النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٧٢) - بَابُ تَألْفٍ قَلْبٍ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٨٦)
:
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور قبل باب.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن
عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦] (ت١٥٢) أو بعدها
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٢/٦٣.
والباقون تقدّموا قبله، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف تَّثُ، فهو أنزل من السند
السابق.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ،
ويعقوب، فمدنيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بأربعة كلهم زهريون، فابن أخي الزهريّ، فمن
فوقه كلهم زهريون، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رَوَى هذا الحديثَ ابنُ وهب، ورِشْدِين بنُ سعد جميعاً، عن
يونس، عن الزهري بسند آخر، قال: ((عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف،
عن أبيه))، أخرجه ابن أبي حاتم، ونقل عن أبيه أنه خطأ من راويه، وهو
الوليد بن مسلم عنهما، أفاده في ((الفتح)) أيضاً، يعني: أن الصواب: ((عن
الزهريّ، عن عامر بن سعد، عن أبيه))، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص ◌َّهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ أَعْطَى رَهْطاً)
((الرَّهْطُ)): عدد من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، قال القزاز: وربما جاوزوا

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ذلك قليلاً، ولا واحد له من لفظه، ورهط الرجل بنو أبيه الأدنى، وقيل:
قبيلته، وللإسماعيلي من طريق ابن أبي ذئب: ((أنه جاءه رهطٌ، فسألوه،
فأعطاهم، فَتَرَك رجلاً منهم)) .
وانتصاب ((رَهطاً)) على أنه مفعول أول لـ((أعطى))، ومفعوله الثاني
محذوف؛ لأن باب ((أعطى)) يجوز فيه حذف المفعولين، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ
أَعْطَى وَأَنََّى ﴾﴾ [الليل: ٥]، وحذف الأول كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ
يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، أي حتى يُعطوكم الجزية، وحذف الثاني كقوله
[الضحى: ٥]، أي يعطيك ما
تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ
يُرضیك.
وقال العينيّ كَّلُ: فيه حذف المفعول الثاني من باب أعطيت في
الموضعين: الأول في قوله: ((أعطى رهطاً))، والثاني في قوله: ((إني لأعطي
الرجل))؛ تنبيهاً على التعميم بأيّ شيء كان، أو جعل المتعدّي إلى اثنين
كالمتعدّي إلى واحد، والمعنى إيجاد هذه الحقيقة؛ يعني: إيجاد الإعطاء،
والفائدة فيهما قصد المبالغة. انتهى(١).
(وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ) جملة في محلّ نصب على الحال، وفيه تجريدٌ؛ لأن
الظاهر أن يقول: وأنا جالسً، قاله في ((الفتح)).
وقال العينيّ: فيه وجهان:
الأول: أن يكون فيه التفاتٌ على قول صاحب ((المفتاح))(٢) من التكلّم
الذي هو مقتضى المقام إلى الغيبة، وأما على قول غيره، فليس فيه التفاتٌ؛
لأنهم يشترطون أن يكون الالتفات من التكلّم والخطاب والغيبة محقّقاً،
وصاحب ((المفتاح)) لم يشترط ذلك، بل قال: الالتفات أعمّ من أن يكون
محقّقاً أو مقدَّراً.
(١) ((عمدة القاري)) ٣٠٩/١.
(٢) هو يوسف بن أبي بكر بن محمد بن عليّ السّاكيّ الخُوارزميّ الحنفيّ، أبو يعقوب
سراج الدين، وُلد سنة (٥٥٥هـ)، وتوفّي سنة (٦٢٦هـ) مولده ووفاته بخوارزم.
راجع: ((هديّة العارفين)) ٦/ ٥٥٣، ((معجم الأعلام)) ص ٩٦٢.

