النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
(٦٤) - بَابُ بَيَانِ وَعِيدِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ - حديث رقم (٣٦٢)
قال: وإنما جَوَّزتُ التعددَ؛ لأن الحضرميّ يغاير الكنديّ؛ لأن المُدَّعِيَ
في حديث الباب هو الأشعث، وهو كنديّ جزماً، والمُدَّعيَ في حديث وائل
هو الحضرميّ، فافترقا .
ويجوز أن يكون الحضرميّ نُسِبَ إلى البلد، لا إلى القبيلة، فإن أصل
نسبة القبيلة، كانت إلى البلد، ثم اشتهرت النسبة إلى القبيلة، فلعل الكنديّ في
هذه القصة، كان يسكن حضرموت، فُنُسِب إليها، والكنديّ لم يسكنها، فاستمر
على نسبته. انتهى(١).
[تنبيه]: قد ذَكَرُوا الخفشيش في الصحابة(٢)، واستشكله بعضهم لقوله في
بعض الروايات: إنه يهوديّ.
(١) ((الفتح)) ٥٦٩/١١ - ٥٧٠ ((كتاب الأيمان والنذور)) رقم (٦٦٧٧).
(٢) وقال في ((الإصابة)) (٤٩١/١): جَفْشِيش بن النعمان الكِنديّ، كذا سَمَّى ابن منده
أباه، وقال: يقال: اسمه مَعْدَان يُكنى أبا الخير، ويقال: جرير بن مَعْدَان، ووقع
في بعض الروايات خَفْشيش - بالخاء المعجمة - وكذا قال أبو عمر: إنه قيل فيه:
بالجيم، والمعجمة، وزاد أنه قيل فيه: بالمهملة أيضاً، وذكر بكسر أوله، وضمه،
وقال ابن الكلبيّ، وابنُ سعد: اسمه مَعْدان بن الأسود بن مَعْد يكَرِب بن ثُمَامة بن
الأسود، وذكر أبو عمر بن عبد البر من طريق مجالد، عن الشعبيّ، قال: قال
الأشعث بن قيس: كان بين رجل منا، وبين رجل من الحضرميين، يقال له:
الجفشيش خصومة في أرض ... الحديث، وأصل الخبر في ((سنن أبي داود) من
رواية مُسْلِم بن هَيْضَم، عن الأشعث، لكن لم يُسَمِّ الجفشيش، وأخرج أبو عمر
من طريق ابن عون، عن الشعبيّ، عن جرير بن مَعْدان، وكان يُلَقَّب الجفشيش، أنه
خاصم رجلاً إلى النبيّ وَله ... فذكر الحديث. قال الحافظ: وهذا ظاهره أن اسم
الجفشيش جرير، وأنه الصحابيّ، وهو غريب. ويمكن أن يكون الضمير في قوله:
((وكان يُلَقَّب)) لمعدان والد جرير، ويكون الخبر من رواية جرير، عن أبيه، وأرسله
جرير، وهذا أقرب عندي إلى الصواب، وذكر أبو سَعْد النيسابوريّ، من طريق
مَسْلَمة بن مُحَارب، عن السديّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس، قال: قَدِمَ ملوك
حضرموت، فقَدِمَ وَقْدُ كِنْدَة، فيهم الأشعث بن قيس ... فذكر القصة، قال: وفي
ذلك يقول الجفشيش، واسمه معدان بن الأسود الكِنْدِيّ [من البسيط]:
=
جَادَتْ بِنَا العِيسُ مِنْ أَعْرَابِ ذِي يَمَنِ تَغُورُ غَوْراً بِنَا مِنْ بَعْدِ إِنْجَادِ

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وأجيب بأنه أسلم، وإنما وصفه الأشعث بكونه يهوديّاً باعتبار ما كان
عليه أوّلاً، ويؤيد إسلامه أنه وقع في رواية كُردوس، عن الأشعث في آخر
القصة أنه لَمّا سمع الوعيد المذكور، قال: هي أرضه، فترك اليمين تورُّعاً، ففيه
إشعار بإسلامه، ويؤيده أنه لو كان يهوديّاً ما بالى بذلك؛ لأنهم يستحلون أموال
المسلمين، كما بيّنه الله ◌َ في كتابه، حيث قال: ﴿قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمِئَنَ
سَبِيلٌ﴾ الآية [آل عمران: ٧٥]، أي حَرَجُ.
ومما يؤيّد إسلامه أيضاً ما وقع في رواية الشعبيّ، عن الأشعث ب﴿ته،
فقال النبيّ ◌َلّ: ((إن هو حلف كاذباً أدخله الله النار))، فذهب الأشعث، فأخبره
القصة، فقال: أصلح بيني وبينه، قال: فأصلح بينهما، وفي حديث عَديّ بن
عَمِيرة، فقال له امرؤ القيس: ما لمن تركها يا رسول الله؟ قال: ((الجنة))، قال:
اشْهَدْ أني قد تركتها له كلها، هكذا ذكر في ((الفتح)).
(فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََِّ) وفي رواية جرير، عن منصور التالية:
= حَتىَّ أَنَخْنَا بِجَنْبِ الهَضْبِ مِنْ مَلٍ إِلَى الرَّسُولِ الأَمِينِ الصَّادِقِ الهَادِي
وروى الطبراني من طريق صالح بن حَيّ، عن الجفشيش الكِنْديّ، قال: جاء قوم
من كندة إلى رسول الله وَله، فقالوا: أنت مِنّا، واذَّعَوه، فقال: لا تنتفوا منَّا، ولا
ننتفي من أبينا، وله من طريق أخرى، عن صالح: حدثنا الجفشيش، وهو خطأ،
فإنه لم يدركه، وأصل الحديث في ((مسند أحمد))، من رواية مسلم بن هَيْضَم، عن
الأشعث، قال: أتيت رسول الله ( 18 في رهط من كندة، ولم يذكر الجفشيش،
وذكر أبو عمر، عن عمران بن موسى بن طلحة، عن الجفشيش مثله، وهو مرسل
أيضاً، وذكره بغير سند، وقال: إنه أعاد ذلك ثلاثاً، فأجابه في الثالثة، فقال له
الأشعث: فَضَّ الله فاك، ألا سكتَّ على مرتين، قال: والجفشيش هو القائل في
الرِّدَّة [من الطويل]:
أَطَعْنَا رَسُولَ اللهِ إِذْ كَانَ صَادِقاً فَيَا عَجَبَا مَا بَالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرٍ
وأنشد المبرد هذا البيت في ((الكامل)) للحطيئة، ولفظه: ((حاضِراً)) بدل ((صادقاً))،
و ((لَهَفَاً) بدل ((عَجَبًا)).
وذكر عمر بن شَبَّة أن الجفشيش ارتدّ من كندة، وأنه أُخِذ أسيراً، وأنه قُتِل صبراً،
فإن صح ذلك فلا صحبة له، وروايةُ كلِّ مَن رَوَى عنه مرسلةٌ؛ لأنهم لم يدركوا
ذلك الزمان، والله أعلم. انتهى ما في ((الإصابة)).

