرّر في علم المعاني أن إيلاء
الضمير حرف النفي يفيد الاختصاص والحصر، وهو يستدعي أن يكون حكم
المخاطب مشوباً بصواب وخطأ، فيردّ خطؤه إلى الصواب، فأين هذا من
جبريل؟ .
[قلت]: إنه ◌َ* لَمّا سمع من جبريل: ((اقرأ)) تصوّر منه وّل أنه اعتقد أن
حكمه ويق ليس كحكم سائر الناس في أن حصول القراءة، والتمكّن منها إنما هو
بطريق التعلّم، ومدارسة الكتب، فلهذا ردّه بقوله: ((ما أنا بقارئ))، أي: حكمي
كحكم سائر الناس من أن حصول القراءة إنما هو بالتعلّم، وعدمه بعدمه، فلذلك
أخذه، فغطّه مرراً؛ ليُخرجه من حكم سائر الناس، ويستفرغ منه البشريّة، ويُفرغ
فيه صفات الملكيّة، فحيئذ يعلم معنى ((اقرأ))، ويخاطب بقوله: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ
﴾ [العلق: ١] إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]، ففي المقروء أيضاً
الَّذِى خَلَقَ ®
إشارة إلى ردّ ما تصوّره وَله من أن القرآن إنما يتيسّر بطريق التعليم فقط، بل إنها
كما تحصل من التعليم بواسطة العلم، فقد تحصل بتعليم الله بلا واسطة، فقوله:
﴿عَلَّمَ بِلْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] إشارة إلى العلم التعليميّ، وقوله: ﴿عَلَّمَ اُلْإِنَنَ مَا لَمْ
يَعْلَمَ ﴾﴾ [العلق: ٥] إلى العلم اللدنيّ، ومِصْداقه قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ
يُوحَى ﴿أَ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى
[النجم: ٤ - ٥]. انتهى كلام الطيبيّ نَُّهُ(٢).
(قَالَ) وَ ((فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي) بالغين المعجمة، والطاء المهملة، والغظُ:
حَبْسُ النَّفَس، ومنه غَطّه في الماء، فمعناه: عَصَرَني، وضَمَّني، يقال: غَطّه،
وغَتَّه، وضَغَطه، وعَصَرَه، وخَنَقه، وغَمَزه كله بمعنى واحد.
وفي رواية الطبري: (فَغَتَّنِي)) بتاء مثناة من فوقُ، وهو بمعنى غطّني،
(١) ((الفتح)) ٣٢/١ - ٣٣.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧١٦/١٢ - ٣٧١٧.

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ولأبي داود الطيالسيّ في ((مسنده)) بسند حسن: ((فأخذ بِحَلْقي))، قاله في
((الفتح))(١) .
وقال الطيبيّ تَخْذَتُهُ: ((الغطّ)): العصر الشديد والكَبْس، ومنه الغَطّ في
الماء: وهو الغوص فيه، قيل: إنما غطّه؛ ليختبر هل يقول من تلقاء نفسه
شيئاً؟. انتهى(٢).
والحكمة في هذا الغط شَغْلُه عن الالتفات لشيء آخر، أو لإظهار الشدّة
والجدّ في الأمر تنبيهاً على ثقل القول الذي سيُلْقَى إليه، فلما ظَهَر أنه صَبَر
على ذلك أَلْقَى إليه، وهذا وإن كان بالنسبة إلى علم الله حاصلاً، لكن لعل
المراد إبرازه للظاهر بالنسبة إليه وَ ل، وقيل: لَيَخْتَبِر هل يقول من قِبَل نفسه
شيئاً؟ فلما لم يأتِ بشيء دَلّ على أنه لا يَقْدِر عليه، وقيل: أراد أن يعلمه أن
القراءة ليست من قدرته، ولو أُكرِه عليها، وقيل: الحكمة فيه أن التخييل
والوهم والوسوسة، ليست من صفات الجسم، فَلَمّا وَقَع ذلك لجسمه عُلِمَ أنه
من أمر الله، وذكر بعضهم أن هذا من خصائص النبيّ وَّر؛ إذ لم يُنقَل عن أحد
من الأنبياء، أنه جَرَى له عند ابتداء الوحي مثل ذلك(٣).
(حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) بفتح الجيم وضمها لغتان، وهو الغاية والمشقة،
ويجوز نصب الدال، ورفعها، فمعناه على النصب: بَلَغ جبريلُ، أو الغظُ مني
الجهدَ، أي: غاية وُسْعِي، وعلى الرفع: بلغ الجهدُ مني مبلغه وغايته، وممن
ذكر الوجهين في نصب الدال ورفعها صاحب ((التحرير)) وغيره(٤).
واعترض التوربشتيّ تَخْذَلُهُ وجه النصب، فقال: لا أرى الذي يرويه بنصب
الدال إلا قد وَهِمَ فيه، أو جوّزه من طريق الاحتمال، فإنه إذا نُصب عاد المعنى
إلى أنه غطه حتى استفرغ قوّته في غطّه، وجهد جهده بحيث لم يَبْقَ فيه مزيد،
وهذا قول غير سديد؛ لأن البنية البشريّة لا تستدعي استيفاء القوّة الملكيّة، لا
سيّما في مبدأ الأمر، وقد دلّت القضيّة على أنه اشمأزّ من ذلك، وتداخله
الرعب. انتهى.
(١) ((الفتح)) ٣٣/١.
(٣) ((الفتح)) ٥٨٩/٨.
(٢) ((الكاشف)) ٣٧١٧/١٢.
(٤) (شرح النووي)) ١٩٩/٢.

٣٧١
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّر - حديث رقم (٤١٠)
وتعقّبه الطيبيّ كَّتُهُ، فقال: لا شكّ أن جبريل في حالة الغطّ لم يكن
على صورته الحقيقيّة التي تجلّى بها عند سدرة المنتهى، وعندما رآه مستوياً على
الكرسيّ، فيكونُ استفراغ جهده بحسب الصورة التي تجلّى له وغطّه، وإذا
صحّت الرواية اضمحلّ الاستبعاد. انتهى(١).
قال الحافظ بعد ذكر ما تقدّم: الترجيح هنا متعين؛ لاتحاد القصة، ورواية
الرفع لا إشكال فيها، وهي التي ثبتت عن الأكثر، فتَرجَّحت، وإن كان للأخرى
توجيه، وقد رجح البلقينيّ بأن فاعل ((بَلَغَ)) هو الغَظُ، والتقدير: بلغ مني الغطّ
جهدَه؛ أي: غايته، فَيَرْجِع الرفع والنصب إلى معنى واحد، وهو أولى.
قال البلقينيّ: وكأنّ الذي حصل له عند تلقي الوحي من الجهد مقدمةٌ لما
صار يحصل له من الكرب عند نزول القرآن، كما في حديث ابن عباس: ((كان
يعالج من التنزيل شدّةً))، وكذا في حديث عائشة، وعمر، ويعلى بن أمية،
وغيرهم شه، وهي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام
بَرْزَخيّ يحصل له عند تلقي الوحي، ولَمّا كان البرزخ العامّ ينكشف فيه للميِّت
كثيرٌ من الأحوال خَصَّ الله تعالى نبيّه وَّهِ ببرزخ في الحياة يُلْقِي إليه فيه وحيه
المشتمل على كثير من الأسرار، وقد يقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم
أو غيره اطّلاعٌ على كثير من الأسرار، وذلك مُسْتَمَدٌّ من المقام النبويّ، ويشهد
له حديث: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة».
[تنبيه]: قال السهيليّ تَخُّْ: تأويل الغَطّات الثلاثة على ما في رواية ابن
إسحاق أنها كانت في النوم أنه سيقع له ثلاث شدائد، يُبتلى بها، ثم يأتي
الفرج، وكذلك كان، فإنه لَقِي ومن تبعه شدّةً أُولى بالشِّعبِ لَمّا حَصَرتهم
قريش، وثانية لَمّا خرجوا، وتوعّدوهم بالقتل حتى فَرّوا إلى الحبشة، وثالثة لما
هَمّوا بما همّوا به من المكرِ به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِيُتْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوَكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
[الأنفال: ٣٠]، فكانت له العاقبة في الشدائد الثلاثة.
وقال البلقينيّ: وهذه المناسبة حسنةٌ، ولا يتعين للنوم، بل تكون بطريق
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧١٧/١٢.

٣٧٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الإشارة في اليقظة، قال: ويمكن أن تكون المناسبة أن الأمر الذي جاءه به
ثقيلٌ، من حيث القول، والعمل، والنية، أو من جهةِ التوحيد، والأحكام،
والإخبار بالغيب الماضي والآتي، وأشار بالإرسالات الثلاث إلى حصول
التيسير، والتسهيل، والتخفيف في الدنيا، والبرزخ، والآخرة عليه وعلى أمته.
