النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ - حديث رقم (٣٧٠)
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو
داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُلِّيّ، وهي محلة بالبصرة.
٤ - (ومنها): أن ((أبا الأشهب)) مشهور بهذه الكنية، ولا يوجد في الكتب
الستّة من يُكنى بها غيره.
٤ - (ومنها): أن أبا الأشهب، والصحابيّ هذا أول محلّ ذكرهما في
الكتاب، وقد عرفتَ ما لكلّ منهما عند المصنّف من الحديث آنفاً، والله تعالى
أعلم.
شرح الحدیث:
(عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ ◌َخْذُ أنه (قَالَ: عَادَ) أي: زار، يقال: عاد المريضَ
يعود، من باب قال، عِيَادةً: إذا زاره، فالرجل عائد، وجمعه عُوّاد بألف،
وعُوَّدٌ بدونها، والمرأةُ عائدة، وجمعها عُوَّدٌ بغير ألف(١)، كما قال في
(الخلاصة)) :
وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ
وَذَانِ فِي المُعَلِّ لَاماً نَدَرَا
وَمِثْلُهُ الفُعَالُ فِيمَا ذُكِّرًا
(عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ) هو: عبيد الله بن زياد بن عبيد المعروف بابن زياد بن
أبي سفيان، ويقال له: زياد بن أبيه، وابن سُميّة، أمير العراق بعد أبيه زياد،
وقال ابن معين: ويقال له: عبيد الله بن مرجانة، وهي أمه، وقال غيره: وكانت
مجوسيّة، وكنيته أبو حفص، وقد سكن دمشق بعد يزيد بن معاوية، وكانت له
دار عند الديماس تُعرف بدار ابن عجلان، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين،
فيما حكاه ابن عساكر، عن أبي العباس أحمد بن يونس الضبيّ، قال ابن
عساكر: وروى الحديث عن معاوية، وسعد بن أبي وقّاص، ومعقِل بن سنان،
وحدّث عنه الحسن البصريّ، وأبو المليح بن أسامة، وقال أبو نعيم الفضل بن
دُكين: ذكروا أن عبيد الله بن زياد حين قُتل الحسين كان عمره ثمانياً وعشرين
(١) ((القاموس المحيط)) ص٢٧٤، و((المصباح المنير)) ٤٣٦/٢.

٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
سنة، قال الحافظ ابن كثير: فعلى هذا يكون مولده سنة ثلاث وثلاثين، فالله
أعلم.
وكانت فيه جرأة، وإقدام على سفك الدماء، قَتَل خلقاً كثيراً صبراً، وكان
سفيهاً شديداً، وكان أميرَ البصرة في زمن معاوية، وولده يزيد، وقُتل سنة ست
وستين، وقيل: سنة سبع وستين، ويقال: في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي
قُتل فيه الحسين بن عليّ ◌ِ﴾ (١).
(مَعْقِلَ بْنَ يَسَارِ الْمُزنِيَّ) بالنصب على المفعوليّة لـ((عاد)) (فِي مَرَضِهِ الَّذِي
مَاتَ فِيهِ) وكانت وفاة معقل نظُه بالبصرة، فيما ذكره البخاريّ في ((الأوسط)) ما
بين الستين إلى السبعين، وذلك في خلافة يزيد بن معاوية، وتقدّم الخلاف في
وقت وفاته في ترجمته (قَالَ مَعْقِلٌ) رَبَه (إِنِّي مُحَدِّثُكَ) وفي الرواية الآتية:
((فقال له معقل: إني سأحدّثك)) (حَدِيثاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ
لِي حَيَاةً) أي: بقاء بعد هذا اليوم (مَا حَدَّثْتُكَ) أي: بهذا الحديث.
قال القاضي عياضٌ رَّتُهُ: إنما قال له معقل رَبُه هذا إما لأنه عَلِمَ قبل
ذلك أنه ممن لا ينفعه الوعظ، كما ظهر منه مع غيره، ثم خرج آخراً من كتمه
الحديث، ورأى تبليغه لأمر النبيّ ◌َلّ أصحابه بالتبليغ، أو لأنه خافه من ذكره
مدّة حياته؛ لِمَا يُهيج عليه ذكرُ هذا الحديث، ويُثبته في قلوب الناس من سوء
(٢)
حاله. انتھی
.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر القاضي الاحتمالين، والاحتمال
الثاني - كما قال النووي - هو الظاهر، والأول ضعيفٌ؛ لأن الأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر لا يسقط باحتمال عدم قبوله، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وزاد في رواية يونس، عن الحسن التالية: ((قال: ألَّا كنت حدثتني هذا
قبل اليوم؟ قال: لم أكن لأحدثك)).
قال في ((الفتح)): قيل: سبب عدم تحديثه قبله هو ما وصفه به الحسن
البصريّ من سفك الدماء، ووقع في رواية الإسماعيلي من الوجه الذي أخرجه
(١) راجع: ((البداية والنهاية)) لابن كثير ٣٩/٦ - ٤١، بزيادة يسيرة من ((الفتح)) ١٣٦/١٣.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١ / ٥٦١ - ٥٦٢.