٢٣
(٦٤) - بَابُ بَيَانِ وَعِيدِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ - حديث رقم (٣٦٢)
((فاختصمنا إلى رسول الله (وَل﴾))، وفي رواية أبي معاوية، عن الأعمش عند
البخاريّ: ((فَجَحَدَني، فقدّمته إلى رسول الله وَلَّ).
(فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟))) وفي رواية جرير التالية: ((شاهداك، أو يمينه))،
وفي رواية عند البخاريّ: ((فقال: بيّنتك أو يمينه)) (فَقُلْتُ: لَا) أي: ليست لي
بيّنة (قَالَ) ◌ِ ◌ِ ((فَيَمِينُهُ))) الفاء في جواب شرط مقدّر، أي: إذا لم تكن لك
بيّنةٌ، فيمينه، و((يمينه)) مبتدأ خبره محذوف: أي فلك يمينه، ويحتمل أن يكون
خبراً لمحذوف، أي: المثبتُ لك ما تدّعيه يمينه.
(قُلْتُ: إِذَنْ) حرف نصب وجواب، وفي كتابتها اختلاف، فالجمهور
يكتبونها بالألف، وكذا رُسمت في المصاحف، والمازنيّ والمبرّد يكتبانها
بالنون، وعن الفرّاء: إن عَمِلت كُتبت بالألف، وإلا كُتبت بالنون؛ للفرق بينها
وبين ((إذا)) الشرطية، وتبعه ابن خروف.
وقوله: (يَحْلِفُ) قال السهيليّ: بالنصب لا غير؛ لوجود شرائطه، من
الاستقبال والاتصال، كما قال في ((الخلاصة)):
إِنْ صُدِّرَتْ وَالْفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلَا
وَنَصَبُوا بِـ((إِذاً)) الْمُسْتَقْبَلَا
إِذَا ((إِذاً)) مِنْ بَعْدٍ عَظْفٍ وَقَعَا
أَوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ وَانْصِبْ وَارْفَعَا
وحكى ابن خروف جواز الرفع في مثل هذا على إهمال ((إذن))، أو على
تقدير ((هو إذن يحلفُ))(١)، وقال النوويّ في ((شرحه)): وذكر أبو الحسن بن
خروف في ((شرح الجُمَل)) أن الرواية فيه بالرفع(٢).
وزاد في رواية أبي معاوية عن البخاريّ: ((إذاً يَحلِفَ، ويذهبَ بمالي))،
ووقع في حديث وائل بن حُجْر ◌َظُهُ الآتي من الزيادة بعد قوله: ((ألك بينة؟))،
قال: لا: قال: ((فلك يمينه))، قال: إنه فاجرٌ، ليس يبالي ما حلف عليه، وليس
(١) قال الجامع: عمل ((إذاً)) إذا استوفت الشروط واجب عند جمهور النحاة، وجوّز
بعضهم إهمالها مع استيفاء الشروط، وهي لغة نادرة، لكن تلقّاها البصريون
بالقبول؛ لأنها حرف غير مختصٍّ، فقياسه الإهمال، فلا التفات إلى من أنكرها،
ذكره الخضريّ في ((حاشيته على شرح ابن عقيل)) ١٧٣/٢.
(٢) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٦٠/٢.

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
يَتَوَرَّع من شيء، قال: ((ليس لك منه إلا ذلك))، ووقع في رواية الشعبيّ، عن
الأشعث: قال: أرضي أعظم شأناً من أن يحلف عليها، فقال: ((إن يمين
المسلم يدرأُ بها أعظم من ذلك)).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا
مَالَ امْرِئٍ مُسْلِم، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ) أي كاذب، هذه زيادة على حديث عبد الله بن
مسعود ◌َُّ المُتقدّم، لكنها وقعت في حديثه في بعض الطرق (لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ
عَلَيْهِ غَضْبَانُ))) جملة حاليّة من المفعول، (فَتَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ
وَأَيْمَئِنِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [آل عمران ٣/ ٧٧]).
تفسير الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ أي: يعتاضون، ويستبدلون،
فكأنهم يعطون ما أوجب الله عليهم من رعاية العُهُود والأيمان، ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾
أي: ميثاقه، وهو إيجابه على المكلّفين أن يقوموا بالحقّ، ويعملوا بالعدل
﴿وَأَيْمَئِهِمْ﴾ جمع يمين، وهو الحلف بالله تعالى، ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: بشيء قليل
حقيرٍ من عَرَض الدنيا، من الترؤّس، والارتشاء، ونحو ذلك.
وقال الإمام ابن كثير تَّتُهُ: يقول الله تعالى: إن الذين يعتاضون عمَّا
عاهدوا الله عليه، من اتّباع محمد وَّه، وذكر صفته للناس، وبيان أمره، وعن
أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عُرُوض هذه الحياة
الدنيا الفانية الزائلة، ﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ﴾ أي: لا حَظّ، ولا
نصيب لهم يوم القيامة، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: بما يسرّهم؛ إذ لا يكلّمهم
إعراضاً عنهم، واحتقاراً لهم، ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾ أي: نظرَ رحمة،
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: لا يُثني عليهم كما يُثني على من تَزَكَّى، وقيل: لا يُطهّرهم
من الذنوب، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] أي موجع شديد الألم.
وقال ابن كثير تَُّهُ: يعني: أن الله تعالى لا يكلمهم كلام لُظْفٍ بهم، ولا
ينظر إليهم بعين الرحمة، ولا يزكيهم من الذنوب، بل يأمر بهم إلى النار(١).
[تنبيه]: هذا الحديث صريح في أن سبب نزول هذه الآية هو قصّة
الأشعث بن قيس مع خصمه حين تحاكما في أرض، أو بئر، ويعارضه حديث
(١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٩٢/٣ - ٩٣، و((تفسير النسفيّ)) ١٦٥/١، و((المفهم)) ٣٥١/١.

