النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١
(٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٩)
٤ - (ومنها): بيان مجانسة الجزاء الأخرويّ للجناية الدنيويّة، وأن جناية
الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكاً له
يتصرّف فيها كيف شاء، بل هي لله تعالى، لا يجوز أن تُعَامَل إلا بما شرع الله
تعالى أن تُعَامَل به، فلا يجوز إلحاق الضرر بها، من التجويع، والتعطيش،
وغير ذلك من إلحاق الأذى.
ومن هنا يتبيّن غلط كثير من المتعبّدين الذين يُلزمون أنفسهم التقشّف،
والزهد الخارج عن هدي رسول الله وَر، فيصعد أحدهم على رأس شجرة
تحتها بحر عميق، فيذكر الله تعالى طول ليله، ويرى ذلك أعونَ له على مجاهدة
نفسه، وطرد النوم عنها؛ لأنها لاستشعارها أنها إذا غفلت سقطت في ذلك
البحر، فغرقت فيه، تطرد عنها النوم خوفاً من ذلك، وهذا هو عين الغلوّ الذي
ورد النهي عنه.
فقد أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك ظه: أن رسول الله وَله
دخل المسجد، فرأى حَبْلاً ممدوداً بين ساريتين، فقال: ((ما هذا الحبل؟))،
فقالوا: لزينب، تصلي، فإذا فَتَرَت تعلقت به، فقال النبيّ وَّهِ: ((حُلُّوه، ليصلِّ
أحدكم نشاطه، فإذا فَتَر فليقعد)).
والحاصل أن إلحاق الضرر بالنفس جهل عظيم، دخل على جهلة العبّاد،
فأدخل عليهم فساداً عريضاً، ومن أغرب ما يُرى ويُسمع أن مثل هذا يُكتب في
كتب الرقائق، كأنه من المناقب التي يُفتخر بها، ويُتعزّز بها؛ لكونها مجاهدةً
للنفس التي أمر الشرع بها، مع أنها من المثالب التي هي من عمل الشيطان،
دعا إليها هؤلاء الجهلة، فأطاعوه، واتّبعوه، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز
الحکیم.
٥ - (ومنها): منع النذر فيما لا يملك الإنسان، وهل يجب عليه فيه كفّارة
يمين؟ فقال الجمهور: لا، وأوجبها عليه أحمد، وسيأتي تحقيق ذلك في
موضعه - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): تحريم لعنِ المؤمن، وأن إثمه كإثم قتله.
٧ - (ومنها): تحريم دعوى ما ليس له من حقوق الناس، فمن فعل ذلك؛
ليكثر بذلك ماله عاقبه الله تعالى بنقيض قصده، فيُتلف الله ماله، ويقلّله.
٣٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٨ - (ومنها): تحريم الحَلِف على يمين صبرٍ فاجرة، وهي التي فيها
الإلزام عند الحاكم، كما سيأتي بيانها قريباً، فمن فعل ذلك لقي الله تعالى،
وهو عليه غضبان، كما في حديث آخر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): في البحث المتعلّق بقوله وَّيقول: ((مَن حَلَف على
یمین ... إلخ)):
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: الحلف بالشيء حقيقةً هو
القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقوله: والله، والرحمن، وقد
يُطلق على التعليق بالشيء يمين، كقول الفقهاء: مَن حلف بالطلاق على كذا،
فالمراد تعليق الطلاق، وهذا مجازٌ، وكأن سببه مشابهة هذا التعليق باليمين في
اقتضاء الحثّ والمنع.
إذا ثَبَتَ هذا، فنقول: قوله وََّ: ((من حَلَفَ على يمين بملّة غيرِ الإسلامِ))
يَحْتَمِل أن يُراد به المعنى الأول، ويحتمل أن يُراد به المعنى الثاني، والأقرب
أن المراد الثاني؛ لأجل قوله: ((كاذباً متعمّداً))، والكذب يدخل القضيّة
الإخباريّة التي يقع مقتضاها تارةً، ولا يقع أخرى، وأما قولنا: والله، وما
أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجيّ، بل هي لإنشاء القسم، فتكون
صورة الحلف هنا على وجهين :
[أحدهما]: أن يتعلّق بالمستقبل، كقوله: إن فعل كذا، فهو يهوديّ، أو
نصرانيّ.
[والثاني]: يتعلّق بالماضي، مثل أن يقول: إن كان فعل كذا فهو يهوديّ،
أو نصرانيّ. فأما الأول - وهو ما يتعلّق بالمستقبل - فلا تتعلّق به الكفّارة عند
المالكيّة، والشافعيّة، وأما عند الحنفيّة ففيها الكفّارة، وقد يتعلّق الأولون بهذا
الحديث؛ لكونه لم يَذكُر فيه كفّارةً، بل جعل المرتّب على كذبه قوله: ((فهو
كما قال)).
وأما إن تعلّق بالماضي، فقد اختلف الحنفيّة فيه، فقيل: إنه لا يُكفّر
اعتباراً بالمستقبل، وقيل: يُكفّر؛ لأنه تنجيز معنى، فصار كما إذا قال: هو
يهوديّ، وقال بعضهم: والصحیح أنه لا يُگفّر فیهما، إن کان یعلم أنه یمین،
٣٢٣
(٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٩)
وإن كان عنده أنه يكفر بالحلف يكفر فيهما؛ لأنه رضي بالكفر، حيث أقدم
على الفعل. انتهى كلام ابن دقيق العيد(١).
