النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
(٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٤)
لاحتمال أن يكون مثل هذا الرجل، وإن كان يُعطى في الظاهر أحكام الشهداء
في الدنيا، وقد أخرج أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح عن أبي العَجْفاء،
قال: سمعت عمر رُه يقول، فذكر المغالاة في صداق النساء، قال: وأخرى
تقولونها في مغازيكم: قُتِل فلان شهيداً، مات فلان شهيداً، ولعله أن يكون قد
أوقر عَجُزَ دابته أو دَفَّ راحلته ذهباً وفضةً، يبتغي التجارة، فلا تقولوا ذاكم،
ولكن قولوا كما قال محمد ◌َّله: ((من قُتِل في سبيل الله فهو في الجنة))، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣١٤] (١١٣) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِيُّ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الَّحَسَنَ يَقُولُ: ((إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ، خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ، فَلَمَّا آذَتْهُ، انْتَزَعَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، فَنَكَأَهَا، فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ
حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ:
إِي وَاللهِ لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌ِّهِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) النيسابوريّ الحافظ المذكور قبل حديث.
٢ - (الزُّبَيْرِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن عبد الله بن
الزبير بن عُمَرَ بن دِرْهم الأسديّ مولاهم الزبيريّ، أَبُو أَحْمَدَ الكوفيّ، ثقة
ثبتٌ، إلا أنه قد يُخطئ في حديث الثوريّ [٩].
رَوَى عن أيمن بن نابل، ويحيى بن أبي الهيثم العطار، وعيسى بن
طهمان، وفِطر بن خليفة، وسفيان الثوري، ومسعر، ومالك بن مغول،
ومالك بن أنس، وإسرائيل بن يونس، وإبراهيم بن طهمان، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه طاهر، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وبندار، وأبو
موسى، وأحمد بن منيع، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وأبو بكر بن أبي شيبة،
وعبد الله بن محمد المسندي، وعمرو بن محمد الناقد، ونصر بن عليّ
الجهضميّ، وغيرهم.

٣٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال نصر بن علي: سمعت أبا أحمد الزبيري يقول: لا أبالي أن يُسرَق
مني كتاب سفيان، إني أحفظه كله، وقال ابن نمير: أبو أحمد الزبيري صدوق،
في الطبقة الثالثة من أصحاب الثوري، ما علمت إلا خيراً، مشهور بالطلب،
ثقة، صحيح الكتاب، وكان صديق أبي نعيم، وأبو نعيم أقدم سماعاً وأسنّ
منه، وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل: كان كثير الخطأ في حديث
سفيان، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال عثمان الدارمي عن ابن
معين: ليس به بأس، وقال العجلي: كوفي ثقة يتشيع، وقال بندار: ما رأيت
أحفظ منه، وقال أبو زرعة، وابن خِرَاش: صدوق، وقال أبو حاتم: عابد
مجتهد، حافظ للحديث، له أوهام، وقال ابن قانع: ثقة، وقال النسائي: ليس
به بأس، وقال ابن أبي خيثمة عن محمد بن يزيد: كان يصوم الدهر.
قال أحمد بن حنبل وغيره: مات بالأهواز سنة ثلاث ومائتين. وفيها
أرّخه ابن سعد، وقال: كان صدوقاً، كثير الحديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٢) حديثاً.
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية
البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
٤ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ
الإمام الحجة الثبت الفقيه، يرسل، ويُدلّس، رأس الطبقة [٣] (ت١١٠)، وقد
قارب (٩٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٦.
٥ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ) هو: جُنْدَب بن عبد الله بن سفيان
الْبَجَليّ، ثم الْعَلَقيّ، أبو عبد الله، وربّما نُسب إلى جدّه، صحابيّ مات ◌َظُه
بعد الستّين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٦/٤٣، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع.

٣٦٣
(٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٤)
٤ - (ومنها): أن فيه شيبان النحويّ، وهو منسوب إلى نَحْوَة، بطنٍ من
الأزد، لا إلى علم النحو، وإن كان هو المشهور في هذه النسبة، ومثله يزيد
النحويّ، ولا ثالث لهما، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن شيبان بن عبد الرحمن النحويّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ) البصريّ
(يَقُولُ: ((إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (خَرَجَتْ بِهِ
قَرْحَةٌ) بفتح القاف، وسكون الراء: واحدة القُرُوح، وهي حبات تَخْرُج في بدن
الإنسان، وفي الرواية التالية: ((كان خُراجٌ)) - بضمّ الخاء المعجمة، وتخفيف
الراء -: وهي الْقَرْحَةُ، وفي رواية البخاريّ في ((ذكر بني إسرائيل)): ((كان فيمن
كان قبلكم رجلٌ به جُرْعٌ)) بضم الجيم، وسكون الراء، وفي رواية له في
((الجنائز)): ((به جِرَاحٌ))، قال في ((الفتح)): وكأنه كان به جُرْح، ثم صار قَرْحَةً،
قال: وذكره بعضهم بضم المعجمة، وآخره جيم، وهو تصحيف. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ادّعى التصحيف في ((الفتح))، فإن
أراد خصوص رواية البخاريّ، فيمكن أن يُسلّم، وإلا فرواية مسلم الآتية بلفظ
(خُرَاج)) بالضبط المذكور، فلا وجه لإنكارها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ) وفي رواية البخاريّ: ((فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِيناً، فَحَزَّ بها
يده))، ومعنى ((انتزع)): أخرج (سَهْماً) بفتح، فسكون: واحدُ النَّبْلِ، وقيل: نفسُ
النَّصْلِ(٢). (مِنْ كِنَانَتِهِ) بكسر الكاف: هي جَعْبَة النشاب، مفتوح الجيم، سُمّيت
كنانةً؛ لأنها تُكِنّ السِّهَامَ: أي تستُرُها (فَتَكَأَهَا) - بالنون، والهمز -: أي قشّرها،
وخرقها، وفَتَحَها، وقيل: معناه: نخس موضع الجرح، وفي رواية البخاريّ:
((فَأَخَذَ سِكِيناً، فَحَزَّ بها يده))، ويمكن الجمعِ بأن يكون فَجَّر الجرح بذُبابة
السَّهْم، فلم ينفعه، فحَزَّ موضعه بالسكين، ودَلّت رواية البخاريّ هذه على أن
الجرح كان في يده، قاله في ((الفتح))(٣).
(١) ((الفتح)) ٦/ ٥٧٧.
(٢) راجع: ((القاموس)) ص١٠١٤، و((المصباح)) ٢٩٣/٢.
(٣) ((الفتح)) ٦/ ٥٧٧ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم الحديث (٣٤٦٣).

