النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ (٧٣) - بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ - حديث رقم (٣٨٩) ابن عباس عندي أنها أرجى آية؛ لِمَا فيها من الإدلال على الله، وسؤال الإحياء في الدنيا، أو لأن الإيمان يكفي فيه الإجمال، ولا يحتاج إلى تنقير وبحث، قال: ومَحْمِل قول عطاء: دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يَدْخُل قلوب الناس، أي: من طلب المعاينة. قال: وأما الحديث فمبنيٌّ على نفي الشك، والمراد بالشك فيه الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح، وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحدهما على الآخر، فهو منفيّ عن الخليل قطعاً؛ لأنه يَبْعُد وقوعه ممن رَسَخَ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة؟ قال: وأيضاً فإن السؤال لَمّا وَقَع بـ(كيف)) دَلّ على حال شيء موجود مُقَرَّر عند السائل والمسئول، كما تقول: كيف علم فلان؟، فـ(كيف)) في الآية سؤال عن هيئة الإحياء، لا عن نفس الإحياء، فإنه ثابت مقرَّرٌ. وقال ابن الجوزيّ: إنما صار أحقّ من إبراهيم؛ لِمَا عانى من تكذيب قومه، وردّهم عليه، وتعجبهم من أمر البعث، فقال: أنا أحقّ أن أسأل ما سأل إبراهيم؛ لعظيم ما جَرَى لي مع قومي المنكرين لإحياء الموتى، ولمعرفتي بتفضيل الله لي، ولكن لا أسأل في ذلك(١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي من هذه الأقوال قول من قال: إن هذا الكلام من باب الدفاع عن إبراهيم مثله، فهو كقول القائل عند مدافعته عن شخص دفاعاً شديداً: مهما أردت أن تقوله لفلان، فقله لي، ومقصوده بذلك: لا تقل هذا فيه، فإنه بريء غاية البراءة، والله تعالى أعلم بالصواب. (إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]) (كيف)) اسم استفهام، سؤال عن الحال، والجملة في محلّ نصب مفعول ثانٍ لـ((أرني)). [تنبيه]: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في سبب سؤال إبراهيم؛ هذا السؤال أوجهاً، أظهرها أنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدةً بعد العلم بها استدلالاً، فإن علم الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوك في الجملة، بخلاف (١) راجع: ((الفتح)) ٤٧٤/٦ - ٤٧٥ (كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٣٧٢). ٢٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان علم المعاينة، فإنه ضروريّ، وهذا مذهب الإمام أبي منصور الأزهريّ وغيره. والثاني: أراد اختبار منزلته عند ربه في إجابة دعائه، وعلى هذا قالوا: معنى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] أي: تُصَدِّق بِعِظَم منزلتك عندي، واصطفائك وخُلَّتك. والثالث: سأل زيادة يقين، وإن لم يكن الأول شكّاً، فسأل الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، فإن بين العِلْمَين تفاوتاً، قال سهل بن عبد الله التستري تَخْلَتُهُ: سأل كشف غطاء العيان؛ ليزداد بنور اليقين تمكناً. الرابع: أنه لما احتَجَّ على المشركين بأن ربه ◌ُعَلَ يحيي ويميت، طلب ذلك منه ◌َلَ؛ ليظهر دليله عياناً. وقيل أقوال أُخَرُ كثيرة ليست بظاهرة. قال الامام أبو الحسن الواحديّ تَّتُهُ: اختلفوا في سبب سؤاله، فالأكثرون على أنه رأى جِيفَةً بساحل البحر، يتناولها السباع، والطير، ودوابُ البحر، فتفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة، وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يُحييه ربه، ولم يكن شاكّاً في إحياء الموتى، ولكن أحبّ رؤية ذلك، كما أن المؤمنين يحبُّون أن يروا النبيّ وَله، والجنة، ويحبون رؤية الله تعالى، مع الإيمان بكل ذلك، وزوال الشكوك عنه، ذكر ذلك كله النوويّ تَظَهُ(١). وقال في ((الفتح)): واختلف السلف في المراد بالشك هنا، فحمله بعضهم . على ظاهره، وقال: كان ذلك قبل النبوة، وحمله أيضاً الطبريّ على ظاهره، وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان، لكنها لم تَسْتَقِرَّ، ولا زلزلت الإيمان الثابت. واستند في ذلك إلى ما أخرجه هو، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والحاكم، من طريق عبد العزيز الماجشون، عن محمد بن المنكدر، عن ابن عباس طه: قال: أرجى آية في القرآن هذه الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِثْرَهِمُ رَبٍّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]، قال ابن عباس: هذا لِمَا يَعْرِض في الصدور، ويوسوس به الشيطان، فرضي الله من إبراهيم؛ بأن قال: ﴿بَ﴾. ومن طريق معمر، عن قتادة، عن ابن عباس، نحوه، ومن طريق عليّ بن زيد، (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٣/٢ - ١٨٤. (٧٣) - بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ - حديث رقم (٣٨٩) ٢٠٣ عن سعيد بن المسيِّب، عن ابن عباس، نحوه، وهذه طُرُقٌ يَشُدُّ بعضها بعضاً. وإلى ذلك جَنَحَ عطاءٌ، فَرَوَى ابن أبي حاتم، من طريق ابن جريج: سألت عطاء عن هذه الآية، قال: دَخَلَ قلب إبراهيم؛ بعضُ ما يدخل قلوب الناس، فقال ذلك، ورَوَى الطبري من طريق سعيد، عن قتادة، قال: ذُكِر لنا أن إبراهيم أَتَى على دابة، تَوَزَّعتها الدوابُّ والسباع، ومن طريق حَجّاجٍ، عن ابن جريج، قال: بلغني أن إبراهيم أَتَّى على جيفة حمار، عليه السباع والطير، فَعَجِبَ، وقال: رب لقد علمتُ لتجمعنَّها، ولكن رب أرني كيف تحيي الموتى. وذهب آخرون إلى تأويل ذلك، فرَوَى الطبريّ، وابن أبي حاتم، من طريق السُّدّيّ، قال: لَمّا اتخذ الله إبراهيم خليلاً، استأذنه ملك الموت أن يُبَشِّره، فأَذِن له، فذكر قصةً معه في كيفية قبض روح الكافر والمؤمن، قال: فقام إبراهيم يدعو ربه: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْقَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] حتى أعلمَ أني خليلك. ورَوَى ابن أبي حاتم، من طريق أبي العَوّام، عن أبي سعيد، قال: ليطمئن قلبي بالخُلَّة، ومن طريق قيس بن مسلم، عن سعيد بن جبير، قال: ليطمئن قلبي أني خليلك، ومن طريق الضحاك عن ابن عباس: لأعلم أنك أجبت دعائي، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عنه: لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وإلى هذا الأخير جَنَحَ القاضي أبو بكر الباقلاني. وحكى ابن التين عن الداوديّ الشارح أنه قال: طَلَب إبراهيم ذلك؛ لتذهب عنه شدّة الخوف، قال ابن التين: وليس ذلك بالبيِّن. وقيل: كان سبب ذلك أن نُمرود لَمّا قال له: ما ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، فذكر ما قَصَّ الله، مما جَرَى بينهما، فسأل إبراهيم بعد ذلك ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى من غير شكّ منه في القدرة، ولكن أحبَّ ذلك، واشتاق إليه، فأراد أن يطمئن قلبه بحصول ما أراده، أخرجه الطبري عن ابن إسحاق. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: المراد ليطمئن قلبي أنهم يعلمون أنك تحيي الموتى. وقيل: معناه أقدرني على إحياء الموتى، فتأذَّب في السؤال. وقال ابن الحصار: إنما سأل أن يُحيي الله الموتى على يديه، فلهذا قيل له في الجواب: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]. ٢٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وحَكَى ابنُ التين عن بعض من لا تحصيل عنده أنه أراد بقوله: ﴿قَلِىّ﴾ رجلاً صالحاً، كان يصحبه، سأله عن ذلك. وأبعدُ منه ما حكاه القرطبيّ المفسر عن بعض الصوفية، أنه سأل من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب. وقيل: أراد طمأنينة النفس بكثرة الأدلة. وقيل: محبة المراجعة في السؤال. انتهى(١). (﴿قَالَ﴾) رَّ (﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾) الهمزة للاستفهام التقريريّ(٢)، ووجهه أنه طلب الكيفية، وهو مشعر بالتصديق بالإحياء، قاله في ((الفتح))(٣)، وقال النوويّ تَخَّتُهُ: قال العلماء: الهمزة في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾ همزة إثبات، كقول جرير [من الوافر]: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ (٤) ومفعول («تؤمن)) محذوفٌ، أي: أَوَ لم تؤمن بالإحياء؟ أو: أوَ لم تؤمن بكفیّته؟ (﴿قَالَ﴾) إبراهيم ◌َِّ (﴿بَىّ﴾) هي حرف جواب تختصّ بالنفي، وتفيد إبطاله، أي أنا مؤمن، وأجرى النحويّون النفي مع التقريريّ مجرى النفي المجرّد في رِدّه بـ((بلى))، ولذلك رُوي ابن عبّاس ◌َّ وغيره في تفسير قول ريك: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية [الأعراف: ١٧٢]: لو قالوا: نعم لكفروا، ووجهه أن ((نعم)) تصديقٌ للخبر بنفي أو إيجاب(٥). (﴿وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]) علّة لمحذوف، تقديره: ولكن أطلُب الرؤيا ليطمئن قلبي، أي: ليزيد سكوناً بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب؛ لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب، وكأنه قال: أنا مصدِّق، ولكن للعيان لطيف (١) ((الفتح)) ٦/ ٤٧٤ - ٤٧٥. (٢) الاستفهام التقريريّ هو: حمل المخاطب على الإقرار بمضمون الجملة إثباتاً أو نفياً، والمعنى هنا: أَقِرّ بأنك مؤمن. اهـ. ((فتح المنعم)) ١/ ٤٨٠. (٣) ((الفتح)) ٦/ ٤٧٥. (٥) ((فتح المنعم)) ٤٨٠/١. (٤) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٨٤/٢. ٢٠٥ (٧٣) - بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ - حديث رقم (٣٨٩) معنى، وقال عياض: لم يشكّ إبراهيم بأن الله يحيي الموتى، ولكن أراد طمأنينة القلب، وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء، فحصل له العلم الأول بوقوعه، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته. ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين، وإن لم يكن في الأول شكّ؛ لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها، فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، والله تعالى أعلم. (قَالَ) وَ (وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطاً) جملة خبريّة لفظاً، إنشائيّة معنًى؛ لأن المراد بها الدعاء له بالرحمة. الْمُرْسَلِينَ و (لوط))فُلِّ* من المرسلين، ذكر الله ◌ُعَلَ قصّته في قوله: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ (٣)﴾ الآيات [الصافات: ١٣٣]، وغيرها من الآيات. يقال: إنه لوط بن هاران بن تارخ، وهو ابن أخي إبراهيم ظلّلا، وقد قَصّ الله تعالى قصته مع قومه في ((الأعراف))، و((هود))، و((الشعراء))، و((النمل))، و((الصافات))، وغيرها . وفي رواية البخاريّ: ((يغفر الله للوط، إِنْ كان لَيَأْوِي إلى ركن شديد)). وحاصل قصّته أن قومه؛ ابتدعوا وطء الذكور، فدعاهم لوط الظلّل إلى التوحيد، وإلى الإقلاع عن الفاحشة، فأصَرُّوا على الامتناع، ولم يتفق أن يساعده منهم أحدٌ، وكانت مدائنهم تُسَمَّى سَدُوم، وهي بغور زغر، من البلاد الشامية، فلما أراد الله إهلاكهم، بَعَثَ جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى إبراهيم، فاستضافوه، فكان ما قَصّ الله في سورة هود، ثم توجهوا