قال في ((الفتح)): وقال بعض الشافعيّة: ظاهر الحديث أنه يُحْكَم عليه
بالكفر، إذا كان كاذباً، والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذُكر كفَرَ، وإن
قَصَدَ حقيقة التعليق، فيُنظر، فإن كان أراد أن يكون متّصفاً بذلك كفَرَ؛ لأن
إرادة الكفر كفرٌ، وإن أراد البعد عن ذلك لم يَكْفُر، لكن هل يَحْرُم عليه ذلك،
أو يُكْرَه تنزيهاً؟ الثاني هو المشهور.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن التحريم هو الحقّ؛ لظاهر
النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكفّارة لمن حلف
بملّة غير الإسلام، أو نحو ذلك:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف فيمن قال: أكفر بالله،
ونحو ذلك، إن فعلت، ثم فعل، فقال ابن عبّاس، وأبو هريرة، وعطاء،
وقتادة، وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفّارة عليه، ولا يكون كافراً، إلا إن
أضمر ذلك بقلبه.
وقال الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وأحمد، وإسحاق: هو يمين،
وعليه الكفّارة. قال ابن المنذر: والأول أصحّ؛ لقوله بَّه: ((من حلف باللات
والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله))، ولم يذكر كفّارة.
زاد غيره: ولذا قال: ((من حلف بملّة غير الإسلام، فهو كما قال))، فأراد
التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحدٌ عليه، ذكره في ((الفتح))(٢).
وقال ابن قُدامة رحمه الله تعالى - بعد ذكر الروايتين عن أحمد ـ:
والرواية الثانية - يعني: القول بعدم الكفّارة - أصحّ - إن شاء الله تعالى -؛ فإن
الوجوب من الشارع، ولم يَرِد في هذه اليمين نصٌّ، ولا هي في قياس
المنصوص؛ فإن الكفّارة إنما وجبت في الحلف باسم الله تعالى؛ تعظيماً
(١) ((إحكام الأحكام)) ٤٠٤/٤ - ٤٠٨ بنسخة الحاشية ((العدّة)).
(٢) ((فتح)) ٣٨٧/١٣.
٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لاسمه، وإظهاراً لشرفه وعظمته، ولا تتحقّق التسوية. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن قدامة، وقبله ابن المنذر، من
تصحيح القول بعدم وجوب الكفّارة على من حلف بملّة سوى الإسلام، أو هو
يهوديّ، أو نصرانيّ، أو نحو ذلك، ثم حنث، هو الأرجح عندي؛ لوضوح
حجّته، وإنما الواجب عليه التوبة، والاستغفار، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣١٠] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَام -
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتٍ بَّنِ
الضَّخَّاكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى رَجُلِ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ
كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَّ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنِ اذَّعَى دَعْوَى
كَاذِبَةً؛ لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّا قِلَّةً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى بَمِينٍ صَبْرِ فَاجِرَةٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) - بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الميم - هو:
مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدَّستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ
[٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم فّي ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر بوزن جَعْفَر، أبو بكر
البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) ◌َهُ عَنِ النَّبِّ نَّهِ (قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ)
(١) («المغني)) ٤٦٤/١٣ - ٤٦٥.
٣٢٥
(٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٠)
أي وفاء نذر (فِيمَا لَا يَمْلِكُ) هذه الجملة تقدّم شرحها في الحديث الماضي.
(وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ) ((اللعنُ)): الإبعاد عن الرحمة، وقطعه عنها،
والقتل: هو الموت والقطع عن التصرّفات.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معناه أنه مثله في الإثم، ووجهه أن من
قال لمؤمن: لعنه الله، فقد تضمّن قوله ذلك إبعاده عن رحمة الله تعالى التي
رَحِمَ بها المسلمين، وإخراجه من جملتهم في أحكام الدنيا والآخرة، ومن كان
كذلك فقد صار بمنزلة المفقود من المسلمين بعد أن كان موجوداً فيهم؛ إذ لم
يَنتفع بما انتفع به المسلمون، ولا انتفعوا به، فأشبه ذلك قتله، وعلى هذا،
فيكون إثم اللاعن كإثم القاتل، غير أن القاتل أدخل في الإثم؛ لأنه أفقد
المقتول حسّاً ومعنَى، واللاعن أفقده معنًى، فإثمه أخفّ منه، لكنهما اشتركا في
مُطلق الإثم، فصَدَق عليه أنه مثله. انتهى كلام القرطبيّ(١).
وقال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: قوله: ((ولعنُ المؤمن كقتله))
فيه سؤال، وهو أن يقال: إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا، أو في أحكام
الآخرة، لا يمكن المراد أحكام الدنيا؛ لأن قتله يوجب القصاص، ولعنه لا
يوجب ذلك.
وأما الثاني: فإما أن يراد بها التساوي في الإثم، أو في العقاب،
وكلاهما مشكل الآن، والإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل، وليس إذهاب
الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعنة، وكذلك العقاب يتفاوت بحسب
تفاوت الجرائم، قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴾ وَمَن
[الزلزلة: ٧ - ٨]، وذلك دليل على التفاوت
يَرَهُ
ذَرّةِ
شَرًّا
يَعْمَلٌ مِثْقَالَ
في العقاب والثواب بحسب التفاوت في المصالح والمفاسد، فإن الخيرات
مصالح، والمفاسد شُرور.
قال القاضي عياض: قال الإمام - يعني المازريّ -: الظاهر من الحديث
تشبيهه في الإثم، وهو تشبيه واقعٌ؛ لأن اللعنة قطع عن الرحمة، والموت قطع
عن التصرّف.
(١) ((المفهم)) ٣١٤/١ - ٣١٥.
٣٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
قال القاضي: وقيل: لعنته تقتضي قصده بإخراجه من جماعة المسلمين،
ومنعهم منافعه، وتکثیرَ عددهم به کما لو قتله.
وقيل: لعنته تقتضي قطع منافعه الأخرويّة عنه، وبُعْدَهُ منها بإجابة لعنته،
فهو كمن قُتل في الدنيا، وقُطعت عنه منافعه فيها .
