النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ (٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٧) لكن قال: ((شيخ زانٍ، ومَلِكٌ كذاب، وعائل مستكبر))، والظاهر أن هذا حديث آخر، أخرجه من هذا الوجه، عن الأعمش، فقال: عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذرَّظُه، عن النبيِ وَّ، قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئاً، إلا مَنَّهُ، والمنفِّق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره)) (١). قال الحافظ رحمه الله تعالى: وليس هذا الاختلاف على الأعمش فيه، بقادح؛ لأنها ثلاثة أحاديث عنده، بثلاثة طُرُق، ويجتمع من مجموع هذه الأحاديث تسع خصال، ويحتمل أن تبلغ عشراً؛ لأن المنفق سلعته بالحلف الكاذب، مغاير للذي حلف لقد أعطي بها كذا؛ لأن هذا خاص بمن يَكْذِب، في أخبار الشراء، والذي قبله أعمّ منه، فتكون خصلة أخرى. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(٢)، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (٤٩) - (بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيم قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذَّبَ بِهِ فِي النَّارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧] (١٠٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ شَرِبَ سَمّاً، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً))). (١) هو الحديث الماضي قبل أربعة أحاديث. (٢) ((الفتح)) ٢١٥/١٣ ((كتاب الأحكام)) رقم (٧٢١٢). ٣٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رجال هذا الإسناد: ستّةً، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، غیر: ١ - (أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ) وهو: عبد الله بن سعيد بن حُصَين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/ ١٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن شيخه الأشجّ أحدُ المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأنه مسلسل بالكوفيين إلى الأعمش، وبقيّة اللطائف مرّت قريباً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) ((من)) شرطية، وجوابها: جملة قوله: ((فحديدته ... إلخ))، وقوله: (بِحَدِيدَةٍ) متعلّقٌ بـ((قتل))، ولفظ الحديدة أعمّ من السكّين، فيشمل آلات النجار، وآلات الحداد، وغيرهما (فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ) مبتدأ وخبره (يَتَوَجَّأُ) بمثنّاة، وواو مفتحتين، وتشديد الجيم، آخره همزة، بوزن يتكبّرُ، ويجوز تسهيله بقلب الهمزة ألفاً: أي يطعن، والجملة في محلّ نصب على الحال. وقال القرطبيّ: معنى: ((يتوجّأ)): يَطعن، وهو مهموز من قولهم: وَجَأته بالسكّين أَجَأه: أي ضربته، وَوُجِىءَ هو، فهو مَوجوءٌ، ومصدره وَجْئاً مقصوراً مهموزاً، فأما الوِجَاءُ بكسر الواو والمدّ فهو رَضُّ الأنثيين، وهو ضربٌ من الْخِصَاء. انتهى(١). وقال في ((القاموس)): وَجَأَهُ باليد، والسكّين كوَضَعَهُ: ضربه، كتَوَجَّأه. انتهى (٢). وفي (المصباح)): وجَأُته، أوْجَؤُهُ، مهموزٌ، من باب نفع، وربّما حُذفت الواو في المضارع، فقيل: يَجَأُ، كما قيل: يَسَعُ، ويَطَأُ، ويَهَبُ، وذلك: إذا ضربته بسكين، ونحوه، في أيّ موضع كان. انتهى(٣). وفي رواية البخاريّ)): ((يجأ)) قال في ((الفتح)): بفتح أوله، وتخفيف الجيم، وبالهمز: أي يطعن بها، وقد تُسهّل الهمزة، والأصل في ((يجأ)) يوجأ، قال التين: في رواية الشيخ أبي الحسن: ((يُجأ)) بضمّ أوله، ولا وجه له، وإنما يُبنى للمجهول بإثبات الواو، ((يُوجَأُ)» بوزن يُوجَدُ. انتهى. (١) ((المفهم)) ٣١٠/١. (٣) المصباح في مادّة ((وجأ)). (٢) ((القاموس)» ص٥٢. ٣٠٣ (٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٧) (بِهَا) أي بتلك الحديدة، وهو متلّق بـ(يتوجّأ))، وكذا قوله: (فِي بَطْنِهِ) وأما قوله: (فِي نَارِ جَهَثَّمَ) متعلّق بحال محذوف: أي حال كونه كائناً في نار جهنّم، و(جهنّم)) اسم لنار الآخرة - عافانا الله منها، ومن كلّ بلاء - قال يونس، وأكثر النحويين: هي عجميّة، لا تنصرف للعجمة والتعريف، وقال آخرون: هي عربيّة، لم تصرف للتأنيث والعلميّة، وسميت بذلك لبعد قعرها، يقال: بئر جَهنّم، وجِهِنَام - بكسر الجيم والهاء -: أي بعيدة الْقَعْر، وقيل: مشتقّة من الْجُهُومة، وهي الغِلَظ، يقال: جَهْمُ الوجه: أي غليظه، فسميت جهنّم لغلظ أمرها. والله أعلم(١). وقوله: (خَالِداً) منصوب على أنه حال مقدّرة من فاعل ((يتوجّأ))، وهو اسم فاعل من خَلَدَ بالمكان خُلُوداً، من باب قَعَدَ: إذا أقام فيه، وأخلد بالألف مثله(٢)، وقوله: (مُخَلَّداً) بفتح اللام المشدّدة: اسم مفعول من التخليد، حال مؤكّد لما قبله (فِيهَا) أي في نار جهنم، وهو متعلّق بـ((خالداً))، أوبـ((مُخَلَّداً)) على سبيل التنازع، وكذا قوله: (أَبَداً) ظاهره موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]؛ لعموم المؤمن نفس القاتل أيضاً، لكن قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى: قد جاءت الرواية بلا ذكر ((خالداً مُخلّداً أبداً))، وهي أصحّ، لما ثبت من خروج أهل التوحيد من النار. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره التخليد الذي لا انقطاع له بوجه، وهو محمول على من كان مستحلّا لذلك، ومن كان متعمّداً لذلك كان كافراً، وأما من قتل نفسه، وهو غير مستحلّ، فليس بكافر، بل يجوز أن يعفو الله عنه، قال: ويجوز أن يراد بقوله: ((خالداً مخلّداً فيها أبداً» تطويل الآماد، ثم يكون خروجه من النار من آخر من يخرج من أهل التوحيد، ويجري هذا مَجرى المثل، فتقول العرب: خلّد الله ملكك، وأبّد أيامك، ولا أُكلّمك أبد الآبدين، ولا دهر الداهرين، وهو ينوي أن يكلّمه بعد أزمان، ويجري هذا مجرى الإغياء في الكلام. انتهى (٣). وقال في ((الفتح)): وقد تمسّك بقوله: ((خالداً مخلّداً فيها أبداً)) المعتزلة، (١) شرح مسلم للنوويّ بتصرّف ٣٠٣/٢ - ٣٠٤ كتاب الإيمان. (٢) ((المصباح)) ١٧٧/١. (٣) المفهم ٣١٠/١ - ٣١١ كتاب الإيمان، باب من قتل نفسه بشيء عُذّب به. ٣٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار، وأجاب أهل السنّة عن ذلك بأجوبة: منها: توهيم هذه الزيادة، قال الترمذيّ بعد أن أخرجه: رواه محمد بن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﴿به فلم يذكر: ((خالداً مخلّداً))، وكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رعظته، قال: وهو أصحّ؛ لأن الروايات صحّت أن أهل التوحيد يُعذّبون، ثم يُخرجون منها، ولا يُخلّدون. وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحلّه، فإنه يصير باستحلاله كافراً، والكافر مخلّد بلا ريب، وقيل: ورد مورد الزجر والتغليظ، وحقيقته غير مرادة، وقيل: المعنى أن هذا جزاؤه، لكن قد تكرّم الله على الموحّدين، فأخرجهم من النار بتوحيدهم، وقيل: التقدير مخلّداً فيها إلى أن يشاء الله. وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا حقيقة الدوام، كأنه يقول: يُخلّد مدةً معيّنةً، وهذا أبعدها. انتهى(١). وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: والظاهر أن المراد من هؤلاء الذين فعلوا ذلك مستحلّين له، وإن أريد منه العموم، فالمراد من الخلود والتأبيد: المكث الطويل المشترك بين دوام الانقطاع له، واستمرارٍ مديدٍ ينقطع بعد حين بعيد؛ لاستعمالها في المعنيين، فيقال: وقف وقفاً مخلَّداً مؤبّداً، وأُدخل فلان حبس الأبد، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فيجب جعلهما للقدر المشترك بينهما؛ للتوفيق بينه وبين ما ذكرنا من الدلائل. ضُرُعَيْه ، [فإن قلت]: ما تصنع بالحديث الذي يأتي عن جندب بن عبد الله عن النبيّ وَّل: ((بادرني عبدي بنفسه، فحرّمت عليه الجنّة)»؟. [قلت]: هو حكاية حال، فلا عموم فيها؛ إذ يحتمل أن الرجل كان كافراً، أو ارتدّ؛ لشدّة الجراحة، أو قتل نفسه مستبيحاً، مع أن قوله: ((فحرّمت عليه الجنّة))، ليس فيه ما يدلّ ظنّاً على الدوام والإقناط الكلّيّ فضلاً عن القطع. انتهى كلام الطيبيّ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن أحسن التأويل إذا لم يكن مستحلّا تأويل من قال: هذا جزاؤه إن جُوزي، لكن قد تكرّم الله على (١) فتح ٥٩٣/٣ - ٥٩٤ كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، رقم الحديث (١٣٦٣). (٢) ((الكاشف)) ٨/ ٢٤٥٧. ٣٠٥ (٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٧) الموحّدين، فأخرجهم من النار بتوحيدهم؛ وهو أقرب التأويلات؛ للجمع بين النصوص التي تقطع بدخول الموحّدين الجنة، وإن فعلوا ما فعلوا غير الشرك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١١٦] الآية، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَمَنْ شَرِبَ) وفي رواية للبخاريّ: ((ومن تَحَسَّى سمّاً))، و(تَحَسَّى)) بمهملتين بوزن تغذَّى: أي شَرِبَ بتمهّل، وتجرّعه، والتحسّي، والحسو واحد، غير أن فيه تكلّفاً، قاله الطيبيّ. (سَمّاً) هو: بتثليث السين المهملة، والفتح أفصح، وتشديد الميم، قال في ((المصباح)): السِمّ: ما يَقتل، وبالفتح أكثر، وجمعه سُموم، مثل فَلْس، وفُلُوس، وسِمَام أيضاً، مثل سَهْم، وسِهَام، والضمّ لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم، وسَمَمتُ الطعامَ سَمّاً، من باب قَتَلَ: جعلتُ فيه السمّ، و((السّمّ)) تَقْبُ الإِبْرَة، وفيه اللغات الثلاث، وجمعه سِمَام. انتهى. وقال القرطبي: السمّ القاتل للحيوان يقال بضمّ السين، وفتحها، وأما السمّ الذي هو ثُقْبُ الإبرة، فبالضمّ لا غير. انتهى (١). وقال السنديّ: والسمّ دواء قاتل، يُطرح في طعام، أو ماء، فينبغي أن يُحمل ((تحسّى)) على معنى أدخل في باطنه، ليعمّ الأكل والشرب جميعاً. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره القرطبيّ من ضبط السمّ فيه نظر؛ لأنه يردّه ما سبق عن ((المصباح))، فإنه ضبطه بالتثليث، ونحوه في ((القاموس))، فإنه قال: السّمّ الثَّقْبُ، وهذا القاتل المعروف، ويثلّث فيهما، جمعه سُمُوم، وسِمَام. انتهى(٣). فقد ثبت فيهما التثليث، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) فائدة ذكر هذه الجملة بعد ما قبلها بيان توقّف الجزاء المذكور عليها (فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ) أي السمّ (فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ) أي أسقط نفسه منه؛ لما يدلّ عليه قوله: (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) على أنه تعمّد ذلك، وإلا فمجرّد قوله: ((تردَّى)) لا يدلّ على التعمّد، قاله في ((الفتح)) (٤). (١) ((المفهم)) ٣١١/١. (٣) ((القاموس)) ص١٠١٣. (٢) شرح السنديّ ٦٦/٤. (٤) ((فتح)) ٢٥٩/١٠. ٣٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال الطيبيّ: التردّي في الأصل: التعرّض للهلاك من الردى، وشاع في التدهور؛ لإفضائه إلى الهَلَكَة، والمراد به هنا أن يتهوّر الإنسان، فيرمي نفسه من جبل. انتهى (١). (فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أي ينزل من جبال النار إلى أوديتها (خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً) قال الطيبيّ: وفي تعذيب الفسّاق بما هو من جنس أفعالهم حِكَمٌ لا تخفى على المتفكّرين من أولي الألباب. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ظُه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٠٧/٤٩ و٣٠٨] (١٠٩)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٦٥ و٥٧٧٨)، و(أبو داود) في ((الطبّ)) (٣٨٧٢)، و(الترمذيّ) في ((الطبّ)) (٢٠٤٣)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٦٠)، و(النسائيّ) في ((الجنائز) (١٩٦٥) وفي ((الكبرى)) (٢٠٩٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٤١٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٢٥٤ و٤٧٨ و٤٨٨)، و(الدارمي) في ((سننه)) (١٩٢/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٣ و١٢٤ و١٢٥)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢٩٣ و٢٩٤ و٢٩٥)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٦٢٧ و٦٢٨ و٦٢٩)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١٩٦ و١٩٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣/٨ - ٢٤ و٣٥٥/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن هذه الأشياء تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراد هذا الحديث في ((كتاب الإيمان)). ٢ - (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه، وأنه من كبائر الذنوب التي يستحقّ بها العذاب الأليم. ٣ - (ومنها): أن جزاء من قتل نفسه بشيء أن يعذّب بذلك الشيء. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٤٥٧/٨. ٣٠٧ (٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٧) ٤ - (ومنها): ما قاله التوربشتيّ: لَمّا كان الإنسان بصدد أن يحمله الضجر، والْحُمْق، والغضب على إتلاف نفسه، ويُسَوِّلُ له الشيطان أن الخطب فيه يسير، وهو أهون من قتل نفس أخرى حرم قتلها عليه، وإذا لم يكن لصنيعه مطالب من قِبَل الخلق، فإن الله يغفر له، أعلم النبيّ ◌َ ﴿ المكلّفين أنهم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة، ومُعذَّبون به عذاباً شديداً، فإن ذلك في التحريم، كقتل سائر النفوس المحرَّمة. انتهى(١). ٥ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدنيويّة، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكاً له مطلقاً، بل هي لله تعالى، فلا يتصرّف فيها إلا بما أذن له فيه. قال القاضي عياض: وفيه حجة لمالك، ومن قال بقوله على أن القصاص من القاتل بما قَتَل به، مُحدّداً كان أو غير محدّد، خلافاً لأبي حنيفة؛ اقتداءً بعقاب الله رَك لقاتل نفسه في الآخرة، ثم ذكر حديث اليهوديّ، وحديث العرنيين. وتعقّبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا الذي أخذه من هذا الحديث في هذه المسألة ضعيفٌ جدّاً؛ لأن أحكام الله تعالى لا تقاس بأفعاله، وليس كلُّ ما ذكر الله أنه يفعله في الآخرة يُشرع لعباده في الدنيا، كالتحريق بالنار، وإلساع الحيّات والعقارب، وسَقْىٍ الحميم المقطّع للأمعاء. وبالجملة، فما لنا طريق إلى إثبات الأحكام إلا نصوص تدلّ عليها، أو قياس على المنصوص عند القياسيين، ومن شرط ذلك أن يكون الأصل المقيس عليه حكماً، أما ما كان من فعل الله تعالى فلا، وهذا ظاهرٌ جدّاً، وليس ما نعتقده فعلاً لله تعالى في الدنيا أيضاً بالمباح لنا فيه، فإن الله تعالى أن يفعل ما يشاء بعباده، ولا حكم عليه، وليس لنا أن نفعل بهم إلا ما أذن لنا فيه، بواسطة، أو بغير واسطة. انتهى كلام ابن دقيق العيد(٢). (١) راجع: ((الكاشف)) ٢٤٥٧/٨. (٢) ((إحكام الأحكام)) ٤٠٨/٤ - ٤١٠ بنسخة الحاشية ((العدّة)). ٣٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال القائلين بالمماثلة في القصاص بهذا الحديث، وإن ضعّفه ابن دقيق العيد، إلا أن لهم أدلّة أخرى، فقد استدلّوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٍ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنِ أُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَّوْاْ سَبِئَةٍ سِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وحديث رَضّ النبيّ وَّل رأسَ اليهوديّ الذي رَضَّ رأس الجارية، وغير ذلك من الأدلة، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨] (.) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرُ (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَْوَانَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، غیر: ١ - (يَحْيَى بْنِ حَبِيبِ الْحَارِثِيِّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥. وقوله: (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد. وقوله: (عَبْثَرُ) بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، وفتح الثاء المثلّثة، هو: ابن القاسم الزُّبيديّ. وقوله: (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ) العناية من المصنّف، وقد تقدّم توجيهها غير مرّة. وقوله: (كُلُّهُمْ) أي كلّ الثلاثة: جرير، وعَبْثَرُ، وشعبة. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد الماضي، وهو إسناد وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مضيعبّه. ٣٠٩ (٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٨) وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وقوله: ((كلَّهم بهذا الإسناد مثله))، وفي رواية شعبة: ((عن سليمان: قال: سمعت ذكوان)): يعني بقوله: ((هذا الإسناد)) أن هؤلاء الجماعة المذكورين، وهم: جرير، وعَبْثَرُ، وشعبة، رووه عن الأعمش، كما رواه وكيع في الطريق الأولى، إلا أن شعبة زادها هنا فائدةً حسنةً، فقال: ((عن سليمان)) - وهو الأعمش ـ ((قال: سمعت ذكوان)) - وهو أبو صالح - فَصَرَّحَ بالسماع، وفي الروايات الباقية يقول: ((عن))، والأعمش مُدَلِّسٌ لا يُحْتَجُّ بعنعنته إلا إذا صَحَّ سماعه الذي عنعنه من جهة أخرى، فَبَيَّنَ مسلمٌ أن ذلك قد صَحَّ من رواية شعبة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(١). وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل متن الحديث السابق. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما رواية جرير، وعبثر، فلم أجد من ساقهما، وأما رواية شعبة، فقد ساقها البخاريّ في ((صحيحه))، فقال: (٥٧٧٨) حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت ذكوان، يحدث عن أبي هريرة نظر ته، عن النبيّ بَّر قال: ((مَن تَرَدَّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم، يتردَّى فيه، خالداً مُخَلَّداً فيها أبداً، ومَن تَحَسَّى سَمّاً فقتل نفسه، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنم، خالداً مُخَلَّداً فيها أبداً، ومن قَتَل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يَجَأ بها في بطنه، في نار جهنم، خالداً مُخَلَّداً فيها أبداً). وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ) هو الأعمش (قَالَ) أي سليمان الأعمش (سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) أي أبا صالح، وغرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا بيان لطيفة إسناديّة مهمّة جدّاً، وهي أن الأعمش مشهور بالتدليس، وقد عنعن في الرواية السابقة مما يوقع في اتّهامه بالتدليس، فأزال ذلك برواية شعبة عنه المصرّحة بسماعه من أبي صالح، على أنه لو لم يُصرّح لكفانا رواية شعبة عنه، فإنه قد صرّح بأنه قال: كفيتكم شرّ تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة، وقد ذكرت هذه القاعدة، وقاعدة رواية الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر نَظُّه في ((الجوهر النفيس))، فقلت: (١) ((شرح النوويّ)) ١١٩/٢ - ١٢٠. ٣١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان مِنْ شَرِّ تَدْلِيسٍ ثَلَاثَةٍ لَنَا وَكَيْفَ لَا وَقَدْ كَفَانَا عَلَنَا فَاقْنَعْ بِمَا قَالَ وَلَا تُفَتِّشِ قَتَادَةٍ ثُمَّ السَّبِيعِي الأَعْمَشِ إِذَا أَتَتْ لَنَا مِنْهُمْ رِوَايَةٌ فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَيِّدَةُ أَيْ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةٍ مُعَنْعَنَهْ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ آمِنَهْ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ مِنْ ذَا الْعَالِمِ نَظِيرُهُ اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ مُسْلِمٍ وَاللهُ حَسْبِي دَائِماً وَجَابِرِي لِغَيْرِ مَا سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٩] (١١٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلََّم الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنٍ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّخَّاكِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِباً، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجَّلِ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّام - بتشديد اللام - الدِّمَشْقِيُّ) الحبشيّ، ويقال: الأَلْهَانيّ، أبو سلّمَ الدمشقيّ، سَّكن حمصَ، ثقة [٧]. رَوَى عن أبيه، وجده، وأخيه زيد، ونافع مولى ابن عمر، والزهريّ، وغیرهم. ورَوَى عنه الوليد بن مسلم، ومروان بن محمد، ومحمد بن المبارك، ومحمد بن شعيب بن شابور، وعثمان بن سعيد بن دينار، وعثمان بن عبد الرحمن الحرانيّ، وغيرهم. قال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل، وذَكَر أصحاب يحيى بن أبي كثير، فقال: هشامٌ - يعني: الدستوائيّ - يَرْجع إلى كتاب، والأوزاعي ٣١١ (٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٩) حافظ، وهَمّام ثقة، وحرب بن شدّاد، ومعاوية بن سلّام ثقتان، وقال يوسف بن موسى الْعَطّار الحربيّ: سئل أبو عبد الله عن معاوية بن سلّام؟ فقال: معاوية بن سلّام، وحرب بن شدّاد، وعليّ بن المبارك، هؤلاء متقاربون في حديث يحيى - يعني: ابن أبي كثير -، وهشام - يعني: الدستوائيّ - فوق هؤلاء، وقال أبو زرعة الدِّمَشقيّ: عَرَضتُ على أحمد حديثاً، قال: من يروي هذا؟ قلت: معاوية بن سلام، فقال: معاوية بن سلّام ثقة، وقال الدارميّ، عن ابن معين: ثقة، وقال عبّاس بن الوليد الخلال: قال لي يحيى بن معين: معاوية بن سلّام مُحَدِّث أهل الشام، وهو صدوق الحديث، ومن لم يكتب حديثه، مسنده ومنقطعه، فليس بصاحب حديث، وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة، وعن دُحَيم: جَيِّد الحديث، ثقة، كان بحمص، ثم انتقل إلى دمشق، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق. وقال مروان بن محمد: قلت لمعاوية بن سلام تَعَجُّباً به لصدقه: إنك لشيخ كَيِّس، وقال أبو زرعة الدمشقي: كان يحيى بن حَسّان ومروان يَرْفَعان مِنْ ذِكْرِهِ، وكان ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجليّ: دَفَع إليه يحيى بن أبي كثير كتاباً، ولم يقرأه، ولم يسمعه. قال ابن عساكر بلغني أنه كان حَيّاً سنة أربع وستين ومائة، وذكر الذهبي أنه تُوُفِّي في حدود السبعين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثاً. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبتٌ، لكنه يدلّس، ويُرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤. ٤ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣. ٥ - (ثَابِتُ بْنُ الضَّخَّاكِ) بن خَلِيفة بن ثعلبة بن عديّ بن كعب بن عبد الأشهل، الأنصاريّ الأشهليّ الأوسيّ، أبو زيد المدنيّ، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وكان رَدِيف رسول الله و 18 يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد، روى عن النبيّ وََّ، ورَوَى عنه عبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن الْمُزَنِيّ، وأبو قلابة، عبد الله بن زيد الجرميّ. ٣١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال عمرو بن عليّ: مات سنة (٤٥)، وقال البخاريّ، والترمذيّ: شهد بدراً، وحَكَى أبو حاتم أنّ ابن نُمَير قال: هو والد زيد بن ثابت، ورَدّه أبو حاتم، فقال: إن كان ابن نُمير قاله، فقد غَلِطَ، وذلك أن أبا قلابة يقول: حدثني ثابت بن الضحاك بن خَلِيفة، وأبو قلابة لم يدرك زيد بن ثابت، فكيف يدرك أباه؟ . قال الحافظ: ولعل ابن نُمير لم يُرِد ما فَهِموه عنه، وإنما أفاد أن له ابناً يُسَمَّى زيداً، لا أنه عَنَى والدَ زيد بن ثابت المشهور، ولذلك يُكنى أبا زيد، وذكر غير واحد، منهم ابنُ سعد وابنُ مَنْدَه، وهارون الْحَمَّال، فيما حكاه البغويّ، وأبو جعفر الطبريّ، وأبو أحمد الحاكم: أنه مات في فتنة ابن الزبير، زاد بعضهم في سنة (٦٤). قال الحافظ: وهذا عندي أشبه بالصواب من قول عمرو بن علي؛ لأن أبا قلابة صَحَّ سماعه منه، وأبو قلابة لم يَطْلُب العلم إلا بعد سنة (٦٩). انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر في ((تهذيب التهذيب)) (١/ ٢٦٥) وفيه إشكالٌ أيضاً؛ لأنه إذا ثبت أن أبا قلابة لم يطلب العلم إلا بعد سنة (٦٩) يبعد أن يسمع ممن مات سنة (٦٤)، إلا أن يكون الرقم المذكور دخله التصحيف، فليُحرّر، والله أعلم. وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وكرّره هنا ثلاث مرّات، وحديث (١٥٤٩): ((نهى عن المزارعة))، وأعاده بعده، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة، والإخبار. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة . ٣١٣ (٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمُ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٩) ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من خيار الصحابة، بايع تحت الشجرة، وشهد بدراً إن صحّ، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وليس له فيه إلا حديثان، كما أسلفت ذلك آنفاً، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو أربعة أحاديث فقط، الحديثان المتقدّمان آنفاً، وحديث مبايعته تحت الشجرة عند الشيخين، وحديث: ((نذر رجل على عهد النبيّ وَ ◌ّل أن ينحر إبلاً ببوانة ... )) عند أبي داود فقط، راجع ترجمته في ((تحفة الأشراف)) ١٤٣/٢ و١٤٥، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اسمه صالح بن المتوكّل (أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ) بكسر القاف (أَخْبَرَهُ) أي أخبر يحيى (أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ) رَّهِ (أَخْبَرَهُ) أي أبا قلابة (أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ وَ﴿) أي عاهده، وعاقده، قال في ((النهاية)) ما معناه: المبايعة عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأنّ كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودَخِيلةَ أمره. انتهى(١). وقال القرطبيّ: البيعة مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايعَ للإمام يلتزم أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه، وماله لله تعالى، وقد وعد الله تعالى على ذلك بالجنّة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة، فصدَقَ على ذلك اسم البيع، والمبايعة، والشراء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةً﴾ إلى أن قال: ﴿فَأُسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهٍ﴾ [التوبة: ١١١]. انتهى (١). وسيأتي تمام البحث