انتهى(١)، وهو بحثٌ مفيد، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَرْسَلَنِي) أي: أطلقني بعد الغطّ، قال العلماء: والحكمة في الغطّ
شَغْلُه من الالتفات، والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقول له، وكَرَّره ثلاثاً
مبالغةً في التنبيه، ففيه أنه ينبغي للمعلِّم أن يحتاط في تنبيه المتعلّم، وأمره
بإحضار قلبه، والله أعلم(٢).
(فَقَالَ) جبريل عَلَا (اقْرَأْ)، قَالَ) ◌ِ ((قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ))، قَالَ) وَلـ
((فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ) جُبريل (اقْرَأْ،
فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِئَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي،
فَقَالَ: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾ [العلق: ١]) قال أبو عبد الله القرطبيّ تَّتُ: معنى ﴿ اقْرَأْ بِأَسِْ
رَبِّكَ﴾ أي: اقرأ ما أُنزل إليك من القرآن، مفتتحاً باسم ربك، وهو أن تَذْكُر التسمية
في ابتداء كلِّ سورة، فمحل الباء من ﴿يِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ النصب على الحال، وقيل: الباء
بمعنى ((على))؛ أي: اقرأ على اسم ربك، يقال: فَعَل كذا باسم الله، وعلى
اسم الله، وعلى هذا فالمقروء محذوف، أي: اقرأ القرآن، وافتتحه باسم الله،
وقال قوم: ((اسم ربك)) هو المقروء، فهو يقول: اقرأ باسم ربك، أي: اسم ربك،
والباء زائدة، كقوله تعالى: ﴿َنُّبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وكما قال [من البسيط]:
هُنَّ الحَرَائِرُ لَا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍ سُودُ المَحَاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
أراد لا يقرأن السُّوَرَ، وقيل: معنى ﴿اقْرَأْ يِأَسْمِ رَبِّكَ﴾: أي اذكر اسمه،
أَمَرَه أن يبتدئ القراءة باسم الله. انتهى.
(﴿الَّذِى خَلَقَ﴾) لم يذكر المفعولَ؛ لأن المعنى: الذي حصل منه الخلقُ،
واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كلَّ شيء، فيتناول كلَّ مخلوق؛ لأنه
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٧٤/١٢ - ٣٧٥ ((كتاب التعبير)) رقم (٦٩٨٢).
(٢) المصدر السابق.

(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ الله ◌ِ - حديث رقم (٤١٠)
٣٧٣
مطلقٌ، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من بعض، قاله النسفيّ(١).
وقوله: ﴿﴿خَلَقَ اُلْإِنسَنَ﴾ [العلق: ٢]) تخصيصٌ للإنسان بالذكر من بين ما
يتناوله الخلق؛ لشرفه، ولأن التنزيل إليه، ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان،
إلا أنه ذُكر مبهماً، ثم مفسَّراً؛ تفخيماً لخلقه، ودلالةً على عجيب فطرته (﴿مِنْ
عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢]) بفتحتين: جمع عَلَقة، وإنما لم يقل: من عَلَقة؛ لأن الإنسان
في معنى الجمع، قاله النسفيّ(٢).
وقال القرطبيّ: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ﴾ يعني: ابن آدم ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ أي: من دَم،
وهو: جمعُ عَلَقة، والعَلَقة الدم الجامد، وإذا جَرَى فهو المسفوح، وقال: ﴿مِنْ
عَلَقٍ﴾ فذَكَره بلفظ الجمع؛ لأنه أراد بالإنسان الجمع، وكلَّهم خُلِقوا من عَلَق
بعد النطفة، والعلقة قِطْعة من دم رَظْبٍ، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تَعْلَق لرطوبتها بما
تَمُرّ عليه، فإذا جَفَّت لم تكن عَلَقةً، قَال الشاعر [من الوافر]:
تَرَكْنَاهُ يَخِرُّ عَلَى يَدَيْهِ يَمُجُّ عَلَيْهِمَا عَلَقَ الوَتِينِ
وخَصَّ الإنسان بالذكر؛ تشريفاً له، وقيل: أراد أن يُبَيِّن قدر نعمته علیه،
بأن خلقه من عَلَقة مَهِينة، حتى صار بشراً سويّاً، وعاقلاً مميزاً.