وقيل: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم، وكذلك ما حكاه من أن
معناه استواؤهما في التحريم.
قال ابن دقيق العيد: وأقول: هذا يحتاج إلى تلخيص ونظر، أما ما حكاه
عن الإمام(١): من أن معناه استواؤهما في التحريم، فهذا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإثم.
والثاني: أن يقع في مقدار الإثم.
فأما الأول: فلا ينبغي أن يُحمَل عليه؛ لأن كلّ معصية قَلَّت أو عظمت
فهي مشابهةٌ، أو مستوية مع القتل في أصل التحريم، فلا يبقى في الحديث كبير
فائدة، مع أن المفهوم منه تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل.
وأما الثاني: فقد بيّنّا ما فيه من الإشكال، وهو التفاوت في المفسدتين
بين إزهاق الروح وإتلافها، وبين الأذى باللعنة.
وأما ما حكاه عن الإمام من قوله: إن اللعنة قطع عن الرحمة، والموت
قطع عن التصرّف، فالكلام عليه أن نقول: اللعنة تُطلق على نفس الإبعاد الذي
هو فعل الله تعالى، وهذا الذي يقع فيه التشبيه، والثاني: أن تطلق اللعنة على
فعل اللاعن، وهو طلبه لذلك الإبعاد بقوله: لعنه الله مثلاً، أو بوصفه للشخص
بذلك الإبعاد بقوله: فلانٌ ملعون، وهذا ليس بقطع عن الرحمة بنفسه ما لم
تتصل به الإجابة، فيكون حينئذ تسبّباً إلى قطع التصرّف، ويكون نظيره التسبّب
إلى القتل، غير أنهما يفترقان في أن التسبّب إلى القتل بمباشرة الْحَزِّ وغيره من
مقدّمات القتل مُفْضٍ إلى القتل بمطرد العادة، فلو كان مباشرة اللعن مفضياً إلى
الإبعاد الذي هو اللعن دائماً لاستوى اللعن مع مباشرة مقدّمات القتل، أو زاد
عليه .
(١) يعني به: المازريّ.
٣٢٧
(٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيم قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٠)
وبهذا يتبيّن لك الإيراد على ما حكاه القاضي من أن لعنته له تقتضي
قصده إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتله، فإن قصده إخراجه لا يستلزم
إخراجه، كما تستلزم مقدّمات القتل، وكذلك أيضاً من حكاه من أن لعنته
تقتضي قطع منافعه الأخرويّة عنه بإجابة دعوته إنما يحصل ذلك بإجابة الدعوة،
وقد لا تجاب في كثير من الأوقات، فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل
بقتله، ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدّمات القتل
المفضية إليه في مطّرد العادة.
ويحتمل ما حكاه القاضي عن الإمام وغيره، أو بعضه، أن لا يكون
تشبيهاً في حكم دنيويّ، ولا أُخرويّ، بل يكون تشبيهاً لأمر وجوديّ! بأمر
وجوديّ كالقطع، والقطع مثلاً في بعض ما حكاه: أي قطعه عن الرحمة، أو
عن المسلمين بقطع حياته، وفيه بَعْدَ ذلك نظر.
والذي يُمكن أن يقرّر به ظاهر الحديث في استوائهما في الإثم أنا نقول:
لا نُسلّم أن مفسدة اللعن مجرّد أذاه، بل فيها مع ذلك تعريضه لإجابة الدعاء
فيه، بموافقة ساعةٍ، لا يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه، كما دلّ عليه الحديث
من قوله : ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أموالكم، ولا تدعوا
على أولادكم، لا توافقوا ساعة ... )) الحديث، وإذا عرّضه باللعنة لذلك،
ووقعت الإجابة، وإبعاده من رحمة الله تعالى، كان ذلك أعظم من قتله؛ لأن
القتل تفويت الحياة الفانية قطعاً، والإبعاد من رحمة الله تعالى أعظم ضرراً بما
لا يُحصى، وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال مساوياً، أو مقارباً
لأخفّهما على سبيل التحقيق، ومقادير المفاسد والمصالح، وأعدادهما أمر لا
سبيل للبشر إلى الاطلاع على حقائقه. انتهى كلام ابن دقيق العيد
رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاستشكال الذي أوردوه في هذا الحديث
مما يُستغرب مثله، فإذا قال النبيّ وَّر: ((لعنُ المؤمن كقتله))، فهل ينبغي أن
يُستشكل، ويُتساءل فيه، فيقال: كيف يتساويان؟ هيهات هيهات، فإن مقادير
(١) ((إحكام الأحكام)) ٤١٢/٤ - ٤١٦ بنسخة الحاشية ((العدّة)).
٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الطاعات، والذنوب، والثواب والعقاب، لا تُعرف إلا من الشارع، كما أشار
إليه ابن دقيق العيد نفسه في تقريره السابق، بل قد أجاد آخر كلامه، فإذا أخبرنا
الشارع بشيء من ذلك، فما لنا إلا التسليم.
وقد جاءت نصوص في تعظيم لعن المؤمن غير هذا، فقد أخرج مسلم في
(صحيحه)) من حديث عمران بن حصين ظها، قال: بينما رسول الله وَلّ في
بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة، فَضَجِرَت، فلعنتها، فسمع ذلك
رسول الله وَ*، فقال: ((خذوا ما عليها، ودعوها فإنها ملعونة))، قال عمران:
فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يَعْرِض لها أحدٌ.