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ولفظ أبي عوانة في ((مسنده)) ((جُرح رجلٌ فيمن كان قبلكم جراحةً،
فضجر، فعمد إلى سكّين، فقطع يده، فلم يرقأ الدم حتى مات، فقال الله:
بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنّة)).
وفي رواية لأبي نعيم في ((المستخرج)): ((كان ممن قبلكم رجلٌ جَرَح
فخذه بسكّين، فلم يرقأ دمه، فمات، فقال رسول الله وَله: ((قال الله تعالى:
بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنّة)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن قوله: ((فخذه)) محلّ نظر؛ إذ المذكور
في رواية البخاريّ وغيره: ((يده))، والله تعالى أعلم.
(فَلَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ) - بالقاف، والهمز -: أي لم ينقطع، يقال: رقأ الدمُ
والدَّمْعُ يرقأ رُقُوءاً، مثل ركع يركع رُكوعاً: إذا سكن، وانقطع.
(حَتَّى مَاتَ) غاية لقوله: ((فلم يرقأ)) (قَالَ رَبُّكُمْ) زاد في رواية البخاريّ:
((قال الله (ت: بادرني عبدي بنفسه))، وهي رواية أبي عوانة المذكورة آنفاً، وهو
كناية عن استعجال الرجل الموتَ وسيأتي البحث فيه (قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)))
قال في ((الفتح)): هو جار مَجْرَى التعليل للعقوبة؛ لأنه لَمّا استعجل الموت
بتعاطي سببه، من إنفاذ مقاتله، فجعل له فيه اختياراً، عصى الله به، فناسب أن
يعاقبه، ودَلّ ذلك على أنه قطع يده لإرادة الموت، لا لقصد المداواة التي
يَغْلِب على الظن الانتفاع بها .
قال: وقد استُشكِل قوله: ((بادرني بنفسه))، وقوله: ((حَرَّمتُ عليه الجنة))،
لأن الأول يقتضي أن يكون مَن قُتِل فقد مات قبل أجله؛ لما يوهمه سياق
الحديث، من أنه لو لم يَقتُل نفسه كان قد تأخر عن ذلك الوقت وعاش، لكنه
بادر فتقدم.
والثاني يقتضي تخليد الموحِّد في النار.
والجواب عن الأول أن المبادرة من حيثُ التسببُ في ذلك، والقصد له،
والاختيار، وأطلق عليه المبادرة؛ لوجود صورتها، وإنما استَحَقَّ المعاقبة؛ لأن الله
لم يُطلِعه على انقضاء أجله، فاختار هو قتل نفسه، فاستحق المعاقبة؛ لعصيانه.
وقال القاضي أبو بكر: قضاءُ الله مطلقٌ، ومقيدٌ بصفة، فالمطلق يَمضِي
على الوجه بلا صارف، والمقيّدُ على الوجهين.

٣٦٥
(٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٤)
مثاله أن يُقَدَّر لواحد أن يَعِيش عشرين سنة إن قَتَلَ نفسه، وثلاثين سنة إن
لم يَقتُل، وهذا بالنسبة إلى ما يَعلَم به المخلوق، كملك الموت مثلاً، وأما
بالنسبة إلى علم الله، فإنه لا يقع إلا ما عَلِمه.
ونظير ذلك الواجب الْمُخَيَّر فالواقع منه معلوم عند الله تعالى، والعبد
مُخَيَّر في أيِّ الخصال يفعل.
والجواب عن الثاني من أوجه:
[أحدها]: أنه كان استَحَلَّ ذلك الفعل، فصار كافراً.
[ثانيها]: كان كافراً في الأصل، وعوقب بهذه المعصية زيادة على كفره.
[ثالثها]: أن المراد أن الجنة حُرِّمت عليه في وقتٍ مّا، كالوقت الذي يَدخُل
فيه السابقون، أو الوقت الذي يُعَذَّب فيه الموحدون في النار، ثم يُخْرَجون.
[رابعها]: أن المراد جنة معينة، كالفردوس مثلاً.
[خامسها]: أن ذلك وَرَدَ في سبيل التغليظ والتخويف، وظاهره غير مراد.
[سادسها]: أن التقدير: حَرَّمتُ عليه الجنة إن شئتُ استمرار ذلك.
[سابعها]: قال النوويّ: يحتمل أن يكون ذلك شَرْعَ من مضى: أن
أصحاب الكبائر يَكفُرون بفعلها، ذكر هذا كلّه في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب التأويلات عندي هو تأويل مَن أوَّله
بأن تحريمها عليه يكون تحريماً مؤقّتاً، وهو الوقت الذي يُعذّب فيه أصحاب
الكبائر، ثم يكون مآله إليها، أو المراد أن ذلك هو الذي يستحقّه؛ لعظم
جُرْمه، إلا أن الله تعالى تفضّل على الموحّدين، فجعل آخرهم الجنّة، وعلى
أي حال، ففيه بيان عظمة ذنب قاتل نفسه عمداً بسبب شدّة البلاء، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(ثُمَّ مَدَّ) الحسن البصريّ (يَدَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ) أي مسجد البصرة، كما قاله
في ((الفتح)) (فَقَالَ: إِيْ) بكسر الهمزة، وسكون المثنّاة التحتانيّة، قال ابن هشام
رحمه الله تعالى: ((إِيْ)) بالكسر والسكون حرف جواب بمعنى (نَعَمْ))، فيكون
لتصديق المخبِر، ولإعلام المستخبر، ولوعد الطالب، فتقع بعد ((قام زيدٌ))،
(١) ((الفتح)) ٦/ ٥٧٧ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٦٣).