وقوله تعالى: (﴿آقرأْ﴾ [العلق: ٣]) تأكيدٌ، وتَمَّ الكلام، ثم أستأنَفَ،
فقال: (﴿وَرَبِّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]) أي: الذي له الكمال في زيادة كرمه على كلّ
كريم، يُنعم على عباده النِّعَم، ويَحْلُم عنهم، فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم،
وجحودهم لنعمه. ولمّا لم يكن للإنسان بعد هدايته للإيمان تكريم، مثلُ تكريمه
بالفوائد العلميّة نبّه على ذلك حيث قال: ﴿﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿ عَلََّ الْإِنسَنَ مَا لَ
يَعْلَ ﴾﴾ [العلق: ٤، ٥]) أي: علّم الإنسان الخطّ والكتابة بالقلم، وعلّمه ما لا
عِلْمَ له به، مما يحتاج إليه في معاشه، ومعاده، ففيه دليلٌ على كمال كرمه وَالنَّ
بأنه علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبّه على
فضل علم الكتابة؛ لِمَا فيه من المنافع العظيمة التي لا يُحيط بها إلا هو؛ إذ ما
دُوِّنت العلوم، ولا قُيِّدت الحِكَم، ولا ضُبطت أخبار الأولين، ولا كُتب الله
(١) ((تفسير النسفيّ)) ٣٦٨/٤.
(٢) المصدر السابق.

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
المنزّلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن
على دقيق حكمة الله خير دليلٌ إلا أمر القلم، والخطّ لكفى.
وسُمِّي قَلَماً لأنه يُقْلَم، أي: يُقْطَع، ومنه تقليم الظفر، وقال بعض
الشعراء المُحْدَثين، يَصِفُ القلم [من الكامل]:
شَيْخُ لِوَصْلٍ خَرِيدَةٍ يَتَصَنَّعُ
فَكَأَنَّهُ وَالحِبْرُ يَخْضِبُ رَأْسَهُ
وَبِهِ إِلَى اللهِ الصَّحَائِفُ تُرْفَعُ(١)
لِمَ لَا أُلَاحِظُهُ بِعَيْنِ جَلَالَةٍ
وقوله: ﴿﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾﴾ [العلق: ٥]) قيل: الإنسان هنا آدم علَّلُ
علّمه أسماء كل شيء، حسبما جاء به القرآن في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ
اُلْأَسْمَاءَ كُلّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، فلم يَبْقَ شيءٌ إلا وعَلَّم ◌َلَ آدم اسمه بكل لغة،
وذَكَره آدمُ للملائكة، كما عَلَّمه، وبذلك ظهر فضله، وتبيَّن قدره، وثبتت نبوّته،
وقامت حجة الله على الملائكة، وحجتُهُ، وامْتَثَلت الملائكةُ الأمرَ لَمَّا رأت من
شرف الحال، ورأت من جلال القدرة، وسمعت من عظيم الأمر، ثم توارثت
ذلك ذريته خَلَفاً بعد سلف، وتناقلوه قوماً عن قوم.
وقيل: الإنسان هنا الرسول محمد بَّله بدليل قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ
تَكُنْ تَعْلَمْ﴾ [النساء: ١١٣]، وعلى هذا فالمراد بـ﴿عِلٍْ﴾ المستقبلُ، فإن هذا من
أوائل ما نَزَل.
وقيل: هو عامٌّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا
تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ الآية [النحل: ٧٨](٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير هو الأرجح؛ لأن
عموم قوله رَّ: ﴿عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمْ ﴾﴾ ظاهر فيه، فتأمّل، والله تعالى
أعلم.
وقال الطيبيّ تَّتُهُ: قوله: ﴿اقْرَأ﴾ أمر بإيجاد القراءة مطلقاً، وهو لا
يختصّ بمقروء دون مقروء، وقوله: ﴿بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ حال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم
ربك، قل: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم اقرأ، وهذا يدلّ على أن البسملة
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ١٢٢/٢٠.
(٢) راجع: ((تفسير القرطبيّ)) ١٢٢/٢٠.

٣٧٥
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ الله ◌َّهِ - حديث رقم (٤١٠)
مأمور بقراءتها في ابتداء كلّ قراءة، فيكون مأموراً بقراءتها في ابتداء هذه
السورة أيضاً. انتهى(١).
