النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(٧٦) - بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ - حديث رقم (٣٩٤)
أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها. انتهى ملخّصاً.
قال الحافظ تَخْذُ: والذي يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بالصفة
لِمَا يدخل عليه من مشقّة الرقّ، وإلا فلو كان التضعيف بسبب اختلاف جهة
العمل، لم يختصّ العبد بذلك.
وقال ابن التين: المراد أن كلّ عمل يعمله يُضاعف له. قال: وقيل:
سبب التضعيف أنه زاد لسيّده نُصحاً، وفي عبادة ربّه إحساناً، فكان له أجر
الواجبين، وأجر الزيادة عليهما .
قال: والظاهر خلاف هذا، وأنه بَيَّنَ ذلك لئلّا يُظَنّ أنه غير مأجور على
العبادة. انتهى. قال الحافظ: وما ادّعى أنه الظاهر لا ينافي ما نقله قبل ذلك.
[فإن قيل]: يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات.
[أجاب الكرمانيّ]: بأنه لا محذور في ذلك، أو يكون أجره مضاعفاً من
هذه الجهة، وقد يكون للسيّد جهاتٌ أخرى يستحقّ بها أضعاف أجر العبد، أو
المراد ترجيح العبد المؤدّي للحقّين على العبد المؤدّي لأحدهما. انتهى.
ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر مختصّاً بالعمل الذي يتّحد فيه طاعة الله،
وطاعة السيّد، فيعمل عملاً واحداً، ويؤجر عليه أجرين بالاعتبارين، وأما
العمل المختلف الجهة، فلا اختصاص له بتضعيف الأجر فيه على غيره من
الأحرار، ذكره في ((الفتح))(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما سبق في كلام ابن عبد البرّ تَخُّْ
هو المعنى الأشبه بظاهر النصّ.
وحاصله أن العبد لَمّا توجّه إليه واجبان: طاعة ربّه، وطاعة سيّده، فقام
بهما جميعاً، كان له أجره بهما، وهذا لا يوجد في الحرّ، ولا في العبد الذي
يُخلّ بأحد الواجبين، والله تعالى أعلم.
(وَرَجُلٌ، كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ) وفي رواية البخاريّ: ((كانت عنده وَلِيدة))، وهي
في الأصل ما وُلد من الإماء في ملك الرجل، ثم أُطلق على كلّ أمة (فَغَذَاهَا)
أي: أطعمها (فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا) بأن يُطعمها قبل أن تجوع، فلا يؤخّر طعامها عن
(١) ((فتح)) ٤٨٣/٥ - ٤٨٤ ((كتاب العتق)) رقم الحديث (٢٥٤٦).

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقت حاجتها، أو المراد جنس الطعام، بأن يكون من أحسن طعامه، وهو
الذي يخصّ به نفسه، فهو بمعنى الحديث الآخر: ((فمن كان أخوه تحت يده،
فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس))، متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال النوويّ كَُّ في ((شرحه)): قوله: ((فغَذَاهَا، فأحسن
غذاءها))، أما الأول فبتخفيف الذال، وأما الثاني، فبالمدّ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: كونه بتخفيف الذال ليس متعيّناً إلا إذا صحّت
الرواية به، ولم يُشِر النوويّ إلى ذلك، فيمكن أن يشدّد للمبالغة، قال
الفيّوميّ تَخْتُهُ: والغِذَاءُ مثلُ كتاب: ما يُغتذى به من الطعام والشراب، فيقال:
غَذَا الطعام الصبيَّ يغذوه، من باب علا: إذا نَجَعَ فيه، وكفاه، وغَذَوته باللبن
أغذوه أيضاً، فاغتذى به، وغذّيته بالتثقيل، مبالغةٌ، فتغذّى. انتهى(٢).
فدلّ على أن التثقيل فيه جائز، اللهم إلا أن يُدّعى صحة الرواية، كما
أشرت إليه آنفاً، فيتعيّن، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ أَذَّبَهَا) من التأديب، والأدبُ: حُسن الأحوال في القيام والقعود،
وحسن الأخلاق، وقيل: التخلّق بالأخلاق الحميدة (فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا) أي: أدّبها
من غير تعنيف، ولا ضرب، بل بالرفق واللطف.
زاد في رواية البخاريّ: ((وعلّمها، فأحسن تعليمها)) أي: علّمها من
أحكام الشريعة ما يجب عليها، ((فأحسن تعليمها)) أي: علّمها بالرفق، وحسن
الخلق.
[فإن قلت]: أليس التأديب داخلاً تحت التعليم؟.
[قلتُ]: لا يدخل؛ إذ التأديب يتعلّق بالمروءات، والتعليم يتعلّق
بالشرعيّات، أعني أن الأول عرفيّ، والثاني شرعيّ؛ أو الأول دنيويّ، والثاني
دينيّ. قاله العينيّ ◌َّتُهُ(٣).
(ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا) وللبخاريّ: ((فتزوّجها)) بالفاء (فَلَهُ أَجْرَانٍ))) أعاده؛
لما سبق آنفاً .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ١٨٢/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٤٤/٢.