٢٥
(٦٤) - بَابُ بَيَانِ وَعِيدٍ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ - حديث رقم (٣٦٢)
عبد الله بن أبي أوفى ظته، وهو ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن
العوّام بن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي
أوفى ﴿ّا: أن رجلاً أقام سلعةً في السوق، فَحَلَف فيها، لقد أَعْطَى بها ما لم
يُعْطِه؛ ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ
وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: ٧٧]، فهذا مخالف لحديث الباب.
ويُجمع بأن نزول الآية كان للسببين جميعاً، ولفظ الآية أعمّ من ذلك،
ولهذا وقع في صدر حديث الباب ما يقتضي ذلك، حيث قال: ((من حلف يمينَ
صبرٍ؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم ... )) الحديث، وذكر أبو جعفر الطبريّ كَُّ
من طريق عكرمة أن الآية نزلت في حُيّيّ بن أخطب، وكعب بن الأشرف،
وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة من شأن النبيّ
وقالوا، وحَلَفُوا أنه من عند الله، وقصّ الكلبيّ في ((تفسيره)) في ذلك قصّةً
طويلةً، وهي محتملةٌ أيضاً، لكن المعتمد في ذلك ما ثبت في ((الصحيح))، قاله
في ((الفتح)(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنه لا تعارض في تعدّد الأسباب
لنزول آية واحدة، إن صحّت الرواية بذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رضى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٦٢/٦٤ و٣٦٣ و٣٦٤] (١٣٨)،
و(البخاريّ) في ((الشُّرْب والمساقاة)) (٢٣٥٦ و٢٣٥٧)، و(الرهن) (٢٥١٥
و٢٥١٦)، و((الشهادات)) (٢٦٦٩ و٢٦٧٠ و٢٦٧٣ و٢٦٧٦ و٢٦٧٧)،
و((التفسير)) (٤٥٤٩ و٤٥٥٠)، و((الأيمان والنذور)) (٦٦٥٩ و٦٦٦٠ و٦٦٧٦
و٦٦٧٧)، و((الأحكام)) (٧١٨٣ و٧١٨٤)، و((التوحيد)) (٧٤٤٥ و٧٤٤٦)،
(١) ((الفتح)) ٨/ ٦١ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٥٤٩ - ٤٥٥٠).

٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
و(ابن ماجه) في ((كتاب الأحكام)) (٢٣٢٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٦٢ و١٠٥٠ و١٠٥١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٤/١ - ٣٧٧ - ٤١٦ -
٤٦٠)، و(٢١١/٥ - ٢١٢)، و(ابن حبّان) (٥٠٨٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٠٨ و١٠٩ و١١٠) و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٥٥ و٣٥٦ و٣٥٧)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٥٠٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧٨/١٠ -
٢٥٣)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٤٤٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(١٠٢٤٨ و١٠٣٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): تحريم اقتطاع حقّ المسلم باليمين الفاجرة، وأن ذلك مما
ينافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده هنا .
٢ - (ومنها): جواز سماع الحاكم الدعوى فيما لم يَرَه إذا وُصِفَ وحُدِّدَ،
وعَرَفَهُ المتداعيان، لكن لم يقع في الحديث تصريحٌ بوصف، ولا تحديدٌ،
فاستدَلّ به القرطبيّ على أن الوصف والتحديد ليس بلازم لذاته، بل يكفي في
صحة الدعوى تمييز المدَّعَى به تمييزاً، ينضبط به، وتعقّبه الحافظ تَُّهُ بأنه لا
يلزم من ترك ذكر التحديد، والوصف في الحديث، أن لا يكون ذلك وقع، ولا
يُسْتَدَلّ بسكوت الراوي عنه بأنه لم يقع، بل يطالَب من جَعَلَ ذلك شرطاً
بدليله، فإذا ثَبَتَ حُمِل على أنه ذُكِر في الحديث، ولم ينقله الراوي. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: تعقّب الحافظ على القرطبيّ فيه نظرٌ؛ لأن
خلاصته تسليم لما قاله؛ إذ حاصله أنه لم يوجد دليل إيجابه، فلما لم يوجد
بقي على عدم لزومه، وهو ما دلّ عليه ظاهر الحديث، فعاد الأمر إلى موافقة
قول القرطبيّ دَّتُهُ.
والحاصل أنه لا دليل لمن شرط، فلا يلزم الوصف والتحديد، فتبصّر،
والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن الحاكم يَسأَل المدعي، هل له بينةٌ؟ وقد ترجم بذلك
الإمام البخاريّ في ((كتاب الشهادات)).
٤ - (ومنها): أن البينة على المدعي في الأموال كلِّها .
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به لمالك تَظُّْهُ في قوله: إن مَن رَضِي بيمين

٢٧
(٦٤) - بَابُ بَيَانِ وَعِيدٍ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ - حديث رقم (٣٦٢)
غريمه، ثم أراد إقامة البينة بعد حلفه أنها لا تسمع، إلا إن أتى بعذر، يتوجه له
في ترك إقامتها قبل استحلافه.
قال ابن دقيق العيد كَّتُهُ: ووجهه أن ((أو)) تقتضي أحد الشيئين، فلو
جاز إقامة البينة بعد الاستحلاف، لكان له الأمران معاً، والحديث يقتضي أنه
ليس له إلا أحدهما، قال: وقد يجاب بأن المقصود من هذا الكلام نفيُ
طريق أخرى لإثبات الحقّ، فيعود المعنى إلى حصر الحجة في البينة واليمين،
ثم أشار إلى أن النظر إلى اعتبار مقاصد الكلام وفهمه، يُضَعِّف هذا
الجواب .
٦ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد كَّثُ أيضاً: إنه قد يَستَدِلُّ الحنفية به
في ترك العمل بالشاهد واليمين في الأموال.
وأجاد الحافظ تَخُّْ حيث قال: والجواب عنه بعد ثبوت دليل العمل
بالشاهد واليمين أنها زيادة صحيحةٌ، يَجِبُ المصير إليها؛ لثبوت ذلك
بالمنطوق، وإنما يستفاد نفيه من حديث الباب بالمفهوم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أحسن الحافظ تَّتُهُ في الردّ على الحنفيّة
في استدلالهم هذا، فإن الحديث صحيح، أخرجه المصنّف تَّتُهُ في
((صحيحه))، وسيأتي برقم (١٧١٢) من طريق قيس بن سعد، عن عمرو بن
دينار، عن ابن عباس ظها: ((أن رسول الله وَل﴿ قَضَى بيمين وشاهد))، فبعد
صحّة المنطوق بطل الاستدلال بالمفهوم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير
التقليد .
قال العلامة الصنعانيّ نَظُّ: قد ثبتت أدلّة العمل بالشاهد واليمين، ثم
ذكر حديث ابن عباس ظ﴿ها المذكور، ثم قال: قال في ((التمييز)): إنه حديث
صحيحٌ، لا يُرتاب في صحّته، وقال ابن عبد البرّ: لا مطعن لأحد في صحّته،
ومنها حديث أبي هريرة ظُه ((أن النبيّ وَّ قضى باليمين والشاهد))، وهو عند
أصحاب ((السنن))، ورجاله مدنيّون ثقات، ولا يضرّه أن سُهيل بن أبي صالح
نسيه بعد أن حدّث به ربيعة؛ لأنه بعد ذلك كان يروي به عن ربيعة، عن نفسه،
عن أبيه، وقصّته في ذلك مشهورة في ((سنن أبي داود)) وغيرها، ومنها حديث
جابر نظُه مثل حديث أبي هريرة ﴿به، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وصحّحه