١٨٣
(٧٢) - بَابُ تَأَلُّفِ قَلْبٍ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٨٦)
والوجه الثاني: أن يكون من باب التجريد، وهو أن يُجرِّد من نفسه
شخصاً، ويُخبِر عنه، وذلك أن القياس في قوله: ((وسعد جالسٌ)) أن يقول:
وأنا جالسٌ، ولكنه جرّد من نفسه ذلك، وأخبر عنه بقوله: ((وسعد جالسٌ))،
وهو من مُحسِّنات الكلام، من الضروب المعنويّة الراجعة إلى وظيفة البلاغة.
(١)
انتھی
رَُّّهِ (فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ وَِّ مِنْهُمْ) أي:
(قَالَ سَعْدٌ) أي: ابن أبي وقّاص
أولئك الرهط (مَنْ لَمْ يُعْطِهِ) ((من)) اسم موصول مفعول ((ترك)) (وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ
إِلَيَّ) فيه التفاتٌ، إذ الظاهر أن يقول: إليه؛ لقوله: ((وسعدٌ جالسٌ))، ولم يقل:
وأنا جالسٌ، وهو التفاتٌ من الغيبة إلى التكلّم.
وفي رواية صالح بن كيسان الآتية بعده: ((أعطى رسول الله وَليل رهطاً،
وأنا جالسٌ فيهم))، فساقه بلا تجريد، ولا التفات، وزاد فيه: ((فقمت إلى
رسول الله وَل﴾، فساررته ... ))، وهذه الزيادة عند البخاريّ أيضاً في ((كتاب
الزكاة)»، وغَفَلَ بعضهم، فعزاها إلى مسلم فقط، والرجل المتروك اسمه
جُعَيل بن سُرَاقة الضَّمْريّ، سمَّاه الواقديّ في ((المغازي))، قاله في ((الفتح))(٢).
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أَيْ: أَيُّ سبب لعُدُولك عنه إلى
غيره؟، قال العينيّ رَّتُهُ: كلمة ((ما)) للاستفهام، واللام تتعلّق بمحذوف،
وكذلك كلمة ((عن))، وهو ((حَصَلَ)) في اللام، و((أعرضتَ))، ونحوه في ((عن)).
(٣)
انتهى .
ولفظ ((فلان)) كناية عن اسم أُبْهِم بعد أن ذُكِرَ (فَوَ اللهِ) فيه القسم في
الإخبار على سبيل التأكيد (إِنِّي لَأُرَاهُ مُؤْمِناً) قال القرطبيّ كَذَتُهُ: الرواية بضمّ
همزة ((أُراه))، بمعنى أظنّه.
وهو مِن حلف سعد على ما ظنّه، فكانت هذه اليمين لاغيةً، ولذلك لم
يُنكرها النبيّ وَّه، ولا أمره بكفّارة عنها، فكان فيه دليلٌ على جواز الحَلِف
(١) ((عمدة القاري)) ٣٠٩/١.
(٢) ((الفتح)) ١/ ١٠٠ ((كتاب الإيمان)) رقم (٢٧).
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٠٧/١.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
على الظنّ، وأنها هي اللاغية، وهو قول مالك، والجمهور. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)) قوله: ((لأراه)) وَقَعَ في روايتنا من طريق أبي ذرّ وغيره
بضم الهمزة هنا، وفي ((الزكاة))، وكذا هو في رواية الإسماعيلي وغيره(٢).
وقال النوويّ دَّثُ: هو بفتح الهمزة، أي: لأعلمه، ولا يجوز ضمها،
فيصيرَ بمعنى أظنه؛ لأنه قال بعد ذلك: ((غَلَبِني ما أعلم منه))، ولأنه راجع
النبيّ وَّ﴿ ثلاث مرّات، ولو لم يكن جازماً باعتقاده لَمَا كرّر المراجعة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قول النووي هذا نظر لا يخفى، أما
استدلاله على تعيّن الفتح بقوله: ((لأعلمه))، فالجواب عنه أنه لا دلالة فيه عليه؛
لجواز إطلاق العلم على الظن الغالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾
[الممتحنة: ١٠].
سَلَّمنا، لكن لا يلزم من إطلاق العلم أن لا تكون مقدماته ظنيةً، فيكون
نظريّاً، لا يقينيّاً، وهو الممكن هنا.
وأما استدلاله عليه بتكرار مراجعته، فلا مانع أيضاً من أن يكرّر ذلك؛
بناءً على ما غلب على ظنّه (٣).
والحاصل أن ضمّ الهمزة هنا متعيّنٌ؛ لثبوت الرواية به، كما نصّ عليه
القرطبيّ في كلامه السابق، وسبق في كلام الحافظ بالنسبة للبخاريّ أيضاً، وأما
الفتح، فإن ثبتت الروايةُ به، فوجهه واضح، وإلا فما صحّت به الرواية هو
المتّبَعُ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَوْ مُسْلِماً))) ((أَوْ)) هنا للإضراب، بمعنى (بل))، قال
القرطبيّ ◌َّتُهُ: الرواية بسكون الواو، وقد غَلِطَ مَن فَتَحها، وأحال المعنى؛
لأن النبيّ وَ﴿ لم يُرِد استفهامه، وإنما أشار له إلى القسم الآخر المختصّ
بالظاهر الذي يُمكن أن يُدرَكَ، فجاء بـ((أو)) التي للتقسيم والتنويع. انتهى(٤).
(١) ((المفهم)) ١/ ٣٦٧.
(٢) ((الفتح)) ١/ ١٠٠ - ١٠١.
(٣) هكذا تعقّب الحافظ على النوويّ ببعض ما ذكرته، وللعينيّ كعادته اعتراضٌ عليه،
لا جدوى فيه لمن تأمله، فعليك بالإنصاف، ودع اللجاج والاعتساف.
(٤) ((المفهم)) ٣٦٦/١.

١٨٥
(٧٢) - بَابُ تَأَلُّفٍ قَلْبٍ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٨٦)
وقال النوويّ تَخّْتُهُ: وأما قوله وَلِّ: ((أو مسلماً))، فليس فيه إنكارُ كونه
مؤمناً، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان، وأن لفظة الإسلام أولى به، فإن
الإسلام معلومٌ بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن، لا يعلمه إلا الله تعالى،
وقد زَعَم صاحب ((التحرير)) أن في هذا الحديث إشارةً إلى أن الرجل لم يكن
مؤمناً، وليس كما زَعَمَ، بل فيه إشارة إلى إيمانه، فإن النبيّ وَّ قال في جوابه
سعد: ((إني لأُعطي الرجلَ، وغيره أحبُّ إليّ منه))، ومعناه: أُعطي مَن أخاف
عليه؛ لضعف إيمانه أن يَكْفُر، وأَدَعُ غيره، ممن هو أَحَبُّ إليّ منه؛ لما أعلمه
من طمأنينة قلبه، وصلابة إيمانه. انتهى كلام النوويّ تَخْذُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فقال: أَوْ مسلماً)) هو بإسكان الواو، لا
بفتحها، فقيل: هي للتنويع، وقال بعضهم: هي للتشريك، وأنه أمره أن يقولهما
معاً؛ لأنه أحوط، ويَرُدُّ هذا رواية النسائيّ في ((المجتبى))(٢)، وابنِ الأعرابيّ في
((معجمه)) في هذا الحديث: ((فقال: لا تقل: مؤمنٌ، وقل: مسلمٌ))، وفي لفظ:
(بل قل: مسلم))، فوضح أنها للإضراب، وليس معناه الإنكار، بل المعنى أن
إطلاق المسلم على من لم يُخْتَبَر حالُه الخِبْرَةَ الباطنةَ أولى من إطلاق المؤمن؛
لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، قاله الشيخ محيي الدين مُلَخَّصاً.
وتعقّبه الكرمانيّ بأنه يلزم منه أن لا يكون الحديث دالّاً على ما عُقِدَ له
الباب(٣)، ولا يكون لردّ الرسول ◌َّل على سعد فائدةٌ.
قال الحافظ: وهو تعقُّبٌ مردودٌ، وقد بَيّنّا وجه المطابقة بين الحديث
و(٤)
والترجمة قبلُ (٤) .
(١) ((شرح النوويّ)) ١٨١/٢ - ١٨٢.
(٢) أخرجه النسائيّ في ((المجتبى)) برقم (٤٩٩٥).
(٣) يعني الباب الذي عقده الإمام البخاريّ ◌َّتُ بقوله: ((باب إذا لم يكن الإسلام على
الحقيقة ... )) إلخ.
(٤) والجواب ما قاله: ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرةٌ من حيث إن المسلم يُطلق على
من أظهر الإسلام، وإن لم يُعلم باطنه، فلا يكون مؤمناً؛ لأنه ممن لم يصدُق عليه
الحقيقة الشرعيّة، وأما اللغويّة فحاصلة. انتهى. (الفتح)) ١٠٠/١.
وللعينيّ مناقشة لهذه المناسبة على عادته المستمرّة في ردّ توجيه الحافظ؛ تكديراً، لا تحريراً، فتنبّه.