٢٦٣
(٧٦) - بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ - حديث رقم (٣٩٤)
قال الطيبيّ ◌َّتُهُ :
[فإن قلت]: فيه إشكال، وهو أنه ينبغي أن يكون له أربعة أجور: أحدها
بتأديبها، والثاني بتعليمها، والثالث بإعتاقها، والرابع بتزوّجها، فَلِمَ قال: ((فله
أجران؟))، ولم يقل: له أربعة أجور؟.
أجاب المظهر تخُّ بأن المراد الأجرين له ها هنا بالإعتاق والتزوّج؛ لأن
التأديب والتعليم موجبان للأجر في الأجنبيّ، والأولاد، وجميع الناس، فلم
يكن مختصّاً بالإماء.
قال الطيبيّ كَّتُهُ: موجب الأجرين إعتاقها، وتزوّجها فحسبُ، والتأديب
والتعليم موجبان لاستئهالها للإعتاق والتزوّج؛ لأن تزوّج المرأة المؤدّبة المعلَّمة
أكثر بركةً، وأقرب إلى أن تُعين زوجها على دينه، والشاهد لفظ ((ثُمَّ))؛ لكونها
تفيد أن الإعتاق والتزوُّج أفضل وأعلى رتبةً من التأديب والتعليم، والأولى أن
يقال: إن التأديب بالعنف لا يوجب الأجر، كما أن الوطء بدون العتق لا يُثبت
الأجر؛ لحصوله قبل ذلك؛ لقوله في رواية البخاريّ: ((كانت عنده أمة يطؤها))،
كأنه قيل: يؤدّبها تأديباً حسناً، ويطؤها وَظْئاً جميلاً.
وأما الفاء في ((فأحسن)) فللترتيب أيضاً؛ لكنها دون (ثُمّ))، كما في
قولك: الأمثل فالأمثل، والأفضل فالأفضل؛ يعني: التأديب والتعليم بالرفق
أحسن، وأفضل منه بالعنف. انتهى(١).
[تنبيه]: وجه اقتران هذا الحديث بالحديث السابق - أعني حديث:
((والذي نفس محمد رَّخلال بيده لا يسمع ... )) الحديث - مثل وجه اقتران ثواب
نساء النبيّ ◌َّ﴿، وعقابهنّ في المضاعفة، في قوله تعالى: ﴿يَئِنِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأْتِ
مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبِيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنَّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
٣٠
﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرََّبْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا
ڪَرِيمًا
[الأحزاب: ٣٠ - ٣١].
فينبغي أن يُنزّل الحديث الأول على أن أهل الكتاب أولى الناس بالنبيّ وَل
بسبب معرفتهم به؛ لأنه مكتوب عندهم في التوارة والإنجيل، كما قال رجل :
(١) (الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٥١/٢.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّىَّ الْأُقِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ
وَالْإِنِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، فإذا كفروا به استوجبوا من العذاب ضعف
عذاب الناس، والعكس إذا آمنوا، فدلّ على هذا المعنى هذا الحديثُ، وعلى
استحقاق ضعف العذاب قوله في الحديث السابق: ((إلا كان من أصحاب
النار))؛ لأنه في قوّة أنه من الجهنّميين، فهو من أسلوب قولك: فلان من
العلماء؛ أي: له مساهمة معهم في العلم، وأن الوصف كاللقب المشهور له،
أفاده الطيبيّ كَّهُ(١).
(ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ) السائل له (خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ)
أي: عوض من الأمور الدنيوية، وإلا فالأجر الأخرويّ حاصل له، ما أخلص
نيّته في نشر العلم (فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ) بالبناء للمفعول، يقال: رَحَل عن
البلد، من باب مَنَعَ رَحِيلاً: إذا انتقل منها، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال:
رَحّلته (٢). (فِيمَا دُونَ هَذَا) أي: في أقلّ مما سألته، فالإشارة إلى المسؤول،
وفي رواية للبخاريّ: ((يُرْكَب فيما دونها))، أي: يُرْحَل لأجل ما هو أهون منها،
والضمير عائد على المسألة (إِلَى الْمَدِينَةِ) أي: النبوية؛ إذ هي عَلَم بالغلبة
عليها، كما قال في ((الخلاصة)):
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالغَلَبَهْ مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ ((أَلْ)) كَ((العَقَبَهْ))
وكان ذلك في زمن النبيّ وَّ، والخلفاء الراشدين، ثم تفرَّق الصحابة في
البلاد، بعد فتوح الأمصار، وسكنوها، فاكتفى أهلُ كل بلد بعلمائه، إلا من
طلب التوسع في العلم، فرحَلَ فيه.
قال الحافظ تَُّ: واستدلال ابن بطال وغيره من المالكية، على
تخصيص العلم بالمدينة، فيه نظرٌ؛ لِمَا قررناه، وإنما قال الشعبي ذلك
تحريضاً للسامع؛ ليكون ذلك أَدْعَى لحفظه، وأجلب لحرصه. انتهى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
(١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٥١/٢.
(٢) راجع: ((القاموس)) ص ٩٠٥، و((المصباح المنير)) ٢٢٢/١.

٢٦٥
(٧٦) - بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ - حديث رقم (٣٩٤)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
الضرعنه
هذا متّفق عليه .
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٩٤/٧٦ و٣٩٥] (١٥٤)، وأعاده
المصنف في ((النكاح)) مختصراً بلفظ: ((من كانت له جاريةٌ، فأحسن إليها، ثم
أعتقها، وتزوّجها، كان له أجران))، و(البخاريّ) في ((العلم)) (٩٧)، و((العتق))
(٢٥٤٤ و٢٥٤٧)، و((الجهاد)) (٣٠١١)، و((أحاديث الأنبياء)) (٣٤٤٦)،
و((النكاح)) (٥٠٨٣)، و(أبو داود) في ((العتق)) (٢٠٥٣)، و(الترمذيّ) في ((النكاح))
(١١١٦)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٥٥٠٢)، و(ابن ماجه) في ((النكاح))
(١٩٥٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٥٠١ و٥٠٢)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٧٦٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٩٥/٤ - ٣٩٨ - ٤٠٢ - ٤٠٥ - ٤١٤ -
٤١٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٥٤/٢ - ١٥٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٣٠٢ و٣٠٣ و٣٠٤ و٣٠٥ و٣٠٦)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٨٥ و٣٨٦
و٣٨٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٢٧)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٣٩٥
و٣٩٦ و ٣٩٨ و٣٩٩ و٤٠٠)، و(الطحاويّ) في «مشکل الآثار)) (٣٩٤/٢ - ٣٩٥
- ٣٩٦)، و(الطبراني) في ((المعجم الصغير)) (٤٤/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(١٢٨/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (٢٥ و٢٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن هؤلاء الثلاثة يؤتون أجراً مضاعفاً؛ لكون عملهم
مضاعفاً .
٢ - (ومنها): بيان فضيلة من آمن من أهل الكتاب بنبيّنا وَِّ، وأن له
أجرين؛ لإيمانه بنبيّه، وإيمانه بنبيّنا وَّل، وهذا هو وجه المطابقة لإيراده في
كتاب الإيمان.
٣ - (ومنها): بيان فضيلة العبد المملوك القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق
سیّده.
٤ - (ومنها): ترغيب العبد المملوك في طاعة ربه، وطاعة سيّده.