إلى لوط، فاستضافوه، فخاف عليهم من قومه، وأراد أن يُخْفِي عليهم خبرهم، فنَمَّت عليهم امرأته، فجاءوا إليه، وعاتبوه على كتمانه أمرهم، وظَنُّوا أنهم ظَفِرُوا بهم، فأهلكهم الله على يد جبريل، فقَلَبَ مدائنهم، بعد أن خرج عنهم لوط بأهل بيته، إلا امرأته، فإنها تأخرت مع قومها، أو خَرَجت مع لوط، فأدركها العذاب، فقلب جبريل المدائن بطرف جناحه، فصار عاليها سافلها، وصار مكانها بُحَيرة منتنة، لا يُنتَفَع بمائها، ولا بشيء مما حولها . (لَقَدْ كَانَ يَأْوِي) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: أوى إلى منزله يأوي، من باب ضَرَبَ أُوّاً: أقام، وربّما عُدِّي بنفسه، فقيل: أوى منزلَهُ، والمَأْوَى - بفتح ٢٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الواو - لكلّ حيوان مسكنه، وسُمع مَأْوِي الإبل بالكسر شاذاً، ولا نظير له في المعتلّ، وبالفتح على القياس، قاله الفيّوميّ(١). (إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) قال ابن الأثير تَخْتُ: أي: إلى الله تعالى الذي هو أشدّ الأركان وأقواها، وإنما ترحّم عليه؛ لسهوه حين ضاق صدره من قومه حتى قال: ﴿أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] أراد عزَّ العشيرة الذين يُستند إليهم كما يُستنَدُ إلى الركن من الحائط. انتهى (٢). وقال النوويّ كَّلُهُ: المراد بالركن الشديد هو الله ◌ُعَلَ، فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها، ومعنى الحديث - والله أعلم - أن: لوطاً،فَلَّهُ لَمّا خاف على أضيافه، ولم يكن له عَشِيرة تمنعهم من الظالمين، ضاق ذَرْعُهُ، واشتد حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال في تلك الحال: لو أن لي بكم قوةً في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تمنع، لمنعتكم، وقصد لوط ظلّلا إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريقٍ مّا لفعله، وأنه بَذَلَ وسعه في إكرامهم، والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضاً منه؛ عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما هو لِمَا ذكرناه، من تطبيب قلوب الأضياف. ويجوز أن يكون نسي الالتجاء إلى الله تعالى في حمايتهم، ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين الله تعالى، وأظهر للأضياف التألمّ، وضيق الصدر، والله أعلم. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): قوله: ﴿إِلَى رَكْنٍ شَدِيدٍ﴾: أي: إلى الله ◌ُعَلَ، يشير وَل [هود: ٨٠ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوَّ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ ( ٨٠]، ويقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحدٌ يجتمع معه في نسبه؛ لأنهم من سَدُوم، وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام، هاجر معه لوط، فبعث الله لوطاً إلى أهل سدوم، فقال: لو أن لي مَنَعَةً، وأقاربَ، وعشيرةً، لكنت أستنصر بهم عليكم؛ ليدفعوا عن ضِيفاني، ولهذا جاء في بعض طرق هذا الحديث، كما أخرجه أحمد من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضُه، عن النبيّ وَّ قال: (١) ((المصباح المنير)) ٣٢/١. (٣) ((شرح النووي)) ١٨٥/٢. (٢) ((النهاية)) ٢٦٠/٢. ٢٠٧ (٧٣) - بَابُ زِيَادَةِ طُمَّأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَزِلَّةِ - حديث رقم (٣٨٩) ((قال لوظٌ: ﴿لَوْ أَنَّ ◌ِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَارِىَ إِلَى زَّكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] قال: فإنه كان يأوي إلى ركن شديدٍ، ولكنه عَنَى عشيرته، فما بَعَثَ الله نبيّاً إلا في ذِرْوَة من قومه))، زاد ابن مردويه، من هذا الوجه: ((ألم تر إلى قول قوم شعيب: ﴿ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌ﴾ [هود: ٩١]؟)). وقيل: معنى قوله: ((لقد كان يأوي إلى ركن شديد)) أي: إلى عشيرته، لكنه لم یأو إلیھم، وأوی إلی الله. انتهى. قال الحافظ تَخْذُ: والأول أظهر؛ لما بيّناه، وقال النووي تَخْلُهُ: يجوز أنه لَمّا اندَهَشَ بحال الأضياف، قال ذلك، أو أنه التجأ إلى الله في باطنه، وأظهر هذا القول للأضياف؛ اعتذاراً، وَسُمِّيَت العشيرةُ ركناً؛ لأن الركن يُستَنَد إليه، ويُمْتَنَع به، فشبّههم بالركن من الجبل؛ لشدّتهم، ومنْعَتهم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله النوويّ كَّتُهُ أقرب التوجيهات لهذه الآية الكريمة. وحاصله أن لوطاً؛ قال هذا الكلام من باب إظهار العذر لأضيافه في عدم معاقبة قومه لَمّا أرادوا بهم سوءاً، فهو في الحقيقة آوٍ إلى ربه في كلّ حال، ولكنه أراد إظهار ضعف مقاومته لقومه لَمّا أرادوا الاعتداء على أضيافه؛ لعدم عشيرته الذين يستنصر بهم عادةً إذا نابه مثل هذا الاعتداء، فأظهر للأضياف ذلك العذر حتى يَعذِرُوه، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَلَوْ لَبِثْتُ) بكسر الموحّدة، يقال: لَبِث بالمكان لَبَثاً، من باب تَعِبَ، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، واللَّبْئَةُ بالفتح: المرّة، وبالكسر: الهيئة والنوع، والاسمُ: اللُّبْثُ بالضمّ، واللََّاثُ بالفتح، وتَلَبَّثَ بمعناه، ويَتَعَدَّى بالهمز والتضعيف، فيقال: ألبثته، ولَبَّئته، قاله الفيّوميّ (١). (فِي السِّجْنِ) - بكسر، فسكون - أي: الحبس، والجمع سُجُون، مثلُ حِمْلِ وحُمُول، قاله الفيّوميّ (٢)، ويحتمل أن يكون المراد به مكان الحبس، قال المجد: ((السِّجْنُ)) بالكسر: المَحْبِسُ. انتهى(٣). (طُولَ لَيْثِ) بفتحتين، أو بفتح اللام، وضمّها، (١) ((المصباح المنير)) ٥٤٧/٢ - ٥٤٨. (٣) ((القاموس المحيط)) ص ١٠٨٥. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٦٧/١. ٢٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وسكون الموحّدة، و((طُولَ)) منصوب على أنه مفعول مطلق لـ(لَبْئت)) (يُوسُفَ؛ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ) أي: لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن، ولَمَا قَدَّمتُ طلب البراءة، فوصفه بشدة الصبر، حيث لم يبادر بالخروج، وإنما قاله اليه تواضعاً، والتواضع لا يَحُظُّ مرتبة الكبير، بل يزيده رِفْعَةً وجلالاً . وقيل: هو من جنس قوله: ((لا تُفَضِّلوني على يونس))، وقد قيل: إنه قاله قبل أن يَعْلَم أنه أفضل من الجميع(١). وقال النوويّ ◌َخُّْ: وأما قوله ◌َّ: ((ولو لبثتُ في السجن ... )) إلخ فهو ثناء على يوسف فعلِّلها، وبيانٌ لصبره، وتأنِّيه، والمراد بالداعي: رسول الملِكِ الذي أخبر الله وَرجَ أنه قال: ﴿وَقَالَ الْلِكُ أَثْتُونِي بِهِ، فَلَمَّا جَاءَّهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى * [يوسف: رَبِّكَ فَسَثَلَّهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ٥٠]، فلم يَخرج يوسف عَلَّا مبادراً إلى الراحة، ومفارقةً للسجن الطويل، بل تثبّت، وتوقّر، وراسل الملك في كشف أمره الذي سُجِن بسببه، ولتَظْهَر براءته عند الملك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نسب إليه، ولا خَجَلَ من يوسف ولا غيره، فَبَيَّن نبيُّنا وَ ل فضيلةَ يوسفَ؛ في هذا، وقُوَّة نفسه في الخير، وكمال صبره، وحسن نظره، وقال النبيّ وَّ عن نفسه، ما قاله تواضعاً، وإيثاراً للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسفَ عَلَّا، والله تعالى أعلم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رقُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٨٩/٧٣ و٣٩٠ و٣٩١] (١٥١)، وفي ((الفضائل)) (١٥١)، و(البخاريّ) في ((أحاديث الأنبياء)) (٣٣٧٢ و٣٣٨٧)، و((التفسير)) (٤٥٣٧ و٤٦٩٤)، و((التعبير)) (٦٩٩٢)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٤٠٢٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢٢/٢ - ٣٢٦ - ٣٥٠)، و(النسائيّ) في (١) ((الفتح)) ٤٧٥/٦ - ٤٧٦ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٣٧٢). ٢٠٩ (٧٣) - بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ - حديث رقم (٣٨٩) (التفسير)) من (الكبرى)) (١١٠٥٠ و١١٢٥٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٠ و٢٣١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٨٠ و٣٨١ و٣٨٢ و١١٠٥٠ و١١٢٥٣)، و(ابن حبان) في ((صحيحه)) (٦٢٠٦ و٦٢٠٧ و٦٢٠٨)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٥٩٧٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (٦٣)، و((معالم التنزيل)) (٢٤٧/١ - ٢٤٨)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٣٢٦)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٣٦٩ و٣٧٠ و٣٧١)، و(البيهقيّ) في ((الأسماء والصفات)) (ص٥٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة؛ إذ العيان يفيد من المعرفة ما لا يفيده الاستدلال، فإبراهيم؛ طلب عين اليقين بعد أن تحقّق له علم اليقين، فإن العلم ثلاث مراتب: ١ - علم اليقين، وهو ما يحصل بالاستدلال. ٢ - وعين اليقين، وهو ما يحصل بالمعاينة والمشاهدة. ٣ - وحقّ اليقين، وهو ما يحصل باللقاء والملامسة. فمثلاً من رأى شخصاً من بعيد، فشهد عنده عدول لا يشكّ فيهم بأنه فلان، فقد حصل له علم اليقين، فإذا اقترب منه، وشاهده، وكلّمه، فقد حصل له عين اليقين، فإذا سلم عليه، وصافحه بيده، فقد حصل له حقّ اليقين، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان زيادة الإيمان ونقصه. ٣ - (ومنها): مشروعيّة الدفاع عن المسلم؛ فإن النبيّ وَّ دافع عن تطرّق الشكّ إلى إبراهيم ظلّ، حيث إن بعضهم قال: شكّ إبراهيم، ولم يشكّ نبينا وَلّر، على ما قيل. ٤ - (ومنها): إظهار وصف فضل أهل الفضل للناس، فإن النبيّ وصف يوسف ظلّ بالصبر والأناة، حيث لم يبادر بالخروج من السجن الطويل، بل قال الرسول الملك: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْثَلَّهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيَدِيَهُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٥٠]. مَر، وهضم نفسه، حيث قال: ((لأجبت ٥ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ ٢١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الداعي))، فإن هذا إنما قاله تواضعاً، لا أنه كان فيه مبادرة وعَجَلة لو كان مكان يوسف ظلَّها، والتواضع لا يصغّر كبيراً، ولا يَضَعُ رفيعاً، ولا يُبطل لذي حقّ حقّاً، بل يوجب لصاحبه فضلاً، ويُكسبه جلالة وقدراً. ٦ - (ومنها): أنه إذا اتُّهم المسلمُ بشيءٍ مّا، ثم ظهرت براءته منه، ينبغي له أن يُظهِر للناس تلك البراءة، كما طلب يوسف العالَّله ذلك، وفضّله على راحة نفسه بالخروج من السجن مع مشقّته، ولكنه فضّل إظهار نزاهته لدى جماهير الناس؛ لأنه قد أشيع بينهم اتّهامه بما هو بريء منه، فأراد؛ أن يعلم الجميع براءته، كما وقر في نفوسهم ضدّها، فهكذا ينبغي للعبد أن يبرّئ ساحته، ويزيل الشكوك من قلوب الناس؛ اقتداءً بهذا النبيّ الكريم عليّلا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٩٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي بِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَأَبَا عُبَيْدٍ، أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿رَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَظْمَيِنَّ قَلْبِىّ﴾ [البقرة: ٢٦٠] قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى جَازَهَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧. [تنبيه]: قوله: (وَحَدَّثَنِي بِهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ -... إلخ) قال النوويّ تَُّ: هذا مما قد يُنكِرِه على مسلم من لا علم عنده، ولا خِبْرَة لديه؛ لكون مسلم ◌َُّهُ قال: ((وحدثني به، إن شاء الله تعالى))، فيقول: كيف يحتجّ بشيء يَشُكّ فيه؟ وهذا خَيَالٌ باطلٌ من قائله؛ فإن مسلماً تَخْلُهُ، لم يَحْتَجَّ بهذا الإسناد، وإنما ذَكَرِه متابعةً واستشهاداً، وقد قَدَّمنا أنهم يحتملون في المتابعات والشواهد، ما لا ٢١١ (٧٣) - بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ - حديث رقم (٣٩٠) يحتملون في الأصول، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ◌َّتُهُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ تَخْتُهُ تحقيقٌ نفيسٌ، وسيأتي أن الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)) شارك المصنّف في روايته عن شيخ المصنّف عبد الله بن محمد بن أسماء هذا، دون شكّ، فالحديث عنه ثابتٌ صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢ - (جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء بن عُبيد بن مُخَارق الضُّبَعيّ، ويقال: مِخْرَاق، أبو مُخارق، ويقال: أبو أسماء البصريّ، صدوقٌ [٧]. رَوَى عن أبيه، ونافع، والزهريّ، ويُدَيح مولى عبد الله بن جعفر، ومالك بن أنس، وهو من أقرانه، وغيرهم. ورَوَى عنه حَبّان بن هلال، وحجاج بن منهال، وابن أخته سعيد بن عامر الضُّبَعيّ، وابن أخيه عبد الله بن محمد بن أسماء، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وأبو سلمة، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، ومسدد، وأبو الوليد، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أحمد: ثقة، ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح، وقال ابن سعد: كان صاحب علم كثير، وذكره ابن المدينيّ في الطبقة السابعة من أصحاب نافع. وأَرَّخَ البخاريُّ وغيره، وفاته سنة (١٧٣) وكذلك ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثاً . ٣ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ) سعد بن عبيد الزهريّ، مولى عبد الرحمن بن أزهر، ويقال: مولى عبد الرحمن بن عوف، ثقة [٢]. رَوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وأبي هريرة . ورَوَى عنه الزهريّ، فقال: كان من القرَّاء، وأهل الفقه، وسعيد بن خالد القارظيّ، وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان من فقهاء أهل المدينة، وقال ٢١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الطبريّ: مُجْمَع على ثقته، وقال مسلم في ((الكنى)): كان ثقةً، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، ونقل ابن خلفون توثيقه عن الذَّهْليّ، وابنِ البَرْقيّ: وقال ابن البَرْقيّ في رجال ((الموطأ)): أدرك النبيّ ◌َّهِ، ولم يَثْبُت له عنه رواية. قال ابن سعد: تُوُفّي بالمدينة سنة (٩٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا (١٥١) وأعاده في ((الفضائل))، و(١٠٤٢): ((لأن يحتزم أحدكم حزمة ... ))، و(١١٣٧): ((إن هذين يومان نهى رسول الله (صل﴿ عن صيامهما ... ))، و(١٩٦٩): ((نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم ... ))، وأعاده بعده، و(٢٧٣٥): ((يستجاب لأحدكم ما لم يَعجَل ... ))، وأعاده بعده، و(٢٨١٦): ((لن يُدخل أحداً منكم عملُه الجنّة ... )). والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ ... إلخ) يعني: أن مالكاً حدّث عن الزهريّ بسنده المذكور بمثل المتن الذي رواه يونس، عن الزهريّ. وقوله: (وَفِي حَدِيثٍ مَالِكِ: ﴿وَلَكِن لِّيَظْمَيِنَّ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]) يعني: أن مالكاً ذكر في روايته قوله: ﴿وَلَكِن لِيَطْمَينَ قَلْىٍ﴾، ولم يذكر ﴿وَإِذْ قَالَ إِزَهِمُ رَبِّ أَرِبِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] ... إلخ هذا ظاهر معنى كلامه، لكن سيأتي الحديث من رواية النسائيّ بطريقين، وفيهما أنه قرأ الآية من قوله: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْى الْمَوْقَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ولعلّ المصنّف وقع له هكذا، والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ) الظاهر أن فاعل ((قال)) ضمير أبي هريرة ◌ُه، ويحتمل أن يكون لمن دونه، وفاعل ((قرأ)) ضمير النبيّ وَّل، والله تعالى أعلم. وقوله: (حَتَّى جَازَهَا) أي: فرغ من قراءتها، قاله النوويّ تَخْذُّهُ(١). [تنبيه]: رواية مالك التي أحالها المصنّف تَخْذَتُهُ هنا، ساقها النسائيّ نَاتُهُ في ((السنن الكبرى)) (٣٠٥/٦)، فقال: (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/٢. ٢١٣ (٧٣) - بَابُ زِيَادَةٍ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ - حديث رقم (٣٩٠) (١١٠٥٠) أنا عمرو بن منصور، نا عبد الله بن محمد، نا جويرية، عن مالك بن