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال: ومُحَصَّل القصة أن النبيّ ◌َّه كان يُوسع العطاء لمن أظهر الإسلام؛
تَأْلُّفاً، فلما أعطى الرهط، وهم من المؤلفة، وتَرَكَ جُعَيلاً، وهو من
المهاجرين، مع أن الجميع سألوه، خاطبه سعد في أمره؛ لأنه كان يَرَى أن
جُعيلاً أحقُّ منهم؛ لِمَا اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر من مَرَّة،
فأرشده النبيّ وَّل إلى أمرين:
[أحدهما]: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك، وحِرْمان جُعيل، مع كونه أحبَّ
إليه ممن أَعْطَى؛ لأنه لو تَرَك إعطاء المؤلّف لم يُؤمَن ارتداده، فيكون من أهل النار.
[ثانيهما]: إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن، دون الثناء بالأمر
الظاهر، فوَضَحَ بهذا فائدةُ رَدِّ الرسولِ وَّ على سعد، وأنه لا يَستَلزم محضَ
الإنكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشُورة بالأَوْلى، والآخر على
طريق الاعتذار.
[فإن قيل]: كيف لم تُقْبَل شهادة سعد لجعيل بالإيمان، ولو شهد له
بالعدالة لقُبِل منه، وهي تستلزم الإيمان؟
[فالجواب]: أن كلام سعد لم يَخْرُج مخرجَ الشهادة، وإنما خَرَج مَخْرَج
المدح له، والتوسل في الطلب لأجله، فلهذا نوقش في لفظه، حتى ولو كان
بلفظ الشهادة، لَمَا استلزمت المشورةُ عليه بالأمر الأَوْلَى رَدَّ شهادته، بل السياق
يُرْشِد إلى أنه قَبِلَ قولَه فیه، بدليل أنه اعتذر إلیه.
قال: ورَوَينا في ((مسند محمد بن هارون الرُّويانيّ)) وغيره بإسناد صحيح
إلى أبي سالم الجَيْشانيّ، عن أبي ذرّ ◌َُّه أن رسول الله وَّ قال له: ((كيف
تَرَى جُعَيلاً؟))، قال: قلت: كشكله من الناس؛ يعني: المهاجرين، قال:
((فكيف تَرَى فلاناً؟))، قال: قلت: سيّدٌ من سادات الناس، قال: ((فجُعيل خيرٌ
من ملء الأرض من فلان))، قال: قلت: ففلان هكذا، وأنت تصنع به ما
تصنع؟ قال: ((إنه رأس قومه، فأنا أتأَلَّفُهم به))، فهذه منزلةُ جُعيل المذكور عند
النبيّ وَّ كما تَرَى، فَظَهَرت بهذا الحكمةُ في حِرْمانه، وإعطاء غيره، وأن ذلك
لمصلحة التأليف، كما قررناه. انتهى كلام الحافظ تَظّتُهُ(١).
(١) ((الفتح)) ١٠١/١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٢٧).

١٨٧
(٧٢) - بَابُ تَأَلُّفٍ قَلْبٍ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٨٦)
(قَالَ) سعد نظّه (فَسَكَتُّ قَلِيلاً) نُصب على أنه صفة لمصدر محذوف:
أي سُكوتاً قليلاً (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ) ((ما)) موصولة في محلّ رفع على
الفاعليّة بـ((غلبني)) (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أيْ: أيُّ شيء ثبت
لك معرضاً عن إعطاء فلان؛ أي: وهو جُعيل المذكور (فَوَ اللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِناً،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَوْ مُسْلِماً))، قَالَ) سعد ◌َهُ (فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا
عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟، فَوَ اللهِ، إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِناً،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَوْ مُسْلِماً، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ) فيه حذف المفعول الثاني؛
للتعميم، أَيْ: أَيَّ عَطاء كان (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) جملة اسميّة في محلّ نصب
على الحال من الفاعل، أو المفعول، وفي رواية للبخاريّ: ((وغيرُه أعجب
إليّ))، وذكر في ((الفتح))، أن رواية أكثر الرواة بلفظ ((أحبّ))، قال: ووقع عند
الإسماعيلي بعد قوله: ((أحبّ إليّ منه)): ((وما أُعطيه إلا مخافةَ أن يكبه الله ...
إلخ))، ولأبي داود من طريق معمر: ((إني أعطي رجالاً، وأَدَعُ مَن هو أحب إليّ
منهم، لا أُعطيه شيئاً؛ مخافةً أن يُكَبُّوا في النار على وجوههم)).
(خَشْيَةَ) منصوب على أنه مفعول لأجله لـ «أُعطي))؛ أي: لأجل خشية أن
يكبّه الله في النار، فـ((خشيةَ)) مضاف إلى (أَنْ يُكَبَّ) و((أن)) مصدريّة، و((يُكبّ))
بالبناء للمفعول (فِي الثَّارِ) متعلّق بـ«يُكبّ))، وكذا قوله: (عَلَى وَجْهِهِ))) قال
العينيّ كَّتُهُ: ((خشية)) مضاف إلى ما بعده، ((وأن)) مصدريّة، والتقدير لأجل
خشية كبّ الله إياه في النار.
قال: وفيه من باب الكناية، وهو في قوله: ((خشية أن يكبّه الله))؛ لأن
الكبّ في النار لازم الكفر، فأطلق اللازم، وأراد الملزوم، وهو كناية، وليس
بمجاز .
[فإن قلت]: الكبّ قد يكون للمعصية، فلا يستلزم الكفر.
[قلت]: المراد من الكبّ كبُّ مخصوص، لا يكون إلا للكافر، وإلا فلا
تصحّ الكناية .
وإنما قلنا: إن المراد كبُّ مخصوص؛ لأن معنى قوله: ((خشية أن يكبّه الله
في النار)) مخافةً من كفره الذي يؤدّيه إلى كبّ الله إياه في النار، والضمير في
((يَكُبّه)) للرجل في قوله: ((إني لأعطي الرجل))، أي: أتألّف قلبه بالإعطاء؛