٢٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٥ - (ومنها): أن وضع المقدار في الدنيا قد يكون سبباً في رفع الدرجات
في الآخرة.
٦ - (ومنها): حرص الشارع في عتق العبيد، والترغيب فيه.
٧ - (ومنها): الحثّ على الإحسان للمملوك في تحسين غذائه، وفي
تأدیبه، وتعلیمه.
٨ - (ومنها): بيان فضيلة من أعتق أمته، وتزوّجها، وليس هذا من
الرجوع في الصدقة في شيء، بل هو محض إحسان إليها بعد إحسان.
٩ - (ومنها): بيان جواز نكاح الرجل جاريته التي أعتقها، وفيه ردّ على
مَن كَرِه ذلك، كما ذُكر في قصّة الخراسانيّ من أن أهل خراسان يكرهون ذلك،
ويشبّهونه بركوب البدنة.
وأخرج الطبرانيّ بإسناد رجاله ثقات عن ابن مسعود نظُته، أنه كان يقول
ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن عمر ظ﴿ها مثله، وعند ابن أبي شيبة
بإسناد صحيح عن أنس ربه أنه سُئل عنه؟، فقال: ((إذا أعتق أمته لله، فلا
يعود فيها))، ومن طريق سعيد بن المسيّب، وإبراهيم النخعيّ أنهما كرها ذلك،
وأخرج أيضاً من طريق عطاء والحسن أنهما كانا لا يريان بذلك بأساً، ذكره في
((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب أنه لا كراهة في ذلك، ويُعتذر
عن هؤلاء الذين كَرِمُوا ذلك بأنهم لم يبلغهم النصّ الذي في حديث أبي موسى
الأشعريّ ◌َُّّه المذكور في الباب، فإنه نصّ لا يقبل النزاع، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): أنه يدلّ على مزيد فضل من أعتق أمته، ثم تزوّجها، سواءٌ
أعتقها ابتداءً لله، أو لسبب.
١١ - (ومنها): ما كان عليه السلف من الرحلة في طلب العلم، وقد عقد
الإمام البخاريّ في ((صحيحه)) ((باب الرحلة في طلب العلم))، ورحل جابر بن
﴿ّ في حديث واحد، ثم أخرج خروج
عبد الله ضيًّا، إلى عبد الله بن أنيس
موسى وَّ في طلب الخضر ظلَّلاَ.
(١) ((فتح)) ١٥٩/١٠ ((كتاب النكاح)).

٢٦٧
(٧٦) - بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ - حديث رقم (٣٩٤)
وقد أخرج الدارميّ بسند صحيح، عن بُسْر بن عبيد الله - وهو بضم
الموحدة، وسكون المهملة - قال: إن كنتُ لأركبُ إلى المصر من الأمصار في
الحديث الواحد، وعن أبي العالية قال: كنا نَسمَع الحديث عن الصحابة، فلا
نَرْضَی حتی نركب إليهم، فنسمعه منهم.
١٢ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يحثّ طلابه على الرحلة في طلب
العلم، فالشعبيّ من كبار التابعين، وقد قال للسائل: قد كان يرحل فيما دون
ذلك إلى المدينة؛ ليحثّه على ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه لا مفهوم للعدد في قوله: ((ثلاثة يؤتون أجرهم
مرّتين))، فقد ثبت في النصوص الأخرى زيادة على ذلك:
١ - (فمنها): ما أخرجه الشيخان عن عائشة رضيُنا قالت: قال
رسول الله ◌َله: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن،
ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ له أجران))، لفظ مسلم.
٢ - (ومنها): ما أخرجه الشيخان أيضاً عن زينب امرأة ابن مسعود
ـضى
في التي تتصدّق على قريبها: ((لها أجران؛ أجر القرابة، وأجر الصدقة)).
٣ - (ومنها): ما أخرجاه أيضاً من حديث عمرو بن العاص بنظر اته في
الحاكم إذا أصاب، له أجران.
٥ - (ومنها): ما أخرجه الطبرانيّ من حديث أبي أمامة نظُبه، رفعه:
((أربعة يؤتون أجرهم مرّتين ... ))، فذكر الثلاثة المذكورين هنا، وزاد: أزواج
النبيّ ێ﴾ .
٦ - (ومنها): حديث جرير بن عبد الله رضيه قال: قال رسول الله وعليه :
((من سنّ سنّة حسنة، فعُمِل بها كان له أجرها، ومثل أجر من عمل بها لا
ينقص من أجورهم شيئاً ... ))(١).
٧ - (ومنها): ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ظُله مرفوعاً: ((من
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١٨٤٠٤)، والترمذيّ (٥٨٦).