فإذا كان هذا في حيوان بهيميّ لَمَّا لُعن أمر نَّهِ أن يُترك، ولا يُصاحَبَ،
كما جاء في رواية: ((لا يصاحبنا ملعون))، ولا ينضمّ إليهم، ولا يَنتفع به أحدٌ،
فهو أعظم من قتله، فإنه ينتفع بلحمه العباد، وهنا حرموا الانتفاع بظهره ركوباً
وحملاً، وقد ثبت في «الصحيحين)): أنه ◌ّ علَّل كون النساء أكثر أهل النار
بكثرة لعنهنّ، وبكفر العشير، وغير ذلك مما ورد في اللعن.
والحاصل أن كون اللعن مثل القتل مما لا يُستراب فيه.
قال الصنعانيّ رحمه الله تعالى: اللاعن قاصد باللعنة الدعاء على من
لعنه، والداعي لا يدعو إلا راجياً للإجابة، وكونه قد لا يوافق ساعة إجابة أمرٌ
ليس داخلاً تحت قدرته، فهو قد قصد الإجابة، وأراد حرمان من دعا عليه
رحمة الله التي وسعت كلّ شيء، فاللاعن قد قصد إخراج من لعنه، وتفويته
رحمة الله، فإثمه كإثم القاتل، وأما كونه لم يُجَبْ دعاؤه فهذا أمرٌ ليس إليه،
فهو نظير من رَمَى مؤمناً قاصداً قتله، فأخطأه بغير اختياره، فإنه آثم إثم القاتل،
ولذا قال ◌َ: ((القاتل والمقتول في النار))، وبيّن أن القاتل أُدخل مع قاتله
النار؛ لأنه كان حريصاً على قتل أخيه، وهنا بدعائه على أخيه كان حريصاً على
حلول اللعنة به.
وإذا عرفت هذا عرفت صحة ما قاله الإمام المازريّ: من أن اللعن
كالقتل في التحريم، وفي الإثم؛ لما سَمِعتَ، ولقول ابن دقيق العيد آخراً: إنه
لا سبيل للبشر على الاطلاع على حقائق مقادير المصالح والمفاسد إلا من
طريق الشارع، والشارع هنا قد بيّن مفسدته بأنها تشبه مفسدة القتل، فليُلْقِ إليه
٣٢٩
(٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٠)
زمام الإذعان بأن اللعن كالقتل، والمؤمن ليس باللغّان. انتهى كلام الصنعانيّ
رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقُ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ) أعمّ من الحديدة، والسمّ، والتردّي من الجبل
المذكورات في الحديث السابق (فِي الدُّنْيَا) متعلّق بـ«قَتَلَ)) (عُذِّبَ) بالبناء
للمفعول (بِهِ) أي بذلك الشيء الذي قتل به نفسه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيه مجانسة
الجزاء للجناية، وقد سبق تحقيقه.
(وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذه هي اللغة
الفصيحة، يقال: دعوى باطل وباطلة، وكاذب وكاذبة، حكاهما صاحب
((الْمُحْكَم))، والتأنيث أفصح. انتهى (٢).
(لِيَتَكَثَّرَ بِهَا) قال النوويّ تَخُّْهُ: ضبطناه بالثاء المثلّثة بعد الكاف، وكذا
هو في معظم الأصول، وهو الظاهر، وضبطه بعض الأئمّة المعتمدين بالباء
الموحّدة، وله وجهٌ، وهو بمعنى الأول: أي يُصيِّرُ ماله كبيراً عظيماً. انتهى (٣).
(لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلَّ قِلَّةً) بكسر القاف: أي يُجازيه الله تعالى بخلاف قصده،
فإنه ما ادّعى دعوى كاذبة إلا تكثيراً لماله، فعامله الله نقيض قصده، فقلّل الله
ماله .
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هذا عامّ في كلّ دعوى يتشبع بها
المرء بما لم يُعطَ من مال يحتال في التجمّل به من غيره، أو نسب ينتمي إليه
ليس من خِذْمه(٤)، أو علم يتحلّى به ليس من حَمَلَته، أو دِينٍ يُرائي به ليس من
أهله، فقد أعلم النبيّ ◌َل ◌ِ أنه غير مبارك له في دعواه، ولا زاكٍ ما اكتسبه بها،
ومثله في الحديث الآخر: ((الحلف مَنْفَقَةٌ للسلعة، مَمْحَقَةٌ للبركة))، متّفقٌ عليه،
وفي لفظ لأحمد: ((اليمين الكاذبة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب)). انتهى(٥).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((ومن ادّعى دعوى كاذبة ... إلخ))
(١) ((العدّة حاشية العمدة)) ٤١٦/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢١/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٢١/٢.
(٤) ((الجِذم)) بكسر الجيم، وتفتح: الأصل، قاله في ((القاموس)).
(٥) راجع: ((إكمال المعلم)) ٤٦٩/١.
٣٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
يعني - والله أعلم -: أن من تظاهر بشيء من الكمال، وتعاطاه، وادّعاه لنفسه،
وليس موصوفاً له، لم يَحصُل له من ذلك إلا نقيض مقصوده، وهو النقص،
فإن كان الْمُدَّعَى مالاً لم يُبَارَك له فيه، أو علماً، أظهر الله جهله، فاحتقره
الناس، فقلَّ مقداره عندهم، وكذلك لو اذَّعَى دِيناً، أو نسباً، أو غير ذلك،
فَضَحَه الله، وأظهر باطله، فقلّ مقداره، وذَلَّ في نفسه، فحصَلَ على نقيض
قصده، وهذا نحو قوله {وَلّ: ((من أسرّ سريرً، ألبسه الله رداءها))، ونحو منه
قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وقوله وَّ :
((المتشبع بما لم يُعْط كلابس ثوبي زور)) رواه مسلم.
وفائدة الحديث الزجرُ عن الرياء، وتعاطيه، ولو كان بأمور الدنيا. انتهى
كلام القرطبيّ(١).
(وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا
صحّت الرواية في كتاب مسلم لهذا الكلام مقتصراً على ذكر جملة الشرط من
غير ذكر جملة الجزاء، فَيَحْتَمِلُ أنه سكت عنه؛ لأنه عطفه على ((من)) التي
قبلها، فكأنه قال: ومن حلف يميناً فاجرة كان كذلك، أي لم يزده الله بها إلا
قِلّة، ويَحْتَمل أن يكون الجزاء محذوفاً، ويكون تقديره: من فعل ذلك غضب الله
عليه، أو عاقبه، أو نحو ذلك، كما جاء في الحديث الآخر: ((من حَلَف على
يمين؛ ليقتطع بها مالَ مسلم، لَقِي الله، وهو عليه غضبان))، متّفقٌ عليه.
(٢)
انتھی
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: لم يأت في الحديث هنا الخبر
عن هذا الحالف إلا أن يَعْطِفه على قوله قبلُ: ((ومَنِ اذَّعَى دعوى كاذبة؛ ليتكثر
بها لم يزده الله بها إلا قلةً)): أي وكذلك مَن حَلَف على يمين صبر فهو مثله،
قال: وقد ورد معنى هذا الحديث تامّاً مُبَيَّناً في حديث آخر: ((من حلف على
يمينِ صبرٍ، يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجرٌ، لقي اللهَ، وهو عليه
(٣)
غضبان)). انتهى(٣).
(١) ((المفهم)) ٣١٥/١.
(٣) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٧٠.
(٢) ((المفهم)) ٣١٥/١ - ٣١٦.
٣٣١
(٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيم قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٠)
وقوله: (عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ) قال القرطبيّ: الرواية بالتنوين على أن صبراً
صفة اليمين: أي ذات صبر، وأصل الصبر الحبس، كما قال عنترة: [من الكامل]:
فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً تَرْسُو إِذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ
أي حبستُ في الحرب نفساً مُعتادةً لذلك كريمةً، لا ترضى بالفرار.
وقال المازريّ: أصل الصبر: الحبس والإمساك، يقال: صَبَرَ فلانٌ فلاناً:
إذا حبسه، وكلُّ من حبسته لقتل، أو يمين، فهو قَتْلُ صَبْرٍ، ويَمِينُ صَبْرٍ،
وأصبره الحاكم على اليمين: أكرهه على يمين صبر، قاله الهرويّ وغيره.
وقال أبو العبّاس(١): الصبر ثلاثة أشياء: الإكراه، ومنه أصبره الحاكم،
والحبسُ، ومنه صَبَرتُهُ: إذا حبسته، والْجُرْأةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ
عَلَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]: أي ما أجرأهم عليها .
ووُصِفَت اليمين بأنها ذات صبرٍ؛ لأنها تَحْبِس الحالف لها، أو لأن
الحالف يجترئ عليها، وذَكَّر، وقد أجراه صفةً على اليمين، وهي مؤنّثةٌ؛ لأنه
قَصَدَ المصدر. انتهى(٢).
وقال القاضي عياض: يمين الصبر هي التي يُصْبَرُ صاحبها: أي يُحبس،
ويُكرَه حتى يَحلفها، وقد يكون من معنى الْجُرْأة والإقدام عليها، كما قال
ثعلب، ومعنى («فاجرة»: أي كاذبة. انتهى(٣).
وقال النوويّ: يمين الصبر هي التي أُلزِم بها الحالف عند حاكم ونحوه،
وأصل الصبر: الحبسُ والإمساك. انتهى(٤).
وقال القاضي: ويُستدلّ من هذا الحديث أن الأيمان كلّها التي تُقطع بها
الحقوق لا تنفع فيها المعاريض والنيّات، وإنما هي على نيّة صاحب الحقّ
المحلوف له، لا على نية الحالف، ولا خلاف في كونه هذا آئماً فاجراً في
يمينه متى اقتطع بها حقّ امرئ مسلم. انتهى(٥).
(١) هو ثعلب الآتي بعده.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٧٠، بزيادة من ((المفهم)) ٣١٦/١.
(٣) ((إكمال المعلم)) ١ / ٤٧٠.
(٥) ((إكمال المعلم)) ١/ ٤٧١ - ٤٧٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٢١/٢.
٣٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وبقية مباحث الحديث تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣١١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ
الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّخَّاكِ الْأَنْصَارِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ
ثَابِتَ بْنِ الضَّخَّاكِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، كَاذِباً
مُتَعَمِّداً، فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عَذَّبَهُ اللهُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ))، هَذَا
حَدِيثُ سُفْيَانَ، وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى
الْإِسْلَامِ كَاذِباً، فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ذُبحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبتٌ [١١]
(ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، أبو عُبيدة الْعَنْبرِيّ
البصريّ، صدوقٌ [١١].
رَوَى عن أبيه، وأبي خالد الأحمر، وأبي عاصم النبيل، وأبي معمر
المُقعد البصري.
ورَوَى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، وابن
أبي عاصم، وابن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السراج، وآخرون.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في
((الثقات)).
وقال السراج: مات في رمضان سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
٣٣٣
(٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣١١)
وله في هذا الكتاب (١٣) حديثاً (١).
٤ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التّوريّ، أبو سَهل
البصريّ، ثقة [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٢/٦.
٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
حجة فقيه [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص ٣٠٥.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) الْقُشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ
م د ت س) تقدم في ((المقَّدمة)) ١٨/٤.
٧ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ،
ثقةٌ حافظٌ تغيّر في آخره، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٨ - (خَالِد الْحَذَّاءُ) هو: خالد بن مِهْران، أبو الْمُنازل - بفتح الميم،
وقيل: بضمها - البصريّ، ثقةٌ حافظ يرسل [٥] (ت ١، أو ١٤٢) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٤٤/١٠.