٨٣
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ - حديث رقم (٣٧٠)
مسلم: ((لولا أني ميتٌ ما حدثتك))، فكأنه كان يَخْشَى بطشه، فلما نزل به
الموت أراد أن يَكُفّ بذلك بعض شره عن المسلمين، وإلى ذلك وقعت الإشارة
في الرواية الآتية من طريق أبي المليح: أن عبيد الله بن زياد عاد مَعْقِل بن
يسار، فقال له معقل: ((لولا أني في الموت ما حدثتك)).
وقد أخرج الطبراني في ((الكبير)) من وجه آخر عن الحسن، قال: لَمّا قَدِمَ
علينا عبيد الله بن زياد أميراً - أَمَّرَه علينا معاويةُ - غلاماً سفيهاً، يَسْفِك الدماء
سَفْكاً شديداً، وفينا عبد الله بن مغفل المزنيّ، فدَخَل عليه ذات يوم، فقال له:
انْتَهِ عما أراك تصنعُ، فقال له: وما أنت وذاك؟، قال: ثم خَرَجَ إلى المسجد،
فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟، فقال: إنه كان
عندي علمٌ، فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس، ثم قام، فما
لَبِثَ أن مَرِضَ مرضه الذي تُوُفِي فيه، فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فذكر نحو
حديث الباب، فيحتمل أن تكون القصة وقعت للصحابيين، قاله في ((الفتح))(١).
(إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((مَا) نافية (مِنْ) زائدة للتأكيد، كما قال
في ((الخلاصة)):
وَزِيدَ فِي نَفْي وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـ((مَا لِبَاغْ مِنْ مَفَرْ))
(عَبْدٍ) مبتدأُ خبره قوله: ((إلا حرّم الله ... إلخ)) (يَسْتَّرْعِيهِ اللهُ) أي:
يستحفظه، ويجعله راعياً لهم، قيل: السين والتاء للصيرورة، أي: صيّره الله
راعياً لهم، والجملة صفة لـ((عبد))، ووقع في بعض نسخ البخاريّ: ((استرعاه الله))
(رَعِيَّةً) بفتح، فكسر: فَعِلية بمعنى مفعولة، أي: مَرْعيّةً محفوظة، قال ابن
الأثير: الرَّعِيّةُ: كلُّ من شَمِله حفظ الراعي ونظره(٢).
قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((ما من عبد ... إلخ)) هو لفظ عامّ في كلّ من
كُلّف حفظَ غيره، كما قال ◌َّر: ((كلَّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيته، فالإمام
راع، ومسؤول عن رعيّته ... ))(٣)، وهكذا الرجل على أهل بيته، والولد،
والعبد، والرعاية: الحفظ والصيانة، والغشّ: ضدّ النصيحة، وحاصله راجع
(١) ((الفتح)) ١٣٧/١٣ ((كتاب الأحكام)) رقم (٧١٥٠ و٧١٥١).
(٢) ((النهاية)) ٢٣٦/٢.
(٣) متّفقٌ عليه.

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
إلى الزجر عن أن يضيّع ما أُمر بحفظه، وأن يقصّر في ذلك، مع التمكّن من
فعل ما يتعيّن عليه. انتهى(١).
وقوله: (يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ) جملة في محلّ رفع صفة ثانية لـ((عبد)) (وَهُوَ
غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ) أي: غير ناصح لهم، والجملة في محلّ نصب على الحال،
والغاشّ: اسم فاعل من الغَشّ، يقال: غَشّه غَشّاً، من باب نصر، والاسم
الغِشّ بالكسر: إذا لم ينصحه، وزَيَّنَ له غير المصلحة، ولَبَنٌ مغشوشٌ؛ أي:
مخلوط بالماء(٢).
(إِلَّا) أداة استثناء مُلْغاة، وجملة: (حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))) خبر في محل
رفع خبر لـ«عبد)).
وفي رواية أبي المَليح الآتية: ((ما من أميرٍ يلي أمر المسلمين، ثم لا
يجهد لهم، ويَنْصح إلا لم يدخل معهم الجنّة))، وفي رواية البخاريّ من طريق
أبي نعيم، عن أبي الأشهب: ((ما من عبد يسترعيه الله رَعِيّةً، فلم يَحطُها
بنصحه، لم يجد رائحة الجنّة)).
وزاد في رواية الطبراني من حديث عبد الله بن مغفل فظته: ((وعَرْفُها
يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عاماً)).
وقوله: ((فلم يَحُظْها)) - بفتح أوله، وضمّ الحاء، وسكون الطاء
المهملتين ـ: أي يَكْلَؤُهَا، أو يَصُنْها، والاسم: الحِيَاطة، يقال: حاطه: إذا
استولى عليه، وأحاط به مثله.
وقال الطيبيّ تَخْتُ: الفاء في قوله: ((فلم يَحُظْها))، وفي قوله:
((فيموت))(٣)، مثل اللام في قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ: مَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ
عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية [القصص: ٨]، وقوله: ((وهو غاشّ)) حالٌ(٤) قيدٌ للفعل،
ومقصودٌ بالذكر؛ لأن المعتبر من الفعل، والحال هو الحال، يعني: أن الله
تعالى إنما وَلّاه واسترعاه على عباده؛ لِيُدِيم لهم النصيحة، لا لِيَغُشَّهم، حتى
(١) ((المفهم)) ٣٥٣/١ - ٣٥٤.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٤٧/٢.
(٣) أي في رواية البخاريّ، فإنها بلفظ: ((فيموت، وهو غاشّ ... )) إلخ.
(٤) أي جملة في محلّ نصب على الحال، كما أسلفناه.