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
و((هل قام زيد))، و((اضرب زيداً))، ونحوهنّ، كما تقع ((نعم))، وزعم ابن
الحاجب أنها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْتُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ
إِى وَرَقٌ إِنَّهُ لَحَنْ﴾ [يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع إلا قبل القسم، وإذا
قيل: ((إي والله))، ثم أُسقطت الواو جاز سكون الياء وفتحُها وحذفها، وعلى
الأول فيلتقي ساكنان على غير حدّهما. انتهى كلام ابن هشام(١)، وإلى هذا
أشار شيخنا عبد الباسط في ((نظم المغني))، حيث قال:
وَ((إِي)) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَارِدَهْ
حَرْفَ جَوَابٍ كَـانَعَمْ)) وَيُشْتَرَظْ
إِنْبَاعُهُ بِقَسَم بِلَا غَلَظْ
أَوْ سَاكِناً أَوْ بِانْفِتَاحِهِ يَفِي
وَالْحَرْفُ إِنْ يُحْذَفْ فَيَاءَ احْذِفٍ
(وَاللّهِ لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌّ) ◌َهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي هَذَا
الْمَسْجِدِ) أي مسجد البصرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد الله ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣١٤/٥٠ و٣١٥] (١١٣)،
و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٤٦٤)، و((أحاديث بني إسرائيل)) (٣٤٦٣)، و(ابن
حبّان) (٥٩٨٨ و٥٩٨٩)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٦٤٧ و٦٤٨)، و(البغويّ)
في «شرح السنّة)) (٢٥٢٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٥٢٧)، و(أبو عوانة) في
(«مسنده)) (١٣٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٠١ و٣٠٢)، و(الطبرانيّ) في
(المعجم الكبير)) (١٦٦٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤/٨) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم قتل نفس القاتل، وكذا غيره؛ لأنه منافٍ للإيمان
بتقدير الله تعالى، وهو وجه المطابقة لذكره هنا .
(١) ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٧٦/١ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

٣٦٧
(٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٥)
٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه تحريم قتل الإنسان غيره بالطريق الأولى؛
لأنه إذا لم يجُز قتل نفسه التي يُتوهّم أنه لا ينازعه فيها أحد، فكيف
بالآخرين؟ .
٣ - (ومنها): أن فيه الوقوفَ عند حقوق الله، ورحمته بخلقه، حيث حَرَّم
عليهم قتل نفوسهم، وأن الأنفس ملك الله تعالى.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث عن الأمم الماضية؛ لأخذ العبرة عما نزل
بهم بسبب مخالفتهم.
٥ - (ومنها): أن شريعة من قبلنا شريعة لنا إذا قصّه الرسول وَلهو علينا،
ولم يأت في شرعنا ما يُعارضه، وهذا هو القول الراجح، كما حقّقته في
منظومتي ((التحفة المرضيّة)) في أصول الفقه، وشرحها .
٦ - (ومنها): بيان فضيلة الصبر على البلاء، وترك التضجر من الآلام؛
لئلا يُفضي إلى أشدّ منها .
٧ - (ومنها): بيان تحريم تعاطي الأسباب المفضية إلى قتل النفس.
٨ - (ومنها): التنبيه على أن حكم السِّرَاية على ما يترتب عليه ابتداء
القتل.
٩ - (ومنها): بيان الاحتياط في التحديث، وكيفية الضبط له، والتحفظ
فيه بذكر المكان، والإشارة إلى ضبط المحدث، وتوثيقه لمن حَدّثه؛ لِيَرْكَنَ
السامع لذلك(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج رحمه الله
تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٥] - ( ... ) - (وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ
جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ
الْبَجَلِيُّ، فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى
(١) راجع: ((الفتح)) ٦/ ٥٧٧ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم الحديث (٣٤٦٣).

٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رَسُولِ اللهِ وَِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ
خُرَاجٌ ... ))، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسةٌ :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن
عطاء بن مُقَدَّم الْمُقَدَّمَيّ، أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠] (٢٣٤)
(خ م س) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شُجَاع الأزديّ،
أبو العباس البصري الحافظ، ثقة [٩].
رَوَى عن أبيه، وعكرمة بن عَمّار، وهشام بن حَسّان، وابن عون، وهشام
الدستوائيّ، وشعبة، وصَخْر بن جُوَيرية، وموسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وعلي ابن المديني، ويحيى بن معين،
وإسحاق بن راهويه، وأبو خيثمة، وعبد الله بن محمد الْمُسْنَديّ، ومحمد بن
یحیی الذهليّ، وغيرهم.
قال سليمان بن داود القَزّاز: قلت لأحمد: أريد البصرة، عمن أكتب؟
قال: عن وهب بن جرير، وأبي عامر الْعَقَديّ، وقال عثمان بن سعيد الدارميّ،
عن يحيى بن معين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: صدوقٌ،
قيل له: وهب بن جرير، ورَوْح بن عبادة، وعثمان بن عمر؟ قال: وهب أحبّ
إلي منهما، وهبّ صالح الحديث، وقال الآجري: سمعت أبا داود يحدث عن
وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، سمع يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي
حبيب، عن أبي وهب الْجَيْشَانيّ، قال أبو داود: جرير بن حازم رَوَى هذا عن
ابن لهيعة، أُراها صحيفةً اشتبهت على وهب بن جرير، وقال النسائيّ: ليس به .
بأس. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان يخطئ. وقال العجلي:
بصري ثقة، كان عفان يتكلم فيه. وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال الْعُقيليّ:
قال أحمد: قال ابن مهدي: ها هنا قوم يُحَدِّثون عن شعبة، ما رأيناهم عنده،
يُعَرِّض بوهب، وقال أحمد: ما رَوَى وهب قط عن شعبة، ولكن كان وهب
صاحب سنّة، حَدّث - زعموا - عن شعبة بنحو أربعة آلاف حديث، قال عفان:

(٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٥)
٣٦٩
هذه أحاديث عبد الرحمن الرصاصيّ، شيخ سَمِعَ من شعبة كثيراً، ثم وقع إلى
مصر، وقال وهب بن جرير: كَتَبَ لي أبي إلى شعبة، فكنت أجيء إليه،
فسأله، وقال أحمد بن منصور الرَّمَاديّ: تذاكرت أنا وابنُ وَارَةَ، أيما أثبتُ،
وهب، أو أبو النضر؟ فقال هو: أبو النضر، وقلت أنا: وهب.
قال ابن سعد: مات سنة ست ومائتين، وقال الآجري عن أبي داود: قال
لي هارون بن عبد الله: مات وهب في المحرم سنة سبع، وفيها أَرّخه غير
واحد.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثاً .
٣ - (أَبُوه) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ،
ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه، وقد اختلط،
لكنه لم يحدّث بعد اختلاطه [٦] (ت١٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (فِي هَذَا الْمَسْجِدِ) تقدّم أنه مسجد البصرة.
وقوله: (فَمَا نَسِينَا) أشار به إلى تحقُّقه لِمَا حَدَّث به، وقُرْب عهده به،
واستمرار ذكره له.
وقوله: (وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلَّ) فيه إشارةٌ
إلى أن الصحابة عُدُولٌ، وأنّ الكذب مأمونٌ مِن قِبَلِهم، ولا سيما على
النبيّ
.
وقوله: (خُرَاجٌ) بضم الخاء المعجمة، وتخفيف الراء، وزانُ غُرابٍ: بَثْرٌ -
أي قُرُوحٌ -، الواحدة خُرَاجة، قاله في ((المصباح))(١)، وقال في ((القاموس)):
الْخُرَاجُ كالْغُرَابِ: الْقُرُوحِ. انتهى(٢) .
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير شيخه محمد بن أبي بكر، يعني:
أنه ذكر نحو متن حديث محمد بن رافع السابق.
ورواية وهب بن جرير هذه ساقها الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى في
((صحيحه))، فقال:
(١) ((المصباح المنير)) ١٦٦/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص ١٧٠.

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(٥٩٨٨) أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا محمد بن المثنى
الزَّمِنُ، حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا
جندب بن عبد الله، في هذا المسجد، فما نَسِينا منه، حَدَّثنا، ولا نَخْشَى أن
يكون كَذَبَ على رسول الله وسلّم قال: قال رسول الله وَّهُ: ((خَرَجَ برجل خُرَاجٌ،
ممن كان قبلكم، فأَخَذَ سِكِيناً، فَوَجَأَ بها، فما رَقَأَ الدم عنه حتى مات،
فقال الله تبارك وتعالى: عبدي بادرني بنفسه، حَرَّمتُ عليه الجنة)). انتهى(١)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
٥١ - (بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ)
[٣١٦] (١١٤) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا
◌ِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سِمَاكِ الْحَنَفِيُّ، أَبُو زُمَّيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ
عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ
صَحَابَةِ النَّبِيِّ وََّ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلِ،
فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((كَلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ، فِي بُرْدَةٍ
غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اذْهَبْ، فَنَادِ فِي
النَّاسِ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ الْمُؤْمِنُونَ))، قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَنَادَيْتُ: أَلَا إِنَّهُ لَا
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّ الْمُؤْمِنُونَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ الحافظ تقدّم قبل باب.
٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ،
مشهور بكنيته، ولقبه قَيْصَر، ثَقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ،
(١) راجع: ((الإحسان بترتيب ابن حبّان)) ٣٢٨/١٣.

٣٧١
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٦)
إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فضعيفٌ؛ لاضطرابه [٥] (ت قبيل ١٦٠)
(خت م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
٤ - (سِمَاكُ الْحَتَفِيُّ، أَبُو زُمَيْلٍ) - بضمّ الزاي، وتخفيف الميم المفتوحة،
مصغّراً - هو: سماك بن الوليد اليماميّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٣] (بخ م ٤) تقدم
في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) بن عبد المطلب الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َُّا حبر
الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن (ت ٦٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
٦ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفَيل بن عديّ القرشيّ العدويّ، أمير
المؤمنين نظريته (ت٢٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، بصيغة الإفراد، إلا في الثاني،
فبصيغة الجمع، ومن القاعدة عندهم أن الراوي إنما يقول: ((حدثني)) إذا سمع
من لفظ الشيخ وحده، ويقول: ((حدثنا)) إذا سمع منه مع غيره.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن ابن عبّاس أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
والمشهورين بالفتوى، ويُلقب بالحبر، والبحر؛ لسعة علمه رظُه.
٥ - (ومنها): أن عمر ظُله أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، والعشرة
المبشرين بالجنة، وأول من لُقّب بأمير المؤمنين، ويُلقّب بالفاروق، وله مناقبُ
جمة رظُه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ مَا أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)
رضىعنه
(قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ) ((كان)) هنا تامّة، بمعنى وقع، و(يوم)) مرفوع على
الفاعليّة، وإلى هذا أشار ابن مالك في ((خلاصته)) حيث قال:
وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفَي
وقال الحريريّ في «مُلْحَته)):