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من
أجورهم شيئاً ... )).
عنه
رضي
٨ - (ومنها): ما أخرجه مسلم أيضاً، من حديث أبي مسعود
مرفوعاً: ((من دلّ على خير، فله مثل أجر فاعله)).
٩ - (ومنها): حديث أبي سعيد الخدريّ رَظُّه في الذي تيمّم، ثم وجد
الماء، فأعاد الصلاة، فقال له النبيّ ◌َّل: ((لك الأجر مرّتین)، حديث صحيحٌ،
أخرجه أبو داود، وغيره.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد يحصل بمزيد التتبّع أكثر من ذلك،
وكلّ هذا دالّ على أنه لا مفهوم للعدد المذكور في حديث أبي موسى ظ ◌ُه.
انتهى(١). وهو تحقيق حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاجِ دَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٩٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ
(ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ الّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا
أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلَّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت٢٣٥)
(خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه
عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦١/
٣٣٩.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدنيّ، نزيل
مكة، ثقةٌ [١٠] (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
(١) (فتح)) ١٥٨/١٠ - ١٥٩ ((كتاب النكاح)) رقم (٥٠٨٣).
--

٢٦٩
(٧٦) - بَابُ ذِكْر مَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ - حديث رقم (٣٩٥)
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام مشهور، رأس الطبقة [٨] (ت١٩٨)
عن (٩١) سنة (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٦ - (أَبُوه) هو: معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العَنبريّ، أبو المثنّى
البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧.
٧ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد البصير الواسطيّ، ثم
البصريّ [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
وقوله: (كلَّهم) أي الثلاثة: عبدة، وسفيان بن عيينة، وشعبة عن صالح بن
صالح ... إلخ.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد صالح بن صالح، عن الشعبيّ ... إلخ.
وقوله: (نَحْوَهُ) أي: أحاديث هؤلاء الثلاثة، نحو حديث هُشیم.
[تنبيه]: أما طريق عبدة بن سلمان، عن صالح، فساقها الإمام ابن
ماجه دخلتُ في «سننه»، فقال:
(١٩٥٦) حدثنا عبد الله بن سعيد، أبو سعيد الأشجّ، حدثنا عبدة بن
سليمان، عن صالح بن صالح بن حيّ، عن الشعبيّ، عن أبي بردة، عن أبي
موسى، قال: قال رسول الله وَ له: ((من كانت له جاريةٌ، فأدّبها فأحسن أدبها،
وعلَّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران، وأيّما رجل من أهل
الكتاب، آمن بنبيّه، وآمن بمحمد، فله أجران، وأيّما عبد مملوكٍ أَدَّى حق الله
عليه، وحق مواليه، فله أجران))، قال صالح: قال الشعبيّ: قد أعطَيْتُكَها بغير
شيء، إن كان الراكب ليركب فيما دونها إلى المدينة.
وأما طريق سفيان بن عيينة، فساقها الحافظ ابن منده في ((الإيمان)) (١/
٥٠٥)، فقال :
(٣٩٧) أنبأ خيثمة بن سليمان، ثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، ثنا عبد الله بن
الزبير، (ح) وأنبأ محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن أبي طالب، ثنا محمد بن
يحيى، قال: ثنا سفيان بن عيينة، ثنا صالح بن صالح بن حيّ، قال: جاء رجل

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
إلى الشعبيّ، وأنا عنده، فقال: يا أبا عمرو، إن ناساً عندنا بخراسان،
يقولون: إذا أعتق الرجل أمته، ثم تزوجها، فهو كالراكب بدنته، فقال الشعبيّ:
حدثنا أبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه، أن رسول الله وَ ل قال:
((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: الرجل من أهل الكتاب، كان مؤمناً قبل أن يبعث
النبيّ وَّه، ثم آمن بالنبيّ وَّل، فله أجران، ورجلٌ كانت له جاريةٌ، فعلّمها
فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران، وعبدٌ
أطاع الله، وأدَّى حق سيده، فله أجران))، خُذْها بغير شيء، فلقد كان الرجل
يَرْحَل في أدنى منها إلى المدينة. انتهى.
وأما طريق شعبة، فساقها الحافظ أبو عوانة في ((مسنده)) (٩٦/١)،
فقال :
(٣٠٢) حدثنا يونس بن حبيب، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن
صالح بن صالح، عن الشعبيّ، قال: حدثني أبو بردة، عن أبيه، قال: قال
رسول الله وَل: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل كانت له أمةٌ، فأدّبها فأحسن
أدبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها، فتزوجها، ورجل من أهل الكتاب،
آمن بنبيه، ثم أدرك النبيّ، فآمن به، وعبدٌ أدَّى حق الله، وحق مواليه)»، فقال
الشعبيّ للرجل: قُمْ، فقد كان يُرْحَل إلى المدينة فيما دون هذا. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
◌ِ السَّالِّة
(٧٧) - (بَابُ نُزُولِ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ
حَاكِماً بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَلَّ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاجِ كَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٩٦] (١٥٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ

٢٧١
(٧٧) - بَابُ نُزُولِ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٦)
ابْنُ مَرْيَمَ نَّهِ حَكَماً مُقْسِطاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ،
وَيَفِيضَ الْمَالُ، حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبل بابين.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد المذكور أيضاً قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر النُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدَّم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المذكور قريباً.
٥ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد المشهور المذكور قريباً .
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تَعُّْه المذكور قبل باب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَخْتُهُ، وله فيه شيخان فرّق.
بینھما .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه محمد بن رُمح، فتفرّد
به هو، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون،
وقتيبة، وإن كان من بَغْلان، وهي قرية من قرى بلخ، إلا أنه دخل مصر.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن
المسیِّب.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ◌َظُبه، على بعض
الأقوال، كما أشار السيوطيّ تَخْتُ إلى الخلاف في ذلك في ((ألفيّة الحديث))،
حيث قال:
سَعِيدٍ أوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ
وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ
أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَى
عَنْ أَعْرَجِ وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا
والله تعالى أعلم.