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مخافةً من كفره إذا لم يُعطَ، والتقدير: أنا أُعطي مَن في إيمانه ضعفٌ؛ لأني
أخشى عليه لو لم أعطِه أن يَعرِض له اعتقادٌ يَكفُرُ به، فيَكُبّه الله تعالى في
النار، كأنه أشار إلى المؤلّفة، أو إلى مَن إذا مُنِعِ نَسَبَ الرسول وَلَّ إلى البخل،
وأما مَن قَوِيَ إيمانه فهو أحبّ إليّ، فَأَكِلُه إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رُجوعاً
عن دينه، ولا سوء اعتقاده، ولا ضرر له فيما يحصُل له من الدنيا. انتهى(١).
[تنبيهان]:
(الأول): قال في ((الفتح)): قوله: ((أن يكبه الله)) هو بفتح أوله، وضمّ
الكاف، يقال: أكب الرجل: إذا أَظْرَق، وكبه غيره: إذا قَلَبه، وهذا على
خلاف القياس؛ لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة، وهذا زيدت عليه الهمزة
فقَصُرَ، وقد ذكر البخاريّ هذا في ((كتاب الزكاة))، فقال: يقال: أكب الرجلُ
إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل، قلت: كَبّه، وكببته،
وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة، منها: أنسل رِيش الطائر، ونسلته،
وأنزفتِ البئرُ ونزفتها، وحَكَى ابن الأعرابي في المتعدي كَبّه، وأكبّه معاً.
(٢)
انتھی
وقال الفيّوميّ نَّتُهُ: وقد جاء قسم تَعَدَّی ثلاثیه، وقَصُر رباعیه، عكسَ
المتعارَف، نحو أجفل الطائرُ، وجفلته، وأقشع الغيمُ، وقَشَعتهُ الريحُ، وأنسل
ريشُ الطائر؛ أي: سقط، ونَسَلته، وأَمْرَت الناقةُ: دَرَّ لبنها، ومريتها، وأظأرتِ
الناقةُ: إذا عَطَفَت على بَوِّها(٣)، وظأرتها ظَأُراً: عَطْفْتُها، وأعرض الشيءُ: إذا
ظهر، وعَرَضته: أظهرته، وأنقع العطشُ: سَكَن، ونقعه الماء: سگَّنه، وأخاض
النهرُ، وخضته، وأحجم زيد عن الأمر: وَقَفَ عنه، وحَجَمْتُهُ، وأكب على
وجهه، وكببته، وأصرم النخلُ والزرعُ، وصرمته؛ أي: قطعته، وأمخض اللبنُ،
ومخضته، وأثلثوا: إذا صاروا بأنفسهم ثلاثةً، وثَلَتْتُهُم: صِرْتُ ثالثهم، وكذلك
إلى العشرة، وأبشر الرجلُ بمولود: سُرَّ به، وبَشَرته، واسم الفاعل من الثلاثيّ
(١) ((عمدة القاري)) ٣٠٩/١ - ٣١٠.
(٢) ((الفتح)) ١٠٢/١.
(٣) قال في ((القاموس)) ص ١١٣٨: ((الْبَؤُ)): ولد الناقة، وجِلْد الحُوَار يُحْشَى ثُمَاماً، أو
تِبْناً، فيُقَرَّبُ من أمّ الفَصِيل، فتَعِطِفُ عليه، فتُدرّ، والرماد، والأحمقُ. انتهى.