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وَإِنْ تَقُلْ ((يَا قَوْمُ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ)) فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
ويحتمل أن تكون ناقصةً، و(يومُ)) اسمها، وخبرها محذوفٌ، أي واقعاً،
والمراد بيوم خيبر غزوته، والله تعالى أعلم.
وتقدم قريباً أن يوم خيبر كان في المحرّم سنة سبع من الهجرة (أَقْبَلَ نَفَرٌ)
قال في ((القاموس)): النَّفَرُ - أي بفتحتين -: الناس كلّهم، وما دون العشرة من
الرجال، كالنَّفِير، جمعه أَنْفَارٌ. انتهى. وقال شارحه: قال أبو العبّاس: النقّرُ،
والرهط، والقوم: معناها الجمع، لا واحد لها من لفظها، والنسب إليه نَفَريّ،
وقال الزجّاج: النَّفِيرُ: جمع نَفَر، كالعبيد. انتهى. (مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ بََّ)
((الصحابة)) - بفتح الصاد المهملة -: جمع صاحب، بمعنى صحابيّ، وهؤلاء
النفر لم يُسمّوا، كما قاله صاحب ((التنبيه))(١). (فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ) قال
الفيّومي: ((فلانٌ، وفلانةٌ)) بغير ألف ولام كناية عن الأَناسيّ، وبهما كناية عن
البهائم، فيقال: ركِبتُ الفلان، وحَلَبتُ الفلانة، أفاده الفيّوميّ(٢). (فُلَانٌ شَهِيدٌ)
أي لرجل آخر، فهو عطف بعاطف مقدّر، ولم يُسمّ الفلانان، كما قاله صاحب
((التنبيه)) (حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ) أي حتى جاؤوا في عدّهم أسماء الشهداء، على
اسم رجل ممن قُتل في تلك المعركة، قال القرطبيّ: هذا الرجل هو المسمّى
بمِدْعم، وكان عبداً للنبيّ وَّر، يعني: الآتي في حديث أبي هريرة ◌َلُه الآتي
بعده، وقال صاحب ((تنبيه المعلم)): لا أعرفه.
قال الجامع عفا الله تعالى: قول القرطبيّ بعيد، فإن قصّة مِدْعَم غير هذه
القصّة، كما سيأتي بيانها في شرح حديث أبي هريرة ربه الآتي، فلا ينبغي
تفسير المبهم هنا به، ويمكن أن يُفسَّر بكِرْكِرة (٣)، كما سيأتي تحقيقه هناك،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((كَلََّ) حرف رَدْع وزجر، وردّ
لقوله في هذا الرجل: إنه شهيدٌ، محكوم له بالجنّة أوّلَ وَهْلَة، والمعنى: أي
(١) راجع: (تنبيه المعلم)) ص٦٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٨١/٢.
(٣) قال في ((الفتح)): واختلف في ضبطه، فذكر عياضٌ أنه يقال بفتح الكافين، وبكسرهما،
وقال النوويّ: إنما اختلف في كافه الأولى، وأما الثانية فمكسورة اتفاقاً. انتهى.

٣٧٣
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٦)
انزجروا عن ذكر هذا الرجل في جملة الشهداء؛ لأنه ليس منهم، فقوله: (إِنِّي
رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ) جملة تعليليّة لقول: ((كلا)) (فِي بُرْدَةٍ) أي بسببها، فـ((في)) بمعنى
الباء السببيّة، كما في الحديث الآخر: ((عُذُّبت امرأة النار في هرّة
حبستها ... ))، الحديث، متّفقٌ عليه.
و((الْبُرْدة)) - بضم الموحّدة، وسكون الراء -: قال ابن الأثير: هي الشَّمْلَة
الْمُخَطِّطة، وقيل: كساءٌ أسود مُربَّعٌ، فيه صُوَرٌ، تَلبسه الأعراب، وجمعها بُرَدٌ -
بضمّ، ففتح. انتهى(١) .
وقوله: (غَلَّهَا) بفتح الغين المعجمة، وتشديد اللام، جملة في محلّ جرّ
صفة لـ((بُرْدة))، قال ابن الأثير: ((الْغُلُول: الخِيَانة في المغنم، والسَّرِقةُ من
الغنيمة قبل القسمة، يقال: غَلَّ في الْمَغنم يَغُلُّ غُلُولاً، فهو غالٌّ، وكلُّ من
خان في شيء خُفْيَةً فقد غَلَّ، وسُمِّيت غُلُولاً؛ لأن الأيدي فيها مَغْلُولة: أي
مجعولٌ فيها غُلٌّ، وهو الحديدة التي تَجمَعُ يد الأسير إلى عُنُقه، ويقال لها
جامعةٌ أيضاً. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ: غَلَّ غُلُولاً، من باب قَعَدَ، وأغلّ بالألف: خان في
المغنم، وغيره، قال ابن السِّكِّيت: لم نَسمَع في المغنم إلا غَلَّ ثلاثيّاً، وهو
متعدٍّ في الأصل، لكن أُميت مفعوله، فلم يُنْطَقْ به. انتهى(٣).
وقال ابن قتيبة وغيره: الْغُلُول من الْغَلَل، وهو الماء الجاري بين
الأشجار، فكأن الغالّ سُمّي بذلك؛ لأنه يُدخل الغلول على أثناء راحلته.
(٤)
انتھی(٤).
(أَوْ) للشكّ من الراوي (عَبَاءَةٍ))) أي أو قال بدل قوله: «في بُرْدة غلّهَا»:
((فِي عَبَاءة غلّها))، و(الْعَبَاءة)) بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، والمدّ:
واحدة الْعَبَاء، ضربٌ من الأكسية، ويقال لها: عباية بالياء أيضاً، قاله ابن
(٥)
الأثير(٥).
(١) ((النهاية)) ١١٦/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٤٥٢/٢.
(٥) ((النهاية)) ١٧٤/٣ - ١٧٥.
(٢) ((النهاية)) ٣/ ٣٨٠.
(٤) راجع: ((المفهم)) ٣٢١/١.