وقوله: ﴿الَّذِى خَلَقَ﴾ وصفٌ مناسب مشعر بعليّة الحكم بالقراءة، والإطلاق
في ﴿خُلِقَ﴾ أوّلاً على منوال يُعطي ويمنع، وجُعل توطئةً لقوله: ﴿خَلَقَ اُلْإِنسَنَ﴾
إيذاناً بأن الإنسان أشرف أنواع المخلوقات، ثم الامتنان عليه بقوله: ﴿عَلَّم
اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَ ﴾﴾ يدلّ على أن العلم أجلّ النعم، وأكثرها فائدة. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ﴿بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ استَدَلَّ به السهيليّ على أن
البسملة يؤمر بقراءتها أولَ كل سورة، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون آيةً من
كل سورة، كذا قال، وقرّره الطيبيّ، فقال: قوله: ﴿اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ﴾ قَدَّم الفعل
الذي هو متعلق الباء؛ لكون الأمر بالقراءة أهمّ، وقوله: ﴿اقْرَأْ﴾ أمرٌ بإيجاد
القراءة مطلقاً، وقوله: ﴿يِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ حال؛ أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربك،
وأصح تقاديره: قل: باسم الله، ثم اقرأ، قال: فيؤخذ منه أن البسملة مأمور بها
في ابتداء كل قراءة. انتهى.
لكن لا يلزم من ذلك أن تكون مأموراً بها، فلا تدل على أنها آية من كل
سورة، وهو كما قال؛ لأنها لو كان للزم أن تكون آية قبل كل آية، وليس
کذلك.
وأما ما ذكره القاضي عياض، عن أبي الحسن ابن القَصّار من المالكية،
أنه قال: في هذه القصة ردٌّ على الشافعيّ في قوله: إن البسملة آية من كل
سورة، قال: لأن هذه أول سورة أنزلت، وليس في أولها البسملة.
فقد تُعُقِّب بأن فيها الأمر بها، وإن تأخر نزولها .
وقال النوويّ: ترتيب آي السور في النزول، لم يكن شرطاً، وقد كانت
الآية تَنْزِل، فتوضع في مكان قبل التي نزلت قبلها، ثم تَنزِل الأخرى، فتوضع
قبلها إلى أن استقرّ الأمر في آخر عهده وَلر على هذا الترتيب.
ولو صحّ ما أخرجه الطبريّ من حديث ابن عباس ◌ًا أن جبريل
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٧١٨/١٢.
(٢) المرجع السابق.
الشر

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أمر النبيّ وَله بالاستعاذة والبسملة قبل قوله: ﴿اقْرَأَ﴾ لكان أولى في الاحتجاج
به، لكن في إسناده ضعف وانقطاع، وكذا حديث أبي ميسرة: ((أنّ أول ما أَمر
◌ِ ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
به جبريل قال له: قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ
الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الفاتحة: ١، ٢]، هو مرسل، وإن كان رجاله ثقات، والمحفوظ
أن أول ما نَزَل ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾، وأن نزول الفاتحة كان بعد ذلك. انتهى(١).
(فَرَجَعَ بِهَا) أي: رجع وَ له حال كونه مصاحباً للآيات(٢)، التي هي قوله
تعالى: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِى خَلَقَ ﴾﴾ [العلق: ١] إلى آخر الآيات الخمس
(رَسُولُ اللهِ نَّهِ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ) بضم الجيم، يقال: رَجَفَ الشيءُ رَجْفاً، من
باب نصر، ورَجِيفاً، ورَجَفَاناً بالتحريك: إذا تحرّك، واضطرب، ورَجَفَت
الأرض كذلك، ورَجَفَت يده: ارتَعَشَت من مَرَضٍ، أو كِبَرٍ، وَرَجَفته الحُمَّى:
أرعدته، فهو راجفٌ على غير قياس، وأرجف القوم في الشيء، وبه إرجافاً :
أكثروا من الأخبار السيّئة، واختلاق الأقوال الكاذبة حتى يضطرب الناس منها،
وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٦٠](٣).
و((البوادر)) - بفتح الباء الموحّدة -: جمع بادرة، قال أهل اللغة والغريب:
هي اللحمة التي بين المنكب والعُنُق، تضطرب عند فزع الإنسان(٤).
ووقع في رواية عُقيل الآتية: ((يَرْجُفُ فؤاده))؛ أي: قلبه(٥).
(١) ((الفتح)) ٨/ ٥٩٠ ((تفسير سورة العلق)).