١٨٩
(٧٢) - بَابُ تَأَلُّفٍ قَلْبٍ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٨٦)
والرباعيّ على قياس البابين، وريش منسول، من الثلاثي، ومُنسِلٌ اسم فاعل
من الرباعيّ؛ أي: مُنقَلِعٌ.
وأفهم كلام بعضهم أن ذلك على معنيين، فقولهم: أنسل الريشُ،
وأخاض النهرُ ونحوه، معناه: حان له أن يكون كذلك، فلا يكون مثل: قام
زيدٌ، وأقمته، وقد نَصُّوا في مواضع على معنى ذلك. انتهى كلام
الفيّوميّ ◌َظَّهُ(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذه القاعدة المخالفة للقياس،
فقلت :
أَخَاضَ أَعْرَضَ أَمْرَتْ أَنْفَعَا
اعْلَمْ بِأَنَّ أَظْأَرَتْ وَأَقْشَعَا
وَأَمْخَضَتْ وَأَحْجَمَتْ وَأَجْفَلَا
وَأَبْشَرَتْ وَأَصْرَمَتْ وَأَنْسَلَا
عَشَرَةٍ كَذَا أَكَبَّ نُقِلَا
وَأَثْلَثُوا صَارُوا ثَلَاثَةَ إِلَى
أَتَى عَنِ العُرْبِ طَرِيقاً مُحْكَمًا
فَهَذِهِ قَدْ خَالَفَتْ قِيَاسَ مَا
أَمَّا التَّعَدِّي لِلرُّبَاعِيِّ عُلِمْ
إِذِ الثُّلَاثِيُّ لَدَيْهِمُ لَزِمْ
قَرَبْتُ كَيْ تَحْفَظَهَا يَا صَاحٍ
وَهَكَذَا صَرَّحَ فِي ((المِصْبَاحِ))
(التنبيه الثاني): أنه روى هذا الحديث أحمد، والحميديّ، وغيرهما عن
عبد الرزّاق، عن معمر، وفيه من الزيادة: قال الزهري: ((فَنَرَى أن الإسلام
الكلمة، والإيمان العمل)).
وقد استُشكل هذا بالنظر، إلى حديث سؤال جبريل، فإن ظاهره يخالفه،
ويمكن أن يكون مراد الزهري أن المرء يُحكم بإسلامه، ويُسَمّى مسلماً، إذا
تلفظ بالكلمة؛ أي: كلمة الشهادة، وأنه لا يسمى مؤمناً إلا بالعمل، والعمل
يشمل عمل القلب والجوارح، وعمل الجوارح يدل على صدقه، وأما الإسلام
المذكور في حديث جبريل ظلّله، فهو الشرعي الكامل، المراد بقوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَبْتَعْ غَيْرَ اَلْإِسْلَِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ذكره في
((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٨٧.
(٢) ((الفتح)) ١٠٣/١.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص رَُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٨٥/٧٢ و٣٨٦ و٣٨٧ و ٣٨٨]
(١٥٠) وكرّره في ((الزكاة))، و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٢٧) و(الزكاة))
(١٤٧٨)، و(أبو داود) في ((السنّة)) (٤٦٨٣)، و(النسائيّ) في ((الإيمان)) (١٠٣/٨
- ١٠٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(٦٧ و٦٨ و٦٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١/١١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (١٦٧/١ - ١٨٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦٣)، و(ابن منده)
في ((الإيمان)) (١٦١ و١٦٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٧٦ و٣٧٧ و٣٧٨
و٣٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة تألّف قلوب من يُخاف على إيمانه؛ لضعفه.
٢ - (ومنها): النهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع.
٣ - (ومنها): بيان الفرق بين الإسلام والإيمان، وقد تقدم تحقيق ذلك
في المسائل المذكورة في أوائل ((كتاب الإيمان)).
٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً لمذهب أهل الحقّ في قولهم: إن الإقرار
باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب، خلافاً للكرَّامِيَّة، وغلاة
المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا خطأٌ ظاهرٌ يردّه إجماع المسلمين،
والنصوص في إكفار المنافقين.
٥ - (ومنها): مشروعيّة الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما يعتقد الشافع
جوازه.
٦ - (ومنها): مراجعة المشفوع إليه في الأمر، إذا لم يؤدِّ إلى مفسدة.
٧ - (ومنها): تنبيه المفضول الفاضلَ على ما يراه مصلحةً، ويظنُّ أنه ذَهِلَ
عنه .
٨ - (ومنها): أن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان، كما يأتي في

١٩١
(٧٢) - بَابُ تَأَلُّفِ قَلْبٍ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٨٦)
الرواية التالية: ((فقمت إلى رسول الله ﴿ ﴿، فساررته))، وقد يتعين إذا جَرّ
الإعلان إلى مفسدة.
٩ - (ومنها): أن الفاضل لا يَقبَل ما يشار عليه به مطلقاً، بل يتأمله، فإن
لم تظهر مصلحته لم يعمل به .
١٠ - (ومنها): أن من أشير عليه بما يعتقده المشير مصلحةً لا يُنكَر عليه،
بل يُبَيّن له وجه الصواب.
١١ - (ومنها): الاعتذار إلى الشافع، إذا كانت المصلحة في ترك إجابته،
وأن لا عيب على الشافع إذا رُدّت شفاعته لذلك.
١٢ - (ومنها): الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يُعلَم القطع فيه.
١٣ - (ومنها): أن الإمام يَصْرِف المال في مصالح المسلمين، الأهمِّ،
فالأهمِّ، وإن خفي وجه ذلك على بعض الرعيّة.
١٤ - (ومنها): أنه لا يُقطَع لأحد بالجنة على التعيين إلا مَن ثَبَتَ فيه
نصٌّ، كالعشرة وأشباههم، وهذا مجمعٌ عليه عند أهل السنة، هكذا قال
النوويّ رَّتُهُ .
وتعقّبه الحافظ، ودونك نصّه: وفيه ترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم
يُنَصّ عليه، وأما منع القطع بالجنة فلا يؤخذ من هذا صريحاً، وإن تَعَرَّض له
بعض الشارحین، نعم هو كذلك فيمن لم يثبت فيه النصّ. انتهى.
١٥ - (ومنها): أن البخاريّ تَّقُ استنبط منه استحباب ترك الإلحاح في
السؤال، ووجه ذلك أنه (وَ*ه ضرب بيده بين عُنُق سعد ◌َظُه وكتفه لَمّا ألحّ عليه
بالمراجعة، ثم قال له: ((أقتالاً أي سعدُ))، فدلّ على استحباب ترك الإلحاح في
السؤال.
١٦ - (ومنها): أن القرطبيّ استنبط منه جواز الحلف على غلبة الظن؛
لأن النبيّ وَ﴿ ما نهاه عن الحلف، قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظر لا يخفى؛
لأنه أقسم على وجدان الظنّ، وهو كذلك، ولم يُقْسِم على الأمر المظنون كما
ظُنَّ. انتھی.
١٧ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض تخلّتُهُ: هذا الحديث أصحّ دليل

١٩٢
ســ
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
على الفرق بين الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطنٌ، ومِن عمل القلب،
والإسلام ظاهرٌ، ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمنٌ إلا مسلماً، وقد
يكون مسلمٌ غير مؤمن، ولفظ هذا الحديث يدلّ عليه(١).
وقال الخطّابيّ تَظّتُهُ: هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإسلام
والإيمان، فيقال له: مسلم؛ أي: مستسلم، ولا يقال له: مؤمن، وهذا معنى
الحديث، قال الله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]؛
أي: استسلمنا، وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن، فيقال للمسلم: مؤمن،
وللمؤمن: مسلم (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق ذلك مستوفَى في المسائل
المذكورة في أول ((كتاب الإيمان))، فراجعه، تستفد.
١٨ - (ومنها): ما قاله القاضي عياضٌ أيضاً: فيه حجة لقول من يُجيز
إطلاق: ((أنا مؤمن)) دون استثناء، وردّ على من أَبَى ذلك، وهي مسألة اختُلف
فيها من زمان الصحابة ظه إلى هلُمّ جرّاً، وكلّ قول إذا حُقّق كان له وجهٌ،
وفي طرفٍ لا يُنافي القول الآخر، فمن لم يستثنِ أخبر عن حكم نفسه في
الحال، وأما المآل فإلى العالم به، ومن استثنى أشار إلى غيب ما سبق له في
اللوح المحفوظ، وإلى التوسعة في القولين ذهب من السلف الأوزاعيّ وغيره،
وهو قول أهل التحقيق؛ نظراً إلى ما قلناه، ورفعاً للخلاف. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم أيضاً تحقيق هذه المسألة مستوفَّى
في المسائل المذكورة في أول ((كتاب الإيمان))، فراجعه، تستفد، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٨٧] (.) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ
(١) ((إكمال المعلم)) ٥٨٨/١.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٥٨٩/١.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٢٤/١.