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أبو عوانة، وابن خُزيمة، وفي الباب عن نحو من عشرين من الصحابة
،
منها الضعاف، والحسان، وبذلك ثبتت الشهرة.
قال الصنعانيّ: أشار بقوله: الشهرة إلى ردّ الحنفيّة لحديث العمل
بالشاهد واليمين بأنه زيادة على ما في القرآن، ولا تُقبل الزيادة من الأحاديث
إلا إذا كان الخبر مشهوراً، وقد عَمِلوا بأحاديث فيها الزيادة على ما في القرآن،
لا تبلغ شهرتها شهرة ما نحن فيه، مثل حديث إيجابهم الوضوء من القهقهة،
والمضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء، وغير ذلك، قال الإمام
الشافعيّ تَخْلُهُ: القضاء بشاهد ويمين لا يُخالف نصّ القرآن؛ لأنه لم يمنع أن
يجوز أقلّ مما نَصَّ عليه، يعني والمخالف لذلك لا يقول بالمفهوم، فضلاً عن
مفهوم العدد. انتهى ما كتبه الصنعانيّ كَُّ(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى
أعلم.
٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على توجيه اليمين في الدَّعَاوَى كلِّها على من
ليست له بينة.
٨ - (ومنها): أن فيه بناءَ الأحكام على الظاهر، وإن كان المحكوم له في
نفس الأمر مبطلاً.
٩ - (ومنها): أن فيه دليلاً للجمهور على أن حكم الحاكم لا يُبيح
للإنسان ما لم يكن حلالاً له، خلافاً لأبي حنيفة، كذا أطلقه النوويّ.
وتُعُقّب بأن ابن عبد البر نَقَلَ الإجماع على أن الحكم لا يُحِلّ حراماً في
الباطن في الأموال، قال: واختلفوا في حِلّ عصمة نكاح مَنْ عَقَد عليها بظاهر
الحكم، وهي في الباطن بخلافه، فقال الجمهور: الفروج كالأموال، وقال أبو
حنيفة، وأبو يوسف، وبعض المالكية: إن ذلك إنما هو في الأموال دون
الفروج، وحجتهم في ذلك اللعان. انتهى.
وقد طَرَدَ ذلك بعضُ الحنفية في بعض المسائل في الأموال، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الحكم لا يُحلّ
شيئاً من الأموال، والفروج، وغيرها هو الحقّ؛ لظهور حجته، والفرق بين
(١) ((العدّة حاشية العمدة)) ٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣.

٢٩
(٦٤) - بَابُ بَيَانِ وَعِيدٍ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِم بِيَمِينِهِ - حديث رقم (٣٦٢)
الأموال والفروج غير صحيح، بل أمر الفروج أشدّ من الأموال، وسيأتي تفصيل
المسألة في موضعها من ((كتاب الأقضية))، حيث يذكر المصنّف ◌َظّتُ حديث أم
سلمة وها هناك (١) - إن شاء الله تعالى -.
١٠ - (ومنها): أن فيه التشديدَ على من حَلَف مُبطلاً؛ ليأخذ حقَّ مسلم،
وهو عند الجميع محمول على من مات من غير توبة صحيحة، وعند أهل السنة
محمول على من شاء الله أن يعذبه، كما تقدم تقريره مراراً.
١١ - (ومنها): ما قاله المازريّ: ذَكَرَ بعض أصحابنا أن فيه دلالةً على
أنّ صاحب اليد أولى بالمدعَّی فیه.
١٢ - (ومنها): أن فيه التنبيه على صورة الحكم في هذه الأشياء؛ لأنه بدأ
بالطالب، فقال: ((ليس لك إلا يمين الآخر))، ولم يَحْكُم بها للمدَّعَى عليه، إذا
حَلَفَ، بل إنما جَعَلَ اليمين تَصْرِف دعوى المُدَّعِي، ولذلك ينبغي للحاكم إذا
حَلَفَ المدَّعَى عليه أن لا يحكم له بملك المدَّعَى فيه، ولا بحيازته، بل يُقِرُّه
علی ◌ُكُم یمینه.
١٣ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أنه لا يُشْتَرط في المتداعيين أن يكون
بينهما اختلاط، أو يكونا ممن يُتَّهَم بذلك، ويليق به؛ لأن النبيّ وَّ أَمَرَ
المدَّعَى عليه هنا بالحَلِفِ بعد أن سمع الدعوى، ولم يسأل عن حالهما .
وتُعُقّب بأنه ليس فيه التصريح بخلاف ما ذهب إليه مَن قال به من
المالكية؛ لاحتمال أن يكون النبيّ وَلَّ عَلِمَ من حاله ما أغناه عن السؤال فيه،
وقد قال خصمه عنه: إنه فاجرٌ، لا يبالي، ولا يَتَوَرَّع عن شيء، ولم يُنْكِر عليه
ذلك، ولو كان بَرِيئاً مما قال لبادر بالإنكار عليه، بل في بعض طُرُق الحديث
ما يدُلّ على أن الغصب المُدَّعَى به وقع في الجاهلية، ومثل ذلك تُسْمَع
الدعوى بيمينه فيه عندهم، قاله الحافظ رَّتُهُ .
(١) هو ما سيأتي للمصنّف نَّثُ في ((كتاب الأقضية)) برقم (١٧١٣) من طريق زينب بنت
أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله وَله: ((إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ
بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحوٍ مما أسمع منه، فمن
قطعت له من حقّ أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعةً من النار)).