(٢) وزاد في ((الفتح)): أو بالقصّة، وتعقّبه العينيّ بأنه لا وجه له، وهو كما قال؛ إذ هو تكلّف.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٢٠/١.
(٤) قال في ((الفتح)) ٣٧٥/١٢: وأما بوادره فالمراد بها اللحمة التي بين المنكب
والعنق، جرت العادة بأنها تضطرب عند الفزع، وعلى ذلك جَرَى الجوهري أن
اللحمة المذكورة سُمِّيت بلفظ الجمع، وتعقّبه ابن بَرِّيٍّ، فقال: البوادر جمع بادرة،
وهي ما بين المنكب والعنق، يعني: أنه لا يختص بعضو واحد، وهو جيدٌ، فيكون
إسناد الرَّجَفان إلى القلب؛ لكونه محله، وإلى البوادر؛ لأنها مَظْهَره، وأما قول
الداوديّ: البوادر والفؤاد واحد، فإن أراد أن مُفادهما واحد على ما قررناه، وإلا
فهو مردود. انتهى.
(٥) قد تقدّم في شرح حديث: ((أهل اليمن أرقّ قلوباً)) بيان الاختلاف في القلب
والأفئدة، فراجعه تستفد.

٣٧٧
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ ـ حديث رقم (٤١٠)
قال البلقينيّ تَخْتُ: الحكمة في العدول عن القلب إلى الفؤاد أن الفؤاد
وعاء القلب، على ما قاله بعض أهل اللغة، فإذا حصل للوعاء الرَّجَفان حصل
لما فيه، فيكون في ذكره من تعظيم الأمر ما ليس في ذكر القلب. انتهى.
وهذا هو سبب طلبه أن يُدَثَّرَ، ويُزَمَّل؛ أي: يُغطّى، ويُلَفّ؛ لشدّة ما
لحقه من هول الأمر، وشدّة الضغط(١).
والجملة في محلّ نصب على الحال من فاعل ((رَجَعَ))، والقاعدة أن
الجملة المضارعيّة إذا كانت مثبتة تُربط بالضمير، لا بالواو، كما قال في
((الخلاصة)» :
حَوَتْ ضَمِيراً وَمِنَ الوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ
لَهُ المُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَاً
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا
[تنبيه]: الحكمة في أولية هذه الآيات الخمس - أعني ﴿اقْرَأ﴾ إلى ﴿مَا لَرْ
يَعْلَ﴾ - كونها قد اشتملت على مقاصد القرآن، ففيها براعة الاستهلال، وهي
جديرة أن تُسَمَّى عنوان القرآن؛ لأن عنوان الكتاب يَجمع مقاصده بعبارة وجيزة
في أوله، وهذا بخلاف الفن البديعيّ المُسَمَّى العنوان، فإنهم عَرَّفوه بأن يأخذ
المتكلم في فنّ، فيؤكده بذكر مثال سابق، وبيانُ كونها اشتملت على مقاصد
القرآن، أنها تنحصر في علوم التوحيد، والأحكام، والأخبار، وقد اشتملت
هذه الآيات على الأمر بالقراءة، والبداءة فيها ((ببسم الله))، وفي هذه الإشارة
إلى الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الربّ، وإثبات ذاته، وصفاته، من صفة
ذات، وصفة فعل، وفي هذا إشارة إلى أصول الدين، وفيها ما يتعلق بالأخبار،
من قوله: ﴿عَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمْ ﴾﴾(٢)، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ) ◌َّا (فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي))) هكذا في
الروايات مكرّراً مرّتين، ومعناه: غطّوني بالثياب، ولُفّوني بها، وهو من
التزميل، وهو التلفيف، والتزمُّل: الالتفاف، والاشتمال، ومثله التدثّر، ويقال
للثوب الذي يلي الجسد: دِثَار بالكسر (فَزَمَّلُوهُ، حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) - بفتح،
(١) («المفهم)) ١/ ٣٧٧.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٥٨٩/٨ - ٥٩٠ ((كتاب التفسير)) (٤٩٥٤).

٣٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فسكون - أي: الفَزَعُ، يقال: راعني الشيءُ رَوْعاً، من باب قال: أفزعني،
ورَوَّعني مثله، وراعني جماله: أعجبني، وأما الرُّوع بالضمّ فهو الخاطر،
والقلب، يقال: وقَعَ في رُوعي كذا، قاله الفيّوميّ تَظُّهُ(١)، وقال المجد تَظُّ:
الرُّوع بالضمّ: القلبُ، أو موضع الفَزَع منه، أو سَوَاده، والذهنُ، والعقلُ.