١٩٣
(٧٢) - بَابُ تَأَلُّفٍ قَلْبٍ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٨٧)
شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ سَعْدٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ وَهـ
رَهْطَأَ، وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ .. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، وَزَادَ:
((فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ ... ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكّة، أبو عليّ الخَلال، ثقةٌ
حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ المذكور قبل بابين.
٣ - (أَبُو يعقوب) هو: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ بن إبراهيم عبد الرحمن بن
عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
٤ - (صَالِح) بن كيسان المدنيّ، أبو محمد، أو أبو الحارث، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه [٤] (ت بعد ١٣٠، وقيل: ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤١/٩.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم
عن بعض: صالح، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، ورواية صالح عن الزهريّ
من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن صالحاً أكبر من الزهريّ.
قال الإمام البخاريّ كَّلُ في ((كتاب الزكاة)) من ((صحيحه)) بعد إخراجه
حديث الباب من طريق صالح، عن ابن شهاب، ما نصّه: قال أبو عبد الله:
صالح بن كيسان أكبر من الزهريّ، وقد أدرك ابن عمر. انتهى.
قال في ((الفتح)): يعني في السنّ، ومثلُ هذا جاء عن أحمد، وابن معين،
وقال عليّ ابن المديني: كان أسنّ من الزهريّ، فإن مولده - يعني: الزهريّ -
سنة خمسين، وقيل: بعدها، ومات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل: سنة
أربع، وأما صالح بن كيسان فمات سنة أربعين ومائة، وقيل: قبلها، وذكر
الحاكم في مقدار عمره سِنّاً تعقبوه عليه.
وقوله: (أدرك ابن عمر)) يعني: أدرك السماع منه، وأما الزهري فمختلَف

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
في لُقِيِّه له، والصحيح أنه لم يَلْقَه، وإنما يروي عن ابنه سالم عنه. انتهى(١).
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ) يعني: أن رواية
صالح بن كيسان عن ابن شهاب الزهريّ مثل رواية ابن أخي ابن شهاب، عن عمّه.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير صالح، أي: زاد صالح في روايته على رواية
ابن أخي ابن شهاب قوله: (فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَسَارَرْتُهُ) أي: كلّمته سرّاً.
[تنبيه]: رواية صالح التي أحالها المصنّف تَخْتُهُ هنا أخرجها الإمام
البخاريّ كَّثُ في ((كتاب الزكاة)) من ((صحيحه))، فقال:
(١٤٧٨) حدثنا محمد بن غُرَير الزهريّ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن
أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عامر بن سعد، عن
أبيه، قال: أعطى رسول الله ﴿ ﴿ رهطاً، وأنا جالس فيهم، قال: فترك
رسول الله وَلقر منهم رجلاً، لم يعطِه، وهو أعجبهم إليّ، فقمت إلى
رسول الله ( *، فساررته، فقلت: ما لك عن فلان؟، والله إني لأراه مؤمناً،
قال: ((أو مسلماً))، قال: فسكتّ قليلاً، ثم غلبني ما أعلم فيه، فقلت: يا
رسول الله، ما لك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمناً، قال: ((أو مسلماً))، قال:
فسكت قليلاً، ثم غلبني ما أعلم فيه، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟
والله إني لأراه مؤمناً، قال: ((أو مسلماً))، يعني فقال: ((إني لأعطي الرجل،
وغيره أحب إلي منه، خشيةَ أن يُكَبَّ في النار على وجهه))، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٨٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ هَذَا،
فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ وَهَ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: ((أَقِتَالاً،
أَيْ سَعْدُ؟ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ))).
(١) ((الفتح)) ٣٩٩/٣ - ٤٠٠ ((كتاب الزكاة)) رقم (١٤٧٨).

١٩٥
(٧٢) - بَابُ تَأَلُّفٍ قَلْبٍ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ؛ لِضَعْفِهِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٨٨)
رجال هذا الإسناد: سبعة، كلهم تقدّموا في السند الماضي، غير اثنين، هما:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد
المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤].
رَوَى عن أنس، وأبيه محمد، وعمَّيْهِ: عامر ومصعب، وحمزة بن
المغيرة، وحميد بن عبد الرحمن، وجماعة.
ورَوَى عنه الزهريّ، وهو من أقرانه، وابنه أبو بكر بن إسماعيل،
وصالح بن كيسان، وعبد الله بن جعفر المخزوميّ، وسليمان بن بلال، وابن
عيينة، وابن جريج، ومالك، وغيرهم.
ذكره معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين في تابعي أهل المدينة
ومحدثيهم، وقال ابن سعد: ثقةٌ، وله أحاديث، وقال ابن عيينة: كان إسماعيل بن
محمد من أرفع هؤلاء، وقال ابن المديني: من كبار رجال ابن عيينة، وهو قدیم
لم يلقَه شعبة، ولا الثوريّ، وقال ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال العجليّ، وأبو
حاتم، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال عمرو بن علي وغيره: مات سنة (١٣٤).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن
ماجه، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط: هذا برقم (١٥٠)، وأعاده في
(الزكاة))، وحديث (٢٧٤): ((قد أصبتم، يغبطهم أن صلوا ... ))، و(٥٨٢): ((يسلّم
عن يمينه، وعن يساره ... ))، و(٩٦٦): ((الحدوا لي لحداً ... ))، و(١٣٥٢):
((مكث المهاجر بمكة بعد ... ))، و(١٣٦٤): ((معاذ الله أن أردّ شيئاً ... )).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص القرشيّ الزهريّ، أبو القاسم
المدنيّ، نزيل الكوفة، كان يُلقّب: ظلّ الشيطان؛ لقصره، ثقةٌ [٣].
أرسل عن النبيّ وَّ، ورَوَى عن أبيه، وعثمان، وأبي الدرداء.
ورَوَى عنه ابناه: إسماعيل، وإبراهيم، وأبو إسحاق السبيعيّ، ويونس بن
جبير، ويوسف بن الحكم الثقفي، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن
الخطاب، وإسماعيل بن أبي خالد، وخالد بن أبي مالك، وأبو ظَبْيان،
خُصَين بن جندب، وغيرهم.
قال الزبير بن بكار: قتله الحجّاج، وقال العجليّ: تابعيٌّ ثقةٌ، وقال ابن