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: لا حجة في هذا الحديث للمكفِّرة
بالذنوب؛ لأنا نقول: إن طائفةً من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم، ثم
يُخرجون منها بتوحيدهم، أو بالشفاعة لهم، كما سيأتي في الأحاديث
الصحيحة، ويجوز أن يكون هذا الغالّ منهم، والله تعالى أعلم (١).
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اذْهَبْ، فَنَادِ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ)
يحتمل أن يكون بفتح الهمزة، وكسرها، كما مرّ نظيره قريباً، فالفتح يكون
بتقدير حرف جرّ: أي بأنه، والكسر يكون حكاية لفظ النداء، أي ناد بهذا
اللفظ (لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أي دخولاً أوّليّاً؛ توفيقاً
بينه وبينِ النصوص التي تدلّ على أن الموحّدين يدخلون الجنّة، وإن ارتكبوا
كبائر (إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ) الاستثناء مفرّغ، ولذا يرفع ((المؤمنون)) على أنه فاعل
بـ(يدخُلُ)) (قَالَ) عمر ◌َظُه (فَخَرَجْتُ، فَنَادَيْتُ: أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، يُلقى
بها للمخاطب؛ تنبيهاً له، وإزالة لغفلته، وقد مرّ قريباً نظيرها ((أما)) (إِنَّهُ لَا
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ).
[تنبيه]: قال الإمام الحافظ أبو عوانة رحمه الله تعالى في ((مسنده
المستخرج على صحيح مسلم)) (٤٨/١) بعد أن أخرج هذا الحديث، ما نصّه:
قال أبو عوانة: قد صَحَّ في حديث أبي هريرة أن النبيّ وَله أمر بلالاً
أن ينادي: أنه ((لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة))، وأمر عمر أن ينادي: ((لا
يدخل الجنة إلا المؤمنون))، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ اْلْإِسْلَئِمِ
[آل عمران: ٨٥]، وقد
١٨٥
دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
وَصَف الله صفة المؤمنين في أول ((سورة الأنفال))، وفي ((سورة المؤمنين))،
فقال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِّ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ
بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴾﴾ - إلى قوله: ﴿يُنفِقُونَ﴾
[الأنفال: ١ - ٣]، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَا
خَلِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
قال أبو عوانة: وسألت المزني في أول ما وقع الخبر إلينا بمصر أن
(١) ((المفهم)) ٣٢١/١.

٣٧٥
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٦)
بِحَرّانَ اخْتِلافٌ(١) بين أهل الحديث في هذه المسألة، فسألته عن الإيمان
والإسلام، فقال لي: هما والله واحد، كان بلغنا عن أحمد بن حنبل أنه فَرَّق
بينهما، وزعم أن حماد بن زيد فرَّق بينهما، ثم حدثنا به صالح بن أحمد بن
حنبل، عن أبيه بذلك، فقال لي المزنيّ: هما واحد، فاحتججت عليه بحديث
النبيّ ◌َّر: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))، وبقول الزهري في ذلك،
والأحاديث التي جاءت في أن جبريل جاء إلى النبيّ وَلّر، فسأله عن الإيمان،
وسأله عن الإسلام، في أحاديث أُخَر، فرأيته لا يرجع عن قوله، وقلت له:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، قال: هذه
استسلمنا، فقال لي فيما قال: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ اْلْإِسْلَامِ
دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال لي: ويحك أَفَدِين أعلاها عند الله؟
قال الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وكذلك كان إسماعيل
القاضي يقول: إنهما واحد. انتهى كلام أبي عوانة رحمه الله تعالى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد استوفيت هذا البحث في هذا الشرح
في أوائل ((كتاب الإيمان)) بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، وإنما ذكرت كلام
أبي عوانة رحمه الله تعالى؛ لأني وجدته في هذا المحلّ، فرأيت نقله؛ محافظةً
على نصّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطاب ظُه هذا من أفراد المصنّف
رحمه الله تعالی.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣١٦/٥١] (١١٤)، و(الترمذيّ) في
((السير)) (١٥٧٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦٥/١٤ - ٤٦٦)، و(أحمد) في
(١) هكذا النسخة بالرفع، وكان الأفصح أن يُنصب اسماً لـ((أنّ))، لكن ورد بقلّة رفع
الاسمين بعد ((إن))، كما هو معلوم في محلّه من كتب النحو.
(٢) راجع: ((مسند أبي عوانة)) ٥٣/١ - ٥٤.