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
شرح الحديث:
(عَن) سعيد (بْنِ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن الأولى كسر الياء المشدّدة؛ لأنه قول
أهل المدينة، وهم أعلم به، وإنما فتحه أهل الكوفة، ويُروى عن سعيد أنه كان
يكره الفتح (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ) فيه الحلف في الخبر؛ مبالغة في تأكيده، وقد سبق الكلام في إثبات
اليد لله ◌َّل، وبطلان تأويل من أوّله بالقدرة، فلا تنسَ (لَيُوشِكَنَّ) بفتح اللام؛
لأنها لام القسم، و((يوشكنّ)) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، مِن أوشك، بمعنى
قُرُب، أي: لَيَقْرُبَنّ، أي: لا بُدّ من ذلك سَريعاً (أَنْ يَنْزِلَ) ((أن)) هي المصدريّة،
ودخولها في خبر ((أوشك)) هو الغالب، كما قال في ((الخلاصة)):
وَأَلْزَمُوا ((اخْلَوْلَقَ)) ((أَنْ)) مِثْلَ ((حَرَى)) وَبَعْدَ ((أَوْشَكَ)) انْتِفَا ((أَنْ)) نَزُرَا
(فِيكُمُ) أي: في هذه الأمة، وإن كان خطاباً لبعضها، ممن لا يُدرِك نزوله
(ابْنُ مَرْيَمَ وَّ﴾﴾ بالرفع على الفاعليّة لـ((ينزل))، أو على أنه اسم ((ليوشكنّ)) على
الخلاف في ذلك، سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(حَكَماً مُقْسِطاً) منصوب على الحال من فاعل ((ينزل))؛ أي: يَنزل حال
كونه حاكماً عادلاً بهذه الشريعة، لا ينزل نَبيّاً برسالة مستقلة، وشريعة ناسخة،
بل هو حاكم من حُكّام هذه الأمة.
و((المقسط)): العادل، يقال: أقسط يُقسط إقساطاً، فهو مُقْسِط: إذا عَدَلَ،
ومنه قوله رَك: ﴿وَأَقْسِطُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله تعالى:
﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطْ عِندَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، ومنه حديث: ((إذا حكموا عَدَلوا،
وإذا قَسَموا أقسطوا))(١) .
والقِسْطُ بكسر القاف، وسكون السين: العدل، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ
رَبِّ بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩]، أي: بالعدل، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ
وَاُلْإِحْسَنِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّّ هُوَ وَالْمَكَبِكَةُ
وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ اُلْغَيِزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ [آل عمران: ١٨].
وقال ابن قتيبة: وسُمّي الميزان القسط؛ لأن القسط العدل، وبالميزان يقع
(١) حديث حسن، أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٣٩٦/٤) بسند حسن.

٢٧٣
(٧٧) - بَابُ نُزُولِ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٦)
العدل في القسمة، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ الآية
[الأنبياء: ٤٧].
وقال الفيّوميّ: وقَسَطَ يَقسِطُ قَسْطاً، بفتح القاف، من باب ضرب،
وقُسُوطاً: فهو قاسط: إذا جار، وعدل، فهو من الأضداد، قاله ابن القطّاع(١)،
فمن المعنى الأول قوله تعالى: ﴿وَأَمَا اُلْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (٣)﴾ [الجن:
١٥]، ومن المعنى الثاني، قوله: ﴿قَبِمًا بِالْقِسْطٍ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية.
وقال في ((الفتح)): معنى قوله: ((حَكَماً)): أنه يَنزل حاكماً بهذه الشريعة،
فإن هذه الشريعة باقيةٌ لا تُنسخ، بل يكون عيسى حاكماً من حُكّام هذه الأمة.
انتھی .
وفي أحمد في ((مسنده)) من وجه آخر، عن أبي هريرة ظُبه: ((أقرؤوه من
رسول الله (8﴿ السلامَ))، وعنده من حديث عائشة رضيّا: ((ويمكث عيسى في
الأرض أربعين سنةً))، وللطبراني من حديث عبد الله بن مغفل نظراته: ((ينزل
عيسى ابن مريم مُصَدِّقاً بمحمد بََّ على ملته))(٢).
(فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ) بنصب (يكسرَ)) عطفاً على ((يَنْزِلَ))، ويحتمل الرفع على
الاستئناف، أي: فهو يكسر الصليب؛ أي: يُبطل أمره، ويُسقط حكمه، كما
يقال: كَسَرَ حجته(٣)، وقال النوويّ تَخْلُهُ: معناه: يكسره حقيقةً، ويبطل ما
يزعمه النصارى من تعظيمه. انتهى.
قال القاضي عياضٌ تَخْتُ: فيه دليلٌ على تغيير آلات الباطل وكسرها،
ودليلٌ على تغيير ما نسبته النصارى إلى شرعهم، وترك إقرارهم على شيء منه،
وأنه يأتي ملتزماً لشريعتنا. انتهى (٤).
(وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ) بالنصب أيضاً؛ ويحتمل الرفع، كما مرّ آنفاً، قال
الفيّوميّ تَُّهُ: هو: فِنْعِيلٌ، حيوانٌ خبيثٌ، ويقال: إنه حُرّم على لسان كلّ نبيّ،
والجمع خنازير. انتهى(٥).
(١) ((المصباح المنير)) ٥٠٣/٢.
(٣) ((إكمال المعلم)) ١/ ٦٠٨ - ٦٠٩.
(٥) ((المصباح المنير)) ١٦٨/١.
(٢) ((الفتح)) ٦/ ٥٦٧.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٦٠٨/١.