[تنبيه]: قوله: ((الْحَذّاء)) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الذال المعجمة لقب
خالد، قيل: إنما لُقّب به؛ لأنه كان يجلس في الْحَذّائين، ولم يَحْذُ نَعْلاً قظٌّ،
هذا هو المشهور، قال النوويّ: رَوَينا عن فَهْد بن حَيّان - بالمثناة - قال: لم يَحْذُ
خالد قطّ، وإنما كان يقول: احذوا على هذا النحو، فلُّقِّب الحذاءَ. انتهى (٢).
والباقون تقدّموا قريباً.
وقوله: (عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ
الْأَنْصَارِيِّ) ثم حوّل الإسناد، فساقه إلى أن قال: (عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ
الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ... إلخ).
[فإن قيل]: هذا تطويل للكلام على خلاف عادة مسلم وغيره؛ إذ كان
حَقُّهُ، ومقتضى عادته أن يَقْتَصِر أوّلاً على أبي قِلابة، ثم يسوق الطريق الآخر
إليه، فأما ذكر ثابت فلا حاجة إليه أوّلاً .
(١) ونقل في ((تهذيب التهذيب)) عن ((الزهرة)): أن مسلماً رَوَى عنه سبعة عشر حديثاً،
والظاهر أنه لا تخالف؛ لأنه يُحمل على التكرار.
(٢) (شرح النوويّ)) ١٢٠/٢.
٣٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
[أجيب]: بأنه ساقه بطوله؛ لأنّ في الرواية الأولى، وهي رواية شعبة،
عن أيوب نَسَبَ ثابت بن الضحاك، فقال: ((الأنصاريّ))، وفي رواية الثوريّ،
عن خالد لم يَنْسُبه، فلم يكن له بُدٌّ من فِعْلٍ ما فَعَلَه؛ ليُبيّن ما وقع في أحد
الإسنادين من زيادة النسب، وهذا من تحقيقه، واحتياطه، ومراعاة ألفاظ
شيوخه، فلله درّه، ما أتقن صناعته، وما أورعه رحمه الله تعالى(١).
وقوله: (هَذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ) أي هذا المتن الذي ساقه هو حديث سفيان
الثوريّ، عن خالد الحذّاء، وأما حديث شعبة، عن أيوب فيُخالفه في اللفظ،
وإن وافقه في المعنى، كما بيّنه بقوله:
(وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلّ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى
الْإِسْلَامِ كَاذِباً ... إلخ))) فقد أسقط منه لفظ ((متعمّداً))، وقال: ((وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَه
بشيءٍ)) بدل ((ومن قَتَلَ نفسه بشيء))، وقال: ((ذُبحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) بدل ((عذّبه الله
به في نار جهنّم))، و(ذُبح)) بالبناء للمفعول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٥٠) - (بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى
يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور
أولَ الكتاب قال:
[٣١٢] (١١١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ
عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ
ابْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ حُنَيْنَاً، فَقَالَ لِرَجُل
مِمَّنْ يُدْعَى بِالْإِسْلَامِ: ((هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ))، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ، قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالاً
شَدِيداً، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفاً: ((إِنَّهُ
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٢٠/٢ - ١٢١.
٣٣٥
(٥٠) - بَابٌ لَا يُدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٢)
مِنْ أَهْلِ النَّارِ))، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالاً شَدِيداً، وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ نَلِ: ((إِلَى
النَّارِ))، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ
يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحاً شَدِيداً، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ، لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ، فَقَتَلَ
نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((اللّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ))، ثُمَّ
أَمَرَ بِلَالاً، فَنَادَى فِي النَّاسِ: ((إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ
هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الحافظ الْكِسّيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ،
ثقة ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت، تقدّم قريباً.
٤ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد بن الْمُسَيِّب بن حَزْن بن أبي وهب، الإمام
الحجة الشهير، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير بظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢،
والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه شيخان
للمصنّف، قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له ابن ماجه، والثاني تفرّد به هو والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ، عن ابن المسيّب.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن هذا أصحّ أسانيد أبي هريرة تظ له، وقيل: أصحّ أسانيده
أبو الزناد، عن الأعرج، عنه، وقيل: حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن
سيرين، عنه، وإلى هذا أشار السيوطيّ تَخْفُ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
سَعِيدٍ أَوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ
وَلَأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ
بِمَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَا
عَنْ أَعْرَجِ وَقِيلَ حَمَّادٌ
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة له رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبٍ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة،
عن الزهريّ قال: أخبرني سعيد بن المسيِّب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿به أنه (قَالَ:
شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ حُنَيْناً) أي غزوة حنين، كذا وقع هنا وعند ((أبي نُعيم))
في ((مستخرجه على صحيح مسلم)) بلفظ ((شهدنا حنيناً))، ووقع عند البخاريّ من
((طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ))، بلفظ ((شهدنا خيبر))، وهو الذي
عند ((أبي عوانة)) في ((مسنده المستخرج على صحيح مسلم))، وهو الصواب،
كما قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((شهِدنا خيبر)) أراد جيشها من المسلمين؛ لأن
الثابت أن أبا هريرة به إنما جاء بعد أن فُتحت خيبر، ووقع عند الواقديّ أنه
قَدِمَ بعد فتح معظم خيبر، فحضر فتح آخرها، ولا يُعارضه ما ثبت في
(الصحيح)) عن أبي هريرة به قال: أتيت رسول الله وَّ﴾، وهو بخيبر، بعدما
افتتحها؛ لإمكان الحمل على معنى بعدما افتتح معظمها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: نسب بعضهم الوَهَمَ في ذكر حنين إلى عبد الرزاق، وهو غير
صحيح؛ لأنه وقع في ((مصنّفه)) على الصواب بلفظ خيبر، ودونك نصّه:
(٩٥٧٣) ((عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي
هريرة، قال: شهدنا مع رسول الله وَ ل خيبر، أو قال: لما كان رسول الله وَليه
بخيبر، قال لرجل ... )) الحديث.