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
((مسنده)) (٣٠/١ و٤٧)، و(الدارميّ) في ((مسنده)) (٢٤٩٢)، و(يعقوب بن شيبة) في
(مسند عمر)) (ص٥٣ - ٥٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٤٨٩ و٤٨٥٧)،
و(البزار) في ((مسنده)) (١٩٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠١/٩ و(أبو عوانة) في
(«مسنده)) (١٣٧)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٣٠٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غلظ تحريم الغلول، وأنه من الكبائر التي تنافي كمال
الإيمان، وهو وجه المطابقة في ذكره هنا في أبواب الإيمان.
٢ - (ومنها): بيان ظاهره أنها رؤية عيان ومشاهدة، لا رؤية منام، فهو
حجة لأهل السنّة على قولهم: إن الجنّة والنار قد خُلقتا، ووُجدتا.
٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن بعض من يُعذّب في النار يدخلها،
ويُعذّب فيها قبل يوم القيامة، قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى(١).
٤ - (ومنها): أن من غلّ من الغنيمة لا يكون شهيداً؛ لزجره وَله عن
تسميته به في قوله: ((كلّا))، لكن قال العلماء: حكمه في الدنيا حكم الشهداء،
فلا يُغسل، ولا يُصلّى عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
الكتاب قال :
أول
[٣١٧] (١١٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ
مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ سَالِم أَبِي الْغَيْثِ، مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِّي
ابْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَِّيِّ ◌َيّـ
إِلَى خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْنَا، فَلَمْ نَغْتَمْ ذَهَباً، وَلَا وَرِقاً، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ، وَالطَّعَامَ،
وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ وَ عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ
جُذَامَ، يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِي، قَامَ عَبْدُ
(١) ((المفهم)) ٣٢١/١.

٣٧٧
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٧)
رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَحُلَّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئاً لَهُ الشَّهَادَةُ،
يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((كَّلَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ
لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَاراً، أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ))، قَالَ: فَفَزِعَ
النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكِ، أَوْ شِرَاكَّيْنٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((شِرَاكْ مِنْ نَارٍ، أَوْ شِرَاكَانٍ مِنْ نَارٍ)).
رجال هذا الإسناد:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد
المصريّ، ثقة حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله،
إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٤ - (ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدُّؤَلِيُّ) بضمّ الدال، وفتح الهمزة المدنيّ، ثقةٌ [٦]
(ت١٣٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٩/٤٠.
٥ - (سَالِمٌ أَبُو الْغَيْثِ، مَوْلَى ابْنِ مُطِيع) المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) ٢٦٩/٤٠.
٦ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عُبِيِّد الدّرَاورديّ، أبو محمد الْجُهنيّ
مولاهم المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت١٨٦) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند
الأول، ومن خماسيّاته بالنسبة للثاني، فهو أعلى بدرجة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير قتيبة، فبغلانيّ، وأبي الطاهر،
وابن وهب، فمصریّان.

٣٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٤ - (ومنها): أن فيه كتابةَ (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم تمام
البحث فيها غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه قوله: ((وَهَذَا حَدِيثُهُ)) يعني: أن المتن الذي ساقه
هو متن شيخه قتيبة، وأما شيخه أبو الطاهر، فرواه بمعناه.
٦ - (ومنها): أن فيه قوله: ((يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ)) وهو من زيادات
المصنّف، زاده لأجل أن شيخه لم ينسُبه، بل قال: ((حدّثنا عبد العزيز))،
فأهمله، فأراد المصنّف أن يزيل هذا الإهمال، فنسبه إلى أبيه، وزاد كلمة
(يعني)) فصلاً بين ما نقله عن شيخه، وبين ما زاده هو، وقد تقدّم نظير هذا غير
مرّة، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَوْرٍ) باسم الحيوان المعروف، وفي رواية للبخاريّ: ((قال: حدّثني
ثور)) (بْنِ زَيْدٍ الدُّؤَلِيَّ) هكذا في بعض النسخ، وفي أكثرها: ((الديليّ)) بكسر
الدال، وإسكان الياء، قال النوويّ: هكذا في أكثر الأصول الموجودة ببلادنا،
وفي بعضها: ((الدُّؤَليّ)) بضمّ الدال، وبالهمزة بعدها التي تُكتب صورتها واواً،
وذكر القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى أنه ضبطه هنا عن أبي بحر ((دُؤَليّ)) بضمّ
الدال، وبواو ساكنة، قال: وضبطناه عن غيره بكسر الدال، وإسكان الياء،
قال: وكذا ذكره مالك في ((الموطّأ))، والبخاريّ في ((التاريخ))، وغيرهما.
قال النوويّ: وذكر أبو عليّ الغسّانيّ، أن ثوراً هذا من رهط أبي الأسود،
فعلى هذا يكون فيه الخلاف الذي قدّمناه قريباً في أبي الأسود. انتهى(١).
(عَنْ سَالِم أَبِي الْغَيْثِ) بالغين المعجمة، وفي رواية للبخاريّ: ((قال:
حدثني سالم)).
وقال النوويّ: فيه التصريح بأن أبا الغيث هذا يسمّى سالماً، وأما قول
أبي عمر بن عبد البرّ في أول ((التمهيد)): لا يوقف على اسمه صحيحاً، فليس
بمعارض لهذا الإثبات الصحیح. انتھی(٢).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٨/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٨/٢.