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال القاضي عياضٌ تَخُّْ: فيه دليلٌ على قتلها إذا وُجدت ببلاد الكفر،
أو بأيدي من أسلم من أهل الذمّة، وقيل: تسرح. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فيكسرَ الصليب، ويقتل الخنزير))؛ أي: يبطل
دين النصرانية، بأن يكسر الصليب حقيقةً، ويبطل ما تزعمه النصارى من
تعظيمه، ويستفاد منه تحريم اقتناء الخنزير، وتحريم أكله، وأنه نجس؛ لأن
الشيء المنتفع به لا يشرع إتلافه.
ووقع للطبراني في «الأوسط)) من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة تظلبته:
((فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير والقِرْدَ))، زاد فيه: ((القرد))، وإسناده لا بأس
به، وعلى هذا فلا يصح الاستدلال به على نجاسة عين الخنزير؛ لأن القرد
ليس بنجس العين اتفاقاً. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَظُّهُ: وقتل عيسى ظلَّلهُ للخنزير، وكسره الصليب يدلّ على
أن شيئاً من ذلك لم يُسوِّغه لهم، وأن ذلك لا يُقرّ إذا تُمُكّن من تغييره وإزالته،
وقيل: معنى قوله: ((ويَكسر الصليب)) أي: يُبطل أمره، ويكسر حكمه، كما
يقال: كسر حجته. انتهى (٣) .
(وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ) بالنصب أيضاً، ويحتمل الرفع، كما مرّ أيضاً، و((الجِزْية))
بكسر الجيم، وسكون الزاي: ما يؤخذ من أهل الذمّة، جمع جِزَّى، مثلُ سِدْرَة
وسِدَر(٤)، وفي رواية البخاريّ: ((ويَضَعَ الحربَ)).
قال النوويّ كَّلُهُ: الصواب في معناه أنه لا يَقبلها، ولا يَقْبَل من الكفار
إلا الإسلام، ومَن بذل منهم الجزية، لم يَكُفَّ عنه بها، بل لا يَقْبَل إلا الإسلام
أو القتل، هكذا قاله الإمام أبو سليمان الخطابيّ وغيره من العلماء رحمهم الله
تعالی.
وحَكَى القاضي عياض تَخْتُ عن بعض العلماء معنى هذا، ثم قال: وقد
يكون فيض المال هنا من وضع الجزية، وهو ضربها على جميع الكفرة، فإنه لا
يقاتله أحدٌ، فتضعُ الحرب أوزارها، وانقياد جميع الناس له إما بالإسلام، وإما
(١) ((إكمال المعلم)) ٦٠٨/١.
(٣) ((المفهم)) ٣٧٠/١.
(٢) ((الفتح)) ٦ / ٥٦٧.
(٤) ((المصباح المنير)) ١٠٠/١.

٢٧٥
(٧٧) - بَابُ نُزُولٍ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَّاهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٦)
بإلقاء يد، فَيَضَعَ عليه الجزية ويضربها. هكذا ذكر القاضي عياضٌ، وتعقّبه
النوويّ، فقال: وليس بمقبول، والصواب ما قدمناه، وهو أنه لا يَقْبَل منه إلا
الإسلام.
فعلى هذا قد يقال: هذا خلاف حكم الشرع اليوم، فإن الكتابيّ إذا بَذَل
الجزية وجب قبولها، ولم يجز قتله، ولا إكراهه على الإسلام.
وجوابه أن هذا الحكم ليس بمستمرّ إلى يوم القيامة، بل هو مقيّد بما قبل
عيسى ظلَّلا، وقد أخبرنا النبيّ ◌َله في هذه الأحاديث الصحيحة بنسخه، وليس
عيسى فظلُّ هو الناسخ، بل نبيّنا وَّل هو المبين للنسخ، فإن عيسى ◌َالَّلا يحكم
بشرعنا، فدَلَّ على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت، هو شرع نبيّنا
محمد ◌َّ. انتهى كلام النوويّ تَخْذَتُهُ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ كَّهُ: قوله: ((فيضع الجزيةَ)) قيل: يُسقطها، فلا يقبلها من
أحد، وذلك لكثرة الأموال؛ إذ تقيء الأرض أفلاذ كَبِدها، فلا يكون في
أخذها منفعة للمسلمين، فلا يُقبَل من أحد إلا الإيمان، وقيل: يضربها على كلّ
صنف من الكفّار؛ إذ قد أذعن الكلّ له، فإما بالإسلام، وإما بأن ألقوا
بأيديهم، والتأويل الأول أولى؛ لقوله بعد هذا: ((ولتُتْرَكنّ القلاص، فلا يُسعى
عليها))؛ أي: لا تُطلب زكاتها، كما جاء في الحديث الآخر، و((القلاص)) جمع
قَلُوص، وهي من الإبل كالفتاة من النساء، والحَدَث من الرجال، وهذا كقوله
تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾﴾ [التكوير: ٤]، أي: زُهد فيها، وتُركت، وإن
كانت أحبّ الأموال إليهم الآن. انتهى كلام القرطبيّ كَظُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): المعنى أن الدين يصير واحداً، فلا يبقى أحدٌ من أهل
الذمة يؤدي الجزية، وقيل: معناه أن المال يَكثُر حتى لا يبقى من يمكن صرف
مال الجزية له، فتُترَك الجزية؛ استغناءً عنها .
وقال عياضٌ: يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفّار
من غير محاباة، ويكون كثرة المال بسبب ذلك.
وتعقّبه النوويّ، وقال: الصواب أن عيسى لا يَقبَل إلا الإسلام.
(١) ((المفهم)) ٣٧٠/١.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لضرعيّة:
قال الحافظ: ويؤيده أن عند أحمد من وجه آخر، عن أبي هريرة .
((وتكون الدعوى واحدة)).
قال النوويّ: ومعنى وضع عيسى لعلّه الجزية مع أنها مشروعة في هذه
الشريعة، أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى ظلّا؛ لِمَا دَلّ عليه هذا الخبر،
وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية، بل نبيّنا وّليل هو المبين للنسخ بقوله هذا.
وقال ابن بطال كَّتُهُ: وإنما قَبِلناها قبل نزول عيسى علّله للحاجة إلى
المال، بخلاف زمن عيسى علّله، فإنه لا يُحتاج فيه إلى المال، فإن المال في
زمنه یکثُر حتى لا يقبله أحد.
ويحتمل أن يقال: إن مشروعية قبولها من اليهود والنصارى لِمَا في أيديهم
من شبهة الكتاب، وتعلّقهم بشرع قديم بزعمهم، فإذا نزل عيسى ظلّلا زالت
الشبهة بحصول معاينته، فيصيرون كعبدة الأوثان في انقطاع حجتهم، وانكشاف
أمرهم، فناسب أن يعاملوا معاملتهم في عدم قبول الجزية منهم، هكذا ذكره
بعض مشايخنا احتمالاً، قاله في ((الفتح))(١).
(وَيَفِيضَ الْمَالُ) بالنصب، ويحتمل الرفع، كما ذكرنا فيما سبق، وهو
بفتح الياء، وكسر ثانيه، وبالضاد المعجمة؛ أي: يكثر، يقال: فاض السيل
فيضاً، من باب باع: إذا كثُر، وسال من شَفَةِ الوادي، وأفاض بالألف لغة فيه،
وفاض الإناء فيضاً: إذا امتلأ، وأفاضه صاحبه، وفاض الخير: إذا كثُر،
وأفاضه الله: كثّره(٢).
والمعنى هنا: أنه يكثر المالُ، وتنزل البركات، وتكثر الخيرات بسبب
العدل، وعدم التظالم، وتَقِيء الأرض أفلاذ كبدها، كما جاء في الحديث
الآخر، وتَقِلُّ أيضاً الرَّغَبَات لِقِصَر الآمال، وعلمهم بقرب الساعة، فإن
عيسى عليّا عَلَمُ من أعلام الساعة(٣)، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ﴾
الآية [الزخرف: ٦١]، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ))) وفي رواية عطاء بن ميناء الآتية بعد هذا: ((ولَيَدْعُوَنَّ
(١) ((الفتح)) ٦/ ٥٦٧ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٤٨ - ٣٤٤٩).
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٨٥/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٠/٢ - ١٩١.