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
١٤ - (ومنها): أنّ يمين الفاجر تُسْقِط عنه الدعوى، وأن فُجُوره في دينه
لا يوجب الحجر عليه، ولا إبطال إقراره، ولولا ذلك لم يكن لليمين معنًی.
١٥ - (ومنها): أن المُدَّعَى عليه إن أقر أن أصل المُدَّعَى لغيره، لا يُكَلَّف
بيان وجه مصيره إليه، ما لم يُعْلَم إنكارُهُ لذلك، يعني: تسليم المطلوب له ما
قال.
١٦ - (ومنها): أن من جاء بالبينة قُضِي له بحقه من غير يمين؛ لأنه مُحَالٌ
أن يسأله عن البينة، دون ما يجب له الحكم به، ولو كانت اليمين من تمام
الحكم له، لقال له: بيِّنتك ويمينك على صدقها .
وتُعُقُّب بأنه لا يلزم من كونه لا يُحَلَّف مع بيِّنته على صدقها فيما شهدت
أن الحكم له لا يتوقف بعد البينة على حلفه بأنه ما خَرَجَ عن ملكه، ولا وهبه
مثلاً، وأنه يستحق قبضه، فهذا وإن كان لم يُذكَر في الحديث، فليس في
الحديث ما ينفيه، بل فيه ما يُشْعِر بالاستغناء عن ذكر ذلك؛ لأن في بعض طرقه
أن الخصم اعتَرَفَ، وسَلَّم المُدَّعَى به للمُذَّعِي، فأغنى ذلك عن طلبه يمينه،
والغرض أن المدَّعِي ذَكَر أنه لا بينة له، فلم تكن اليمين إلا في جانب المدَّعَى
عليه فقط.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا تعقّب هذه الفائدة في ((الفتح))، ولكن في
تعقّبه نظر لا يخفى، فأين الدليل الذي يدلّ على أنه لا يُقضَى لمن جاء بالبيّنة
بمجرّدها، بل مع اليمين؟، فالحقّ أن البيّنة تكفي وحدها للقضاء بها؛ لظاهر
النصّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
١٧ - (ومنها): البداءة بالسماع من الطالب، ثم من المطلوب، هل يُقِرّ،
أو ينكر؟ ثم طلب البيئة من الطالب، إن أنكر المطلوب، ثم توجيه اليمين على
المطلوب، إذا لم يَجِد الطالب البينة.
١٨ - (ومنها): أن الطالب إذا ادَّعى أن المُدَّعَى به في يد المطلوب،
فاعترف استُغْنِي عن إقامة البينة بأن يد المطلوب عليه.
١٩ - (ومنها): ما قاله بعض العلماء: إن كلَّ ما يَجْرِي بين المتداعيين
من تسابٍّ بخيانة، وفجور، هَدَرٌ؛ لهذا الحديث.
وتُعُقّب بأنه إنما نسبه إلى الغصب في الجاهلية، وإلى الفجور، وعدم

٣١
(٦٤) - بَابُ بَيَانِ وَعِيدٍ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ - حديث رقم (٣٦٢)
التوقِّي في الأيمان في حال اليهودية، فلا يَطَرِدُ ذلك في حقّ كل أحد.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر في ((الفتح)) هذا التعقّب، ولم يتعقّبه،
وفيه نظر، بل الذي يظهر من الأدلّة ما قاله البعض، وقد ترجم الإمام
البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)) على هذا، فقال: ((بَابُ كلام الخُصُوم بعضِهِم في
بعض))، ثم أورد هذا الحديث مستدلاً على ما ترجم له (١).
ومن الأدلّة عليه ما ثبت في ((الصحيحين)) من قول العبّاس ظُه حين كان
بينه وبين عليّ نَظُه خصومة لعمر بن الخطاب ظُبه، وعنده عثمان بن عفّان،
وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، وسعد بن أبي وقّاص ﴿ه، فقال
عباس: يا أمير المؤمنين اقضٍ بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن؛
يعني: عليّاً رَظُه، فقد جرى هذا الكلام، ووصف عليّاً بهذه الأوصاف
المستكرهة، بين يدي أمير المؤمنين عمر رظه، بمحضر من هؤلاء الأفاضل،
ولم يُنكر ذلك أحد منهم، لا عمر، ولا هم، بل قالوا: أجل يا أمير المؤمنين
فاقضٍ بينهم، وأَرِحْهُم، والقصّة مشهورة في ((الصحيحين))، وغيرهما، وهذا
لفظ مسلم .
والحاصل أن الصواب أن صدور مثل هذا بين المتخاصمين يُتسامح فيه؛
لصدوره غالباً في حال الغضب، والله تعالى أعلم.
٢٠ - (ومنها): موعظة الحاكم المطلوب إذا أراد أن يَخْلِف خوفاً من أن
يَحْلِف باطلاً، فيرجع إلى الحقّ بالموعظة.
٢١ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به القاضي أبو بكر بن الطيب في سؤال أحد
المتناظرين صاحبه عن مذهبه، فيقول له: ألك دليل على ذلك؟، فإن قال:
نعم، سأله عنه، ولا يقول له ابتداءً: ما دليلك على ذلك؟، ووجه الدلالة
أنه وَ ◌ّ قال للطالب: ((ألك بينة؟))، ولم يقل له: قَرِّب بَيِّنتك.
٢٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن لليمين مكاناً يختصّ به؛ لقوله في
بعض طرقه: ((فانطلق ليحلفَ))، وقد عُهِدَ في عهده ◌َطير الحلف عند منبره،
وبذلك احْتَجَّ الخطابيّ، فقال: كانت المحاكمة، والنبيّ وَّ في المسجد،
(١) راجع: ((صحيح البخاريّ)) (٨٨/٥ - ٨٩) بنسخة ((الفتح)).