٨٥
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ - حديث رقم (٣٧٠)
يموت على ذلك، فلما قَلَبَ القضيةَ، استَحَقَّ أن لا يجد رائحة الجنة. انتهى (١).
وقال النوويّ تَخْلُهُ: قوله ◌َله: ((حرم الله عليه الجنة)) فيه التأويلان
المتقدمان في نظائره:
[أحدهما]: أنه محمول على المستحلّ.
[والثاني]: حَرَّم عليه دخولَها مع الفائزين السابقين، ومعنى التحريم هنا:
المنع. انتهى(٢) .
وقال القاضي عياض كَخَّتُ: هذا الحديث، وما في معناه قد تقدّم معنى
تحريم الجنّة، والتأويل في مثله، ومعناه بَيِّنٌ في التحذير مِن غَشّ المسلمين لمن
قَلّده الله تعالى شيئاً من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونَصَبه لمصلحتهم في دينهم
أو دنياهم، فإذا خان فيما اؤْتُمِن عليه، فلم يَنصَح فيما قَلَّده إما بتضييعه
تعريفهم ما يَلْزَمهم من دينهم، وأَخْذهم به، وإما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ
شرائعهم، والذّبّ عنها كلَّ مُتَصَدٍّ لإدخال داخلة فيها، أو تحريفٍ لمعانيها، أو
إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حَوْزَتهم، ومجاهدة
عدُوّهم، أو تَرْكِ سِيرةِ العدل فيهم، فقد غَشَّهم.
قال: وقد نبّه ◌َ﴿ على أن ذلك من كبائر الذنوب المُوبِقَة المبعدة عن
الجنة إذا دخلها السابقون، والمقرَّبون، إن أنفذ الله عليه وعيده الموجِبَ لعذابه
بالنار، أو نحو ذلك، أو يُحْرَمُ الجنّةَ رأساً، إن فَعَلَ ذلك مُستحِلّاً. انتهى كلام
القاضي كَّتُ (٣).
وقال ابن بطّال ◌َّتُهُ: معنى ((حَرَّم الله عليه الجنة))؛ أي: أنفذ الله عليه
الوعيد، ولم يُرْضِ عنه المظلومين، ونقل ابن التين عن الداوديّ نحوَه، قال:
ويحتمل أن يكون هذا في حقّ الكافر؛ لأن المؤمن لا بُدّ له من نصيحة.
وتعقّبه الحافظ: فقال: هو احتمال بعيدٌ جدّاً، والتعليل مردود، فالكافر
أيضاً قد يكون ناصحاً فيما تولاه، ولا يمنعه ذلك الكفر، وقال غيره: يُحْمَل
على المستحلّ، والأولى أنه محمول على غير المستحلّ، وإنما أريد به الزجر
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٥٦٩/٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٦/٢.
(٣) ((إكمال المعلم)) ١ / ٥٦٠ - ٥٦١.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
والتغليظ، وقد وقع في رواية لمسلم بلفظ: ((لم يدخل معهم الجنة))، وهو يؤيِّد
أن المراد أنه لا يدخل الجنة في وقت دون وقت. انتهى كلام الحافظ نَُّ،
وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث مَعْقِل بن يسار المزنيّ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
مُّه هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٧٠/٦٦ و٣٧١ و٣٧٢ و ٣٧٣]
(١٤٢)، وفي ((الإمارة)) (١٤٦٠/٣)، و(البخاريّ) في ((الأحكام)) (٧١٥٠
و٧١٥١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٩٢٨ و٩٢٩)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٥/٥ و٢٧)، و(الدارميّ) في «سننه)) (٣٢٤/٢)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٨٩ و٧٠٤٣ و٧٠٤٨)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٦٢ و ٣٦٣
و٣٦٤ و٣٦٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٤٩/٢٠ و ٤٥٥ و٤٥٦ و٤٥٧ و ٤٥٨
و٤٥٩ و٤٦٩ و٤٧٢ و٤٧٣ و٤٧٦ و٤٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٤٩٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (٢٤٧٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/
٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الغشّ، وأنه ينافي الإيمان، وهذا هو وجه
المطابقة في إيراده هنا .
٢ - (ومنها): بيان استحقاق الوالي الغاشّ لرعيّته، النار بغشّه.
٣ - (ومنها): ما قاله أبو عوانة كَخَّلُهُ بعد تخريجه الحديث: في هذا
الحديث دليلٌ على أن العاصي يستوجب بعصيانه النار، إلا أن يلقى الله، وهو
تائبٌ، فإن لم يفعل فهو في مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه.
انتھی
(١)
.
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤٠/١.

٨٧
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْفَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ - حديث رقم (٣٧١)
٤ - (ومنها): بيان التحذير مِن غَشّ المسلمين لمن قَلّده الله تعالى شيئاً
من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونَصَبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم.
٥ - (ومنها): بيان أن هذا الغشّ من الكبائر الموبِقَة المُبْعِدة عن الجنة.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَخْدَثُ: هذا وعيدٌ شديدٌ على أئمة الجور،
فمَن ضَيَّعَ مَن استرعاه الله، أو خانهم، أو ظلمهم، فقد توجه إليه الطلب
بمظالم العباد يوم القيامة، فكيف يَقْدِر على التحلل من ظلم أمّة عظيمة.
٧ - (ومنها): أن في قوله: ((يموت يوم يموت، وهو غاشّ)) إشارة إلى أنه
لو تاب قبل الموت قُبِلت توبته.
وقد أخرج الترمذيّ، وحسّنه، عن ابن عمر طها، عن النبيّ ◌َّ قال:
((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ))(١).
٨ - (ومنها): بيان فضل هذا الصحابيّ الجليل نظُله، حيث قام بتبرئة
ذمّته، عن آفة كتمان العلم، مع علمه بقساوة هذا الوالي، وعدم انتفاعه
بالموعظة، لكنه أراد أن يبلغ هذا الحديث العظيم إلى الأمة حتى تكون على
بيّنة من أمرها؛ ﴿لَّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيْنَةٍ﴾ الآية
[الأنفال: ٤٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٧١] (.) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبْعٍ، عَنْ
يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: دَخَلَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ
وَجِعٌ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثاً، لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّلـ
قَالَ: ((لَا يَسْتَرْعِ اللهُ عَبْدَاً رَعِيَّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا، إِلَّ حَرَّمَ اللهُ
عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))، قَالَ: أَّ كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، أَوْ لَمْ أَكُنْ
لَأُحَدِّثَك).
(١) حديث حسنٌ، أخرجه الترمذيّ في ((كتاب الدعوات)) من ((جامعه)) برقم (٣٤٦٠).

٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ
[١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٢)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) /٧/ ١٣٢.
٣ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار العَبْديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ
وَرٌِ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالفقهاء الزهاد العبّاد، فكلّهم
فقهاء زُهّاد عبّاد، ومما قيل في رواية يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُريع، ما
ذكره الحسن بن سفيان، قال: كنّا إذا رأينا روايةً ليحيى بن يحيى، عن يزيد بن
زُريع، قلنا: رَيْحانة أهل خُرَاسان عن رَيْحانة أهل العراق(١).
وقوله: (وَهُوَ وَجِعٌ) بفتح الواو، وكسر الجيم؛ أي: مريضٌ، قال
الفيّوميّ ◌َّتُهُ: وَجِعَ فلاناً رأسُهُ، أو بَظْنُهُ، يُجعَل الإنسان مفعولاً، والعضوُ
فاعلاً، وقد يجوز العكسُ، وكأنه على القلب؛ لفهم المعنى، يَوْجَعُ وَجَعاً، من
باب تَعِبَ، فهو وَجِعٌ؛ أي: مريضٌ، مُتَأَلِّمٌ، ويقع الوجعُ على كلّ مرضٍ،
وجمعه: أَوْجَاعٌ، مثل سَبَبٍ وأَسباب، ووِجَاعٌ أيضاً بالكسر، مثل: جَبَلٍ
وجِبَالٍ، وقومٌ وَجِعُونَ، ووَجْعَى، مثلُ: مَرْضَى، ونساءٌ وَجِعَاتٌ، ووَجَاعَى،
وربما قيل: أوجعه رأسُهُ بالألف، والأصل: وَجِعَهُ أَلَمُ رأسه، وأوجعه أَلَمُ
رأسه، لكنه حُذِفَ؛ للعلم به، وعلى هذا فيقال: فلان مَوْجُوعٌ، والأجود
مَوْجُوعُ الرأسِ، وإذا قيل: زيد يَوْجَعُ رَأْسَهُ بحذف المفعول، انتصب الرأسُ
وفي نصبه قولان: قال الفراء: وَجِعْتَ بَطْنَكَ، مثلُ رَشِدتَ أَمْرَكَ، فالمعرفة هنا
في معنى النكرة، وقال غير الفراء: نُصِبَ البطنُ بنزع الخافض، والأصلُ:
وَجِعْتَ مِنْ بطنك، ورَشِدتَ في أمرك؛ لأن المُفَسِّرات عند البصريين لا تكون
إلا نكراتٍ، وهذا على القول بجعل الشخصِ مفعولاً واضحٌ، أما إذا جُعِل
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٣٩٧/٤.

٨٩
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِ الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ - حديث رقم (٣٧١)
الشخصُ فاعلاً، والعضوُ مفعولاً، فلا يحتاج إلى هذا التأويل، وتَوَجَّعَ :
تَشَكَّى، وتَوَجَّعتُ له من كذا: رَثَيْتُ له. انتهى كلام الفيّومي تَخَذَهُ(١).
ضرعِنْهُ عن
وقوله: (فَسَأَلَهُ) أي: سأل عبيد الله بن زياد معقل بن يسار
مرضه، وعما يَحتاج إليه من العلاج، أو غيره.
ويحتمل أن يكون معناه أنه سأله أن يُحدّثه بما سمعه من النبيّ وَّر،
ويؤيّد هذا ما في رواية أبي نعيم قال: دخل عبيد الله على معقل بن يسار،
فقال: حدّثني بحديث سمعته من رسول اللهِ وَ﴿، فقال معقلٌ: سمعت
رسول الله وَلٌ يقول: ((من استُرعي رعيّةً، فمات، وهو لها غاشّ، حَرَّمَ الله عليه
الجنّة)).
وقال بعضهم: معنى سأله: طلب أن يدعو له معقل؛ أي: لكونه من أهل
الفضل والصلاح؛ لأنه صحابيّ، وفيه بعدٌ؛ لما سبق من حال عبيد الله،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ) فاعله ضمير عبيد الله (أَلَّا) بفتح الهمزة، وتشديد اللام،
وهي في الأصل للتحضيض، ولكنها هنا للتوبيخ، ويحتمل أن تكون بتخفيف
اللام، وهي أيضاً تأتي للتوبيخ والإنكار، كقوله [من الطويل]:
وَآذَنَتْ بِمَشِيبٍ بَعْدَهُ هَرَمُ(٢)
أَلَا ارْعِوَاءَ لِمَنْ وَلَّتْ شَبِيبَتُهُ
وقوله: (مَا حَدَّثْتُكَ) ((ما)) نافية.
وقوله: (أَوْ لَمْ أَكُنْ) ((أو)) للشكّ من الراويّ.
وقوله: (لَأُحَدَّثَكَ) في محلّ نصب على أنه خبر ((أكن))، كما في قوله
تعالى: ﴿َّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ [الأنعام: ١١١]، واللام المكسورة التي في أوله تُسمّى
لام الجحود، وتُضْمَرُ بعدها ((أن)» وُجوباً .
وقد تقدّم سبب عدم تحديثه له إلى أن جاء موته، من كونه لا ينفعه
الوعظ، بل يزيده عتوّاً، ويبطش به، فخاف على نفسه، ثم لما خشي عند موته
من آفة كتمان العلم حدّثه؛ قياماً بما وجب عليه من التبليغ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((المصباح المنير)) ٦٤٨/٢ - ٦٤٩.
(٢) راجع: ((مغني اللبيب)) ٦٨/١ - ٧٤.

٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣٧٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ - يَعْنِي:
الْجُعْفِيَّ - عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَام، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ،
نَعُودُهُ، فَجَاءَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي سَأُحَدَّتُكَ حَدِيثاً، سَمِعْتُهُ مِنْ
رَسُولِ اللهِِّ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القُرَشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان،
ثقة [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٢ - (حُسَيْنُ الْجُعْفِيُّ) هو: الحُسين بن عليّ بن الوليد الكوفيّ المقرئ،
ثقةٌ عابدٌ [٩] (٣) أو (٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥٤.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثّقَفيّ، أبو الصّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب
سنّة [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
٤ - (هِشَامٌ) بن حسّان الأزديّ القُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من
أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال؛ لأنه قيل:
كان يُرسل عنهما [٦] (ت١٤٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف هذا الحديث من رواية هشام بن حسّان
عن الحسن، وقد عرفت أن فيه مقالاً؟.
٠
[قلتُ]: إنما أخرج له متابعةً لا أصالةً، فقد رواه قبل هذا من رواية أبي
الأشهب، ويونس بن عبيد، وهما ثبتان، على أن يونس من أثبت الناس في
الحسن، فلا يضرّ الكلام في هشام، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ) الفاعل ضمير هشام بن حسّان.
وقوله: (قَالَ الْحَسَنُ) أي: البصريّ.
وقوله: (كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) هذا فيه تصريح من الحسن بأنه حضر
القصّة، وسمع محاورة معقل رؤيته، مع عبيد الله.

٩١
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ - حديث رقم (٣٧٣)
وقوله: (نَعُودُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من اسم ((كان)).
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ) الضمير لهشام بن حسّان (بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا) أي: بمعنى
حديث أبي الأشهب، ويونس بن عُبيد.
[تنبيه]: رواية هشام عن الحسن التي أحالها المصنّف ظُله، أخرجها
الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) (٢٠٧/٢٠) (٤٧٢) فقال:
حدّثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، ثنا أبي، (ح) وحدّثنا إبراهيم بن
نائلة الأصبهانيّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، قالا: ثنا محمد بن أبي بكر
الْمُقَدَّميّ، قالا: ثنا وهب بن جرير، (ح) وحدّثنا أبو خليفة الفضل بن
الحُباب، ثنا أبو موسى محمد بن المثنّى، قالا: ثنا عبد القدّوس بن الجواري،
أبو الحواري(١)، قالا: ثنا هشام بن حسّان، عن الحسن، عن معقل بن يسار،
قال: سمعت رسول الله ◌َّل﴿ يقول: ((من استرعاه الله رَعِيّةً، فمات، وهو غاشّ
لها، إلا حَرّم الله عليه الجنّة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الکتاب قال:
[٣٧٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ
هِشَامِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ، عَادَ
مَعْقِلَّ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ، لَوْلَا أَنِّي فِي
الْمَوْتِ، لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ، يَقُولُ: ((مَا مِنْ أَمِيرٍ، بَلِي أَمْرَ
الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ، وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ)).
(١) هكذا النسخة، ولم يتبيّن لي من هو عبد القدّوس بن الجواري أبو الحواري، اللهم
إلا أن يكون فيه تصحيف، فليُحرّر، لكن السند صحيح من طريق: وهب بن جرير،
عن هشام، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) هو: مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٧/٨.
[تنبيه]: ((الْمِسْمَعِيُّ)) - بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية -: نسبة إلى
مِسْمَع بن ربيعة(١).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) أبو موسى العَنَزيّ البصريّ، المعروف بالزَّمِن،
ثقة ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيه
مجتهدٌ [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدَّسْتَوَائِيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما
وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تَّقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٥ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر بوزن جعفر الدَّسْتَوَائيّ، أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٦ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأسُ
الطبقة [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٧ - (أَبُو الْمَلِيحِ) بْنُ أُسَامَةَ الْهُذَلِيّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد بن
أسامة بن عُمير، وقيلَ: ابن عامر بن عُمَير بن حُنَيف بن ناجية بن عَمْرو بن
الحارث بن كثير بن هند بن طابِخَة بن لِحْيَان بن هُذيل، وقيل: ابن عُمير بن
عامر بن أُقَيْش، اسمه عُمَير بن حُنَيف، ثقة [٣].
رَوَى عن أبيه، ومَعْقِل بن يسار، ونُبَيشة الهُذَليّ، وعوف بن مالك،
وعائشة، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع، وأبي عَزّة الهُذَليّ، وابن عُمر، وابن
العاص، وبُريدة بن الحُصَيب، وجابر، وأنس، وعبد الله بن عُتبة بن أبي
سفيان، وعبد الله بن سَلِيط، وغيرهم.
ورَوَى عنه أولاده: عبد الرحمن، ومحمد، ومُبَشِّر، وزياد، وأيوب،
(١) راجع: ((الديباج على صحيح مسلم بن الحجّاج)) للسيوطيّ رَّتُهُ ١/ ١٥٧.