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، ليست بالكثيرة، وكان قد خَرَج مع ابن الأشعث،
وشَهِدَ دَيْرَ الجماجم، فأَتِي به الحجّاج فقتله، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، والترمذيّ،
والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط: هذا برقم
(١٥٠)، وأعاده في ((الزكاة))، و(١٠٨٦): ((الشهر هكذا، وهكذا ... ))، وأعاده
بعده، و(٢٢٥٨): ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً ... ))، و(٢٣٩٧): «ما لقيك
الشيطان قط سالكاً فجّاً ... )).
وقوله: (ثُمَّ قَالَ: ((أَقِتَالاً) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و((قتالاً)) بالتاء من
القتل، وهو مفعول مطلق لعامل محذوف، أي: أتقاتلني قتالاً .
وفي رواية البخاريّ: ((ثم قال: أَقْبِلْ أي سعد))، أمر من الإقبال، أو
القبول، قاله في ((الفتح)) (١).
[تنبيه]: قوله: ((أقتالاً)) بالتاء المثنّاة من فوقُ، هكذا النسخ، ووقع في
((الفتح)) ما نصّه: ووقع عند مسلم: ((إقبالاً أي سعد)) على أنه مصدر، أي:
أتقابلني إقبالاً بهذه المعارضة. انتهى، وهذا الذي قاله لم يقع في النسخ التي
بين أيدينا؛ إذ كلها بالتاء، لا بالموحّدة، والله أعلم.
وقوله: (أَيْ سَعْدُ) ((أي)) حرف نداء، أي يا سعد، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٧٣) - (بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أول الكتاب قال:
[٣٨٩] (١٥١) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ،
(١) ((الفتح)) ٤٠١/٣ ((كتاب الزكاة)) رقم (١٤٧٨).

١٩٧
(٧٣) - بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ - حديث رقم (٣٨٩)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّلِكْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَلِ إِذْ
قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْقَّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَظْمَيِنَ قَلِبِىّ﴾
[البقرة: ٢٦٠] قَالَ: وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًاً، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ
فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيّ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حَرْملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص
المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في
((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد
المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيه عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ،
ثقة ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ المذكور في الباب الماضي.
٥ - (أَبُو سَلَمَةً (١) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه
مكثرٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبٍ)(٢) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ
المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه فاضلٌ، من كبار [٣] (ت بعد ٩٠) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٧١.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رَّلهُ.
(١) اسمه عبد الله على المشهور، وقيل: اسمه إسماعيل، وقل: لا يعرف اسمه، قاله
النوويّ في ((شرحه)) ١٨٥/٢.
(٢) المسيِّب: والد سعيد بفتح الياء على المشهور الذي قاله الجمهور، ومنهم من
يكسرها، وهو قول أهل المدينة، وهو الأولى، كما قدّمناه في شرح المقدّمة.

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو،
والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس، وإن كان أيليّاً
إلا أنه نزل مصر، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء، فكلهم فقهاء أجلّاء.
٥ - (ومنها): أن فيه اثنين من الفقهاء السبعة، وهما: سعيد، وأبو سلمة.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظُله رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ) وفي رواية الطبريّ،
من طريق عمرو بن الحارث، عن يونس، عن الزهريّ، أخبرني أبو سلمة
وسعيد، كذا قال يونس بن يزيد، عن الزهريّ، ورواه مالك عن الزهري،
فقال: إن سعيد بن المسيِّب، وأبا عُبيدة أخبراه عن أبي هريرة، ومن هذا
الطريق أخرجه أيضاً عند البخاريّ، وتابع مالكاً أبو أويس، عن الزهريّ،
أخرجه أبو عوانة من طريقه، ورجح ذلك عند النسائيّ، فاقتصر عليه، وكأنّ
البخاريّ جَنَحَ إلى تصحيح الطريقين، فأخرجهما معاً، وهو نظر صحيح؛ لأن
الزهريّ صاحب حديث، وهو معروف بالرواية عن هؤلاء، فلعله سمعه منهم
جميعاً، ثم هو من الأحاديث التي حَدَّث بها مالك خارج ((الموطأ))، واشتهر أن
جويرية تفرّد به عنه، ولكن تابعه سعيد بن داود، عن مالك، أخرجه الدارقطنيّ
في ((غرائبه)) من طريقه، أفاده في ((الفتح))(١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((نَحْنُ) الضمير له وَّه
ولأمته (أَحَقُّ بِالشَّكْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَِّ﴿) قال في ((الفتح)): سقط لفظ ((الشك)) من
بعض الروايات، و((الشكّ)) في الأصل: هو التوقّف بين الأمرين من غير ترجيح
النفي أو الإثبات، أي: من غير مزيّة لأحد الأمرين على الآخر.
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٧٣/٦ - ٤٧٤ (كتاب أحاديث الأنبياء) رقم (٣٣٧٢).