انتهى (٢). (ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ) ﴿ّا («أَيْ خَدِيجَةُ) أي: يا خديجةُ، فـ((أَيْ)) حرف
نداء، مثل ((یا)) تستعمل عند الجمهور للبعید، أو ما في حکمه، کالنائم،
والساهي، ومذهب المبرِّد أنها للقريب، كالهمزة، و((يا)) للجمع، ومثله مذهب
ابن بَرْهَان، إلا أنه جعل ((أي)) للمتوسّط، وكلّهم جوّزوا نداء القريب بما للبعيد؛
لتنزيله منزلته(٣). (مَا لِي؟))) ((ما)) استفهاميّة مبتدأ خبره الجارّ والمجرور، أَيْ:
أيُّ شيء حصل لي بسبب هذا الأمر؟، قاله استغراباً لما حصل له، وتعجيباً
لخديجة ﴿ّا، وجملة ((ما لي؟)) مقول ((قال))، وقوله: (وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ) أي: خبر
ما رآه، وحصل له من الملَك من الغطّ وغيره، والجملة يحتمل أن تكون معطوفةً
على جملة ((قال))، ويحتمل أن تكون حالاً من فاعل ((قال)).
(قَالَ) وَ (لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي))) قال في ((الفتح)): دَلّ هذا، مع
قوله: ((تَرْجُفُ بَوادره)) على انفعالٍ حَصَل له من مجيء الملك، ومِن ثَمَّ قال:
((زَمِّلوني)) .
والخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولاً :
[أولها]: الجنون، وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة، جاء مُصَرَّحاً به
في عِدّة طُرُق، وأبطله أبو بكر ابن العربيّ، وحُقَّ له أن يُبْطَل، لكن حمله
الإسماعيليّ على أن ذلك حَصَل له قبل حصول العلم الضروريّ له أن الذي
جاءه ملك، وأنه من عند الله تعالى.
[ثانيها]: الهاجس، وهو باطل أيضاً؛ لأنه لا يَستَقِرّ، وهذا استَقَرَّ،
وحصلت بينهما المراجعة.
[ثالثها]: الموت من شدة الرُّعْب.
(١) ((المصباح المنير)) ٢٤٦/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٦٥١.
(٣) راجع: ((حاشية الخضريّ على الخلاصة)) ١١٣/٢.

٣٧٩
(٧٩) - بَابُ بَدْءِ الْوَحْرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ - حديث رقم (٤١٠)
[رابعها]: المرض، وقد جَزَم به ابن أبي جمرة.
[خامسها]: دوام المرض.
[سادسها]: العجز عن حمل أعباء النبوة.
[سابعها]: العجز عن النظر إلى الملك من الرُّعْب.
[ثامنها]: عدم الصبر على أذى قومه.
[تاسعها]: أن يقتلوه.
[عاشرها]: مفارقة الوطن.
[حادي عشرها]: تكذيبهم إياه.
[ثاني عشرها]: تعييرهم إياه، قال الحافظ تَخُّْ: وأولى هذه الأقوال
بالصواب، وأسلمها من الارتياب الثالث، واللذان بعده، وما عداها فهو
مُعْتَرض. انتهى(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ) رِؤُّا (كَلَّا) قال النوويّ كَُّهُ: هي هنا كلمة نفي
وإبعاد، وهذا أحد معانيها، وقد تأتي ((كلا)) بمعنى ((حَقّاً))، وبمعنى ((ألا)) التي
للتنبيه، يُسْتَفتَح بها الكلام، وقد جاءت في القرآن العزيز على أقسام، وقد جمع
الإمام أبو بكر ابن الأنباريّ أقسامها ومواضعها، في باب من كتابه ((الوقف
والابتداء)). انتھی.