٩٣
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ - حديث رقم (٣٧٣)
وخالد الحذّاء، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وسالم بن أبي الجعد،
وعبد الله بن أبي حُمَيد الهُذَليّ، وأبو قِلابة الجَرْميّ، وقتادة بن دِعامة، وأبو
تميمة الهُجَيميّ، ويزيد الرِّشْك، وأبو عبد الدائم الهَداديُّ، ومَطَر الوَرَّاق،
والحَكَم بن فَرُّوخ، وعلي بن زَيد بن جُدْعان، وآخرون.
قال أبو زرعة، وابن سعد: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
قال ابن سعد: تؤُفّي سنة اثنتي عشرة ومائة، وقال ابن حبّان: ومنهم من
زعم أنه مات سنة ثمان ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط: هذا (١٤٢)
وأعاده في ((كتاب الإمارة))، و(١١٤١): ((أيام التشريق أيام أكل وشرب))،
و(١١٥٩): ((أما يَكفيك من كلّ شهر ثلاثةُ أيّام ... )).
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه
إسحاق، فإنه مروزيّ، وفيه أبو المَلِيح مشهور بكنيته، وهذا أول محلّ ذكره في
هذا الكتاب، وقد أسلفت آنفاً عدّة ما رواه له المصنّف فيه، وليس في ((صحيح
مسلم)) من يُكنى بهذه الكنية غيره، ويوجد في غيره ممن يُكنى بها اثنان:
[أحدهما]: أبو المَلِيحِ الرَّقِّيّ، واسمه الحسن بن عمر، أو عَمْرو بن يحيى
الفزاريّ مولاهم، ثقة [٨] أخرج ه البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه.
[والثاني]: أبو المَلِيْح الفارسيّ المدنيّ الخَرّاط، واسمه: صَبِيح، وقيل:
حُميد، ثقةٌ [٧]، أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)) والترمذيّ، وابن ماجه.
وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ... إلخ) قد سبق
الكلام على هذا قريباً، فلا تغفل.
وقوله: (لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْتِ) أي: في سياق الموت، وفي حضوره.
وقوله: (لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ) أي: خوفاً من جراءتك، وظلمك لمن عاديته.
وقوله: (يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ) مضارع وَلِي من باب ورث يرث، يقال:
وَلِيتُ الأمرَ أَلِيه بكسرتين، ولايةً بالكسر: تولّيتُهُ، والولايةُ بالفتح، والكسر:
النُّصرة(١).
(١) راجع: ((المصباح)) ٦٧٢/٢.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقوله: (ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ) بفتح أوله وثالثه، وسكون ثانيه؛ أي: يجتهد،
وفي ((القاموس)): جَهَدَ، كمَنَعَ: جَدَّ، واجتهدَ.
[تنبيه]: ذكر في ((الفتح)) أنه وقع في رواية أبي المليح بلفظ: ((ثم لا يَجِدّ
لهم)) بجيم، ودال مشدّدة، من الجدّ بالكسر: ضدّ الهزل. انتهى (١).
قال الجامع: لم أجد هذا اللفظ في النسخ التي بين يديّ من ((صحيح
مسلم))، بل كلّها بلفظ: ((ثم لا يَجْهَد لهم))، ولعل صاحب ((الفتح)) - وهو إمام
في النقل - وجد نسخة كما ذكره، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَيَنْصَحُ) تقدّم في الرواية السابقة إثبات الغشّ، وفي هذه الرواية
نفي النصيحة، ومعنى الروايتين واحد؛ لأن الغشّ ضدّ النصيحة.
قال في ((الفتح)): ويحصل ذلك بظلمه لهم بأخذ أموالهم، أو سفك
دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، وحبس حقوقهم، وترك تعريفهم ما يجب عليهم
في أمر دينهم ودنياهم، وبإهمال إقامة الحدود فيهم، ورَدْع المفسدين منهم،
وترك حمایتهم، ونحو ذلك. انتهى(٢).
وقوله: (إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ) وللطبراني في ((الأوسط)): ((إلا كَبَّه الله
على وجهه في النار)).
قال القرطبيّ نَّثُهُ: قوله: ((لم يدخل معهم الجنّة)) يُشير إلى صحّة ما ذكرناه،
من أنه لا يدخل الجنّة في وقت دون وقت، وهو تقييد للرواية الأخرى المطلقة التي
لم يُذكر فيها ((مَعَهم)). انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَيْهِ تَوَلَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٦٧) - (بَابُ رَفْع الأَمَانَةِ، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ)
[٣٧٤] (١٤٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
وَوَكِيعٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
(١) ((الفتح)) ١٣/ ١٣٧.
(٣) ((المفهم)) ٣٥٤/١ - ٣٥٥.
(٢) ((الفتح)) ١٣/ ١٣٧.

٩٥
(٦٧) - بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٤)
وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ حَدِيثَيْنٍ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا
أَنْتَظِرُ الْآخَرَ، حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرٍ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ،
فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْع الْأَمَانَةِ، قَالَ: ((يَنَامُ
الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ الَّوْمَةَ،
فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ
فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ - ثُمَّ أَخَذَ حَصَّى، فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ -
فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلانٍ
رَجُلاً أَمِيناً، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ، مَا أَظْرَفَهُ، مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ
حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ))، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ، وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ؟، لَئِنْ
كَانَ مُسْلِماً لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيّاً، أَوْ يَهُوِيّاً، لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ،
وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لِأُبَابِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَاناً وَفُلَاناً).
رجال هذا الإسناد: سبعةٌ :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم
قبل بابین.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل بابين أيضاً.
٣ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح الرؤاسيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابين أيضاً.
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، تقدم قبل
باب.
٥ - (الْأَعْمَشُ) هو: سليمان بن مِهْرَان الإمام الكوفيّ، تقدّم قبل بابين.
٦ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الجُهَنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، مخضرم ثقة جليلٌ،
لم يُصِبْ من قال: في حَديثه خَلَلٌ [٢].
رَحَلَ إلى النبي ◌ََّ، فَقُبِض وهو في الطريق، ورَوَى عن عمر، وعثمان،
وعليّ، وأبي ذرّ، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي الدرداء، وأبي موسى،
وغيرهم.
وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، والحَكُم بن

٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عُتيبة، والأعمش، ومنصور، وحُصين، وعبد العزيز بن رُفيع، وسَلَمَة بن گھیل،
وطلحة بن مُصَرِّف، وحبيب بن أبي ثابت، وحماد بن أبي سليمان، وعَدِيّ بن
ثابت، وعبد الملك بن ميسرة، وجماعة.
قال زهير عن الأعمش: إذا حدثك زيد بن وهب عن أحد، فكأنك
سمعته من الذي حدثك عنه. وقال ابن معين: ثقة: وقال ابن خَرَاش: كوفي
ثقة، دخل الشام، وروايته عن أبي ذر صحيحة. وقال العجلي: ثقة. وقال
ابن عبد البر في ((الاستيعاب))، وابن منده: أسلم في حياة النبي وَّر وهاجر
إليه، فلم يدركه. وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير (١). وقال ابن
سعد: كان ثقة، كثير الحديث، تُوفي في ولاية الحجّاج بعد الجماجم. وقال
أبو بكر بن منجويه: مات سنة ست وتسعين. وكذا قال ابن حبان في
((الثقات)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تعقّب الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى
قول يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير، فأجاد وأفاد، ونصّه في ((ميزان
الاعتدال)):
زيد بن وهب من أجلة التابعين وثقاتهم، متفق على الاحتجاج به، إلا ما
كان من يعقوب الفسويّ، فإنه قال في ((تاريخه)): في حديثه خلل كثير، ولم
يصب الفسويّ، ثم إنه ساق من روايته قول عمر: ((يا حذيفة بالله أنا من
المنافقين؟))، قال: وهذا مُحال أخاف أن يكون كذباً، قال: ومما يُستَدَلُّ به
على ضعف حديثه روايته عن حذيفة: ((إن خَرَج الدجال تبعه من كان يحب
عثمان))، ومن خلل روايته قوله: حدثنا والله أبو ذر بالرَّبَذَة قال: ((كنت مع
النبي (وَّر، فاستقبلنا أحد ... )) الحديث.
فهذا الذي استنكره الفسويّ من حديثه، ما سُبِقِ إليه، ولو فتحنا هذه
الوساوس علينا، لرددنا كثيراً من السنن الثابتة بالوهم الفاسد، ولا نفتح علينا
في زيد بن وهب خاصّة باب الاعتزال، فردوا حديثه الثابت عن ابن مسعود،
حديث الصادق المصدوق، وزيد سيد، جليل القَدْر. انتهى المقصود من كلام
(١) قد عرفت في أول الترجمة أن هذا غير صحيح.

٩٧
(٦٧) - بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٤)
الذهبيّ تَّتُهُ، وهو كلام نفيسٌ جدّاً (١). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب
(١١) حديثاً.
٧ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، أو حِسْل العَبْسيّ، حليف
الأنصار، الصحابيّ الجليل، مات رظُبه في أول خلافة عليّ ◌َظُه سنة (٣٦)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٧، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َظُّ، وله فيه شيخان فرّق
بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، وحذيفة رظُه مدائنيّ كوفيّ.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد المشايخ التسعة الذين اتّفق
أصحاب الأصول بالرواية عنهم بلا واسطة، وتقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى لحديث الأعمش بعد
الثوريّ.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن زيد بن
وهب .
٧ - (ومنها): أن صحابيّه ◌َلُه، من السابقين الأولين، وقصّة إسلامه
مشهورة في ((الصحيح))، وهو صاحب سِرِّ رسول الله وَليل، أعلمه بأسماء
المنافقين، وغيرها من المغيّبات، فقد أخرج المصنّف تَُّ أن رسول الله وَله
أعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابيّ أيضاً، استُشهد
بأُحد ◌ِّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْأَعْمَشِ) هكذا عنعنعه الأعمش، وهو مدلّس، وقد تقدّم الجواب
(١) راجع: ((ميزان الاعتدال)) ١٠٧/٢.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عن هذا في ((شرح المقدّمة))، فراجعه (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجُهنيّ (عَنْ
حُذَيْفَةَ) ◌َهُ أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِّهِ حَدِيثَيْنِ) قال النوويّ ◌َُّهُ: معناه:
حدثنا حديثين في الأمانة، وإلا فروايات حذيفة ظُه كثيرة في ((الصحيحين))
وغيرهما، قال صاحب ((التحرير)) وعنى بأحد الحديثين قوله: ((حَدَّثنا أن الأمانة
نَزَلت في جِذْر قلوب الرجال))، وبالثاني قوله: «ثم حَدَّثنا عن رفع الأمانة ... ))
إلى آخره. انتهى(١).
(قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ، حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ) الظاهر أن المراد
بها التكليف الذي كَلَّف الله تعالى به عباده، والعهدُ الذي أخذه عليهم، قال
الإمام أبو الحسن الواحديّ كَّتُ في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]: قال ابن عباس رضيّا: هي
الفرائض التي افترضها الله تعالى على العباد، وقال الحسن: هو الدينُ والدين
كلُّه أمانة، وقال أبو العالية: الأمانةُ ما أُمِروا به، وما نُهُوا عنه، وقال مقاتل:
الأمانة الطاعة، قال الواحديّ: وهذا قول أكثر المفسرين، قال: فالأمانة في
قول جميعهم: الطاعة، والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب، وبتضييعها
العقاب، والله تعالى أعلم.
وقال صاحب ((التحرير)): الأمانة في الحديث: هي الأمانة المذكورة في
قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾، وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت الأمانة
من قلب العبد، قام حينئذٍ بأداء التكاليف، واغتَنَمَ ما يَرِدُ عليه منها، وَجَدَّ في
إقامتها، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: الأمانة: كلُّ ما يُوكَلُ إلى الإنسان حفظه، ويُخلَّى
بينه وبينه، ومن هنا سُمّ التكليف أمانةً في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢] في قول كثير من المفسّرين.
(٣)
انتھی
وقال في ((الفتح)): قال ابن التين: ((الأمانة)): كل ما يَخْفَى ولا يعلمه،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/٢.
(٣) ((المفهم)) ٣٥٦/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٨/٢.