فتبيّن بهذا أن الخطأ ليس من عبد الرزاق، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: غزوة حنين كانت في شوّال سنة ثمان من الهجرة، وحُنين
مصغّراً وادٍ إلى جنب ذي المجاز، قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة
عشر ميلاً من جهة عرفات.
٣٣٧
(٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٢)
وغزوة خيبر كانت في المحرّم سنة سبع من الهجرة، وكانت خيبر مدينة
كبيرةً، ذات حُصُون ومَزَارع، على مسافة مائة وخمسين كيلو متراً من المدينة
إلى جهة الشام، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ لِرَجُلٍ) أي في شأنه، وفي سببه، فلم يخاطب النبيّ ◌َّ الرجل،
وإنما أخبر الصحابة الحاضرين لديه عن شأنه، ومصيره، فتكون اللام هنا بمعنى
((في))، قال الفرّاء، وابنُ الشَّجَريّ، وغيرهما من أهل العربية: اللام قد تأتي
بمعنى ((في))، ومنه قول الله رَّ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ﴾
[الأنبياء: ٤٧]: أي فيه (١) .
وقال في ((الفتح): قوله: ((لرجل)): أي عن رجل، واللام قد تأتي بمعنى
((عن))، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [العنكبوت: ١٢]،
ويحتمل أن يكون بمعنى ((في)): أي في شانه: أي سببه، ومنه قوله تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾. انتهى(٢).
واسم الرجل قُزمان، ذكره الخطيب البغداديّ، وتبعه النوويّ، قال
الخطيب: وكان من المنافقين(٣).
(مِمَّنْ يُدْعَى بِالْإِسْلَام) ببناء الفعل للمفعول: أي يوصف بأنه مسلم؛
التظاهره بالإسلام، وفي نسخة: ((ممن يَدَّعي الإسلام))، فـ((يَدّعي)) بالبناء
للفاعل، مضارع ادّعى، من باب الافتعال: أي ينسُبُ نفسه إلى الإسلام،
وقوله: ((هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ))) مقول ((قال)) (فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ) هذا مما يؤيّد ما
سبق آنفاً من أن أبا هريرة وته حضر بعض فتح خيبر، وفي رواية البخاريّ من
طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: (فلما حضر القتالَ))، بالرفع
والنصب، قاله في ((الفتح)) (قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالاً شَدِيداً، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ) أي بسبب
سهم رُمِي به، وفي رواية البخاريّ المذكورة: ((حتى كثُر به الجراحة)) (فَقِيلَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ) أي قلت في شأنه (آنِفاً) أي قريباً، وفيه
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/٢.
(٢) ((الفتح)) ٥٤٠/٧ ((كتاب المغازي)) رقم (٤٢٠٣ - ٤٢٠٤).
(٣) ((تنبيه المعلم)) ص٦٥.
٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
لغتان: المدّ، وهو أفصح، والقصر، قاله النوويّ(١).
وقال في ((القاموس)): ﴿قَالَ ءَائِقًا﴾ كصَاحِبٍ، وَكَتِفٍ، وقُرئ بهما: أي مُذْ
ساعةً: أي في أوّل وقتٍ يقرُبُ مِنَّا. انتهى (٢). (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ
الْيَوْمَ قِتَالاً شَدِيداً، وَقَدْ مَاتَ) هذا قالوه ظنّاً منهم، لا حقيقةً بدليل ما يأتي من
قوله: ((إنه لم يمت)).
ثم إن قولهم هذا ليس سؤال استثبات؛ لأن المعلوم الصدق لا يُستثبتُ،
وإنما هو سؤال تعجّب عن كونه من أهل النار مع ما ظهر منه من نُصرة
الدين(٣).
(فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((إِلَى النَّارِ))) أي هو ذاهب إلى النار، قال المهلب
رحمه الله تعالى: هذا الرجل ممن أَعْلَمَنا النبيّ وَّرِ أنه نَفَذَ عليه الوعيدُ من
الْفُسّاق، ولا يلزم منه أنّ كُلَّ مَن قَتَلَ نفسه يُقضَى عليه بالنار، وقال ابن التين
رحمه الله تعالى: يَحْتَمِل أن يكون قوله: ((هو من أهل النار)): أي إن لم
يَغْفِرِ الله له، ويَحتَمِل أن يكون حين أصابته الجراحة ارتاب، وشكّ في
الإيمان، أو استَحَلَّ قَتْلَ نفسه، فمات كافراً، ويؤيده قوله بَّ في بقية
الحديث: ((لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مسلمة))، وبذلك جزم ابن الْمُنَيِّر.
والذي يظهر - كما قال الحافظ رحمه الله تعالى - أن المراد بالفاجر أعمّ
من أن يكون كافراً أو فاسقاً، ولا يعارضه قوله وله: ((إنا لا نستعين بمشرك))؛
لأنه محمول على مَن كان يُظهِر الكفر، أو هو منسوخ. انتهى(٤).
(فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ) قال النوويّ: كذا هو في الأصول ((أن
يرتاب))، فأثبت ((أن))، مع ((كاد))، وهو جائز، لكنه قليل، و((كاد)) لمقاربة
الفعل، ولم يَفْعَل إذا لم يتقدمها نفيٌّ، فإن تقدّمها، كقولك: ما كاد يقوم،
كانت دالّةً على القيام، لكن بعد بُظْء، كذا نقله الواحديّ وغيره عن العرب،
وأهل اللغة. انتهى(٥) .
(١) ((شرح النوويّ)) ٢/ ١٢٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص٧١٤.
(٣) راجع: ((شرح الأبّيّ)) ٢٢٠/١ - ٢٢١. (٤) ((فتح)) ٥٤٠/٧.