١٩٩
(٧٣) - بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ - حديث رقم (٣٨٩)
[تنبيه]: اختَلَفَ العلماء في معنى ((نحن أحقّ بالشك من إبراهيم)) على أقوال
كثيرة، قال الحافظ أبو عوانة في ((مسنده)) بعد إخراجه، ما نصّه: سمعت أبا حاتم
الرازيّ يقول: يعني نحن أحقّ بالمسألة، وسمعتُ القاضي إسماعيل يقول: كان
يعلم بقلبه أن الله يحيي الموتى، ولكنه أحبّ أن يرى معاينة. انتهى(١).
وقال الحافظ ابن حبّان تَُّ في ((صحيحه)) بعد إخراج الحديث، ما
نصّه: قال أبو حاتم: قوله: ((نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم)) لم يُرد به إحياء
الموتى، إنما أراد به في استجابة الدعاء له، وذلك أن إبراهيم وهلر قال: ﴿رَبِّ
أَرِنِ كَيْفَ تُحْيِ اٌلْمَوْقَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ولم يتيقّن أنه يُستجاب له فيه، يريد في
دعائه، وسؤاله ربَّه عمّا سأل، فقال وَّ: ((نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم)) به في
الدعاء؛ لأنا إذا دعونا، ربّما يُستجاب لنا، وربّما لا يُستجاب، ومحصول هذا
الكلام أنه لفظةُ إخبار، مرادها التعليم للمخاطب له. انتهى(٢) .
وقال النوويّ تَخْتُ في ((شرحه)): اختلف العلماء في معنى ((نحن أحقّ
بالشكّ من إبراهيم)) على أقوال كثيرة، أحسنُها وأصحُها ما قاله الإمام أبو
إبراهيم المزنيّ، صاحب الشافعيّ، وجماعات من العلماء:
قال: معناه: إن الشك مستحيل في حق إبراهيم علا، فإن الشك في
إحياء الموتى، لو كان متطرقاً إلى الأنبياء، لكنت أنا أحقّ به من إبراهيم، وقد
علمتم أني لم أشكّ، فاعلموا أن إبراهيم؛ لم يشكّ.
وإنما خَصّ إبراهيم؛ لكون الآية قد يَسْبِقِ إلى بعض الأذهان الفاسدة منها
احتمال الشكّ.
وإنما رَجَّح إبراهيمَ على نفسه وَّه تواضعاً وأدباً، أو قبل أن يَعْلَم ◌َّ أنه
خير ولد آدم.
قال صاحب ((التحرير)): قال جماعة من العلماء: لَمّا نزل قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ
تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠] قالت طائفة: شَكَّ إبراهيم، ولم يَشُكَّ نبيّنا، فقال النبيّ ◌َّ:
((نحن أحقّ بالشك منه))، فذكر نحو ما قدمته، ثم قال: ويقع لي فيه معنيان:
(١) راجع: ((مسند أبي عوانة)) ٧٨/١ - ٧٩ رقم (٢٣٢).
(٢) راجع: ((الإحسان)) ٨٩/١٤ - ٩٠ رقم (٦٢٠٨).

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[أحدهما]: أنه خَرَج مخرج العادة في الخطاب، فإن مَن أراد المدافعة
عن إنسان، قال للمتكلم فيه: ما كنتَ قائلاً لفلان، أو فاعلاً معه من مكروه،
فقله لي، وافعله معي، ومقصوده: لا تقل ذلك فيه.
[والثاني]: أن معناه أن هذا الذي تظنونه شكّاً أنا أولى به، فإنه ليس
بشكّ، وإنما هو طلب لمزيد اليقين. وقيل غير هذا من الأقوال، فنقتصر على
هذه؛ لكونها أصحها وأوضحها، والله أعلم.
وقال في ((الفتح)): اختلفوا في معنى قوله وَله: ((نحن أحقّ بالشك))، فقال
بعضهم: معناه نحن أشدُّ اشتياقاً إلى رؤية ذلك من إبراهيم.
وقيل: معناه إذا لم نَشُكّ نحن، فإبراهيم أولى أن لا يشك، أي: لو كان
الشكّ متطرقاً إلى الأنبياء، لكنت أنا أحقّ به منهم، وقد علمتم أني لم أشُكّ،
فاعلموا أنه لم يشك، وإنما قال ذلك تواضعاً منه وَّه، أو مِنْ قَبْلِ أن يُعْلِمه الله
بأنه أفضل من إبراهيم، وهو كقوله وَّ في حديث أنس ◌َُّّه عند مسلم أن
رجلاً قال للنبيّ وَّه: يا خير البرية، قال: ((ذاك إبراهيم)). وقيل: إن سبب هذا
الحديث أن الآية لَمّا نَزَلت قال بعض الناس: شكّ إبراهيم، ولم يشك نبيّنا،
فبلغه ذلك، فقال: ((نحن أحقّ بالشك من إبراهيم))، وأراد ما جَرَت به العادة
في المخاطبة، لمن أراد أن يَدْفَع عن آخر شيئاً، قال: مهما أردت أن تقوله
لفلان، فقله لي، ومقصوده: لا تقل ذلك.
وقيل: أراد بقوله: ((نحن)) أمته الذين يجوز عليهم الشك، وإخراجه هو
منه بدلالة العصمة. وقيل: معناه: هذا الذي تَرَون أنه شكٌّ أنا أولى به؛ لأنه
ليس بشكّ، إنما هو طلب لمزيد البيان.
وحَكَى بعض علماء العربية أن أفعل ربما جاءت لنفي المعنى عن
الشيئين، نحو قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّع﴾ الآية [الدخان: ٣٧]، أي: لا
خير في الفريقين، ونحوُ قول القائل: الشيطان خير من فلان، أي: لا خير
فيهما، فعلى هذا، فمعنى قوله: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم)): لا شكّ عندنا
جميعاً .
وقال ابن عطية: ترجم الطبري في تفسيره، فقال: وقال آخرون: شكّ
إبراهيم في القدرة، وذكر أثر ابن عباس وعطاء، قال ابن عطية: ومَحْمِل قول