٩٩
(٦٧) - بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ، والإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ - حديث رقم (٣٧٤)
إلا الله من المكلّف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أُمروا بها، ونُهُوا
عنها، وقيل: هي الطاعة، وقيل: التكاليف، وقيل: العهد الذي أَخَذه الله على
العباد، وهذا الاختلاف وقع في تفسير الأمانة المذكورة في الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا
اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وقال صاحب
(التحرير)): الأمانة المذكورة في الحديث، هي الأمانة المذكورة في الآية، وهي
عين الإيمان، فإذا استمكنت في القلب، قام بأداء ما أُمر به، واجتَنَب ما نُهِي
عنه. انتھی(١).
(نَزَّلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) الجِذْر - بفتح الجيم، وكسرها، لغتان،
وبالذال المعجمة فيهما -، وهو الأصل. قال القاضي عياض تَظّتُهُ: مذهب
الأصمعيّ في هذا الحرف فتح الجيم، وأبو عمرو یکسرها.
قال القرطبيّ كَخْتُ: معنى إنزال الأمانة في القلوب أن الله تعالى جَبَلَ
القلوبَ الكاملة على القيام بحقّ الأمانة من حفظها، واحترامها، وأدائها
المستحقّها، وعلى النَّفْرة من الخِيَانة فيها؛ لتنتظم المصالح بذلك، لا لأنها
حسنةٌ في ذاتها كما يقوله المعتزلة، على ما يُعرف في موضعه.
(ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) ولفظ البخاريّ من
طريق الثوريّ، عن الأعمش: ((ثم علموا من القرآن، ثم عَلِموا من السنّة))، قال
في ((الفتح)): كذا في هذه الرواية بإعادة (ثُمّ))، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا
يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السُّنَن، والمراد بالسنن ما يَتَلَقَّونه عن النبيّ وَّ
واجباً كان، أو مندوباً. انتهى(٢).
(ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْع الْأَمَانَةِ) هذا هو الحديث الثاني الذي ذَكَرَ حذيفة
wwwy
ضرعنه
أنه ينتظره، وهو رفع الأمانة أصلاً، حتى لا يبقى مَن يوصف بالأمانة إلا
النادر.
ولا يَعْكِرُ(٣) على هذا ما ذكره في آخر الحديث، مما يدُلّ على قلة مَن
(١) ((الفتح)) ٤٣/١٣ - ٤٤.
(٢) ((الفتح)) ٤٣/١٣ ((كتاب الفتن)) رقم (٧٠٨٦).
(٣) من بابي ضرب، ونصر: أي لا يردّ عليه.

١٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ينسب للأمانة، فإن ذلك بالنسبة إلى حال الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله:
((ما كنتُ أبايع إلا فلاناً وفلاناً))، هم من أهل العصر الأخير الذي أدركه،
والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقلُّ، وأما الذي ينتظره، فإنه حيث تُفْقَدُ
الأمانة من الجميع إلا النادر، قاله في ((الفتح))(١).
(قَالَ) وَِّ ((يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ) بفتح، فسكون: المرّة من النوم، كما قال
في ((الخلاصة)):
وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَ (جَلْسَهْ)) وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَـاجِلْسَهْ))
(فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ) ببناء الفعل للمفعول، أي: تنزع منه، وقال في
((المرقاة)): أي: يُقبض بعضها، كما يدلّ عليه ما بعده، والمعنى: يُقْبَضُ بعض
ثمرات الإيمان. انتهى (٢).
(فَيَظَلُّ) - بفتح أوله، وثانيه، وتشديد اللام -؛ أي: فيصير (أَثَرُهَا) أي:
أثر الأمانة، وهو ثمرة الإيمان، والمعنى أن الأمانة تَذْهَب حتى لا يبقى منها
إلا الأثر الموصوف في الحديث.
(مِثْلَ الْوَكْتِ) بفتح الواو، وسكون الكاف، آخره تاء مثنّاة فوقيّة: هو
الأثر اليسير، كذا قاله الهَرَويّ، وقال غيره: هو سوادٌ يسير، وقيل: هو لونٌ
مخالفٌ للّون الذي كان قبله، قاله النوويّ كَُّ .
وقال الَهَرويّ كَذَتُهُ: ((الْوَكْتُ)): الأثر اليسير، يقال للْبُسْر إذا وقعت فيه
نكتة من الإرطاب: قد وَكَّتَ، وقال صاحب ((العين)): الوَكْتُ بفتح الواو: نُكْتَةٌ
في العين، وعينٌ موكوتةٌ، والوكتُ سواد اللون، قال أبو عبيدة: هو الیسیر منه،
ويقال: قد وَكَّتَ البُسْرُ والزَّهْوُ: إذا ظهرت فيه نُكتةٌ من الإرطاب من جانبها،
وبُسْرَةٌ مُوَكَّتَةٌ، فإذا كان من طَرَفها، فهي مُذَنَِّةٌ. انتهى (٣).
(ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ) - بفتح
الميم، وإسكان الجيم وفتحها -، لغتان حكاهما صاحب ((التحرير))، والمشهور
الإسكان، قاله النوويّ.
(١) ((الفتح)) ٤٣/١٣.
(٢) ((المرقاة)) ٢٥٤/٩.
(٣) راجع: ((إكمال المعلم)) ٥٦٣/١ - ٥٦٤، و((المفهم)) ٣٥٦/١.