(٥) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/٢.
(٥٠) - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، ... إلخ - حديث رقم (٣١٢)
٣٣٩
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دخول ((أن)) المصدريّة في خبر (كاد))،
جائز في سعة الكلام، وليس خاصّاً بالشعر، كما ادّعاه بعض النحاة، وقد كثر
في الأحاديث، ومنه حديث عمر ظه: ((ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت
الشمس أن تغرُب))، متّفقٌ عليه، وحديث أبي بكرة ظُه قال: ((لقد نفعني الله
بكلمة سمعتها من رسول الله ﴿ ﴿ أيام الجمل بعدما كِدتُ أن ألحق بأصحاب
الجمل، فأقاتل معهم ... )) الحديث، أخرجه البخاريّ.
إلا أن الغالب في خبرها تجرّده عنها، كقوله رَى: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾
[البقرة: ٧١]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ الآية [التوبة:
١١٧]، وهذا بخلاف ((عسى)) فإنها، وإن كانت مثلها في كون خبر كلّ منهما
مضارعاً في الغالب، إلا أن الغالب في ((عسى)) اقتران خبرها بـ((أن))، كقوله
تعالى: ﴿فَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْجِ﴾ الآية [المائدة: ٥٢]، وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ
الآية [الإسراء: ٨].
وإلى ما ذكرته من القاعدة أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال:
كَـ(كَانَ)) ((كَادَ)) وَ(عَسَى)) لَكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
وَكَوْنُهُ بِدُونِ ((أَنْ)) بَعْدَ ((عَسَى)) نَزْرٌ وَ((كَادَ)) الأُمْرُ فِيهِ عُكِسَا
(فَبَيْنَمَا) هي (بين)) الظرفيّة، زيدت عليها ((ما))، وهيّأتها للدخول على
الجملة، ويقال فيها: ((بينا)) بالألف فقط، قال المجد: ((بينا نحن كذا)): هي
((بين)) أُشبعت فتحتها، فحَدَثت الألف، و(بينا))، و((بينما)) من حروف
الابتداء(١)، والأصمعيّ يخفض بعد (بينا)) إذا صَلَح موضعَهُ ((بين))، كقوله:
بَيْنَا تَعَنُّفِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ يَوْماً أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ(٢)
وغيره يرفع ما بعدها على الابتداء والخبر. انتهى (٣).
وقال غيره: (بينا))، و((بينما)) ظرف زمان بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى
(١) المراد بالحروف: الكلمات، لا الحروف قسيم الأسماء والأفعال، كما بيّنه في
((التاج)) ٩/ ١٥٠.
(٢) قوله: ((تعنّفه)) بالفاء، ويُروى ((تعنّقه)) بالقاف، و((السلفع)) كجعفر: الجريء الشجاع.
(٣) ((القاموس المحيط)) ص١٠٦٥.
٣٤٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، فيحتاجان إلى جواب يَتِمّ به المعنى، وهو
هنا قوله: ((إذا قيل: إنه لم يمت))(١).
وخلاصة القول في ((بينما)) أنها من الظروف الزمانيّة الملازمة للإضافة إلى
الجملة، وهو هنا قوله: ((هم على ذلك))، ولا بدّ لها من جواب، وهو هنا
قوله: ((إذا قيل ... إلخ))، والجواب هو العامل فيها إذا كان مجرّداً من كلمة
المفاجأة، وهي ((إذ))، كما هنا، أو ((إذا))، وإلا فالعامل معنى المفاجأة، كما
هنا، والتقدير: فاجأهم قول الناس: إنه لم يمت وقت قرب ارتيابهم، والله
تعالى أعلم.
(هُمْ عَلَى ذَلِكَ) أي على حالهم من مراجعة النبيّ وَّ في شأنه (إِذْ قِيلَ:
إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ) أي فقولهم: ((وقد مات)) ظنّ منهم (وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحاً) فيه تقديم
خبر ((لكنّ))، مع أن خبر ((إنّ)) وأخواتها لا يتقدّم على اسمها؛ لكونه جارّاً
ومجروراً، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
((كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي))
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلَّ فِي الَّذِي
وَقوله: ((جِرَاحاً)) بكسر الجيم: جمع جِرَاحة، قال المجد: جَرَحَه كمَنَعَهُ:
كَلَمَهُ، كجَرَّحَهُ، والاسم الْجُرْعُ بالضمّ، جمعه جُرُوحٌ، وقَلَّ أَجْرَاحٌ، والْجِرَاحُ
بالكسر: جمع جِرَاحة. انتهى (٢).
وعند أبي عوانة، وأبي نعيم في ((مستخرجيهما)): ((ولكن به جرحٌ شديد))
بالرفع، وعليه، فـ((لكن)) مخفّفة النون.
وقوله: (شَدِيداً) صفة لـ((جِراحاً))، وإنما ذكّره مع أن ((جِراحاً)) جمع،
فكان حقّه أن يقال: ((شديدة)) لعله باعتباره اسم جنس جمعيّ، يفرّق بينه وبين
واحده بالتاء، كتمر وتمرة، فإنه يجوز تذكيره وتأنيثه، ونظيره قوله روت: ﴿مَن
يُخِى الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾، حيث ذكّر ﴿رَمِيمٌ﴾ مع كون جمع ﴿اَلْعِظَامِ﴾، والله
تعالى أعلم.
(فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ) الظاهر أن ((من)) اسم بمعنى ((بعض))، وهو فاعل
بـ((كان))، وهي تامّة بمعنى ((جاء)): أي فلما جاء بعض الليل، أو هي بمعنى:
(١) راجع: ((تاج العروس)) ١٥٠/٩.
(٢) ((القاموس)) ص١٩٥ - ١٩٦.