في ذلك في محلّه - إن شاء الله تعالى -. (تَحْتَ الشَّجَرَةِ) (أل)» للعهد: أي الشجرة المعروفة التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، حيث قال: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨]. وهي المبايعة المسمّاة ببيعة الرضوان، وكانت بالْحُديبية، هي موضع فيه ماء، قيل: بينها وبين مكة تسعة أميال، وذلك أن النبيّ وَّ أقام مُنْصَرَفه من (١) ((النهاية)) ١٧٤/١. (٢) ((كتاب الإمارة)) ٤٤/٤. ٣١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان غزوة بني المصطلق في شوال، وخرج في ذي القعدة سنة ستّ من الهجرة مُعتمراً، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة، فأبطأ عنه أكثرهم، وخرج النبيّ وَ ﴿ بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن اتبعه من العرب، وجميعهم نحو ألف وأربعمائة، وقيل: ألف وخمسمائة، وساق معه الهديَ، فأحرم رسول الله ◌َّ؛ ليعلم الناس أنه لم يَخرج لحرب، فلما بلغ خروجه قريشاً خرج جمعهم صادّين لرسول الله وَل﴿ عن المسجد الحرام، ودخولِ مكة، وإنه إن قاتلهم قاتلوه دون ذلك، وقَدَّموا خالد بن الوليد في خيل إلى كُرَاعِ الْغَمِيم، فورد الخبر بذلك على رسول الله وَلّة، وهو بعسفان، فسلك طريقاً يخرج به في ظهورهم، وخرج إلى الحديبية من أسفل مكة، فلما بلغ ذلك خيلَ قريش التي مع خالد، جَرَت إلى قريش تعلمهم بذلك، فلما وصل رسول الله وَيؤول إلى الحديبية، بَرَكَت ناقته وَّه، فقال الناس: خَلأت خَلأت، فقال النبيّ: ((ما خلأت، وما هو لها بُخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليومَ إلى خُطَّة يسألوني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها)). ثم نزل ◌َّ﴿ هناك، ثم جَرَت الشُّفَراء بين رسول الله وٍَّ﴾ وبين كفار قريش، وطال التراجع والتنازع إلى أن جاء سهيل بن عمرو العامريّ فقاضاه على أن ينصرف ◌َّلر عامه ذلك، فإذا كان من قابلٍ أتى معتمراً، ودخل هو وأصحابه مكة بغير سلاح حاشا السيوف في قُرُبها، فيقيم بها ثلاثاً، ويَخرج، وعلى أن يكون بينه وبينهم صُلْحٌ عشرة أعوام، يتداخل فيها الناس، ويأمن بعضهم بعضاً، مع شروط أخرى، فتمّ الصلح على ذلك، وكان رسول الله وَّ﴿ قبل الصلح قد بَعَثَ عثمان بن عفان إلى مكة رسولاً، فجاء خبرٌ إلى رسول الله ﴿ بأن أهل مكة قتلوه، فدعا رسول الله وَلقر حينئذ إلى المبايعة له على الحرب والقتال لأهل مكة، فبايعه أصحابه على الموت، أو على أن لا يفرّوا، وهي بيعة الرضوان تحت الشجرة التي أخبر الله تعالى أنه رَضِي عن المبايعين لرسول الله وَ ﴿ تحتها، وأخبر رسول الله وَلهول أنهم لا يدخلون النار، وضرب رسول الله ﴿ بيمينه على شماله لعثمان، فهو كمن شهدها، والقصّة طويلة(١)، وستأتي مطوّلة في محلّها من (كتاب الفضائل)) - إن شاء الله تعالى -. (١) راجع: ((صحيح البخاريّ)) (٢٧٣٤) ((كتاب الشروط))، و((تفسير القرطبيّ)) ٢٧٤/١٦ -٢٧٨. ٣١٥ (٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٩) (وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلّ) بفتح ((أنّ))؛ لكونها معطوفةً على قوله: ((أنه بايع ... إلخ))، فهو مفعول ثانٍ لـ ((أخبر)) (قَالَ: ((مَنْ) شرطيّة، جوابها قوله: ((فهو كما قال)) (حَلَفَ) أي أقسم (عَلَى يَمِينٍ) المراد باليمين هنا: المحلوف عليه، بدليل ذكره المحلوف به، وهو بـ((ملة غير الإسلام))، ويجوز أن يقال: إنّ ((على)) صلةٌ، وينتصب (يمين)) على أنه مصدر مُلاقٍ في المعنى، لا في اللفظ، قاله القرطبيّ. (بِمِلَّةٍ) - بكسر الميم، وتشديد اللام -: الدين والشريعة، وهي نكرة في سياق الشرط، فتعمّ جميع الْمِلَل، من أهل الكتاب، كاليهود، والنصرانيّة، ومن لَحِق بهم من المجوسيّة، والصابئة، وأهل الأوثان، والدَّهريّة، والمعطِّلة، وعَبَدَة الشياطين، والملائكة، وغيرهم. قال الصنعانيّ رحمه الله تعالى في ((العدّة)): لا يتبادر من قوله: ((على يمين بمّة)) إلا أن الملّة محلوف بها، وأنه قال الحالف: وملّةِ اليهوديّة، وقوله: ((كاذباً)) حال من فاعل ((حَلَفَ))، وحَلَفَ يتضمّن عَظَّمَ، إذ الحلِفُ تعظيم للمحلوف به قطعاً، فقوله: ((كاذباً))، فكأنه قال: مَن حلف معظّماً لملّة اليهوديّة، حال كونه كاذباً في تعظيمه إياها بحلفه، إذ الحلف يتفرّع عن تعظيم ما حُلِف به، فكَذِبِه كان بتعظيمه ما أهانه الله تعالى، والحلف بالشيء يتضمّن الإخبار بتعظيمه، ولذا يقول صاحب الملك: وحياةِ الملك، فإن هذا حلف يتضمّن الإخبار باعتقاده، وتعظيم مَن حلف به، هذا مما لا ريب فيه. انتهى(١). (غَيْرِ الْإِسْلَام) بالجرّ صفة لـ((ملّةٍ)): أي بملّة غيرِ دين الإسلام، أيَّ دِينٍ كان، كما ذُكر بيانهَ آنفاً . (كَاذِباً) زاد في الرواية الآتية من طريق الثوريّ، عن خالد الحذّاء: ((مُتَعَمّداً))، قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: قوله: ((كاذباً متعمّداً)) تفرّد بزيادتها - يعني: لفظة ((متعمّداً)) - سفيان الثوريّ، وهي زيادة حسنة، يستفاد منها أن الحالف المتعمّد إن كان مُطمئنّ القلب بالإيمان، وهو كاذبٌ في تعظيم (١) ((العدّة حاشية العمدة)) ٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤. ٣١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ما لا يُعتقد تعظيمه لم يكفر، وإن قاله معتقداً لليمين بتلك الملّة لكونها حقّاً كَفَرَ، وإن قالها لمجرّد التعظيم لها احتمل. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وينقدح بأن يقال: إن أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النسخ لم يكفر أيضاً (١). قال الجامع: توجيه الحافظ هذا بُعده مما لا يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم. قال: ودعوى عياض تفرد سفيان بهذه الزيادة إنما هو بالنسبة لرواية مسلم، وإلا فقد أخرجها البخاريّ من طريق يزيد بن زُريع، والنسائيّ من طريق ابن أبي عديّ، كلاهما عن خالد الحذّاء، فتنبّه (٢)، والله تعالى أعلم. (فَهُوَ كَمَا قَالَ) ((ما)» مصدريّة، أو موصولة، والعائد محذوفٌ: أي فهو مثل قوله، أو فهو کالذي قاله. ثم هو بظاهره يفيد أنه يصير كافراً، لكن يَحتمل أن يكون المراد ضعفه في دينه، وخروجه عن الكمال فيه. ويحتمل أن يكون المراد إن كان راضياً بالدخول في تلك الملّة، فيكون كافراً على ظاهره، خارجاً عن الإسلام. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يريد به النبيّ ـَاللّه من كان معتقداً لتعظيم تلك الملّة المغايرة لمّة الإسلام، وحينئذ يكون كافراً حقيقةً، فيبقى اللفظ على ظاهره، و((كاذباً)) منصوبٌ على الحال: أي في حال تعظيم تلك المّة التي حَلَف بها، فتكون هذه الحال من الأحوال اللازمة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]؛ لأن من عظّم ملّةَ غير الإسلام كان كاذباً في تعظيمه دائماً في كلّ حال، وكلّ وقتٍ، لا ينتقل عن ذلك، ولا يصلح أن يقال: إنه يعني بكونه كاذباً في المحلوف عليه؛ لأنه يستوي في ذمّه كونه صادقاً، أو كاذباً، إذا حلف بملّة غير الإسلام؛ لأنه إنما ذمّه الشرع من حيث إنه حَلَف بتلك الملّة الباطلة، معظّماً لها، على نحو ما تُعّم به مّة الإسلام الحقّ، فلا فرق بين أن يكون صادقاً، أو كاذباً في المحلوف عليه، والله تعالى أعلم. (١) ((فتح)) ٣٨٨/١٣. (٢) راجع: ((الفتح)) ١١/ ٥٤٧. ٣١٧ (٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٩) وأما إن كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثمٌ، مرتكبٌ كبيرة، إذ قد نسبه في قوله لمن يعظّم تلك الملّة، ويعتقدها، فغلّظ عليه الوعيد، بأن صيّره كواحد منهم، مبالغةً في الردع، والزجر، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّم ◌ِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١). (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي الرواية التالية: ((ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذّب به يوم القيامة))، وفي الرواية التي بعدها: ((ومن قتل نفسه بشيء عَذّبه الله به في نار جهنّم))، وفي رواية للبخاريّ: ((ومن قتل نفسه بشيء عُذّب به في نار جهنّم)). وقوله: ((بشيء)) أعمّ من قوله في حديث أبي هريرة رَظُه السابق: ((بحديدة))، وقوله أيضاً: ((ومن تحسّى سمّاً))، وقد سبق أن هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدنيويّة، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكاً له مطلقاً، بل هي الله تعالى، فلا يتصرّف فيها إلا بما أذن له فيه. (وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ) ليس كونه رجلاً قيداً في هذا، بل هو باعتبار الغالب، وإلا فالمرأة فيه مثله، ويدلّ على ذلك رواية البخاريّ بلفظ: ((وليس على ابن آدم نذر فيما لا يَملك)» (نَذْرٌ) أي وفاء نذر، فهو على حذف مضاف، و((النذر)) - بفتح، فسكون - مصدر نَذَرَ يَنْذِر، قال في ((النهاية)): يقال: نَذَرتُ أَنْذِر، وأَنْذُرُ نَذْراً - يعني: من بابي ضرب ونصر - إذا أوجبت على نفسك شيئاً تبرُّعاً، من عبادة، أو صَدَقَة، أو غير ذلك. انتهى(٢). وقال في ((القاموس)): نذَر على نفسه يَنْذِر - بكسر الذال - ويَنْذُرُ - بضمها - نَذْراً ونُذُوراً: أوجبه، كانتذر، ونَذَرَ ماله، ونَذَرَ لله سبحانه كذا، أو النذر ما كان وعداً على شرط، فعليّ إن شفى الله مريضي كذا نذرٌ، وعليّ أن أتصدّق بدینار لیس بنذر. انتهى(٣). وقال ابن الملقّن: النذر لغةً الوعد بخير أو شرّ، وشرعاً وعدٌ بخير، دون (١) ((المفهم)) ٣١٢/١ ((كتاب الإيمان)). (٣) ((القاموس المحيط)) ص٤٣٣ - ٤٣٤. (٢) ((النهاية)) ٣٩/٥. ٣١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان شرّ، قاله الماورديّ، وقال الرافعيّ: هو التزام شيء، وعبارة غيرهما: أنه التزام قربة غيرِ لازمة بأصل الشرع، زاد بعضهم: مقصودة. انتهى (١). (فِي شَيْءٍ) متعلّق بـ «نذْرٌ))، وقوله: (لَا يَمْلِكُهُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ((شيء))، يعني: أنه لا ينعقد النذر في غير الملك، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا صحيح فيما إذا باشر ملك الغير، كما لو قال: لله عليّ عتقُ عبد فلان، أو هديُ بَدَنة فلان، ولم يُعلّق شيئاً من ذلك على ملكه له، فلا خلاف بين العلماء أنه لا يلزمه شيء من ذلك، غير أنه حُكي عن ابن أبي ليلى في العتق: أنه إذا كان مُوسراً عتق عليه، ثم رجع عنه، وإنما اختلفوا فيما إذا علّق العتق، أو الهدي، أو الصدقة على الملك، مثل أن يقول: إن ملكت عبد فلان فهو حرّ، فلم يُلزمه الشافعيّ شيئاً من ذلك، عَمّ أو خَصَّ؛ تمسّكاً بهذا الحديث، وألزمه أبو حنيفة كلَّ شيء من ذلك عَمّ أو خَصَّ؛ لأنه من باب العقود المأمور بالوفاء بها، وكأنه رأى أن ذلك الحديث لا يتناول المعلَّقَ على الملك؛ لأنه إنما يلزمه عند حصول الملك لا قبله، ووافق أبا حنيفة مالك فيما إذا خَصَّ؛ تمسّكاً بمثل ما تمسّك به أبو حنيفة، وخالفه إذا عَمّ؛ رفعاً للحرج الذي أدخله على نفسه، ولمالك قول آخر مثل قول الشافعيّ. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الشافعيّ رحمه الله تعالى في هذه المسألة هو الحقّ عندي؛ لظاهر حديث الباب، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ثابت بن الضّحّاك رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه(٣) . (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٠٩/٩. (٢) ((المفهم)) ٣١٣/١. (٣) فقول ابن الملقّن في ((شرح عمدة الأحكام)) ٩/ ٢٩٣ تبعاً لعبد الحقّ: ((إنه من أفراد مسلم)) غير صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣١٩ (٤٩) - بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٩) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) [٣٠٩/٤٩ و٣١٠ و٣١١] (١١٠)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٦٣)، و((المغازي)) (٤١٧١ و٤٨٤٣)، و((الأدب)) (٦٠٤٧ و٦١٠٥)، و((الأيمان والنذور)) (٦٦٥٢)، و(أبو داود) في ((الأيمان والنذور)) (٣٢٥٧)، و(الترمذيّ) في ((النذور والأيمان)) (١٥٢٧ و١٥٤٣) و((الإيمان)) (٢٦٣٦)، و(النسائيّ) في ((الأيمان والنذور)) (٣٧٩٧ و ٣٧٩٨ و٣٨٤٠)، وفي ((الكبرى)) (٤٨١١ و٤٧١٢ و٤٧٥٥)، و(ابن ماجه) في ((الكفّارات)) (٢٠٩٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٨٥٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣/٤ و٣٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) في ((الديات)) (٢٣٦٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٩ و١٣٠ و١٣١ و١٣٢)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (٢٩٦ و٢٩٧ و٢٩٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣٢٨ و١٣٣٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٥٢٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣/٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): جملة الخصال التي ذكرها المصنّف رحمه الله تعالى في حديث ثابت بن الضحّاك ◌ُتُه هذا ثلاثة أشياء: ١ - ((من حلف على يمين بمّة غير الإسلام كاذباً)). ٢ - ((ومن قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة)). ٣ - ((وليس على رجل نذرٌ في شيء لا يملكه)). وزاد في الرواية التالية: ٤ - ((ولعنُ المؤمن كقتله)). ٥ - ((ومن ادّعى دعوى كاذبة؛ ليتكثّر بها، لم يزده الله إلا قلّة)). ٦ - ((ومن حلف على يمين صبر فاجرة)). وقد جمعها البخاريّ رحمه الله تعالى في سياق واحد، إلا الأخيرين، فذكر بدل الخامس قذف المؤمن بكفر، ولم يذكر السادس، فقال في ((كتاب الأدب)» من «صحیحه)) : (٦٠٤٧) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن ثابت بن الضحاك، وكان من أصحاب الشجرة حدثه، أن رسول الله وَ لغيره، قال: ((من حلف على ملة غير ٣٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الإسلام، فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر، فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا، عذّب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمناً، فهو كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر، فهو كقتله)). قال الحافظ رحمه الله تعالى: مدار هذا الحديث في الكتب الستّة، وغيرها على أبي قلابة، عن ثابت بن الضحّاك، ورواه عن أبي قلابة خالد الحذّاء، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، فأخرجه البخاريّ في ((الجنائز)) من رواية يزيد بن زريع، عن خالد الحذّاء، فاقتصر على خصلتين: الأولى: ((مَن حلف بملة غير الإسلام))، والثانية: ((من قتل نفسه بحديدة))، وأخرجه مسلم من طريق الثوريّ، عن خالد الحذّاء، ومن طريق شعبة، عن أيوب كذلك، وأخرجه مسلم أيضاً من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيى، فذكر خصلة النذر، ولعن المؤمن كقتله، ومن قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة، ولم يذكر الخصلتين الباقيتين، وزاد بدلهما: ((ومن حلف على يمينٍ صبرٍ فاجرة، ومن ادّعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها لم يزده الله إلا قلّة))، فإذا ضُمّ بعض هذه الخصال إلى بعض اجتمع منها سبعة أشياء(١). انتهى كلام الحافظ بتصرّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده(٢): ١ - (منها): بيان تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها من الكبائر التي تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان الوعيد الشديد لمن حلف بملّةٍ سوى الإسلام، كاليهوديّة، والنصرانيّة، وغيرهما مطلقاً، وكذا تعليق الحلف بها، وسيأتي حكم الكفّارة فيها - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه، وإثمه بذلك. (١) وقع في نسخة ((الفتح)): ((تسعة))، والظاهر أنه مصحّف من ((سبعة))، فتأمله. (٢) المراد: الفوائد التي اشتمل عليها حديث الضحاك بن ثابت رظه، لا خصوص سياق المصنّف هنا، بل ما يأتي له، وما أوردته في الشرح أيضاً، فتفطّن.