٣٧٩
(٥١) - بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ - حديث رقم (٣١٧)
قال الجامع عفا الله عنه: أراد النوويّ بهذا الردّ على أبي عمر في نفيه
اسم أبي الغيث؛ لأنه ثبت في هذا السند الصحيح تسميته، وكذلك ثبت تسميته
في ((صحيح البخاريّ))، قال في ((الفتح)): وسالم مولى ابن مطيع يُكنى أبا
الغيث، وهو بها أشهر، وقد سُمَِّ هنا، فلا التفات لقول من قال: إنه لا يوقف
على اسمه صحيحاً، وهو مدنيّ، لا يُعْرَف اسم أبيه. انتهى(١).
والحاصل أن نفي أبي عمر بن عبد البرّ غير مقبول؛ لأنه ثبت تسميته في
((الصحيحين))، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(مَوْلَى ابْنِ مُطِيع) أي هو مولى عبد الله بن مطيع بن الأسود القرشيّ (عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ) وفي روايَّة البخاريّ: ((أنه سمع أبا هريرة)) (قَالَ) أبو هريرة
مضرعنه
(خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ إِلَى خَيْبَرَ) ولفظ البخاريّ: ((افتتحنا خيبر))، وكذا وقع عند
البخاريّ في رواية إسماعيل بن أبي أويس عن مالك بلفظ: ((خرجنا مع النبيّ وَل
إلى خيبر))، وهي رواية رُواة ((الموطأ))، فَحَكَى الدارقطنيّ، عن موسى بن
هارون، أنه قال: وَهِمَ ثور في هذا الحديث؛ لأن أبا هريرة لم يخرج مع
النبيّ وَّ إلى خيبر، وإنما قَدِمَ بعد خروجهم، وقَدِمَ عليهم خيبر بعد أن
افتُتِحَت، قال أبو مسعود: ويؤيده حديث عَنْبَسة بن سعيد، عن أبي هريرة،
قال: أتيتُ النبيّ وَّ بخيبر بعدَما افتتحوها، قال: ولكن لا يَشُكُّ أحدٌ أن أبا
هريرة حضر قسمة الغنائم، فالغرض من الحديث قِصّةُ مِدْعَم في غلول الشَّمْلَة.
قال الحافظ: وكأنّ محمد بن إسحاق صاحب ((المغازي)) استَشْعَر بوَهَم
ثور بن زيد في هذه اللفظة - يعني: خرجنا مع النبيّ وَلّ ــ فَرَوَى الحديث عنه
بدونها، أخرجه ابن حبان، والحاكم، وابنُ منده، من طريقه بلفظ: ((انصَرَفنا
مع رسول الله آل# إلى وادي القرى)).
(١) ((الفتح)) ٥٥٨/٧ وزاد: ((وليست لسالم)) في ((الصحيح)) يعني: ((صحيح البخاريّ))
رواية عن غير أبي هريرة، له عنه تسعة أحاديث، تقدّم منها في ((الاستقراض))، وفي
((الوصايا))، وفي ((المناقب)). انتهى.
قال الجامع: وقد قدّمت في ترجمته في (٢٦٩/٤٠): أن له في ((صحيح مسلم))
نحو تسعة أحاديث فقط، وكلها عن أبي هريرة ظ ◌ُبه.

٣٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال: ورواية أبي إسحاق الفزاري التي أخرجها البخاريّ تسلم من هذا
الاعتراض: أي بلفظ: ((افتتحنا خيبر))، بأن يحمل قوله: ((افْتَتَحنا)): أي
المسلمون، وقد تقدم نظير ذلك.
ورَوَى البيهقي في ((الدلائل)) من وجه آخر عن أبي هريرة قال: ((خَرَجنا
مع النبيّ ◌َّر من خيبر إلى وادي القرى))، فلعل هذا أصل الحديث.
قال: وحديث قُدوم أبي هريرة المدينة، والنبيّ وَّ بخيبر أخرجه أحمد،
وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، من طريق خُثَيم بن عِرَاك بن مالك، عن
أبيه، عن أبي هريرة، قال: ((قَدِمتُ المدينة، والنبيّ وَّهِ بخيبر، وقد استَخْلَف
سِبَاعِ بن عُرْفُطَة ... ))، فذَكَر الحديث، وفيه: ((فَزَوَّدُونا شيئاً، حتى أتينا خيبر،
وقد افتتحها النبيّ بِّهِ، فَكَلَّمَ المسلمين، فأشركونا في سهامهم)).
ويُجمَع بين هذا وبين الحصر الذي في حديث أبي موسى الذي قبله (١)،
أن أبا موسى أراد أنه لم يُسْهِم لأحد، لم يَشهَد الوقعة استرضاء من غير
استرضاء أحد من الغانمين، إلا لأصحاب السفينة، وأما أبو هريرة وأصحابه
فلم يعطهم إلا عن طيب خواطر المسلمين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا جمع الحافظ بما سمعت، وعندي
في هذا الجمع نظر؛ لأنه وقع عند البيهقيّ أن النبيّ وَِّ قبل أن يُقسم لهم كَلَّم
المسلمين، فأشركوهم، فلا فرق بينهم وبين قصّة أبي هريرة في الاسترضاء(٢)،
فالأولى في الجمع أن يُحمل نفي أبي موسى على أنه لم يعلم بقضيّة أبي
هريرة، أو نسيها، فحدّث بالنفي، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في رواية عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي، عن أبيه، في
(١) هو ما أخرجه البخاريّ في ((فرض الخمس)) من ((صحيحه))، من حديث أبي
موسى ﴿ه، وفيه: ((فوافقنا النبيّ ◌َّ، حين افتتح خيبر، فأسهم لنا، أو قال:
فأعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً، إلا لمن شهد معه،
إلا أصحاب سفينتنا، مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم)).
(٢) وقد ذكر ما عند البيهقيّ في ((الفتح)) ٧/ ٥٥٥: أي بنحو صفحتين من موضع
الجمع، فسها عنه، فجلّ من لا یسھو.