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فانطَلَق المطلوب ليحلف، فلم يكن انطلاقه إلا إلى المنبر؛ لأنه كان في
المسجد، فلا بد أن یکون انطلاقه إلی موضع أخص منه.
٢٣ - (ومنها): أن فيه أن الحالف يَخْلِف قائماً؛ لقوله: ((فلما قام
ليحلف))، وفيه نظرٌ؛ لأن المراد بقوله: ((قام))، ما تقدّم من قوله: ((انطلق
ليحلف)).
٢٤ - (ومنها): أن الإمام الشافعي تَخْذَتُهُ استَدَلّ به على أن مَن أسلم وبيده
مال لغيره، أنه يَرْجِع إلى مالكه إذا أثبته، وعن المالكيّة اختصاصه بما إذا كان
المال لكافر، وأما إذا كان لمسلم، وأسلم عليه الذي هو بيده، فإنه يُقَرّ بيده،
والحديث حجة عليهم.
٢٥ - (ومنها): ((أن ابن المُنَيِّر تَخْذُ قال: يُستفاد من الحديث أن الآية
المذكورة في هذا الحديث، نَزَلت في نقض العهد، وأن اليمين الغَمُوس لا
كفارة فيها؛ لأن نقض العهد لا كفارة فيه، كذا قال، وفيه نظرٌ؛ لأن غايته أنها
دلالة اقتران.
٢٦ - (ومنها): أن النوويّ تَُّهُ قال: يدخل في قوله: ((من اقتَطَعَ حقَّ
امرئ مسلم)) مَن حَلَف على غير مال، كجِلْد الميتة، والسِّرْجين، وغيرهما، مما
يُنْتَفَع به، وكذا سائر الحقوق، كنصيب الزوجة بالقَسْم، وأما التقييد بالمسلم،
فلا يَدُلّ على عدم تحريم حقِّ الذميّ، بل هو حرام أيضاً، لكن لا يلزم أن
تكون فيه هذه العقوبة العظيمة.
قال في ((الفتح)): وهو تأويل حسنٌ، لكن ليس في الحديث المذكور دلالة
على تحريم حَقِّ الذميّ، بل ثبت بدليل آخر، والحاصل أن المسلم والذميّ لا
يفترق الحكم في الأمر فيهما في اليمين الغَمُوس، والوعيد عليها، وفي أخذ
حقّهما باطلاً، وإنما يفترق بالنسبة إليهما .
٢٧ - (ومنها): أن فيه بيان غِلَظ تحريم حقوق المسلمين، وأنه لا فرق
بين قليل الحقّ وكثيره في ذلك، قاله النوويّ أيضاً.
قال في ((الفتح)): وكأنّ مراده عدم الفرق في غِلَظ التحريم، لا في مراتب
الغِلَظ، وقد صَرَّح ابن عبد السلام في ((القواعد)) بالفرق بين القليل والكثير،
وكذا بَيْنَ ما يترتب عليه كثير المفسدة وحقيرها، وقد وَرَدَ الوعيد في الحالف

٣٣
(٦٤) - بَابُ بَيَانِ وَعِيدٍ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ - حديث رقم (٣٦٢)
الكاذب في حقّ الغير مطلقاً، في حديث أبي ذَرّ ◌َظُه، مرفوعاً: ((ثلاثةٌ لا
يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم ... )) الحديث، وفيه: ((والمنفق سِلْعته بالحلف
الكاذب))، أخرجه مسلم، وله شاهد عند أحمد، وأبي داود، والترمذيّ من
حديث أبي هريرة رَُّه بلفظ: ((ورجلٌ حَلَفَ على سِلْعته، بعد العصر كاذباً)).
انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قوله: (ولا ينظر الله إليه) قال في ((الكشاف)): هو
كناية عن عدم الإحسان إليه عند مَنْ يُجَوِّز عليه النظر، مجازٌ عند من لا
يُجوِّزه. انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: كلا التأويلين باطلان، أما الأول فإنه مذهب
متأخري الأشاعرة الذين يؤولون الصفات، وأما الثاني فإنه مذهب المعتزلة
الذين جمعوا بين نفي نظر المؤمنين لربهم، وبين تأويل الصفات، وهو مذهب
الزمخشريّ، وكلاهما باطل.
قال القاضي عياض: الإعراض، والغضب، والسخط من الله تعالى هو
إرادته إبعاد ذلك المغضوب عليه من رحمته، وتعذيبه، وإنكار فعله وذمّه، قال:
فيكون ذلك من صفات الذات، ويرجع إلى الإرادة، أو الكلام، أو أن يَفعل
بهم فعل المسخوط عليه المُعرِض عنه المغضوب عليه من النقمة والعذاب
والإبعاد عن الرحمة، فيكون من صفات الفعل، وهي في المخلوق تغيُّر حاله
لإرادة السوء، أو فعله بمن غَضِبَ عليه، والله جلّ اسمه يتعالى عن التغيّر،
واختلاف الحال. انتهى كلام عياض، وتبعه النوويّ، وأقرّه عليه(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه القاعدة التي ذكرها القاضي، وتبعه النوويّ
عليها هي من المسائل التي خالف فيها متأخرو الأشاعرة مذهب السلف، وهي
تأويل الصفات، وهي تحتاج إلى بيان، فأقول:
(اعلم أوّلاً): أن صفات الله ◌ََّ تنقسم إلى قسمين: ثبوتيّةٌ، وسلبيّةٌ،
فأما الثبوتيّة، فهي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو فيما صحّ على لسان
(١) ((الفتح)) ٥٧١/١١ - ٥٧٣ ((كتاب الأيمان والنذور)) رقم الحديث (٦٦٧٦ - ٦٦٧٧).
(٢) راجع: ((إكمال المعلم)) ٥٣٦/١ - ٥٣٨، و((شرح النوويّ)) ١٦٢/٢.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رسوله وَي من صفات الكمال والجلال، فيجب إثباتها له ◌َُّلَ حقيقةً على الوجه
اللائق به زمان .
وأما الصفات السلبيّة، فهي ما نفاه الله ◌ُعَلَ عن نفسه في كتابه، أو فيما
صحّ عن رسوله وَ﴾، وكلّها صفات نقص في حقّه ◌َ﴾، كالموت، والنوم،
والنسيان، فيجب نفيها عن الله تعالى مع إثبات ضدّها له على الوجه الأكمل.
ثم إن الصفات الثبوتيّة تنقسم إلى ذاتيّة وفعليّة، فالذاتيّة هي التي لم
يزل الله تعالى متّصفاً بها، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، وغيرها،
ويدخل في هذا القسم الصفات الخبريّة، كالوجه، واليدين، والعينين.
والصفات الفعليّة هي التي تتعلّق بمشيئته وُعَالَ، إن شاء فعلها، وإن شاء
لم يفعلها، وهو نَّكَ متّصفٌ بها منذ الأزل، ولا يجوز اعتقاد أنه تعالى قد
وُصِف بها بعد أن لم يكن متّصفاً بها، مثل النزول إلى السماء الدنيا،
والغضب، والرضا، والإحياء، والإماتة، ونحوها.
وكلُّ صفة تعلّقت بمشيئة الله تعالى، فإنها تابعة لحكمته، وقد تكون
الحكمة معلومة لنا، وقد نَعجز عن إدراكها، لكن نعلم علم اليقين أنه تُعَلاَ لا
يشاء إلا وهو موافقٌ للحكمة.
وقد تكون الصفة ذاتيّة باعتبار، وفعليّة باعتبار آخر، كالكلام، فإنه صفة
من صفات الذات؛ لأن الله ◌ُالجَ لم يزل متكلّماً، ولا يزال متكلّماً، وأما
باعتبار آحاد الكلام، فهو صفة فعليّة.
(ثم اعلم ثانياً): أن التأويل الذي ذكره عياض والنوويّ للإعراض،
والغضب والسخط بإرادة الانتقام، ونحو ذلك هو مذهب الأشاعرة، وأما
مذهب السلف، فهو إثبات هذه الصفات لله وال على حقيقتها، فيُثبتون له
الغضب حقيقةً على كيفيّة تليق بجلاله، وأما قول القائل: إن الغضب غليان دم
القلب لطلب الانتقام، ونحو ذلك، والله تعالى منزّه عن هذا، فيقال له: هذا قد
يصحّ في المخلوق، ولا يجوز تشبيه الخالق بالمخلوق؛ لأن ◌َالَ أثبت هذه
الصفات لنفسه، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: ١١].
ثم إن المعنى الذي صرفوا إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفوه عنه، فإن