وقال ابن هشام الأنصاريّ تَظُّ: هي مركّبة عند ثعلب من كاف التشبيه،
و((لا)) النافية، قال: وإنما شُدّدت لامها؛ لتقوية المعنى، ولدفع توهّم بقاء معنى
الكلمتين، وعند غيره هي بسيطة، وعند سيبويه والخليل، والمبرّد، والزجّاج،
وأكثر البصريين: حرفٌ معناه الرَّدْعُ والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك حتى
يُجيزون أبداً الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى
سمعت ﴿
﴾ في سورة، فاحكم بأنها مكيّةٌ؛ لأن فيها معنى التهديد والوعيد،
وأكثر ما نزل ذلك بمكة؛ لأن أكثر العتوّ كان بها، قالوا: وقد تكون حرف
جواب بمنزلة ((أَيْ))، و(نَعَمْ))، وحَمَلوا عليه قوله تعالى: ﴿كَلَّ وَالْقَمَرِ
(٣٢)
[المدّثّر: ٣٢]، فقالوا: معناه أي والقمر. انتهى كلامه باختصار.
(١) ((الفتح)) ٣٣/١.

٣٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال شيخنا عبد الباسط المناسيّ تَُّ في ((نظم المغني)) مبيّناً ما ذُكِر في
((كلّا)) :
فِي قَوْلِ ثَعْلَبٍ وَبِالعَكْسِ انْتَبَهْ
(كَلَّا)) مِنَ الكَافِ و((لَا)) مُرَكَّبَهْ
سِوَاهُ وَهْيَ حَرْفُ رَدْعِ أَبَدَاً
لِذَا أَجَازُوا الوَقْفَ فِي أَخِيرِهَا
وَشُدَّ لَامُهَا لِأَجْلِ التَّقْوِيَهْ
وَفِي الثَّلَاثِينَ مَعَ الثَّلَاثَةِ
وَكُلُّهَا فِي آخِرِ النِّصْفَيْنِ مِنْ
قَالَ الكِسَائِيُّ: بِمَعْنَى ((حَمَّاً))
وَالنَّضْرُ وَالفَرَّاءُ فِيهَا أَثْبَتَا
عِنْدَ الخَلِيلِ وَكَثِيرٍ مَنْ هُدَى
وَالابْتِدَا بِمَا أَتَّى بِإِثْرِهَا
مَعْنًى وَدَفْعِ مَا بِهِ أَتَتْ هِيَهْ
أَتَى بِهَا كَلَامُ رَبِّ العِزَّةِ
كَلَامِ رَبِّنَا العَزِيزِ يَا فَطِنْ
وَكَـ((أَلَا)) لِبَعْضِهِمْ جَا نُظْقَا
مَعْنَى (نَعَمْ)) وَإِيْ)) كَمَا عَنْهُمْ أَتَى(١)
[تنبيه]: من اللطائف أن هذه الكلمة التي ابتدأت خديجة النطق بها
- يعني: كلمة كلا - عَقِب ما ذكر لها النبيّ وَّر من القصة التي وقعت له، هي
التي وقعت عقب الآيات الخمس، من سورة ﴿اقْرأْ﴾ في نسق التلاوة، فَجَرَت
على لسانها اتفاقاً؛ لأنها لم تكن نزلت بعدُ، وإنما نزلت في قصة أبي جهل،
وهذا هو المشهور عند المفسرين، وقد ذهب بعضهم إلى أنها تتعلق بالإنسان
المذكور قبلُ؛ لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة، فهي عين الأولى، وقد أُعيد
الإنسان هنا كذلك، فكان التقدير: كلا لا يَعلَم الإنسان أن الله هو خلقه،
وعَلَّمه ﴿إِنَّ الْإِسَنَ لَيَطْفٌَ﴾ [العلق: ٦]، قاله في ((الفتح))(٢).
(أَبْشِرْ) بهمزة القطع، أمرٌ من الإبشار رباعيّاً، ويحتمل أن يكون بهمزة
الوصل، مع كسر الشين وفتحها، من بَشِرَ بكسر الشين وفتحها ثلاثيّاً، قال
المجد كَّقُ: أَبْشَرَ: فَرِحَ، ومنه أَبْشِر بخير، قال: وبَشَرتُ به، كعَلِمَ، وضَرَبَ:
سُرِرْتُ. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ ◌َُّ: بَشِرَ بكذا يَبْشَرُ، مثلُ فَرِحَ يَفْرَحُ وزناً
ومعنَى، وهو الاستبشار أيضاً، والمصدر البُشُور، ويتعدَّى بالحركة، فيقال:
(١) راجع: شرحي المسمَّى: ((فتح القريب المجيب)) على النظم المذكور ٣٥٣/١ -
٣٥٧.
(٢) ((الفتح)) ٣٧٥/١٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص٣١٧.