٢٧٧
(٧٧) - بَابُ نُزُولِ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٦)
إلى المال، فلا يقبله أحدٌ))، وسبب عدم القبول کثرته، وقلّة رغبات الناس إليه؛
لعلمهم بقرب الساعة، كما قرّرناه آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة حبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٩٦/٧٧ و٣٩٧ و ٣٩٨ و٣٩٩
و٤٠٠ و٤٠١] (١٥٥)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢٢٢٢)، و((المظالم))
(٢٤٧٦)، و((أحاديث الأنبياء)) (٣٤٤٨)، و(الترمذيّ) في ((الفِتَن)) (٢٢٣٣)،
و(ابن ماجه) في ((الفِتَن)) (٤٠٧٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٨٤٠)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٤٤/١٥)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٤٠/٢ -
٤٩٣ - ٤٩٤ - ٥٣٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٩٧)، و(أبو القاسم
البغويّ) في ((الجَعْدِيّات)) (٢٩٧٣)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٤٠٧ و٤٠٨
و٤٠٩ و٤١٠ و٤١١ و٤١٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٨١٦ و٦٨١٨)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٠٩ و٣١٠ و٣١١ و٣١٢ و٣١٣ و٣١٤ و٣١٥
و٣١٦)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٨٨ و٣٨٩ و٣٩٠ و٣٩١ و٣٩٢ و٣٩٣
و٣٩٤ و٣٩٥)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١٠٣ و١٠٤ و٤٠٥)،
و(الآجرّيّ) في ((الشريعة)) (ص ٣٨٠ - ٣٨١)، و(أبو محمد البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٤٢٧٥ و٤٢٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائد أحاديث الباب(١):
١ - (منها): بيان نزول عيسى ابن مريم السَّالا عند قرب الساعة.
٢ - (ومنها): أن نزوله من علامات الساعة.
٣ - (ومنها): أنه سينشر العدل بين الأمة، ويرفع الظلم.
(١) هذه الفوائد ليست مقصورة على الحديث المشروح الآن، وإنما هي فوائد لجميع
الروايات المذكورة في هذا الباب؛ حتى تكون مجموعة في محلّ واحد، ويسهل
الاستفادة منها، والله تعالى أعلم.

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٤ - (ومنها): أنه سيُبطل اليهوديّة والنصرانيّة بكسر الصليب، وقتل
الخنزير .
٥ - (ومنها): أنه سيبطل الجزية، على ما هو الراجح في معنى ((ويضع
الجزية))، فلا يقبل من أحد من الكفّار إلا الإسلام فقط، وهذا هو الذي يدلّ
عليه حديث أبي هريرة ظه عند أحمد: ((وتكون الدعوى واحدة))، كما سبق
بیانه.
٦ - (ومنها): بيان أن عيسىعلَّا سينزل على أنه فرد من أمة نبيّنا وَله
فإنه لا يأتي بشرع جديد، وإنما يأتي حاكماً بهذه الشريعة المباركة، بالقرآن
والسنّة، وهذا معنى قوله: ((وإمامكم منكم))، كما سيأتي.
٧ - (ومنها): أن عيسى ◌ِلَّا سيصلّي مأموماً خلف رجل من هذه الأمة.
٨ - (ومنها): ما قاله النوويّ وغيره: أن فيه دليلاً على تغيير المنكرات،
وآلات الباطل، وقتلُ الخنزير من هذا القبيل، وفيه دليل للمختار من مذهب
الجمهور أنا إذا وجدنا الخنزير في دار الكفر، أو غيرها، وتَمَكّنا من قتله قتلناه،
وإبطالٌ لقول مَن شَذَّ من العلماء، فقال: يُترَك إذا لم يكن فيه ضَرَاوة. انتهى(١).
٩ - (ومنها): أن من كسر صليباً، أو نحوه من آلات الباطل لا يَضْمَن؛
لأنه فَعَلَ مأموراً به؛ إذ أخبر النبيّ وَ﴿ بأن عيسى ظلّلا سيفعله، وهو مقرّر
الشريعة النبيّ وَّرَ، وهذا إذا لم تُقَرَّ عليه النصارى.
١٠ - (ومنها): أن في قتل عيسى غلِّلا للخنزير توبيخاً عظيماً للنصارى
الذين يدّعون أنهم على طريقته، ثم يستحلّون أكل الخنزير، ويبالغون في
محبّته.
١١ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف، مبالغةً في تأكيد الخبر.
١٢ - (ومنها): كثرة المال وفيضانه في آخر الزمان، وزهد الناس فيه،
فيُهملون النفيس منه، وذلك لكثرته، وعدم الحاجة إليه؛ إذ تنزل البركات،
وتتوالى الخيرات، وتُخرج الأرض أفلاذ كَبِدها، وتقلّ رغبات الناس في اقتناء
المال؛ لعلمهم بقرب الساعة.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢/ ١٩٠.
-