أنس، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيِّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة، أن النبيّ وَّ قال: ((رَحِمَ الله إبراهيم، نحن أحقّ بالشك منه، قال: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْقَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَظْمَيِنَ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فذَكَر الآية، ويرحم الله لوطاً، كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبته)). وقال أيضاً (٣٦٨/٦): (١١٢٥٣) أنا العباس بن عبد العظيم، نا عبد الله بن محمد، أنا جويرية بن أسماء، عن مالك بن أنس، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيِّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَّير قال: ((رَحِمَ الله إبراهيم، نحن أحقّ بالشك منه، قال: ﴿رَبٍّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَّىٌ وَلَكِن لِيَظْمَيِنَّ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]))، وقال: ((يرحم الله لوطاً، كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبته)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق النسائيّ رواية مالك مطوّلاً، ولكن الظاهر أنها ليست الرواية التي أحال عليها المصنّف؛ لمخالفتها؛ إذ قال: بمثل حديث يونس، ورواية النسائيّ بمعناها، لا بلفظها . وقد ساق البخاريّ روايته مختصرة، فقال في ((كتاب أحاديث الأنبياء)): (٣٣٨٧) حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، هو ابن أخي جويرية، حدثنا جويرية بن أسماء، عن مالك، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيِّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة نظراته قال: قال رسول الله وَلقوله: ((يرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي لأجبته)). وكذلك ساقه مختصراً في ((كتاب التعبير)»، فقال: (٦٩٩٢) حدثنا عبد الله، حدثنا جويرية، عن مالك، عن الزهريّ، أن سعيد بن المسيِّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة نظ به قال: قال رسول الله وّل: ((لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي لأ جبته)). ٢١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان فقال في ((الفتح)) في شرح الحديث الثاني: قوله: ((لو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي لأجبته)) كذا أورده مختصراً، وقد تقدم في ترجمة يوسف من أحاديث الأنبياء من هذا الوجه، وزاد فيه قصة لوط، قال: وأخرجه النسائي في ((التفسير)) من هذا الوجه، وزاد في أوله: «نحن أحقّ بالشك من إبراهيم ... )) الحدیث. وأخرجه مسلم من هذا الوجه، لكن قال: مثل حديث يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة بطوله، ومن طريق أبي أويس، عن الزهريّ، مثل مالك. وأخرجه الدارقطنيّ في ((غرائب مالك)) من طريق جويرية بطوله، أخرجوه كلهم من رواية عبد الله بن محمد بن أسماء، عن عمه جويرية بن أسماء، وذكر أن أحمد بن سعيد بن أبي مريم رواه عنه، فقال: ((عن أبي سلمة))، بدل ((أبي عبيدة))، ووَهِمَ فيه، فإن المحفوظ عن مالك: ((وأبي عبيد))، لا ((أبو سلمة))، وكذلك أخرجه من طريق سعيد بن داود، عن مالك، أن ابن شهاب حدّثه أن سعيداً، وأبا عبيد أخبراه به. قال: وقد وقع في بعض طرقه بأبسط من سياقه، فأخرج عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، رفعه: ((لقد عَجِبتُ من يوسف، وكرمه، وصبره، حتى سئل عن البقرات العِجَاف والسِّمَان، ولو كنت مكانه ما أجبته، حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عَجِبتُ منه حين أتاه الرسول، يعني: لَيَخْرُج إلى الملك، فقال: ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه، ولبثت في السجن ما لبثَ، لأسرعت الإجابة، ولبادرت الباب، ولَمَا ابتغيتُ العذر))، وهذا مرسل، وقد وصله الطبريّ، من طريق إبراهيم بن يزيد الخُوزيّ(١) - بضم المعجمة والزاي - عن عمرو بن دينار، بذكر ابن عباس فيه، فذكره، وزاد: ((ولولا الكلمة التي قالها، لما لبث في السجن ما لبث)). انتهى (٢). والله تعالى (١) إبراهيم بن يزيد الخُوزيّ، أبو إسماعيل المكيّ، مولى بني أميّة، متروك الحديث، من السابعة، مات سنة (١٥١)، قاله في ((التقريب)) ص٢٤. (٢) راجع: ((الفتح)) ٣٩٩/١٢ (كتاب التعبير)) رقم (٦٩٩٢). ٢١٥ (٧٣) - بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَِلَّةِ - حديث رقم (٣٩١) أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، كَرِوَايَةِ مَالِكِ، بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، حَتَّى أَنْجَزَهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو أُوَيْسٍ) هو: عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو أويس المدنيّ، ابن عمِّ مالك، وصِهْره على أخته، صدوقٌ یَهِمُ [٧]. رَوَى عن الزهريّ، وابن المنكدر، وعبد الله بن دينار، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم. ورَوَى عنه ابناه: أبو بكر، وإسماعيل، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، ومُعَلَّى بن منصور، ويونس بن محمد، والنضر بن محمد، وحسين بن محمد المروزيّ، وغيرهم. قال أبو داود، عن أحمد: ليس به بأس، أو قال: ثقةٌ، قَدِمَ ها هنا، وزعموا(١) أن سماعه وسماع مالك كان شيئاً واحداً، وقال حنبل، عن أحمد: صالح، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالح، ولكن حديثه ليس بذاك الجائز، وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ليس بقويّ، وقال