٣٥
(٦٤) - بَابُ بَيَانِ وَعِيدٍ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ - حديث رقم (٣٦٣)
الإرادة تتضمّن الميل، وهو مما يتّصف به المخلوق، فوجب إثبات الأمرين، أو
نفيهما معاً(١).
والحاصل أن الفرق بين معاني صفات الله ولل وصفات المخلوقين فيما
يقع فيه الشركة في اللفظ والتسمية واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، لا
يخفى إلا على من أعمى الهوى والتقليد بصيرته، ﴿رَبَّنَا لَا تُرْعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرِنا الحقّ
وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
حقّاً، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاجِ تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٦٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالاً، هُوَ
فِيهَا فَاجِرٌ، لَّقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ))، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، غَيْرَ أَنَّهُ
قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلِ خُصُومَةٌ فِي بِتْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ،
فَقَالَ: ((شَاهِدَالَ أَوْ يَمِينُهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِير) هو ابن عبد الحميد المذكور في الباب الماضي.
٢ - (مَنْصُور) هو: ابن المعتمر بن عبد الله السُّلَميّ، أبو عَّاب الكوفيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
والباقون تقدّموا في الذي قبله.
وقوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ) هو ابن مسعود ظُه، ثم إن رواية جرير، عن
منصور هذه هكذا وقعت موقوفة في ((الصحيحين))، ولم يقع فيها الرفع، وقد
سبق الحديث الماضي من رواية الأعمش مرفوعاً، ولفظه: ((عن عبد الله، عن
رسول الله (َ﴿ قال))، وكذا وقع التصريح برفعه في رواية شعبة عن الأعمش،
(١) راجع ما كتبه محقق: ((إكمال المعلم)) ٥٣٧/١ - ٥٣٨.

٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ومنصور عند البخاريّ في ((الأيمان والنذور))، ولفظه: ((عن شعبة، عن سليمان،
ومنصور، عن أبي وائل، عن عبد الله به، عن النبيّ وَّ قال))، وكذلك وقع
التصريح بالرفع عنده في ((كتاب الأحكام)) من رواية سفيان، عن منصور،
والأعمش.
والظاهر أن منصوراً كان يرويه بالوجهين، أحياناً مرفوعاً، وأحياناً
موقوفاً .
والحاصل أن حديث ابن مسعود به هذا مرفوعاً صحيح، لا يضرّه وقفه
في بعض طرقه؛ لأن الرفع فيه أكثر، على أن الموقوف في مثل هذا له حكم
الرفع، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ) أي متعمّد للكذب، وتسمّى هذه اليمين الغَمُوس.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير منصور، يعني :
أن منصوراً ساق الحديث نحو رواية الأعمش.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلِ خُصُومَةٌ فِي بِثْرٍ) يعني: أن
منصوراً خالف الأعمش في قوله: ((كانت بيني وبين رجل ... إلخ))، فإن
الأعمش ساقه بلفظ: ((كان بيني وبين رجل أرض باليمن))، وقد سبق أن قلنا:
إنه لا تخالف بين الروايتين لإمكان كون البئر كانت في تلك الأرض، وأراد
بالأرض المتنازع فيها أرض البئر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَقَالَ) أي: النبيّ وَِّ ((شَاهِدَاَ أَوْ يَمِينُهُ))) معناه: لك ما يشهد
به شاهداك، أو يمينه، فـ((شاهداك)) خبر لمحذوف: أي الحجّة، أو المثبتُ لك
شاهداك، أو مبتدأ وخبره محذوف: أي شاهداك، يثبتان لك حقّك، وقيل: إن
رفعه على تقدير فعل، أي يُثبتُ لك شاهداك، وقيل: إنه على تقدير مضاف،
أي لك إقامة شاهديك، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامه، فارتفع
ارتفاعه، وقوله: ((أو يمينه)) معطوف عليه في كل ما له.
[تنبيه]: رواية جرير، عن منصور التي أحالها المصنّف تَّتُهُ على رواية
الأعمش، ساقها الإمام البخاريّ كَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال:
(٢٥١٦) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل،
قال: قال عبد الله رَظُّه: ((من حَلَفَ على يمين، يَستَحِقّ بها مالاً، وهو فيها

٣٧
(٦٤) - بَابُ بَيَانِ وَعِيدٍ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ - حديث رقم (٣٦٤)
فاجرٌ، لقي الله، وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَّرُونَ
بِعَهْدِ الَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ فقرأ إلى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]،
ثم إن الأشعث بن قيس، خَرَجَ إلينا، فقال: ما يُحَدِّثكم أبو عبد الرحمن؟ قال:
فحدثناه، قال: فقال: صَدَقَ، لَفِيَّ والله أُنْزِلت، كانت بيني وبين رجل خصومة
في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله وَله، فقال رسول الله وَل: (شاهداك، أو
يمينه))، قلت: إنه إذاً يحلفَ، ولا يبالي، فقال رسول الله وَله: (مَنْ حَلَفَ على
يمين، يستحقّ بها مالاً، وهو فيها فاجر، لقي الله، وهو عليه غضبان))،
فأنزل الله تصديق ذلك، ثم اقترأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ
ثَمَنَا قَلِيلًا﴾، فقرأ إلى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِهٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجّاجِ تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٦٤] (.) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ
أَبِي رَاشِدٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ، سَمِعَا شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ
مَسْعُودٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِم،
بِغَيْرِ حَقِّهِ، لَقِيَ اللهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ))، قَالَ عَبْدُ اللهِ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ لَّهُ
مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرٍ
الْآَيَةِ [آل عمران: ٧٧]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ،
نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، ثقةٌ(١)، صنّف ((المسند))، وكان
يلازم ابن عيينة [١٠] (٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (سُفْيَانُ) هو: ابن عيينة الإمام المشهور، تقدّم قريباً.
(١) قال في ((التقريب)): صدوق، والظاهر أنه ثقةٌ، فقد روى عنه جماعة، ووثقه
الأئمة، راجع ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) ٧٣١/٣ - ٧٣٢.