٢٧٩
(٧٧) - بَابُ نُزُولِ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَّهِ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٦)
١٣ - (ومنها): أن الناس سيتقرّبون إلى الله تعالى، ويتوجّهون إلى
عبادته، ويحرصون عليها، حتى تكون السجدة الواحدة أحبّ إليهم من الدنيا
وما فيها .
١٤ - (ومنها): أن العداوة، والبغضاء، والشحناء، والتحاسد ستزول؛
الاشتغال الناس بأمر الآخرة، وإعراضهم عن شهوات الدنيا، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف النحاة في إعراب قوله وقوله :
((ليُوشكنّ أن يَنْزِل فيكم ابن مريم عَلِ)):
(اعلم): أنه اختلاف في هذا الإعراب على قولين:
وحاصل المسألة أن ((أوشك)) تُستعمل ناقصةً، وتامّةً، ومثلها ((عسى))،
و((اخلولق))، فأما كونها ناقصةً، ((فكقولك)): أوشك زيد أن يقوم؛ فـ((زيد))
اسمها، و((أن يقوم)) خبرها، وأما التامّة، فهي المسندة إلى ((أَنْ)) والفعل، نحو:
أوشك أن يقوم؛ فـ((أن يقوم)) في تأويل المصدر فاعل ((أوشك))، وإلى هذا
أشار ابن مالك تَّتُهُ في ((الخلاصة)) بقوله:
غِنَّى بِـ((أَنْ يَفْعَلَ)) عَنْ ثَانٍ فُقِدْ
بَعْدَ ((عَسَى)) ((احْلَوْلَقَ)) ((أَوْشَكْ)) قَدْیَرِدْ
هذا إذا لم يَلِ الفعلَ الذي بعد ((أن)) اسمٌ ظاهرٌ يصحّ رفعه به، فإن وَلِيَهُ،
كهذا الحديث، وكقولك: عسى أن يقوم زيد؛ فذهب الأستاذ أبو عليّ الشلوبين
إلى أنه يجب أن يكون الظاهر مرفوعاً بالفعل الذي بعد ((أن))، فـ((أن)) وما بعدها
فاعل لـ((أوشك))، وهي تامّة، ولا خبر لها، وذهب المبرِّد، والسِّيرافيّ،
والفارسيّ إلى تجويز ما ذكره الشلُوبينُ، وتجويز وجه آخر، وهو أن يكون ما
بعد الفعل الذي بعد ((أن)) مرفوعاً بـ((أوشك))، اسماً لها، و((أن)) والفعل في
موضع نصبٍ بـ((أوشك))، وتقدَّم على الاسم، والفعلُ الذي بعد ((أن)) فاعله
ضمير يعود على فاعل ((أوشك))، وجاز عوده عليه، وإن تأخّر؛ لأنه مقدّمٌ رتبةً.
وتظهر فائدة هذا الخلاف في التثنية، والجمع، والتأنيث، فتقول على
مذهب غير الشلُوبين: عسى أن يقوما الزيدان، وعسى أن يقوموا الزيدون،
وعسى أن يقمن الهندات، فتأتي بضميرٍ في الفعل؛ لأن الظاهر ليس مرفوعاً
به، بل هو مرفوعٌ بـ«عسی)).

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وعلى رأي الشلوبين يجب أن تقول: عسى أن يقوم الزيدان، وعسى أن
يقوم الزيدون، وعسى أن تقوم الهندات، فلا تأتي في الفعل بضميرٍ؛ لأنه رفع
الظاهر الذي بعده(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من
الأنبياء لِلّ*، الرّدُّ على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فَبَيَّن الله تعالى كذبهم،
وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنُوّ أجله؛ لِيُدْفَن في الأرض؛ إذ ليس لمخلوق
من التراب أن يموت في غيرها، وقيل: إنه دعا الله لَمّا رأى صفة محمد دَله
وأمته، أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتى يَنْزِل في آخر الزمان،
مُجَدِّداً لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال فيقتله، والأول أَوْجَهُ.
ورَوَى مسلم في ((صحيحه)) من حديث ابن عمر ﴿ّا في مدة إقامة
عيسى علّ بالأرض بعد نزوله أنها سبع سنين، ورَوَى نعيم بن حماد في ((كتاب
الفتن)) من حديث ابن عباس ﴿ًّا أن عيسى ظلّ* إذ ذاك يتزوج في الأرض،
ويقيم بها تسع عشرة سنة، وبإسناد فيه مبهم، عن أبي هريرة رَ الله يقيم بها
أربعين سنة.
ورَوَى أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح، من طريق عبد الرحمن بن آدم،
عن أبي هريرة ◌ُبه مثله مرفوعاً، وفي هذا الحديث: ((يَنْزِل عيسى عليه ثوبان
مُمَضَّران، فَيَدُق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى
الإسلام، ويُهْلِك الله في زمانه الملل كلها، إلا الإسلام، وتقع الأَمَنَةُ في
الأرض، حتى تَرْتَعَ الأسود مع الإبل، وتَلْعَب الصبيان بالحيات))، وقال في
آخره: ((ثم يُتَوَفَّى، فيُصلّي عليه المسلمون)).
ورَوَى أحمد، ومسلم من طريق حنظلة بن علي الأسلميّ، عن أبي
هريرة ◌َظبه، عن النبيّ ◌َ﴿ قال: ((والذي نفسي بيده، لَيُهِلِّنَ ابنُ مريم بِفَجِّ
الرَّوْحَاء حاجّاً أو معتمراً، أو لَيَثْنِيَنّهما)).
وفي رواية لأحمد من طريق حنظلة أيضاً عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله : ((ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب،
(١) راجع: ((شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ١٨٣/١ - ١٨٤.