مرة: أبو أويس، وابنه ضعيفان، وقال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: أبو أويس، وفُليح ما أقربهما، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: أبو أويس مثل فُليح، فيه ضعف، وقال مرّةً عنه: صدوق، وليس بحجة، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ضعيف، وقال ابن المدينيّ: كان عند أصحابنا ضعيفاً، وقال (١) وذكر هذه الحكاية البزار بلفظ: كان يقال: إن سماعه من الزهريّ شبيهٌ بسماع مالك. انتهى. ((تهذيب التهذيب)) ٣٦٧/٢. ٢١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان عمرو بن عليّ: فيه ضعف، وهو عندهم من أهل الصدق، وقال يعقوب بن شيبة: صدوقٌ صالح الحديث، وإلى الضعف ما هو، وقال البخاريّ: ما رَوَى من أصل كتابه فهو أصحّ، وقال النسائيّ: مدنيّ ليس بالقويّ، وقال أبو داود: صالح الحديث، وقال أبو زرعة: صالحٌ صدوقٌ، كأنه لينٌ، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يُحْتَجّ به، وليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: يُكْتَب حديثه، وقال الدارقطنيّ: في بعض حديثه عن الزهري شيء، وقال ابن أبي خيثمة في (تاريخه)) عن ابن معين: ابن أبي أويس، وأبوه يسرقان الحديث، وقال ابن عديّ: في أحاديثه ما يَصِحّ، ويوافقه الثقات عليه، ومنها ما لا يوافقه عليه أحد، وقال الحاكم أبو أحمد: يُخَالَف في بعض حديثه، وقال الخليليّ: منهم مَن رَضِي حفظَهُ، ومنهم مَن يُضَعِّفه، وهو مقارَب الأمر، وقال ابن عبد البرّ: لا يَحكي عنه أحدٌ حرجة في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه، وأنه يُخالَف في بعض حديثه، وقال الحاكم أبو عبد الله: قد نُسِب إلى كثرة الوهم، ومَحَلُّهُ عند الأئمة محلُّ مَن يُحْتَمَل عنه الوَهْمُ، ويُذكَر عنه الصحيح. وقال ابن قانع: مات سنة تسع وستين ومائة، وكذا حكاه القَرّاب في ((تاريخه)) بإسناده عن البخاريّ، وكذا ذكره البخاريّ في ((التاريخ الأوسط)) مقروناً بنافع بن عمر الجُمَحيّ. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٥١)، و(٣٩٥) حديث: ((قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... )). والباقون تقدَّموا قريباً، فعبد بن حميد، ويعقوب بن إبراهيم تقدّما في الباب الماضي، والزهريّ في السند الماضي. وقوله: (كَرِوَايَةٍ مَالِكِ، بِإِسْنَادِهِ) يعني: أن رواية أبي أويس مثل رواية مالك السابقة، غير أنه قال بدل قول مالك: ((ثم قرأ هذه الآية حتى جازها)): (وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، حَتَّى أَنْجَزَهَا)، ومعنى ((أنجزها)): أتمّ قراءتها . [تنبيه]: رواية أبي أويس هذه التي أحالها المصنّف تَُّ، ساقها الحافظ ابن منده في ((كتاب الإيمان)) (٤٨٦/١)، فقال: (٣٧١) أنبأ أحمد بن محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن النعمان بن بشير، ثنا ابن أبي أويس (ح) وأنبأ حسان بن محمد، ومحمد بن يعقوب، قالا : ثنا ٢١٧ (٧٤) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمُ هُوَ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٢) محمد بن إسحاق الثّقَفيّ، ثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم الزهريّ، ثنا عمِّي، يعقوب بن إبراهيم قالا: ثنا أبو أويس، عن ابن شهاب الزهريّ، أن سعيد بن المسيِّب، وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَل و قال: ((يرحم الله إبراهيم، نحن أحقّ بالشك منه، قال: ﴿رَبِّ أَرِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]))، ثم قرأ هذه الآية حتى أنجزها، ثم قال: ((رحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم جاءني الداعي لأجبت))، لفظ ابن أبي أويس. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٧٤) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هُوَ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى، وَكَوْنِ النَّبِّ ◌ِِّ أَكَثَرَ الأَنْبِيَاءِ تَابِعاً بَوْمَ الْقِيَامَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٩٢] (١٥٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، مِنْ نَبِيِّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْياً، أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٢ - (لَيْث) هو: ابن سعد بن عبد الرحمن الفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. ٣ - (سَعِيدُ بْن أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] (ت في حدود ١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٢١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٤ - (أَبُوهُ) هو: كيسان، أبو سعيد المقبريّ المدنيّ، مولى أمّ شَرِيك، ويقال: هو الذي يقال له: صاحب العباء، ثقة ثبتٌ [٢]. رَوَى عن عمر، وعلي، وعبد الله بن سلام، وأسامة بن زيد، وأبي رافع، مولى النبي ◌َّ﴾، وأبي هريرة، وأبي شريح الخزاعي، وأبي سعيد الخدري، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن وديعة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه سعيد، وابن ابنه عبد الله بن سعيد، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وأبو الغصن، ثابت بن قيس، وعبد الملك بن نوفل بن مُساحق، وأبو صخر، حميد بن زياد. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وقال الواقدي: كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة مائة. وقال ابن سعد: توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك. وقال النسائي: لا بأس به. وقال إبراهيم الحربي: كان ينزل المقابر، فسمِّي بذلك. وقيل: إن عمر جعله على حَفْرِ القبور، فسمّي المقبري، وجعل نُعيماً على إجمار المسجد، فسمّي المجمر. قال الحافظ: هذا بعيد من الصواب، وما أظن نعيماً أدرك عمر. وقال البخاري في ((صحيحه)): قال إسماعيل بن أبي أويس: إنما سُمِّي المقبري؛ لأنه كان ينزل ناحية المقابر، وزعم الطحاوي في («بيان المشكل)) أنه مات سنة خمس وعشرين ومائة، وهو وَهَمٌّ منه، فإن ذلك تاريخ وفاة ابنه سعيد، وحاول الطحاوي بذلك إنكار سماعه من أبي رافع، ومن الحسن بن علي، ولا إنكار في ذلك؛ لأن البخاري قد جزم بأن أبا سعيد سمع من عمر، ولو صح ما قال الطحاوي، لكان عمر أبي سعيد أكثر من مائة وعشر سنين، وهذا لم يقله أحد، وقد صرح أبو داود في روايته لحديث أبي سعيد، عن أبي رافع بالسماع. وفرّق ابن حبان في ((الثقات)) بين كيسان صاحب العباء الذي رَوَى عن عمر، وعنه أبو صخر، وبين كيسان مولى أم شريك، يكنّى أبا سعيد، وهو المعروف بالمقبري؛ لأن منزله كان بالقرب من المقابر، فالله أعلم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) نَظُبه تقدم في (المقدمة)) ٤/٢، والله تعالى أعلم. ٢١٩ (٧٤) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هُوَ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٢) لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبَغْلانيّ، ولیث، فمصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، سعيد، عن أبيه . ٥ - (ومنها): أن أبا سعيد هذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وقد عرفت جملة ما روى له المصنّف آنفاً . ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظبه أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنٍ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ (عَنْ أَبِيهِ) هو أبو سعيد المقبريّ، كيسان، وقد سمع سعيد المقبريّ الكثير من أبي هريرة تَظُه، وسمع من أبيه، عن أبي هريرة ظُه، ووقع الأمران في ((الصحيحين))، وهو دالّ على تثبت سعيد، وتحرّيه(١). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((مَا) نافية (مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) بيان مقدّم لـ((نبيّ))، فهو متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه كائناً من الأنبياء (مِنْ نَبِيِّ) ((من)) زائدة كما قال في ((الخلاصة)): وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـمَا لِبَاغِ مِنْ مَفَرْ) والمراد به النبيّ الذي أوحي إليه بتبليغِ الرسالة؛ لأنه الذي يدعو للإيمان، فقوله: ((نبيّ)) مبتدأ خبره جملة قوله: (إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ) بالبناء للمفعول (مِنَ الْآيَاتِ) أي: المعجزات الخوارق للعادات، وهو دالّ على أن النبي لا بدَّ له من معجزة، تقتضي إيمان مَن شاهدها بصدقه، ولا يضرّه مَن أَصَرّ على (١) ((الفتح)) ٨/ ٦٢١. ٢٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان المعاندة، فقوله: ((من الآيات)) إعرابه كإعراب ((من الأنبياء))، فهو بيان مقدّم لـ((ما)) من قوله: (مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ) ((ما)» موصولةٌ وقَعت مفعولاً ثانياً لـ((أُعطِي))، والأول هو النائب عن الفاعل، وهو ضمير ((نبيّ))، و((مثلُهُ)) مبتدأ، و(آمن)) خبره، و((المثلُ)) يُظْلَق ويراد به عين الشيء، وما يساويه، والمعنى: أنّ كلَّ نبي أُعطِي آيَةً أو أكثرَ، مِن شأن مَن يشاهدها من البشر أن يؤمن به؛ لأجلها، و((عليه)) بمعنى اللام، أو الباءِ الموحدة، والنكتةُ بها تضمّنها معنى الغلبة؛ أي: يُؤمن بذلك مغلوباً عليه، بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه، لكن قد يَجْحَدُ فيعاند، كما قال الله تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّمْ﴾ الآية [النمل: ١٤]. وقال الطيبيّ كَّلُهُ: الراجعُ إلى الموصول ضمير المجرور في ((عليه))، وهو حال، أي: مغلوباً عليه في التحدِّي، والمراد بالآيات المعجزات، وموقع المثل مَوْقِعُهُ من قوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] أي: على صفته، من البيان، وعلوّ الطبقة في البلاغة. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ في ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)) من ((صحيحه) قوله: ((ما مثلُهُ أُومن، أو آمن عليه البشر))، فقال في ((الفتح)): ((أو)) شكّ من الراوي، فالأولى بضمّ الهمزة، وسكون الواو، وكسر الميم من الأمن، والثانية بالمدّ، وفتح الميم، من الإيمان، وحَكَى ابن قرقول أن في رواية القابسيّ: ((أَمِن)) بفتح الهمزة، وكسر الميم بغير مدّ، من الأمان، وصوّبها ابنُ التين، فلم يُصِب. انتهى(١). (وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ) بحذف العائد، ومثله كثير في الاستعمال، كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾﴾ [المدثر: ١١]، وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَكَـ اُللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، وإلى هذا أشار ابن مالك تَخْتُ في ((الخلاصة)) حيث قال : وَالحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَـامَنْ نَرْجُو يَهَبْ)) فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ (١) ((الفتح)) ٢٦٢/١٣ ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)) رقم (٧٢٧٤).