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٣ - (جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ) الكاهليّ الصيرفيّ الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٥].
رَوَى عن أبي الطُّفَيل، ومنذر الثوريّ، وأبي وائل، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأعمش، وزُبَيد الياميّ، وهما من أقرانه، والسفيانان،
ومحمد بن طلحة بن مُصَرِّف، وشريك.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: شيخٌ ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال
العجليّ: ثقةٌ ثبتٌ صالحٌ، وأخوه ربيع يقال: إنه لم يكن بالكوفة في زمانه
أفضل منه، وهما في عِدَاد الشيوخ، ليس حديثهم بكثير، وقال يعقوب بن
سفيان: كوفيٌّ ثقةٌ، وقال البخاري في ((التاريخ)): قال عليّ، عن سفيان: جامعٌ
أحبُّ إليّ من عبد الملك بن أعين، وقال ابن حبان في ((الثقات)): جامع بن
أبي راشد، ورُبّما رَوَى عنه شريك، فقال: جامع بن راشد، والصحيح ما قاله
سفیان ۔ یعني - وغيره: ابن أبي راشد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٣٨)،
وحديث (١٤٤): ((فتنة الرجل في أهله ... )).
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ) الكوفيّ، مولى بني شيبان، صدوقٌ شيعيّ، له
حديث متابعةً [٦].
رَوَى عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وعبد الله بن شَدّاد بن الهاد، وأبي
وائل، وأبي حرب الأسود، وعبد الرحمن بن أُذَينة.
ورَوَى عنه ابن إسحاق، وإسماعيل بن سُمَيع، وعبد الملك بن أبي
سليمان، والسفيانان، قال محمد بن المثنى: ما سمعت ابن مهديّ يحدّث عن
سفيان، عن عبد الملك بن أعين، وكان يُحدِّث عنه فيما أُخبرتُ، ثم أمسك،
وقال الحميديّ، عن سفيان: حدثنا عبد الملك بن أعين شيعيّ، كان عندنا،
رافضيّ، صاحب رأي، وقال الدُّورِيّ، عن ابن معين: ليس بشيء، وقال
حامد، عن سفيان: هم ثلاثة إخوة: عبد الملك، وزُرَارة، وحُمْران، رَوَافِضُ
كلهم، أخبثهم قولاً عبد الملك، وقال أبو حاتم: هو من أَعْتَى الشيعة، محله
الصدق، صالح الحديث، يُكْتَب حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وكان
يتشيع، وقال الساجيّ: كان يتشيع، ويُحْتَمَلُ في الحديث، وقال العجليّ:
كوفيّ، تابعيّ، ثقة.

٣٩
(٦٤) - بَابُ بَيَانِ وَعِيدٍ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ - حديث رقم (٣٦٥)
أخرج له الجماعة، وله عند الشيخين هذا الحديث فقط، أخرجاه له
مقروناً بجامع بن أبي راشد.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، و((شقيقٌ)) هو: أبو وائل المذكور في
السند السابق.
وقوله: (قَالَ عَبْدُ اللهِ) هو ابن مسعود نظُّه، وهو موصولٌ بالسند
المذكور .
وقوله: (مِصْدَاقَهُ) أي مِصداق الحديث، و((المِصْدَاق)) بكسر أوله، مِفْعالٌ
من الصدق، بمعنى الموافقة، قاله في ((الفتح))، وقال في ((القاموس)): ومصداق
الشيء: ما يُصَدِّقه. انتهى(١).
(مِنْ كِتَابِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرٍ
الْآيَةِ [آل عمران: ٧٧])، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّما قريباً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاجِ تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٦٥] (١٣٩) - (حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَهَنَّهُ بْنُ
السَّرِيِّ، وَأَبُو عَاصِمِ الْحَنَفِيُّ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ
سِمَاكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بَّنِ وَائِلِ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَ مَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ
كِنْدَةَ، إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى
أَرْضِ لِي كَانَتْ لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي، فِي يَدِي، أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا
حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لِلْحَضْرَمِيِّ: ((أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَلَكَ يَمِينُهُ))،
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ، لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَُّ
مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: (لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ))، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَه
لَمَّا أَدْبَرَ: ((أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ؛ لِيَأْكُلَهُ ظُلْماً، لَيَلْقَبَنَّ اللهَ، وَهُوَ عَنْهُ
مُعْرِضٌ))).
(١) ((القاموس المحيط)) ص ٨١٠.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هنّاد بن السريّ) - بفتح السين المهملة، وكسر الراء الخفيفة - ابن
مصعب بن أبي بكر بن شَبْر بن صَعْفُوق بن عَمْرو بن زُرَارة بن عدس بن زيد بن
عبد الله بن دارم التميميّ الدارميّ، أبو السَّرِيّ الكوفيّ، ثقة [١٠].
رَوَى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهشيم، وأبي بكر بن عياش،
وعبد الله بن إدريس، وأبي الأحوص، وحفص بن غياث، وعبدة بن سليمان،
وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري في ((خلق أفعال العباد))، والباقون، وابن أخيه
محمد بن السريّ بن يحيى بن السريّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأحمد بن
منصور الرمادي، ومحمد بن عبد الملك الدقيقي، ومطين، وعبدان الأهوازي،
وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: عليكم بهنّاد. وقال أبو حاتم:
صدوق. وقال قتيبة: ما رأيت وكيعاً يُعَظّم أحداً تعظيمه لهنّاد. وقال النسائي:
ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال السراج: قال هنّاد بن السريّ: وُلدت
سنة اثنتين وخمسين ومائة، قال: ومات في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين
ومائتين. روى عنه البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والمصنف، والأربعة، وله
في هذا الكتاب (٢٥) حديثاً .
٢ - (أَبُو عَاصِم الْحَنَفِيُّ) هو: أحمد بن جَوّاس - بفتح الجيم، وتشديد
الواو، آخره سين مهمّةٌ - الكوفيّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن أبي الأحوص، وعبد الله بن إدريس، وابن المبارك، وأبي
معاوية، وأبي بكر بن عَيّاش، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وابن وَارَةَ، وأحسن الثناء
عليه، وأبو بكر الأثرم، والحسن بن سفيان، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وقال: إنه لم
يُحَدِّث إلا عن ثقة، وغيرهم، وقال مطيّن: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال مطيّن: مات لثلاث خَلَوْنَ من المحرم سنة (٢٣٨).
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط:
هذا (١٣٩)، و(٢٩٠): ((ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ ... ))، و(٧١٥):
((فقضاني، وزادني ... ))، و(٨٠٦): ((بينما جبريل قاعد عند النبيّ وَّر ... )).